بسم الله الرحمان الرحيم

 

الصيرفة  الإسلامية بين منطق المداينة و منطق الاستثمار

 

تجربة بنك البركة الجزائري

 

تصورات أولية لمراجعة شاملة لتنظيم وأساليب عمل البنوك الإسلامية

 

 

حيدر ناصر

 

مدير الشؤون القانونية

 

بنك البركة الجزائري

 

 

مقـدمـة :

 

 

إن المتتبع لمسار المصارف الإسلامية منذ ظهورها كممارسة ميدانية و منظمة لعمل مصرفي يسعى للتوافق مع متطلبات الشريعة الإسلامية وضوابطها يلاحظ للوهلة الأولى مدى الصعوبة التي واجهت هذه المؤسسات في التوفيق بين البعدين لما بينهما من اختلاف جوهري في التصورات و المنطلقات و الأهداف .

 

 

فالمصرف كمؤسسة تجارية تهدف إلى المتاجرة في المواد المالية عبر استقطابها من المدخرين سواء كانوا مؤسسات و أفراد وتوظيفها في تمويل احتياجات المتعاملين الاقتصاديين سواء كانوا مؤسسات اقتصادية أو مستهلكين إنما قام تاريخيا و تنظيميا و هيكليا ووظيفيا على فكرة الربا من حيث اعتماده على الاقتراض و إعادة الإقراض بفائدة أساسا لنشاطه و تعاملاته وإن أضاف إلى ذلك بعض الأعمال الفرعية التي يقدمها كخدمات تكميلية لم يكن بوسعه توفيرها لولا الملاءة و السمعة و الكفاءة التي حظي بها نتيجة الموارد المالية الضخمة التي تراكمت لديه بفضل عملية التوسط بين الادخار و الاستثمار و الاستهلاك التي أشرنا إليها أعلاه والتي يعبر عنها المصرفيون بعبارة الوساطة المالية .

 

 

إن التدبر في هذه المسيرة التي مر عليها اليوم ما يربو على أربعين عاما و التمعن فيما عرفته من نجاحات باهرة لا يمكن لمنصف إنكارها و ما عرفته أيضا من إخفاقات لا يمكن لباحث موضوعي إخفاءها  يحدو بنا كممارسين للعمل المصرفي الإسلامي منذ خمسة عشر عاما إلى فتح ملف التقييم و النقد الذاتي و المراجعة الشاملة لايجابيات و سلبيات و نقاط القوة و الضعف و أوجه التوافق و التنافر مع الأسس الفكرية و المقاصد الشرعية التي كانت وراء ظهور هذه المعاملات و كانت سببا لما عرفته من رواج كبير وأثارته من اهتمام واسع تجاوز حدود العالم الإسلامي حضنها الطبيعي ليستقطب اهتمام كبريات المؤسسات المصرفية و المالية في العالم و يحظى شيئا فشيئا بمباركة السلطات السياسية في مختلف الدول بما فيها الغربية منها .

 

 

و لعل هذا الإقبال المتنامي من الدول و المؤسسات المالية الغربية على امتطاء  صهوة الصيرفة  الإسلامية و تسخير خبرتها و قدرتها الفنية و المهنية العالية لتطوير صيغ و ابتكار منتجات تنسجم في منظورهم مع الضوابط الشرعية التي تحكم المعاملات المالية هو مربض الفرس فيما نحن فيه من حاجة لإعادة النظر في التجربة ككل على ضوء ما وضع لها مؤسسوها و منظروها و مدققوها  من أهداف كلية مستمدة من مقاصد شريعتنا الإسلامية الغراء .

 

و بعبارة أخرى هل تدل هذه السهولة و السرعة في تبني المؤسسات المصرفية التقليدية لفكرة العمل المصرفي غير الربوي  و تمكنها من تطوير منتجات مالية متوفرة على الشروط اللازمة لاعتبارها مطابقة لأحكام الشريعة عن صواب و نجاعة  النظرية المصرفية الإسلامية و قدرتها على مواكبة متطلبات الصناعة المالية الحديثة كما يؤكد ذلك المناصرون أم أنها بالعكس دليل على انحراف الصيرفة الإسلامية عمليا وراء التيار المهيمن للصيرفة التقليدية كإطار هيكلي ووظيفي لممارسة المعاملات و حصر البعد الإسلامي لهذه المعاملات في قوالب و ميكانيزمات تستجيب ظاهريا للضوابط المطلوبة شرعا و لكنها تندرج موضوعيا من حيث المنطلق و المآل ضمن دائرة المنظومة المصرفية التقليدية حسبما يرى ذلك المعارضون المنتقدون. سنحاول في هذه الورقة معالجة هذه الإشكالية مع الاستشهاد  بتجربة بنك البركة الجزائري كحالة ميدانية نستنشف من خلالها عناصر الإجابة على هذه التساؤلات و نستشرف عبر الواقع الذي تجسده آفاقا جديدة يمكن من خلالها ترسيخ التجربة و تأصيلها و تقويمها و تصحيحها عند الاقتضاء .

 

 

1 ـ مسيرة البحث عن بديل للصيرفة الربوية :

 

 

أ ـ ما هو البنك و ما هي وظائفه:

 

 

يتفق المؤرخون الاقتصاديون على أن ظهور و تطور المصارف كمؤسسات مالية منظمة و مهيكلة تقوم بأعمال الوساطة المالية في شكلها الحديث مرتبط بنشوء الرأسمالية خلال القرن السادس عشر. فمن مجرد وسطاء يتلقون الودائع النقدية من أصحابها على سبيل الأمانة مقابل عمولة يتقاضونها تحول هؤلاء الصيارفة إلى وكلاء عن أصحاب هذه الودائع  يؤدون ما عليهم من ديون بتنفيذ أوامر دفع صادرة عنهم لفائدة دائنيهم  ثم تطور دورهم شيئا فشيئا إلى استعمال الموارد النقدية المتجمعة لديهم في عمليات إقراض في حدود ما لديهم من ودائع ثم تعدوا ذلك إلى أضعاف ذلك بناء على ما يسمى بالتحويل المصرفي أي القدرة على خلق الإئتمان أو خلق النقود الكتابية. و تضاعفت هذه القدرة الإئتمانية بما اكتسبته هذه المؤسسات البنكية من سمعة و ثقة بملاءتها  مما أهلها لضمان تسديد التزامات عملائها الآجلة دون حاجة إلى دفع.

 

و عادة ما تصنف وظائف البنوك إلى ثلاثة عمليات رئيسية :

 

 

ـ  تلقى الودائع من الجمهور

 

ـ منح الإئتمان النقدي أو عن طريق الضمان و الكفالة

 

ـ تسيير وسائل الدفع

 

 

ويضاف إلى هذه الأعمال تقديم خدمات أخرى مثل:

 

 

ـ عمليات الصرف

 

ـ العمليات على الذهب و المعادن الثمينة

 

ـ اكتتاب و بيع و شراء و حفظ و توظيف القيم المنقولة

 

ـ تسيير الثروة و تقديم النصح و المشورة بشأنها

 

ـ الهندسة المالية و تقديم الإستشارات الإقتصادية

 

ـ تسيير الصناديق الاستثمارية(1)

 

 

فالعمليات المصرفية الأساسية حينئذ تقوم على مبدأ استقطاب الودائع المالية من الجمهور و استعمالها في منح ائتمانات  وذلك باقتراض الأولى من أصحابها سواء مقابل فائدة (الودائع لأجل أو الإدخارية ) أو مجانا ( الودائع الجارية ) و إقراضها للمحتاجين لموارد مالية بفائدة و يكون الفارق بين الفوائد المدفوعة للبنوك و تلك المدفوعة من قبلها للمودعين هو الهامش الخام الذي تحققه هذه المؤسسات من هذه الأعمال .

 

 

و قد طرح هذا الترابط و التلازم بين العمل المصرفي ومفهوم الربا اللصيق بعمليات الاقتراض و الإقراض بفائدة إشكالا دينيا كبيرا ليس فقط في العالم الإسلامي بل حتى في العالم الغربي نفسه في بداية الأمر من حيث تعارضه مع القيم الدينية المسيحية و هو ما يفسر هيمنة أتباع الديانة اليهودية على هذا النشاط . فاليهود عموما يستحلون أكل الربا من الأمم الأخرى من قبيل ما نعتهم به الله  عز و جل في كتابه العزيز " وقالوا ليس لنا في الأميين من سبيل " ثم أدى تطور الرأسمالية في الغرب وما تبع ذلك من تزايد الاحتياجات التمويلية للاقتصاد إلى تقبل السلطات الكنسية شيئا فشيئا للأعمال المصرفية و لاسيما علىضوء ضعف التأثير السياسي للكنيسة .

 

 

و لما انتقلت الصيرفة الحديثة إلى العالم الإسلامي من ضمن ما واكب هيمنة الغرب على العالم من نظم و مؤسسات برز الإشكال الديني بصورة أكثر حدة منه في العالم الغربي بالنظر إلى التحريم الصريح و المغلظ الذي أضفاه القرآن الكريم و السنة المطهرة و إجماع علماء الأمة على تحريم الربا بمختلف صوره و أشكاله .

 

 

و لعل ما أثر عن الشيخ محمد عبده وتلميذه محمد رشيد رضا من قول يوحي ظاهرة جواز المضاربة بصحة مقطوعة (أي غير شائعة ) من الربح   يعبر عن واقع ما أثارته هذه المعاملات في بداية دخولها إلى دار الإسلام من بلبلة و حيرة في أوساط المسلمين عامتهم و علمائهم(2).

 

 

و قد سار عل هذا النهج المتمثل في محاولة إيجاد مخارج شرعية مقبولة للمعاملات المصرفية  الحديثة عدد من علماء الأزهر الشريف إما حرصا منهم على إثبات عدم تعارض الشريعة الإسلامية مع متطلبات التنمية الإقتصادية و احتياجات المجتمع  الحديث أو أحيانا استجابة لضغط بعض الحكومات الإسلامية  نذكر منها على سبيل المثال , الفتاوى الصادرة عن فضيلة الشيخ عبد الوهاب خلاف وفضيلة الشيخ محمد شلتوت و غيرهم من الذين درجوا على التفريق بين الربا المتفق على حرمته و هو ربا النسيئة أو ربا الديون و بعض أوجه الربا التي رويت فيها أقوال عن بعض السلف بجوازه و كانت محل نقاش فقهي بين العلماء. و من ضمن هذه المسائل الخلافية كما  ذكر هؤلاء العلماء قياس العائد على حسابات التوفير المصرفية بحصة رب المال في عقد المضاربة(3).

 

 

إلا أن هذه المحاولات التوفيقية لم تتمكن من إنهاء الحرج الشرعي الذي أفرزته التعاملات البنكية التقليدية في الأوساط الشرعية و لدى جمهور المسلمين عموما . بل أن التوجه العام لدى المؤسسات الدينية في العالم الإسلامي هو اعتبار التعامل بالفائدة مع البنوك سواء بالأخذ أو العطاء ربا محرما شرعا و كان الأمر كذلك حتى على مستوى الأزهر ذاته حيث قرر مجمع البحوث الإسلامية في مؤتمره السنوي الثاني المنعقد بالقاهرة عام 1965 أن " الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم لا فرق في ذلك بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي و ما يسمى بالقرض الإنتاجي لأن نصوص الكتاب و السنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين "(4) و استقرت الفتوى على ذلك لدى المجامع الفقهية الإسلامية و على رأسها مجمع الفقه الإسلامي الذي أنشأته منظمة المؤتمر الإسلامي حيث أصبحت الأقوال المبيحة للفائدة المصرفية في شكلها التقليدي شاذة  و معزولة(5).

 

 

و قد كانت هذه القناعة الفقهية العامة بحرمة التعامل بالقروض البنكية التقليدية وراء ظهور فكرة إنشاء مؤسسات مصرفية إسلامية تقدم بديلا عصريا مقبولا من الناحية الشرعية لهذه المعاملات المحرمة .

 

 

ب ـ البديل المصرفي الإسلامي للصيرفة  التقليدية :

 

 

يذكر مؤرخو الاقتصاد الإسلامي أن أول تجربة منظمة لعمل مصرفي مهيكل ظهرت في ريف مصر سنة 1963 في شكل بنوك ادخار زراعية و التي لم يكتب لها الاستمرار بسبب النقص في التجربة و الضعف في التأطير و مشاكل تسيير التمويل الزراعي في تلك الفترة . إلا أن التجربة كانت مؤذنا بإمكانية تطوير بديل شرعي للمعاملات المصرفية يقوم على أساس غير ربوي .

 

 

وتتابعت المحاولات تلو تلك التجربة الرائدة حيث تأسس في مصر بنك ناصر الاجتماعي (1971) ثم بنك دبي الإسلامي (1975) ثم البنك الإسلامي للتنمية بقرار من مجلس وزراء مالية الدول الإسلامية في ذات العام. و توالت إثرئذ  المصارف الإسلامية في الظهور إلى أن بلغ عددها اليوم حسب بعض المصادر أكثر من 350 مؤسسة مابين بنوك و مؤسسات استثمارية تسير أصولا بلغ إجماليها     300مليار دولار و تتوزع على أكثر من 75 دولة و تسجل نموا سنويا بنسبة 15 بالمائة(6) .

 

 

و قد اعتمدت هذه المؤسسات على نفس قواعد العمل المصرفي الحديث من حيث نظم وآليات العمل و طبيعة الخدمات و المنتجات المقدمة مع الحرص على إرساء عمليات الوساطة المالية على أسس غير ربوية من حيث استبدال عقد القرض بفائدة المحرم بعقود شرعية وفق تطبيقات مرنة وعبر مجموعة من الصيغ يمكن تلخيصها فيما يلي :

 

 

أولا: فيما يتعلق بجمع الموارد المالية من المدخرين :

 

 

يتم استقطاب المدخرات في البنوك الإسلامية عبر حسابات تربطها بأصحابها نوعين من العقود:

 

 

ـ عقد القرض بالنسبة للحسابات الجارية و التي لا تدر أي عائد على أصحابها و بالمقابل فهي مضمونة الدفع أي أنها تحت ضمان البنك .

 

ـ عقد مضاربة بالنسبة للحسابات الآجلة و حسابات التوفير و التي تشارك في نتائج عمليات التمويل و الاستثمار مقابل قبول أصحابها من حيث المبدأ احتمال الخسارة إن حدثت و تسمى هذه الحسابات بحسابات الاستثمار و تنقسم إلى نوعين : حسابات الاستثمار المشترك أو غير المخصص و التي يفوض أصحابها البنك لتوظيفها في تمويل الاقتصاد مقابل حصة من الأرباح و حسابات الاستثمار المخصص و هي التي تنص عقودها على المشاريع التي يرغب أصحابها أن يستثمر البنك أرصدتهم فيها .

 

ثانيا : فيما يتعلق بعمليات التمويل أو الائتمان :

 

 

يقوم البنك الإسلامي بتمويل النشاط الاقتصادي في جانبي العرض (المؤسسات) أو الطلب (المستهلكون أو الأفراد) عبر أسلوبين :

 

 

ـ البيوع الآجلة بمختلف صيغها من مرابحة و سلم و إستصناع و إيجار و مشتقاتها المتنوعة .

 

ـ المشاركات بصورها المتعددة من مضاربة و شركة و مزارعة و مساقاة و مغارسة و غيرها .

 

 

و قد كان تطوير هذه الصيغ مستمدا من صيغ المعاملات المالية التي أقرتها الشريعة الإسلامية على اختلاف بين المذاهب الفقهية حول شروطها و صورها المتعددة حسب اختلاف الأزمنة و الأمكنة و الظروف و الأحوال . و لعل القاعدة الفقهية الجامعة التي يصح اعتبارها المعيار الشامل لمختلف هذه الصيغ و التطبيقات الميدانية لها هي قاعدة الخراج بالضمان و التي مفادها إجمالا أن رأس المال لا حق له في   الربح إلا مقابل تحمل جميع تبعات و مخاطر الاستثمار و بالتالي فإن ضمانه لصاحبه كما هو الحال في عقد القرض يجعل الربح الناتج عنه مستحقا للضامن بالكامل . فالريع يقابله تنازل عن ضمان الأصل و ضمان الأصل  يقابله تنازل عن الريع .

 

 

و هذا المبدأ بدوره نتاج لنظرة الشريعة الإسلامية للنقود .فالإسلام لا يعترف للنقود سواء كانت معادن ثمينة أو نقودا ائتمانية مغطاة أم لا بالمعادن الثمينة إلا بوظائفها التقليدية الثلاث :

 

 

ـ أداة للتبادل

 

ـ مقياس للقيمة

 

ـ مخزن للقيمة

 

 

فالنقود كما يعبر على ذلك الاقتصاديون هي مكافئ عام لجميع السلع من حيث أنها أي النقود تمكن الأفراد من الحصول على ما يحتاجون إليه منها دون حاجة إلى مقايضة بعضها ببعض كما كان الأمر قبل ظهورها . فقيمه السلع الموجودة في السوق تتحدد بكمية من النقود يتم التبادل على أساسها كما أن الحائز على تلك الكمية من النقود يملك القدرة على الحصول على ما يقابلها من سلع في أي وقت شاء

 

 

و لعله من المفيد أن أستحضر هاهنا ما أورده الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين من تلخيص تحليلي علمي دقيق و نفيس جدا لوظائف  النقود من منظور إسلامي إذ يقول : " من نعم الله تعالى خلق  الدراهم و الدنانير و بهما قوام الدنيا و هما حجران لا منفعة ف يأعيانهما و لكن يضطر الخلق إليهما من حيث كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه و ملبسه و سائر حاجته و قد يعجز عما يحتاج إليه و يملك ما يستغنى عنه كمن يملك الزعفران مثلا و هو يحتاج إلى جمل يركبه و من يملك الجمل ربما يستغنى عنه و يحتاج إلى الزعفران فلا بد بينهما من معاوضة و لا بد من مقدار العوض من تقدير إذ لا يبذل صاحب الجمل جمله بكل مقدار من الزعفران و لا مناسبة بين الزعفران و الجمل حتى يقال يعطى مثله  في الوزن أو الصورة و كذا من يشتري دارا بثياب أو بخف أو دقيقا بحمار فهذه أشياء لا تناسب فيها فلا يدري أن الجمل كم يسوى بالزعفران فتتعذر المعاملات جدا فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط بينها يحكم فيها بحكم عدل فيعرف من كل واحد رتبته و منزلته حتى إذا تقررت المنازل و ترتبت الرتب و علم بذلك المساوي  من غيرالمساوي فخلق الله تعالى الدنانير و الدراهم حاكمين و متوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأموال بهما فيقال هذا الجمل يساوي مائة دينار و هذا القدر من الزعفران يساوي مائة فهما من حيث أنهما متساويان بشيء واحد إذن متساويان . فإذن من كنزهما فقد ظلمهما و أبطل الحكمة فيها و كان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم بسببه لأنه إذا كنز فقد ضيع الحكم و لا يحصل الغرض المقصود به وما خلقت الدراهم و الدنانير لزيد خاصة أو عمرو خاصة إذ لا أغراض للآحاد  في أعيانها فإنهما حجران و إنما خلقتا لتتداولهما  الأيدي فيكونا حاكمين بين الناس و علاقة معرفة للمقادير مقومة للمراتب "(7) .

 

 

و قد سار شيخ الإسلام ابن تيمية على نفس المنوال حيث ذكر في فتاويه :" الدراهم و الدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة للتعامل بها و لهذا كانت أثمانا "(8) وكذا تلميدة ابن القيم في أعلام الموقعين حيث ذكر: "و حاجة الناس إلى ثمن يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية عامة و ذلك لا يمكن إلا بسعر تعرف به القيمة و ذلك لا يكون إلا بثمن تقوم به الأشياء و يستمر على حالة واحدة و لا يقوم هو بغيره إذ يصير سلعة يرتفع و ينخفض فتفسد معاملات الناس و يقع الخلاف و يشتد الضرر كما رأيت في فساد معاملاتهم حين اتخذت الفلوس سلعة تعد للربح فعم الضرر و حصل الظلم و لو جعلت ثمنا واحدا لا يزداد و لا ينقص بل تقوم به الأشياء و لا تقوم هي بغيرها صلح  أمر الناس....فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل يقصد التوصل بها إلى السلع فإذا صارت في أنفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس و هذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات(9).

 

 

إن هذا التصور الكلي لدور رأس المال النقدي في الإسلام يسمح بصياغة نظرية عامة قائمة على الربط الوثيق بين الاقتصاد النقدي و الاقتصاد الحقيقي و عدم الفصل بينهما يمكن اعتباره إجمالا الأساس النظري الذي تقوم عليه الصيرفة الإسلامية ؛ خلافا لما يشهده الاقتصاد المعاصر منذ بداية الثلاثينات من القرن الماضي و بلغ ذروته مع ظاهرة العولمة في التسعينات منه من انفصام بين الدائرتين و استقلال أسواق المال عن أسواق السلع و الخدمات العينية و تطور التعامل في الأدوات المالية و مشتقاتها بمعزل عن خلفيتها الاقتصادية الحقيقية .

 

 

و لعل ما عرفته الاقتصاديات الغربية من انهيارات و أزمات في أسواقها المالية منذ أزمة وول ستريت الأولى سنة 1929 مرورا بأزمة وول ستريت الثانية سنة 1987  ثم أزمة الأسواق المالية الأسيوية سنة     1997 فأزمة الرهون العقارية الأخيرة   لشواهد على ما قد يترتب عن الانفصام المشار إليه أعلاه بين الاقتصاد الحقيقي و الاقتصاد المالي من نتائج وخيمة على التوازن الاقتصادي الكلي تزداد خطورتها كلما ازداد الشرخ اتساعا بين الدائرتين .

 

 

و لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل وفقت المصارف الإسلامية كلية في تجسيد هذا المبدأ الركن للمعاملات المالية علي أرض الواقع ؟ ذلك ما سنحاول الإجابة عنه في الجزء الثاني من هذه الورقة .

 

 

2 ـ مدى ملائمة المؤسسة البنكية كإطار لممارسة المعاملات المالية الإسلامية :

 

 

إن الممارس الميداني للعمل المصرفي الإسلامي ممن يملك شيئا من الثقافة الشرعية ليلمس مدى الصعوبة التي واجهت المؤسسات المصرفية الإسلامية في التوفيق بين متطلبات العمليات البنكية التنظيمية و التجارية و القانونية و الضوابط الشرعية التي يجب على هذه المؤسسات التقيد بها في مزاولة  هذه الأعمال حتى لا تقع في المحظور .

 

 

و لقد حاولت هذه المؤسسات في بداية أمرها ترجمة المبادئ الأساسية التي قامت عليها عبر التركيز على صيغ التمويل بالمشاركة دون غيرها. ولكنها سرعان ما انكفأت عن هذا التوجه لتضافر جملة من العوامل الموضوعية و الذاتية أيضا في بعض الأحيان و استبدلت هذه الصيغ بأساليب التمويل القائمة على المداينة

أ ـ مظاهر هيمنة منطق المداينة على منطق الاستثمار المباشر في البنوك الإسلامية :

 

 

يمكن تلخيص أهم مظاهر طغيان منطق المداينة على منطق الاستثمار المباشر في المؤِشرات التالية :

 

 

 

أولا من حيث هيكلة التمويلات :

 

 

إذ تبين البيانات المالية المجمعة لمجموعة البركة المصرفية مثلا أن نسبة التمويلات الممنوحة عبر مختلف صيغ البيوع المؤجلة تصل إلى نسبة 80 بالمائة كما يتبين من الجدول الآتي(10) :

 

 

 

 

و يتجلى مثل هذا التوجه لدى بنك البركة الجزائري من خلال تحليل التطور التالي لأرصدة التمويل المختلفة حيث نلاحظ بوضوح التناقص التدريجي لنسبة التمويل بالمشاركة ابتداء من سنة 1995 إلي اندثارها سنة 2000(11):

 

 

 

%

اجمالي التمويلات

المشاركات

السنة

25.27%

282 624 227

71 413 562

1992

10.36%

635 778 996

65 849 370

1993

33.54%

1 946 765 043

652 983 920

1994

5.03%

1 911 616 224

96 169 952

1995

8.45%

2 830 286 980

239 180 085

1996

2.19%

5 331 154 337

116 747 290

1997

1.20%

7 468 520 427

89 503 169

1998

0.78%

8 132 709 551

63 623 601

1999

0.02%

8 520 613 560

1 339 226

2000

 

 

ثانيا: من حيث منهجية التمويل :

 

 

فالمقاربة التي يعتمد عليها بنك البركة الجزائري و لا أخال باقي البنوك الإسلامية و على الأقل تلك المنتمية لمجموعة البركة تشذ عن ذلك في عمليات المشاركة التي قام بها و من باب أولى في التمويل بالمداينة مقاربة ائتمانية تقليدية ترتكز إلى تقييم المركز المالي للعميل  عبر تدفقاته النقدية بصفته مدينا لتحديد قدرته على التسديد.  فلا يوجد فرق من حيث تقدير المخاطرة بين المقاربة المصرفية الإسلامية و المقاربة المصرفية التقليدية. و الفارق في عمليات المشاركة يكاد ينحصر في طريقة تحديد هامش الربح المصرفي بناء على حصة شائعة في الربح يتم النص على نسبتها مسبقا في العقد الذي ينص أيضا من حيث المبدأ على تقاسم مخاطر العملية أو المشروع بين البنك و صاحب المؤسسة إلا أن العقد يتضمن بنودا تحد من مخاطرة البنك عبر توسيع مفهوم التعدي و التقصير الموجب للتضمين حيث تضع على عاتق العميل مسؤولية أية نتائج سلبية تنجم عن أي إهمال أو سوء تسيير أو خطأ في التقدير أو إخلال بقواعد العمل المتعارف عليها أو بالأنظمة  و القوانين باعتبارها أوجها من أوجه التقصير أو التعدي التي توجب الضمان. و في هذه الحالة يحق للبنك بموجب العقد مطالبة العميل بتسديد رأس المال و الربح المتوقع من العملية أو المشروع حسب حساب الاستغلال التقديري الذي قدمة العميل ضمن ملف التمويل . و بعبارة أخرى فإنه على العميل إثبات عدم التقصير أو التعدي و ليس على البنك إثبات عكس ذلك. كما جرى العمل أيضا على ألزام العميل المشارك بتخصيص تأمينات عينية (رهون) لمواجهة حالات التعدي أو التقصير المشاربمفهومها الواسع المشار أليه أعلاه.

 

 

أما بالنسبة لعقود التمويل بالمداينة فالمقاربة الائتمانية التقليدية أبرز و أوضح حيث أن الجانب التمويلي في العملية يطغى على البعد التجاري المتعلق بالبيع فالعلاقة بين البنك و عميله يغلب عليها صفة الدائن و المدين و تكاد تختفي منها صفتا البائع و المشتري سواء في ذهن عامل البنك أو عميل هذا الأخير على حد السواء . فإذا أضفنا إلى ذلك العمل بمبدأ القبض الحكمي و تعامل البنك مع المورد بالمستندات دون أن تربطهما علاقة مباشرة كبائع و مشتري يكاد دور البنك في هذه البيوع ينحصر في التمويل عمليا و إن كانت العقود مستوفية لشروط الصحة و النفاذ المطلوبة شرعا مما لا يقدح في مشروعيتها من وجهة نظر فقهية نصية بحتة . و بالإمكان سحب الظاهرة على بقية البيوع من استصناع أو إجارة.

 

 

ثالثا: من حيث استخدام معدل الفائدة كمؤشر لحساب هامش الربح :

 

 

اعتادت البنوك الإسلامية الاستدلال بمعدل الفائدة الربوية السائد في السوق لحساب هامش الربح المستحق لها في عمليات التمويل القائمة على أساس المداينة في البيوع وحتى في بعض عمليات المشاركة أو المضاربة قصيرة الآجل . و غالبا ما يكون العائد المصرفي المحدد بهذا الأسلوب مماثلا لمعدل الفائدة التي تتقاضاها البنوك التقليدية . ولئن كانت البنوك الإسلامية تستند في ذلك إلى فتاوى هيئات الرقابة الشرعية  التي لم تر مانعا من الاستئناس بمعدلات الفائدة لتحديد هوامش الربح بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حيث سمحت في عقود الإجارة بتغيير قسط الإيجار وفق مؤشر يمكن أن يكون سعر الفائدة السائد في السوق مثل الليبور أو الكيبور و هذا بالنسبة للفترات المستقبلية(12) .

 

 

إن هذه التبعية  للمفاهيم وأنماط العمل التقليدية المستندة إلى نظام الفائدة الربوية حملت بعض المهتمين بالصيرفة الإسلامية إلى البحث عن مؤشر بديل لمعدل الفائدة  مما يعبر عن شعور متنام لدى العاملين و الباحثين في ميدان العمل المصرفي الإسلامي بوطأة هيمنة المنطق الائتماني التقليدي و مدى الحاجة إلى البحث عن أدوات جديدة تكون أكثر انسجاما مع منطلقات وخصائص المعاملات المالية الإسلامية(13)

 

 

رابعا: من حيث تطوير بعض البنوك الإسلامية لصيغة التورق المصرفي:

 

 

و هي طريقة للتعامل تهدف إلى تمكين المحتاجين إلى السيولة النقدية من الحصول عليها دون حاجة للدخول في عقود تجارية حقيقية . فإذا كان التورق الذي أقره جمهور الفقهاء يعتمد على بيع الرجل سلعة للمتورق نسيئة بثمن مؤجل ثم يقوم المتورق  ببيعها نقدا لغير بائعها الأول بثمن أقل ليحصل على السيولة التي و هو في حاجة إليها, و هي المسألة التي لم يجزها بعض الفقهاء و منهم شيخ الإسلام ابن تيمية لما يكتنفها من شبهة الربا من حيث مآلها , فإن التورق المصرفي المعمول به  لدى العديد من المصارف الأسلامية قد أفرغ العملية من مضمونها المرتبط بالبيع الحقيقي لتتحول إلى معاملة تغلب عليها الصورية من حيث قيام العميل بعد شراء السلعة من البنك بالآجل (من الأسواق الدولية  غالبا ) بتوكيل هذا الأخير بقبضها نيابة عنه و بيعها نقدا لطرف ثالث ليتسلم في ذات اليوم مبلغ السيولة الذي يحتاجه و الذي يفترض أن يكون ثمن بيع السلعة  من قبل البنك ليبقى مدينا له بالثمن المؤجل . فالمسألة لا تعدو توقيع العميل على مجموعة من الأوراق و العقود تبدو صحيحة من حيث صياغتها و استيفائها للشروط الشرعية إلا أنها خالية في الغالب من أي مضمون حقيقي.(14)

 

 

و خلاصة القول أن الكثير من التطبيقات المصرفية التي طورتها البنوك الإسلامية على ما تضمنته من جهد مشكور للتقيد بالضوابط الشرعية المتعلقة بالعقود المتعامل وفقها و حصول معظمها على مصادقة هيئات الرقابة الشرعية لهذه البنوك إلا أنها تبقى بعيدة عن الوفاء بالغرض الكلى منها بمقياس المقاصد العامة للشريعة الإسلامية و بمنظور مبادئ الاقتصاد الإسلامي.  وقد لخص الشيخ صالح الحصين هذا الإحساس بشيء من القسوة قد يكون مبالغا فيها و لكنها قسوة الحبيب على  حبيبه الذي قصر دون بلوغ ما أمله منه حين عبر  عن ذلك في بحث قدمه في إحدى ندوات الاقتصاد الإسلامي التي تنظمها مجموعة البركة بقوله " معنى ما تقدم أن آلية العمل في المصارف الإسلامية في منح التسهيلات لا تختلف عن آلية العمل في المصارف الربوية في الجوهر و لا في الآثار الاقتصادية لاستخدام الموارد وإنما تختلف في الشكل و الصورة و بما أنها تتم في المصارف الإسلامية بصورة تشهد لها الهيئات الشرعية بأنها مباحة فأثرها الهام طمأننية الضمير الخلقي للمسلم بعدم ارتكابه للربا في سبيل حصوله على التسهيلات "(15)

 

 

 

ب ـ عوامل هيمنه منطق المداينة على منطق الاستثمار في البنوك الإسلامية:

 

 

يمكن تلخيص هذه العوامل في الأسباب التالية :

 

 

أولا: الخلفية المصرفية التقليدية للعديد من مسيري و كوادر البنوك الإسلامية:

 

 

يذكر لهذه الكوادر أنهم وضعوا تجربتهم و خبرتهم و كفاءتهم يحدهم في ذلك بالنسبة لمعظمهم وازع ديني و رغبة حميدة في المساهمة في تطوير مسيرة البنوك الإسلامية . إلا أن هذه الإطارات لم تتمكن بالرغم من كل ذلك من التحرر من رواسب العمل المصرفي التقليدي ، إذ لم يتمكنوا من تطوير آليات جديدة أكثر توافقا مع مقاصد الشريعة الإسلامية و خصوصياتها و أكثر ما تمكنوا من تقديمه هو تكييف هذه الآليات لتتماشى مع متطلبات القواعد الشرعية الظاهرية دون أن يتمكنوا من الوفاء بمقتضيات المقاصد الكلية . يضاف إلى ذالك ضعف إلمام معظم عمال هذه البنوك بالأحكام الشرعية للمعاملات و افتقادهم لحد أدنى من الثقافة الفقهية حيث تسود ذهنية كون هذه القضايا من اختصاص هيئة الرقابة الشرعية أو التدقيق الشرعي الداخلي أن وجدت في حين أن القضية يجب أن تكون محل اهتمام الجميع ولا ستقيم إلا بذلك. و أخيرا يِؤخذ على القائمين على هذه المؤسسات وأنا منهم ضعف روح الابتكار و التجديد لديهم وان وجدت فإنها تصب في منحى تطوير منتجات جديدة مستقاة من الممارسات المصرفية التقليدية تحذو حذوها في قوالب إسلامية هي منها بمثابة ورقة التوت من سيدنا آدم عليه السلام.   

 

 

ثانيا: أشكالية الشفافية المحاسبية و الضريبية و الممارسات غير النزيهة:

 

 

أن هذا العامل ربمايكون من أكثر المبررات التي يسوقها القائمون على المصارف الإسلامية لعزوفهم التدريجي عن أساليب التمويل بالمشاركة و هم معذورون ألى حد كبير فيما يقولون. فهيمنة الممارسات الاقتصادية الموازية و استفحال ظاهرة التهرب الضريبي و ما يتبع ذلك من عدم مصداقية الحسابات لا يشجع بالفعل البنوك الإسلامية من الإقبال على هذه الصيغ اللهم تلك الموجهة لتمويل رأس المال العامل بموجب عقود محدودة الزمان و المجال وقصيرة المدى.فعمليات المشاركة بمفهومها الاستثماري لا تنسجم و لا تستطيع أن تنمو في وسط اٌقتصادي معتم و غير شفاف. كما أن ضعف الأمانة و الوازع الحلقي لدى بعض المتعاملين الاقتصاديين أدى إلى منازعاتمكلفة و مرهقة عانى منها كثيرا بنك البركة الجزائري بصدد بعض هذه العمليات جعلت ادارة البنك تطلق المشاركة من حينها طلاقا بائنا.

 

 

ثالثا: عدم مراعاة العديد من السلطات النقدية و البنوك المركزية و الجهات الضريبية لخصوصيات  الصيرفة الإسلامية:

 

 

 بحيث بقيت الكثير من البنوك الإسلامية تخضع لنفس القوانين و الأنظمة التي تسير البنوك التقليدية و التي لا تتماشى بل تصادم أحيانا مبادئ الصيرفة الإسلامية إن لم يكن على المستوى الجزئي فعل المستوى الكلي من حيث إدراج صيغ جمع الإدخار و عقود التمويل ضمن العمليات البنكية العادية في المعالجة المحاسبية و القواعد الاحترازية و النظم الضريبية و التكييفات القانونية .

 

 

رابعا: غياب التصور الاقتصادي الإسلامي على مستوى الاقتصاد الكلي:

 

 

فامفاهيم و التصورات لدى معظم المؤسسات الإدارية أو الاقتصادية أو الأفراد متأثرة الى حد كبير بالمفاهيم الاقتصادية الغربية وتسلم بها كأمر واقع  لا مناص منه مما حصر التعاملات الاقتصادية الإسلامية في الدائرة الجزئية الفردية الضيقة و ترتب على ذلك عدم قدرة الحلول الجزئية التي طورتها البنوك الإسلامية على تحقيق للأهداف الكلية و المقاصد الجوهرية التي ينادي بها الإسلام .

 

 

ج ـ آفاق تقويم و تصحيح مسار البنوك الإسلامية:

 

 

إن المآخذ التي ذكرت أعلاه لا يجب النظر إليها على أنها أحكام نهائية لفشل التجربة و نهاية المطاف بل هي نداء لمراجعة الذات ومحاسبة النفس و لتفكير منهجي علمي أصيل لتصحيح المسار بما يمكن من  تدارك الموقف و الحيلولة دون تقوقع البنوك الإسلامية في قوالب ظاهرية جامدة لا تعبر بحال عن حقيقة الشريعة الإسلامية و جوهرها .

 

 

و ينبغي أن يتجه هذا التفكير نحو بعث جديد للمفاهيم الأساسية للاقتصاد الإسلامي في مجال خلق الثروة و تداولها و تراكمها و توزيعها بما يحقق تنمية حقيقية و عدالة اجتماعية و تشغيلا كاملا و تقدما علميا و تكنولوجيا لمجتمعاتنا الإسلامية .

 

 

فالمطلوب تقديم بديل حقيقي و ليس صوري فقط للنظام الاقتصادي العالمي المكرس لهيمنة الأغنياء على الفقراء و طغيان روح المقامرة الرأسمالية على المغامرة الاستثمارية و الطلاق  البائن بين دائرة الاقتصاد الحقيقي و دائرة الاقتصاد النقدي .

 

 

ولكل ذلك فإننا نرى  و الله أعلم أن المؤسسة البنكية ليست الإطار الملائم لمزاولة أساليب الاستثمار الإسلامي مع بقائها ضرورية من جهة  الخدمات التي تقدمها للمتعاملين في مجال وسائل  الدفع و الوساطة في عمليات التصدير والاستيراد و توزيع بعض المنتجات المالية المباحة .

 

 

فبالإمكان بناء هيكلة جديدة و صياغة آليات مستحدثة للتكفل بالعمليات الاستثمارية الإسلامية عبر:

 

 

ـ مؤسسات متخصصة تنظم في مجموعة تديرها عموديا شركة قابضة بحيث تتكون المجموعة من مؤسسة مصرفية ينحصر نشاطها في جمع  الموارد المالية و تسيير و سائل الدفع و عمليات التجارة الخارجية و بعض الخدمات الأخرى الملحقة و تقوم هذه المؤسسة المصرفية بتوظيف المدخرات المجمعة في صناديق استثمارية متخصصة تديرها.

 

ـ شركات متخصصة في البيوع الآجلة بالمرابحة أو السلم في مختلف السلع و المواد الإنتاجية منها و الاستهلاكية .

 

ـ شركات متخصصة في عمليات الإجارة التمليكية  أو التشغيلية .

 

ـ شركات متخصصة في المضاربة و المشاركة

 

ـ شركات مقاولات تعمل وفق عقود الإستصناع  و الاستصناع الموازي

 

يتم تمويل هذه الشركات عبر الصناديق الاستثمارية المشار إليها أعلاه .

 

 

لاشك أن هذه التركيبة المقترحة تحتاج إلى مزيد من الدراسة و التمحيص و المحاكاة الميدانية للتأكد من قدرتها على التموقع  في المحيط الاقتصادي و التكيف مع الواقع القانوني و المؤسساتي القائم.  ولكنني بحكم خبرتي في العمل المصرفي الإسلامي و معايشتي للصعوبات و التحديات التي تمكنت هذه التجربة الفتية من تخطيها و صمودها أمام حملات التشكيك و التشهير  و المحاصرة التي تعرضت لها متيقن أنها قادرة على استيعاب متطلبات الإصلاح و التقويم  المرجو لتنطلق  من جديد نحو آفاق أرحب و أرحم و أقوم .

 

 

" إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت ما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب "

 

 

قائمة المراجع:

 

 

1-   الأمر رقم 03-11 المؤرخ في 26/08/2003 المتعلق بالنقد والقرض- الجريدة الرسمية للجمهورية الجزائرية الديموقراطية الشعبية - العدد 52 – المواد من 66 الى  75- ص:11

 

2-    تفسير المنار – الشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا دار المعرفة – بيروت –لبنان الطبعة الثانية ص 116 .

 

3-   موقف الشريعة من المصارف الإسلامية المعاصرة- الدكتور عبد الله عبد الرحيم العبادي – منشورات المكتبة العصرية – صيدا- بيروت – ص 131 .

 

4-   نفس المصدر ص 155 .

 

5-   المصارف الإسلامية بين النظرية و التطبيق – الدكتور عبد الرزاق رحيم جدي الهيتي  - دار اسامة – الأردن – عمان الطبعة الأولى – 1988 – ص 151 .

 

 6- Mohamed el korchi «  la finance islamique en marche » in finance et             developpement –decembre 2005.

 

7- أبو حامد الغزالي- إحياء علوم الدين – دار القلم –بيروت الطبعة الأولى – ج4/ص86

 

8- النقود والنظام النقدي الدولي بين الإقتصاد المعاصر والإقتصاد الدولي دكتور عمر كامل – دلة البركة- الطبعة الأولى- 1999 .

 

9- نفس المصدر ص 34 .

 

10-التقدير السنوي لمجموعة البركة المصرفية 2006 .

 

11-التقارير السنوية لبنك البركة الجزائري .

 

12-انظر الدليل الشرعي للإجارة – سلسلة الأدلة الشرعية للعمل المصرفي الإسلامي – اعداد عز الدين محمد خوجة – مراجعة دكتور عبد الستار ابو غدة – الطبعة الأولى 1998 – ص 107 .

 

    13-انظر البحث القيم للدكتور حسين شحاته " ايجاد مؤشر اسلامي للتعامل الآجل بديلا عن                                               مؤشر سعر الفائدة" –حولية البركة العدد الرابع –نوفمبر 2002-ص 189.

 

14-انظر بحثي التورق لكل من الدكتور الصديق الفرير و الشيخ المختار السلامي- نفس المصدر- ص 177 و 203 .

 

15-بحث المصارف الإسلامية ما لها و ما عليها- الشيخ صالح الهيتي-  نفس المصدر – ص 27 .

 

 

 

 

 

Télécharger l'article