السياسات المدعومة كإطار مرجعي لإصلاح الجهاز المصرفي في الجزائر

- المواصفات والتقييم

 

 

أ: د. معوشي بوعلام، معهد العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير، المركز الجامعي بالمدية.

أ: بوعمامة نصرالدين، كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير، جامعة الجزائر.

البريد الالكتروني: Cette adresse e-mail est protégée contre les robots spammeurs. Vous devez activer le JavaScript pour la visualiser.

 

مقدمة:

         شهدت الجزائر أوضاعا اقتصادية حرجة تميزت بضعف معدلات النمو بشكل عام واختلال التوازنات الداخلية والخارجية، فضلا عن المعدلات العالية للتضخم وعدم كفاية المدخرات المالية. لذلك قامت الجزائر بعدة إصلاحات بداية من منتصف الثمانينات من القرن الماضي بهدف النهوض بالقطاع المصرفي. ولما كان هذا الأخير يوصف بقاطرة التنمية فقد شهد عدة إصلاحات ابتداءً من القانون 86- 12المتعلق بنظام البنوك والقرض ثم القانون 88- 01 المتعلق باستقلالية المؤسسات العمومية الاقتصادية، وقد كانت الجهود الأولى لإصلاح القطاع المصرفي ذاتية وغير مدعومة.

         هذا، وقد شهدت فترة التسعينات من القرن الماضي ظهور عدة مفاهيم جديدة متعلقة بالعمل المصرفي؛ كالمناداة باستقلالية البنوك المركزية والعمل على تعزيز الرقابة والإشراف على البنوك والتحول نحو استعمال الأدوات غير المباشرة للسياسة النقدية – في الدول المتقدمة والنامية على السواء، خاصة مع وجود مؤسسات مالية دولية تروج لهذه المفاهيم وتعمل على ترسيخ الممارسات المتعلقة بها، وقد قامت هذه المؤسسات بتقديم وصفات إصلاح شملت الكثير من القطاعات وفي العديد من الدول.

         ولما كانت الجزائر قد اقتنعت بأن الإصلاحات الذاتية التي قامت بها غير كافية للمسايرة في ظل العولمة، وتحت ظروف معينة فقد قامت بعدة إصلاحات مدعومة (تحت إشراف المؤسسات المالية الدولية) مست الجانبين العملي والتنظيمي للقطاع المصرفي.

         وسنعمل في ورقتنا البحثية هذه على تقييم تلك الوصفات المتضمنة للسياسات المقدمة من طرف المؤسسات المالية الدولية لإصلاح القطاع المصرفي في الجزائر من خلال معالجة الإشكالية التالية: كيف تعاطى الجهاز المصرفي الجزائري مع النهج الإصلاحي المقترح وما مدى نجاح الوصفات المقدمة في النهوض به إلى مستوى تقديم الخدمات المطلوبة؟

         وللإجابة عن الإشكالية المطروحة تم هيكلة الدراسة كما يلي:

أولا: مواصفات السياسات المقترحة لإصلاح الجهاز المصرفي.

01-    مفاهيم حول السياسات المدعومة.

02-    مضمون السياسات المقترحة.

ثانيا: تقييم وصفات الإصلاح المقترحة.

01-    تعاطي الجهاز المصرفي الجزائري مع النهج المقترح.

02-    مدى نجاح الوصفات المقترحة في النهوض بالقطاع المصرفي الجزائري.

ثالثا: النتائج والتوصيات. 

أولا: مواصفات السياسات المقترحة لإصلاح الجهاز المصرفي

         يعد إصلاح الجهاز المصرفي توجها لا بديل عنه في ظل العولمة المالية والمصرفية، إذ أصبح القطاع المصرفي بحاجة إلى المزيد من الخدمات المصرفية الجديدة وإلى أدوات استثمارية مبتكرة لمواجهة حاجات المتعاملين الاقتصاديين. وفي هذا الصدد، وبعد اقتناع الجزائر بأن الإصلاحات المصرفية الذاتية التي قامت بها غير كافية فقد لجأت إلى الأخذ بوصفات قدمتها المؤسسات المالية الدولية. وسنتطرق في هذه النقطة إلى تقديم بعض المفاهيم حول السياسات المدعومة مع تلخيص لمضمون أهم تلك السياسات المقترحة.

01- مفاهيم حول السياسات المدعومة

         السياسات المدعومة هي تلك المناهج والأطر المرجعية المستخدمة من اجل تطبيق البرامج الإصلاحية التي تقدمها وتدعمها المؤسسات المالية الدولية؛ المتمثلة أساسا في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

         وقد تم تأسيس كل من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وكان الغرض من إنشائهما تقديم المساعدات للدول الأعضاء المتضررة من الحرب، وإعادة إعمار أوروبا (مخطط مارشال 1947). ومنذ إنشائهما وهما يعملان على تقديم مساعدات ترتكز على جانبي العرض والطلب في مختلف الدول الأعضاء. وحتى بداية الثمانينات من القرن 20 كانت برامج الصندوق تسمى برامج التثبيت، وبداية من تلك الفترة (بداية الثمانينات) أصبح اهتمام الصندوق متجها أكثر نحو دعم نمو الناتج الوطني، فأصبحت برامجه تسمى ببرامج التكييف الهيكلي. أما برامج البنك الدولي فقد شهدت هي نفسها تغيرا في بداية تلك الفترة نظرا لظهور أزمة المديونية العالمية سنة 1982 'المكسيك' فأصبح يقدم برامج التكييف الهيكلي القطاعي.

         وبهذا التحول في برامج المؤسستين الذي سمي بالثورة الصامتة تم تحويل اتجاه البرامج من الدول المتقدمة أساسا إلى الدول النامية والمتحولة قصد دعمها للتحول لاقتصاد السوق بأقل الأضرار.[1]

         وعلى سبيل المثال فقد تم تطبيق أول برنامج للتثبيت في 1952، وحتى سنة 1996 كان قد تم تطبيق حوالي 800 برنامج في 132 دولة، أي بمعدل 06 برامج لكل دولة. كما تم سنة 1963 تطبيق أول ترتيب لمساعدة الدول التي تواجه انخفاضا في صادراتها، وفي سنة 1974 تم إدراج ترتيب الصندوق الموسع لمعالجة أزمة ميزان المدفوعات على المدى المتوسط، كما جرى تطبيق برامج لمساعدة الدول المتحولة إلى اقتصاد السوق، خاصة بعد 1989.

         غير أن البرامج التي يقدمها البنك والصندوق والمدعمة بالقروض والإعانات للدول الأعضاء التي تعاني من مشاكل تكون مشروطة بضرورة اتباع سياسات معينة. ويقصد بالمشروطية هنا مجموعة السياسات التي يتعين على الدول المستفيدة من البرامج تطبيقها حتى تحصل على الدعم والمساندة بالقروض والإعانات. وتنقسم هذه الشروط إلى قسمين الأول قبل قرار الاستفادة والثاني يتعلق بالضمانات؛ أي ربط تسليم بقية الشرائح بمواصلة التنفيذ الفعلي للسياسات المتفق عليها.[2]

02- مضمون السياسات المقترحة

         تقدم المؤسسات المالية الدولية برامج التثبيت التي يمكن تحقيقها من خلال إجراءات تمس خاصة السياسة النقدية، كما تقدِّم برامج التكييف الهيكل؛ التي تعد أطول أجلا وترمي إلى تحفيز جانب العرض في الاقتصاد. ومن اجل التحكم في المعروض النقدي ينصح صندوق النقد الدولي باتباع أدوات السياسة النقدية التالية:

-      وضع سقوف على الائتمان المحلي،

-  رفع أسعار الفائدة،

      -  تحويل الموارد المالية من الاستهلاك إلى الادخار ومن الادخار إلى الاستثمار،

      - العمل على جعل أسعار الفائدة المحلية موجبة،

      - تحرير أسعار الفائدة.

         وقصد تنفيذ وتطبيق برامج صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تَنصح المؤسستان باتباع سياسات معينة. ومن بين ما تتضمنه هذه السياسات فيما يتعلق بالقطاع المصرفي ما يلي:

-         منح الاستقلالية الكاملة للسلطة النقية في تسيير وإدارة السياسة النقدية،

-         تبني استخدام الأدوات غير المباشرة للسياسة النقدية،

-          تعزيز أدوار السلطة النقدية فيما يتعلق بالرقابة والإشراف على أعمال البنوك،

-         تبنِّي سياسة استهداف التضخم.

02- 01 استقلالية البنك المركزي

             أدرج دليل الإحصاءات النقدية والمالية لصندوق النقد الدولي التعريف التالي للبنك المركزي: «هو المؤسسة (أو المؤسسات) المالية الوطنية التي تمارس الرقابة على الجوانب الرئيسية في النظام المالي، وتقوم بأنشطة مثل إصدار العملة وإدارة احتياطات الدولة من العملة الصعبة وإجراء المعاملات مع صندوق النقد الدولي وتوفير الائتمان لشركات الإيداع الأخرى. وفي بعض البلدان تقبل البنوك المركزية أيضا ودائع من شركات غير مالية أو توفر الائتمان لشركات غير مالية، ولا توجد بنوك مركزية في عدد قليل من البلدان؛ التي تعتمد على شركات الإيداع الأخرى في إجراء عمليات العملة والاحتياطي».[3]

باعتبار أن البنوك المركزية تمارس مهامها كسلطة نقدية على عدة مستويات، من تحديد توجهاتها وأهدافها واختيار الوسائل النقدية الملائمة..، فهي ليست بمنأى عن مواجهة السلطة التنفيذية، لذلك يثار موضوع استقلالية البنك المركزي.

يقصد باستقلالية البنك المركزي استقلاليته وحريته في إدارة السياسة النقدية بعيدا عن السلطة التنفيذية بما لا يسمح بتسخير السياسة النقدية كأداة لتمويل العجز في الميزانية العامة؛ نظرا لما قد يشكله تمويل العجز عن طريق زيادة الإصدار من تضخم، ولا تعني الاستقلالية انفصال البنك المركزي تماما عن الحكومة. هذا بالإضافة إلى الاستقلالية التي يتمتع بها المسؤولون الرئيسيون في البنك المركزي، خاصة فيما يتعلق بتعيينهم وعدم فصلهم إلا بعد فترة زمنية بموجب القانون، كما أن لهذه الاستقلالية دور هام في استقلالية السلطة النقدية، ككل، في اتخاذ قراراتها. وترتبط استقلالية البنك المركزي بطبيعة أهداف السياسة النقدية؛ فبقدر ما تكون مرتبطة بهدف استقرار الأسعار بقدر ما تكون مستقلة، وتعدد الأهداف قد يعيق السلطة النقدية في تحقيق هدفها الأول.[4]

واستقلالية البنك المركزي تعني ابتعاده عن الضغوط السياسية، سواء من الحكومة أو من البرلمان، وقد أكدت الدراسات* على أنه كلما كانت هناك استقلالية أكبر كلما كان معدل التضخم منخفضا مع انخفاض مستويات البطالة كذلك، وتحقق ذلك يضمن وجود مصداقية أكبر للسياسة النقدية. وترتكز استقلالية البنك المركزي على إعطاء حرية التصرف الكاملة في وضع وتنفيذ السياسة النقدية واختيار الأدوات المناسبة واللازمة لتحقيق أهداف السياسة النقدية لصالح البنك المركزي، خاصة وأن هدف السياسة النقدية انحصر، في عديد الدول، في ضرورة تحقيق استقرار الأسعار والمحافظة على قيمة العملة على حساب نمو الناتج.[5]

ونشير إلى أنه من حجج معارضي استقلالية البنك المركزي أن قدرة هذه الاستقلالية على تحسين الأداء في مجال التحكم في التضخم ليست حاسمة، بدليل وجود دول كفرنسا واليابان لا تتمتع بنوكها باستقلال تشريعي كبير، إلا أنها أظهرت في مجال التحكم في معدلات التضخم ولفترات طويلة نتائج جيدة.

ومن المسلَّم به وجود درجات متفاوتة لاستقلالية البنوك المركزية، فعلى سبيل المثال يعتبَر البوندزبنك Bundesbank الألماني والبنك الوطني السويسري أكثر البنوك المركزية استقلالية في العالم. فالبوندزبنك ليس مطالبا بالأخذ بعين الاعتبار سياسة الحكومة إذا كانت غير منسجمة مع دوره القانوني في الحفاظ على القيمة الخارجية والداخلية للعملة. في حين يتمتع كل من البنك الهولندي والنيوزلندي باستقلالية كبيرة في مجال السياسة النقدية مع مسؤولية نهائية للحكومة وإمكانية فرض وجهة نظرها. أما بنك فرنسا وبنك انجلترا فيعتبران كمستشارين ومنفذيْن للسياسة النقدية وتقع على الحكومة مسؤولية القرارات الهامة المتعلقة بالسياسة النقدية.[6] أما الاحتياطي الفدرالي في (و م أ) فيعتبر مؤسسة مستقلة فيما يتعلق بالسياسة النقدية والائتمانية والمصرفية، مع إمكانية تدخل الرئيس الأمريكي أو الكونجرس من خلال إصدار تشريعات. وبصفة عامة تعتمد العلاقة بين الحكومة وبنوكها المركزية في كثير من الدول على التشاور والتنسيق.[7]

هذا، ونؤكد أنه كلما ارتفعت درجة استقلالية البنك المركزي كلما انخفض معدل التضخم وانخفضت معه نسبة العجز في الموازنة العامة. وتجدر الإشارة إلى أن الإشكالية التي يثيرها موضوع استقلالية البنك المركزي تتمحور أساسا حول مدى قدرة الرأي العام على مراقبة السياسة النقدية بصورة كافية وإخضاع مسؤولي البنك المركزي للمساءلة.

02-02 تبني استخدام الأدوات غير المباشرة للسياسة النقدية

شهدت فترة نهاية سبعينات القرن 20م بداية تحوُّل البلدان الصناعية نحو التبنِّي الكامل للأدوات غير المباشرة للسياسة النقدية، وتبعها في ذلك كثير من الدول النامية، وذلك لوصف تلك الأدوات بأن لها فعالية أكثر على حساب الأدوات المباشرة خاصة مع تغير المحيط الاقتصادي الذي أصبح أكثر تفتحا، إذ تعمل الأدوات المباشرة على تحديد معدلات الفائدة أو تحديد كميات القرض عن طريق القواعد التنظيمية. في حين أن الأدوات غير المباشرة تعمل من خلال السوق عن طريق التأثير في عرض وطلب النقود المصرفية. ويتم استعمال الأدوات غير المباشرة في محيط يتسم بالتفتح والتوسع في قبول الحسابات الجارية القابلة للتحويل والسير صوب جعل الحسابات الخارجية قابلة للتحويل بشكل كامل. وفي ظل غياب هذه الظروف فإن الأدوات غير المباشرة تصبح غير فعالة في لعب دور الوساطة المالية.[8]

جرت عملية التحول من استخدام الأدوات المباشرة إلى استخدام الأدوات غير المباشرة في الدول المتقدمة بالتدريج ودون مشاكل، نظرا للظروف المساعِدة؛ كعدم وجود اختلالات كبيرة في الاقتصاد مقارنة مع الدول النامية التي استغرقت فيها عملية التحول وقتا طويلا بسبب وجود مصاعب مالية واختلالات هيكلية.

ومن اجل التوجه نحو تبنّي استخدام الأدوات غير المباشرة فإنه يجب مراعاة عدة جوانب، أهمها:[9] عزل السياسة النقدية عن ضغوطات الحكومة لتمويل العجز المالي، ربط وتقوية العلاقة بين أسواق النقد وأسواق ما بين البنوك من خلال تطوير البنية الأساسية وأنظمة المدفوعات والتسويات وتطوير الإطار القانوني والتنظيمي للأسواق، إعادة هيكلة النظام المصرفي بما يقوي القدرة الإدارية للبنوك ويعزز المنافسة، تعزيز دور الرقابة والإشراف على البنوك والمؤسسات المالية، وتقوية الوسائل التقنية وطرق القياس والتنبؤ بما يسمح للبنك المركزي ضبطَ العرض النقدي بفعالية. وأثبتت التجارب أن عملية الاختيار بين الأسلوبين تتوقف على مدى تطور الأسواق المالية ونشاطها، لكن هناك من ينصح باستعمال النوعين في نفس الوقت أو ما يعرف بـ"الحزام والحمالة"(belt and braces)  لتحقيق الاستقرار المرغوب.

02-03 تعزيز الرقابة والإشراف على أعمال البنوك

يعدّ وجود سلطة نقدية مركزية ضمن إطار الهيكل المالي والنقدي للدولة أمرا ضروريا لاسيما من اجل تحقيق سياسة نقدية رشيدة، ولهذا بدأت البنوك المركزية منذ تأسيسها بتولي مهام إصدار النقد وما يترتب على ذلك، ثم بدأت تتولى مهام الرقابة بجميع أنواعها على نشاط الجهاز المصرفي وتوجيهها.

وتسعى السلطة النقدية للتثبت مما إذا كانت كل المؤسسات المالية والبنوك العاملة في الاقتصاد تسير وفقا لما تنص عليه أحكام القانون المصرفي؛ الذي يدخل ضمنه التشريع والعادات المصرفية وقواعد المهنة وغيرها من القواعد القانونية التي تنظم سير العمل المصرفي.[10] وتعتمد فعالية الرقابة المصرفية إلى حد كبير على نوعية الرقابة والإشراف، والتي قد تكون نوعية (مباشرة) أو كمية (غير مباشرة) أو إدارية وقانونية، وبطرق مختلفة؛ فتكون إما مكتبية أو ميدانية أو تعاونية (الإقناع الأدبي). على أنها تمارس بعدة طرق وأساليب كمَنح التراخيص، إرسال مذكرات وتعليمات للبنك المركزي، مراجعة وتحليل التقارير الدورية، أو التفتيش (الرقابة) على البنوك مباشرة بالوقوف على المركز المالي للبنك وتتبّع سياسته الائتمانية وطرق تطبيقها.[11] ويقوم البنك المركزي بالرقابة من اجل تحقيق أهداف السياسة النقدية ورفع كفاءة إدارة البنوك ومحاربة ظاهرة غسيل الأموال وغيرها.[12]

يستخدم البنك المركزي عدة مؤشرات للرقابة على أداء البنوك، أهمها مجموعة المعايير الخمسة، وتسمى **(CAMEL Rating) ويتكون كل معيار منها من خمسة أدراج، وتتمثل هذه المعايير في: ملاءة وكفاية رأس المال، جودة الأصل، كفاءة إدارة البنك، الربحية، والسيولة.[13] وزيادة عن هذه المؤشرات تُستعمل بعض المؤشرات الوصفية مثل: التوسع، عدد الفروع، نوعية العملاء، جودة القروض، جودة العاملين..،[14] ومتى أمكن تعزيز هذه الرقابة أمكن التأكد من سلامة توجه السياسة النقدية.

02-04 تبنِّي سياسة استهداف التضخم

تبيّن منذ نهاية ثمانينات القرن 20م أن التأثير على التضخم بشكل غير مباشر؛ من خلال التحكم في المجاميع النقدية أو سعر الصرف، لا يساعد كثيرا في تحقيق ذلك الهدف، الأمر الذي دفع ببعض الدول المتقدمة، والنامية لاحقا، إلى تبني مقاربة مباشرة لمكافحة التضخم؛ عُرفت بسياسة استهداف التضخم، وتتمثل في إعلان السلطة النقدية بأن هدف السياسة النقدية هو تحقيق مستوى محدد لمعدل التضخم خلال فترة زمنية محددة.

يصبح، في ظل سياسة تحرير أسعار الصرف، التحكم بالقاعدة النقدية الهدفَ أو المتغير الوسيط، وليس ثبات سعر الصرف، وقد أُطلق على هذه المقاربة "سياسة الاستهداف النقدي"، حيث يُتحكم في نمو القاعدة أو المجاميع النقدية ذات العلاقة أو التي تعتبر محددا قويا لمعدلات التضخم في الفترة الطويلة، وتجدر الإشارة إلى أنه في حال تبنِّي سياسة استهداف معدل التضخم تصبح العلاقة بين الأهداف الوسيطة والهدف النهائي لا تعني شيئا؛ لأن محاولة تحقيق معدل معيَّن للتضخم تجعل بالإمكان استخدام كل الطرق والوسائل للوصول إلى تحقيق الهدف المحدد حتى ولو كان ذلك لا يتفق مع الهدف الوسيط. وقد بدأت أولى تجارب استخدام سياسة استهداف التضخم في نيوزيلندا في 1990، كندا 1991، بريطانيا 1992، مع العلم أن ألمانيا طبقت بعض مفاهيم الاستهداف قبل 1990، وتبعتها في ذلك دول متقدمة، ونامية أيضا بعد ذلك، مثل: البرازيل، شيلي، بولندا، وجنوب إفريقيا.[15]

وفي حالة تبنّي سياسة الاستهداف يصبح البنك المركزي المسؤولَ الأول عن تحقيق الهدف المتبنّى، لذلك يُفترض أن يتمتع باستقلالية تامة في ممارسة مهامه. وفي سبيل تصميم سياسة الاستهداف تقوم السلطة النقدية بدراسة عدد من البدائل واتخاذ القرارات بشأنها، تتلخص في: تحديد المقياس المناسب للتضخم (كالرقم القياسي للاستهلاك)، استهداف التضخم الجوهري أو التقلبات القصيرة الأجل، استهداف معدل محدد للتضخم أو استهداف مجال معيّن بحدّين (أعلى وأدنى)، وتحديد المدى الزمني لآثار السياسة النقدية أو سرعة انخفاض المستوى العام للأسعار.

ويرى أنصار تبنّي سياسة استهداف التضخم أن تحقق ذلك يوفر المبرر والحافز القوي لإحداث التغير المؤسسي بشأن إعطاء استقلالية أكبر للبنك المركزي بما يحدّ من تداخل السياسة المالية والسياسة النقدية، وهو ما يخلق درجة عالية من الشفافية واليقين لدى العملاء، كما أن استقرار معدل التضخم حول القيمة المستهدفة في الفترة الطويلة يعزز مصداقية البنك المركزي والاقتصاد الكلي، ويُستخدَم معدل التضخم كمقياس أو معيار لمدى فعالية السياسة النقدية بشكل أدق مقارنة مع غيره من المعايير.

في حين نجد أن معارضي سياسة استهداف التضخم يعرضون عدة حجج، نذكر منها:[16] أن استهداف رقم معين لمعدل التضخم يقلل من قدرة البنك المركزي -عند تطبيق السياسة النقدية- على التعامل مع الصدمات، كما أن للبنك المركزي مسؤولية في خلق (توفير) الاستقرار الاقتصادي من ناحية توفير السيولة وخلق أسواق آمنة ومستقرة؛ وهو ما قد يتعارض مع سياسة الاستهداف. كما أن سياسة الاستهداف تحتاج وقتا طويلا حتى تظهر نتائجها على المستوى العام للأسعار، وهو ما يجعل السلطات النقدية تعتمد على تنبؤات التضخم في المستقبل واتخاذ القرارات بناءً على ذلك، الأمر الذي يؤدي إلى خلق عدم اليقين وضياع المصداقية. كما أن توجيه اهتمام الجمهور لهدف وحيد (استهداف التضخم) لا يخدم مبدأ الشفافية عموما؛ لأنه يصرف الاهتمام عن أهداف أخرى مهمة مثل معدل نمو الناتج الإجمالي ومعدلات البطالة، التي يجب أن يتوفر فيها مبدأ الشفافية أيضا.

غير أنه في حالة وجود صدمات خارجية، كارتفاع أسعار الطاقة، فإن الأسعار ترتفع والناتج المحلي ينخفض. وفي ظل سياسة الاستهداف فإن البنك المركزي يمارس سياسة نقدية انكماشية؛ بتخفيض معدل نمو القاعدة النقدية، وهو ما يؤدي إلى زيادة الضغوط على الناتج المحلي. وهنا نجد أن بعض الاقتصاديين يفضلون استهداف معدل نمو الناتج المحلي كبديل لاستهداف معدل التضخم. لكن هذا له مشاكله أيضا لعدم قدرة البنك المركزي على التنبؤ بمعدل نمو الناتج المحلي بدقة، ونظرا كذلك لعدم تفهم مجموعات عريضة من الجمهور لمفهوم الناتج المحلي الإجمالي وما يحتويه.

ثانيا: تقييم وصفات الإصلاح المقترحة

         بعد أن تطرقنا في النقطة الأولى من هذه الدراسة إلى مواصفات السياسات المقترحة لإصلاح الجهاز المصرفي الجزائري نأتي هنا إلى محاولة تقييم وصفات الإصلاح المقترحة، من خلال دراسة كيفية تعاطي الجهاز المصرفي الجزائري مع النهج المقترح ومن خلال معرفة مدى نجاح الوصفات المقترحة في النهوض بالقطاع المصرفي الجزائري

01- تعاطي الجهاز المصرفي الجزائري مع النهج المقترح

         ذكرنا أن أهم السياسات المدعومة المتعلقة بالسياسة النقدية تتمثل أساسا في: استقلالية البنك المركزي، التحول نحو استعمال الأدوات غير المباشرة، تعزيز الرقابة والإشراف على البنوك، وتبني سياسة استهداف التضخم. وسندرس هنا كيفية تعاطي الجهاز المصرفي الجزائري مع هذه السياسات من خلال الإصلاحات والقوانين التي قامت بها السلطة النقدية، وذلك ابتداء من سنة 1990، ذلك أن الإصلاحات المدعومة كانت قد بدأت في سنة 1989، ومن أهم القوانين الصادرة ما يلي:

- قانون النقد والقرض 90-10: حيث لم يظهر الاستقلال الحقيقي للنظام المصرفي والمالي إلا بعد صدور قانون النقد والقرض 90-10 في 14/04/1990، حيث وضع هذا القانون النظام المصرفي على مسار تطور جديد، يتميز بإعادة تنشيط وظيفة الوساطة المالية وإبراز دور السياسة النقدية وإرجاع صلاحيات السلطة النقدية في تسيير النقد والقرض ورسم السياسة النقدية في ظل استقلالية تامة. وتظهر أهميته في أنه فصل بين الدائرة النقدية والدائرة الحقيقية وأقام نظاما مصرفيا ذا مستويين اثنين، كما فصل دائرة ميزانية الدولة (الخزينة العامة) عن الدائرة النقدية وأبعد الخزينة العامة عن دائرة الائتمان.[17]

كما قرر القانون 90-10 إنشاء سلطة نقدية وحيدة مستقلة وألغى بذلك تعدد مراكز السلطة النقدية، ووضع هذه السلطة النقدية في الدائرة النقدية، وهي مجلس النقد والقرض. وجعل هذا القانون هذه السلطة وحيدة ليضمن انسجام السياسة النقدية، ومستقلة ليضمن تنفيذ هذه السياسة من اجل تحقيق الأهداف النقدية، وموجودة في الدائرة النقدية ليضمن التحكم في تسيير النقد وليتفادى التعارض بين الأهداف النقدية.[18]

- الأمر 01-01:*+ بناء على ما جاء في هذا الأمر فقد تم تعديل القانون 90-10 المتعلق بالنقد والقرض، إن على مستوى الهيكل والتركيبة التنظيمية أو على مستوى الصلاحيات. وتم بموجب هذا القانون الفصل بين مجلس إدارة بنك الجزائر ومجلس النقد والقرض كسلطة نقدية؛ قصد تعزيز ودعم استقلالية السلطة النقدية، وذلك بإعفاء مجلس البنك من ممارسة الصلاحيات في مجال النقد والقرض.[19]

- الأمر 03-11:*- جاء هذا الأمر بعد أن لاحظت السلطات الضعف الذي لا يزال أداء الجهاز المصرفي يعانيه، خاصة بعد الفضائح المتعلقة ببنك الخليفة والبنك التجاري والصناعي الجزائري، والذي كشف عن ضعف آليات الرقابة والتحكم من طرف بنك الجزائر. وقد وضع القانون في صالح بنك الجزائر عدة آليات تتسم بدقة كبيرة تخص الرقابة والإنذار، كما أدخل تعديلات في مجال تسيير احتياطات الصرف والمديونية الخارجية وانسياب المعلومات بين السلطة النقدية والسلطة التنفيذية. وكان هذا الأمر يهدف إلى الوصول إلى عدة نقاط، أهمها: السماح لبنك الجزائر باستخدام أفضل لصلاحياته، تكثيف التشاور بين بنك الجزائر والحكومة في المسائل المالية، والسماح بحماية أكبر وأحسن للبنوك فيما يتعلق بتوظيف وادخار الجمهور.[20]

- القانون 01- 04 الصادر في 24/03/2004 المحدد للحد الأدنى لرأسمال البنوك والمؤسسات المالية بـ 2,5 مليار دج للأولى و500 مليون دج للثانية.

- القانون رقم 02- 04 الصادر في 24/03/2004 المحدد لشروط تكوين الاحتياطي الإجباري لدى دفاتر بنك الجزائر.

- القانون 03- 04 الصادر في 24/03/2004 المتعلق بنظام ضمان الودائع المصرفية.

01- 01 استقلالية بنك الجزائر:

من الناحية العملية هناك تنازع بين بنك الجزائر ووزارة المالية، مثل ذلك الذي حدث في 20/04/2001 بين محافظ البنك ووزير المالية حول تحديد معدل الفائدة المناسب لتلك الفترة. وما دام المحافظ ونوابه غير معيَّنين لفترة محددة فإنه يمكن في حالة التنازع مع وزير المالية حول قضية ما أن يتم "استدعاؤهم إلى مهام أخرى" في أية لحظة. مع العلم أنه يتم إضافة عضوين اثنين يتم تعيينهما بمرسوم رئاسي بعد اقتراح من وزير المالية ليتكون بذلك مجلس النقد والقرض، وظاهر أن يتحيز العضوان لرأي الوزير، وهو ما قد يحد من الاستقلالية.[21]

وإذا ما نظرنا إلى استقلالية بنك الجزائر وفقا للأمر 03-11 فالملاحظ أنها خُفّضت؛ فقد مَنح صلاحيات أكبر للسلطة التنفيذية في تسيير بنك الجزائر وصياغة السياسة النقدية، ولا أدَل على ذلك من أن مجلس النقد والقرض الذي يُعتبر السلطة النقدية- يتكون من محافظ وثلاثة نواب محافظ وثلاثة أعضاء آخرين يتم تعيينهم (جميعهم) في "منصب سامي" بمرسوم رئاسي، ويضاف إلى ذلك عضوان آخران فيتشكل بذلك مجلس النقد والقرض، مع العلم أن مدة تعيين الجميع غير محدَّدة. كما أن إستراتيجية الديون وتسيير الأصول الخارجية لم تَعد من الصلاحيات المطلقة لبنك الجزائر وإنما يُشترط فيما يتعلق بذلك وجود لجنة مشتركة بين البنك ووزارة المالية،[22] وهو ما يعلن التدخل الصريح في صلاحيات البنك.

وقد جاء ضمن القانون 90/10 أن مدة تعيين المحافظ هي 06 سنوات، ولا يتم عزله إلا في حالات خاصة كحالة المرض. لكن تم تغييب المادة المتعلقة بذلك في الإصلاحات التي تلت ذلك القانون، سواء منها الأمر 01/01 أو 03/11.

01- 02 التحول نحو استعمال الأدوات غير المباشرة:

         اتسمت الفترة ما قبل 1990 بعدة مميزات، منها: تداول نقدي هام خارج الجهاز المصرفي، وجود اقتصاد مواز نشيط، عجز هيكلي في سيولة الجهاز المصرفي، الملكية العامة الكاملة للقطاع المصرفي، انعدام استقلالية بنك الجزائر، وغيرها..، وهو ما دعا إلى ضرورة إجراء إصلاحات أساسية أهمها قانون النقد والقرض 90-10. وعملية الإصلاح، هذه، التي مست أدوات السياسة النقدية كان من المقرر أن تنتهي مرحلتها الانتقالية في 1992، ولكنها استمرت لأكثر من ذلك نظرا للاختلالات الاقتصادية الكلية وعدم تحضير القطاع المالي بالشكل الكافي للدخول في مرحلة استعمال الأدوات غير المباشرة. وتعتبر التعليمة التي أصدرها بنك الجزائر في 29/04/1990 والمتعلقة بسير السياسة النقدية البداية لتحديد مسار ومعالم الإصلاحات في هذا المجال.

وقد تم استعمال عدة أدوات في هذه المرحلة، ومنها: تأطير القروض، إعادة الخصم، الاحتياطي القانوني، والتدخل بواسطة السوق النقدية. وفيما يتعلق بتأطير القروض؛ التي تعتبر من أهم الأدوات المستعملة لعلاقتها بمقاييس تنفيذ برامج (ص.ن.د)، فقد تم تأطير القروض لـ: 22 مؤسسة غير مستقلة لإعادة هيكلتها ومنحها الاستقلالية، كما تم تأطير القروض لتمويل عمليات الدولة؛ إذ تم تحديد المبلغ الأقصى للاكتتاب الممنوح للخزينة بـ: 10% من مجموع الإيرادات العادية للميزانية المحققة خلال السنة السابقة، وفي مدة لا تتجاوز 240 يوما، إضافة إلى أن بنك الجزائر لا يحق له الاحتفاظ بأكثر من 20% من قيمة الإيرادات العادية للدولة في شكل سندات. أما عن معدل إعادة الخصم فقد بدأ يشهد تغيرات منذ 1986، ويمكن توضيح تطوراته منذ 1990 من خلال الجدول الموالي.

الجدول رقم (01): تطور معدل إعادة الخصم في الفترة 1990-2002.

السنة

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

2000

2001

2002

المعدل

10,5

11,5

11,5

11,5

15

14

13

11

9,5

8,5

6,5

6,0

5,5

المصدر: من إعداد الباحثين، بالاعتماد على مصادر مختلفة، أهمها: المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي (م.و.إ.إ)، "مشروع تقرير حول الظرف الاقتصادي والاجتماعي للسداسي الثاني من سنة 2002"، الدورة العامة العادية 22، 2003، ص: 66. و:

 Mekideche Mustapha,  «  l’Algérie entre l’économie de la rente et l’économie de l’émergente » éd DAHLEB, Algérie, 2000, p: 49.

الملاحظ من خلال الجدول انخفاض معدل إعادة الخصم انطلاقا من سنة 1999 بشكل ملحوظ، ويرجع ذلك إلى انخفاض معدلات التضخم.

كما تم استعمال معدل الاحتياطي الإجباري بداية من 1994، ويهدف استعماله إلى مراقبة سيولة البنوك التجارية لتفادي مخاطر الائتمان، وقد بلغت نسبته سنة 2002 و2004: (6,25 و6,5)% على التوالي.[23] وبالموازاة مع ذلك بدأ بنك الجزائر في استعمال مختلف أدوات التدخل في السوق النقدية.

استعمل بنك الجزائر أداة استرجاع السيولة بالمناقصة بصفة أساسية خلال الفترة الأخيرة؛ نظرا للتزايد المفرط في السيولة النقدية. وقد سمح استعمال هذه الأداة باسترجاع جزء مهم من فائض السيولة في سوق ما بين البنوك، وكان بنك الجزائر يهدف من وراء ذلك إلى مراقبة المجمعات النقدية (القاعدة النقدية، الكتلة النقدية M2) في الحدود المسطَّرة لسنة 2003، وقد انخفضت نسبة تزايد الكتلة النقدية في الفترة 2002-2003؛ فبينما كانت في 2002 نسبة الزيادة تساوي 17,3% أصبحت في 2003 تساوي 15,6% ثم 11,9% في 2004. ويُعتبر هذا الانخفاض بمثابة نتيجة جيدة في مجال الاستقرار النقدي.[24]

وبالموازاة مع ذلك تم استخدام أداة معدل الاحتياطي الإجباري، حيث أعاد بنك الجزائر تنشيط هذه الأداة منذ 2001 مسايرة مع السيولة المفرطة في سوق ما بين البنوك.[25] وقد تم رفع معدل الاحتياطي الإجباري في ديسمبر 2002 من 4,25% إلى 6,25% ثم إلى 6,5% في 2004.*” أما عن عمليات السوق المفتوحة وباقي الأدوات غير المباشرة الأخرى (الأمانات، مزادات القروض بالمناقصة..) فلم يتمكن بنك الجزائر إلا من استعمال بعضها وفي مرات محدودة، وسبب ذلك يرجع إلى هشاشة المنظومة المصرفية والمالية. إن التحولات المرتقبة في هذا المجال لازمة أكثر من أي وقت مضى، وهي تتحكم حتى في نتائج برنامج الاستقرار الذي بادرت به الجزائر منذ 10 سنوات. ثم إنه عندما يعرف الاقتصاد نوعا من الإفراط في السيولة فإن ذلك يعني أن الأموال الممكن إقراضها لا يتم تبادلها إلا داخل السوق المشتركة بين البنوك في حلقة مفرغة.

01- 03 تعزيز الرقابة والإشراف على أعمال البنوك:

         وتقوم بهذه المهمة اللجنة المصرفية، حيث أنه طبقا لما جاء في المادة 106 من الأمر 03-11 المتعلق بالنقد والقرض تتكون اللجنة المصرفية من 06 أعضاء يعيِّنهم رئيس الجمهورية لمدة 05 سنوات، وهم: المحافظ رئيسا، ثلاثة أعضاء يتم اختيارهم بحكم كفاءتهم في المجالات المالية والمصرفية والمحاسبية ، وقاضيان منتدبان من المحكمة العليا. تعتبر اللجنة المصرفية الهيئة المكلفة بالرقابة على أعمال البنوك والمؤسسات المالية في الجزائر، وتكتسب هذه السلطة بناء على ما أوكل إليها من مهام وصلاحيات بعد صدور القانون 90-10 وتدعمَت بعد ذلك بالأمر 03-11 الذي عَزز الإطار التشريعي والقانوني للرقابة المصرفية في الجزائر.[26]

    تقوم اللجنة بمجموعة من المهام، وهي: الرقابة على احترام القوانين والأنظمة، الرقابة على شروط الاستغلال، السهر على احترام قواعد سير المهنة، إخضاع محافظي حسابات البنوك والمؤسسات المالية للرقابة المتعاقبة على الاختلالات التي يتم معاينتها، وتعاين اللجنة عند الاقتضاء المخالفات المرتكَبة من أشخاص يمارسون نشاطات البنوك والمؤسسات المالية دون أن يتم اعتمادهم وتطبق عليهم اللجنةُ العقوبات التأديبية دون المساس بالملاحقات الأخرى (الجزائية والمدنية). وتنظم اللجنة المصرفية برامج عمليات المراقبة تحت إشراف بنك الجزائر، وتكون هذه الرقابة إما على الوثائق والمستندات؛ وهي مستمرة وبانتظام، أو رقابة ميدانية في عين المكان؛ وقد تكون ظرفية أو دورية. هذا، وقد ساعدت مصلحة مركزية المخاطر المنظَّمة والمسيَّرة من قِبل بنك الجزائر بتسيير القروض بطريقة أفضل، كما سمحت بمراقبة مدى التزام البنوك والمؤسسات المالية بمعايير وقواعد الحذر.

01- 04 استهداف التضخم من طرف السلطة النقدية:

تعددت أهداف السياسة النقدية وتغيرت من فترة لأخرى عبر المراحل التي قطعتها الجزائر. وقد عرَّف قانون النقد والقرض والتعديلات اللاحقة عليه الإطار المؤسساتي للسياسة النقدية، كما حدد هذا القانون مسؤوليات بنك الجزائر فيما يتعلق برسم وقيادة السياسة النقدية. وقد أشارت المادة 55 منه إلى هدف السياسة النقدية: «تتمثل مهمة البنك المركزي في مجال النقد والقرض والصرف في توفير أفضل الشروط لنمو منتظم للاقتصاد الوطني والحفاظ عليها بإنماء الطاقات الإنتاجية الوطنية مع السهر على الاستقرار الداخلي والخارجي للنقد». إن الهدف النهائي للسياسة النقدية هو المحافظة على استقرار الأسعار الذي يُفهَم منه زيادة محصورة في الأرقام القياسية لأسعار الاستهلاك. هذا وقد تمثل الهدف الوسيط للسياسة النقدية خلال الفترة من 1994 إلى 1998 في صافي الأصول الداخلية لبنك الجزائر مع تثبيت الأهداف الربع سنوية، ثم تحول الهدف الوسيط في الفترة 2001-2002 إلى النقد الأساسي.[27]

02- مدى نجاح الوصفات المقترحة في النهوض بالقطاع المصرفي الجزائري

         طبقت الجزائر خلال الفترة 1989- 1998 برامج إصلاحية مدعومة بشكل مباشر من طرف المؤسسات المالية الدولية، وبعد انتهاء تلك الفترة تعهدت الجزائر بمواصلة نفس النهج من الإصلاحات، فكانت برامج الفترة بعد 1998 برامج غير مدعومة بشكل مباشر، ولكنها تسير في نفس اتجاه البرامج المدعومة وخاصة برنامج التعديل الهيكلي، وقد ضمت هذه البرامج برامج: الإنعاش الاقتصادي، دعم النمو، والبرنامج التكميلي لدعم النمو.

         إن البرامج المدعومة والسياسات المرتبطة بها هي في مجملها حزمة من أفكار صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وهي مستندة إلى عدة مدارس اقتصادية، لكن يسيطر عليها فكر النقدويين في إطار المدرسة النيوكلاسيكية وضمن الاتجاه النيولبرالي.

         وهنا يحق لنا أن نتساءل عن مدى نجاح السياسات المدعومة في النهوض بالقطاع المصرفي الجزائري. ذلك أن الجزائر لما وافقت على تطبيق البرامج والسياسات المقترحة – من خلال رسالة النوايا، التزمت بتطبيق جملة من الإجراءات لتحيد الدعم الذي سيقدم لها والذي يكون مشروطا بتطبيق تلك الإجراءات. وبالرغم من أن البرامج المدعومة تعكس وضعية البلد وأولويات الحكومة فهناك عدة تساؤلات حول مدى جدواها وقدرتها على تحقيق أهدافها المرجوة. أي هل تعتبر ذات نفع للبلد أم أنها تزيد من تعميق أزماته؟ والجواب يحتاج إلى دراسات لتقييم أثر هذه البرامج، كتلك التي تجريها دائرة تطوير السياسات ومراجعتها في صندوق النقد الدولي، وكذلك الدراسات المستقلة. وتقييم أثر هذه البرامج والسياسات ليس سهلا، الأمر الذي جعلها موضع اختلاف دائم.

         ويعتبر منهج 'مع البرنامج وبدون البرنامج' من أفضل المناهج المستعملة في تقييم أثر السياسات المدعومة. لكن يعاني هذا المنهج من مشكلة أساسية تتمثل في أن الدول غير المطبقة للسياسات والبرامج تختلف عن تلك التي لا تطبقها ويصعب إيجاد مجموعتين متجانستين وتختلفان فقط في تطبيق البرنامج من عدمه. كما أن الدول التي تطبق البرامج والسياسات المدعومة تعاني كلها من مشاكل اقتصادية، وبذلك فإن هذا النهج يعاني من سوء الاختيار بحيث يكون تقييم آثار البرامج والسياسات متحيزا.

         والواقع يؤكد أن السياسات المدعومة وإن كانت مجدية ومفيدة فإن الحاصل فعلا ظهور عدة أزمات مصرفية في الجزائر مثل فضيحة بنك الخليفة الذي تم تصفيته نهائيا سنة 2003، والبنك الصناعي والتجاري الجزائري الذي سحب منه الاعتماد وأغلق نهائيا في جويلية 2003 بعد إدانته بعمليات احتيال في مجال التصدير والاستيراد، والتي أدت إلى اختلاس ما يقارب 100 مليون دولار. كما تم الإعلان عن اختلاس حوالي 2000 مليار سنتيم جزائري في 2006 في البنك الوطني الجزائري، ومبلغ 1200 مليار سنتيم  في وكالة بئر خادم في العاصمة الجزائر ببنك الفلاحة والتنمية الريفية في 2002.[28]

         والمؤكد أن هذه الفضائح لا يمكن إرجاعها فقط إلى تطبيق البرامج والسياسات المدعومة ولكن هناك عدة متغيرات أدت إلى هذا الواقع.

         وفي مقابل هذه الفضائح فإن جهود الجزائر في تنظيم جهازها المصرفي قد توجت باعتراف دولي، فقد تم قبولها (كثاني دولة عربية بعد المملكة العربية السعودية وكثاني دولة إفريقية بعد إفريقيا الجنوبية) في بنك التسويات الدولية في 30/06/2003؛[29] الذي تعود نشأته إلى سنة 1930 ويضم في عضويته (إلى غاية 2003) 49 بنكا مركزيا،[30] وهو ما يسمح للجزائر، ولا محالة، بالاستفادة من الخبرة الدولية بشكل أكبر فيما يخص مجال الرقابة والإشراف على البنوك والمؤسسات المالية، والتي يجب تعزيزها ضرورة من اجل المساهمة في تفعيل دور الجهاز المصرفي في تقديم الخدمات المطلوبة.

ثالثا: النتائج والتوصيات

         من بين نتائج هذه الورقة البحثية ما يلي:

- السياسات المدعومة هي تلك الأطر المرجعية التي يعتمد عليها في تطبيق برامج المؤسسات المالية الدولية المتمثلة أساسا في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

- تقدم المؤسسات المالية الدولية برامج التعديل والتكييف الهيكلي، ومن اجل تطبيق هذه البرامج تنصح المؤسستان باتباع سياسات معينة، ومن هذه السياسات فيما يتعلق بالجانب المصرفي ما يلي: منح الاستقلالية للبنك المركزي، التوجه نحو استعمال الأدوات غير المباشرة للسياسة النقدية، تعزيز الرقابة والإشراف على أعمال البنوك والمؤسسات المالية، والتوجه نحو استهداف التضخم.

-  ترتكز الإصلاحات الاقتصادية في الجزائر بداية من 1989 على مشروطية صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، في إطار الفكر النيولبرالي المستمد من فكر النقدويين واقتصاد جانب العرض.

- عملت الجزائر بجدية على تطبيق كل النصائح المقدمة والمقترحة من طرف صندوق النقد الولي والبنك الدولي عن تطبيقها لبرامج التثبيت والتكييف، من خلال إتباع كل السياسات المقترحة.

- تتطلب عملية إصلاح المنظومة المصرفية الجزائرية جهدا ماليا وزمنيا كبيرا، فهي تبقى مرهونة بمدى قدرة البنوك على التكيف مع أنماط التسيير العالمية وتجاوز نمط التسيير الحالي من جهة، وعلى مدى توفر التمويل اللازم من جهة أخرى. ويمكن اعتبار الإجراءات المتخذة في سبيل إصلاح القطاع المصرفي الجزائري خطوة مهمة نحو تقديم أداء مصرفي أحسن.

        ويمكن تقيم الاقتراحات التالية، والتي نرى أن العمل بها ضروري من اجل النهوض بالقطاع المصرفي الجزائري:

- الإعداد الجيد للبرامج الإصلاحية من حيث السياسات والأولويات،

- مواصلة تنفيذ البرامج الإصلاحية الداعمة للنمو والاستمرار في تطبيقها،

- التأهيل الدائم والمدروس للقطاع المصرفي لرفع تنافسيته،

- التنسيق الفعال بين الأدوات غير المباشرة للسياسة النقدية قصد تفعيل عملية تسيير السيولة،
- إصلاح النظام المحاسبي بما يتماشى مع متطلبات عملية الانتقال إلى اقتصاد السوق أخذا بعين الاعتبار للمعايير المحاسبية،

- العمل على إيجاد آليات قانونية لمحاربة الفساد في القطاع المصرفي،

- إعداد إستراتيجية شاملة لإعادة هيكلة البنوك تتماشى والأهداف السياسية للدولة.

الإحالات:



[1] - بلقاسم العباس، "التثبيت والتصحيح الهيكلي"، جسر التنمية، سلسلة دورية، عدد 31، السنة 03، مايو 2004.

[2] - علياء نبيل خضير، "برامج الإصلاح الاقتصادي وآثارها على التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأردن"، أطروحة دكتوراه، غير منشورة، جامعة القاهرة، مصر، 2002، ص: 175.

[3] - صندوق النقد الدولي، "دليل الإحصاءات النقدية والمالية"، أكتوبر 2000، ص: 17.

[4] - عمروش شريف، "السياسة النقدية ومعالجة اختلال ميزان المدفوعات"، مذكرة ماجستير، غير منشورة، جامعة البليدة، 2005، ص: 83.

* - مثل دراسة (Parkin And Bade) التي أجريت على 12 دولة، وهي: هولندا، بلجيكا، السويد، أستراليا، سويسرا، كندا، إيرلندا، فرنسا، إيطاليا، ألمانيا، بريطانيا، و (و م أ).   

[5] - عيسى ولد أحمد محمود، "السياسة النقدية الموريتانية في ظل برامج الإصلاح الاقتصادي"، مذكرة ماجستير، غير مشورة، جامعة الجزائر، 2001، ص: 12.

[6] - عبد المجيد قدي، "المدخل إلى السياسات الاقتصادية الكلية، دراسة تحليليه تقييمية"، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 2003، ص: 95.

[7] - شملول حسينة، "أثر استقلالية البنك المركزي على فعالية السياسة النقدية، دراسة حالة بنك الجزائر"، مذكرة ماجستير، غير منشورة، جامعة الجزائر، 2001، ص: 97.

[8] - William E. Alexandre, Tomas J.T. Baliño, and Charles Enoch, "Adopting indirect instruments of monetary policy", Finance and development Journal, Washington, March 1996, p: 14.

[9] -IBID, pp: 16-17.

[10] - موسى مبارك أحلام، "آلية رقابة البنك المركزي على أعمال البنوك في ظل المعايير الدولية، دراسة حالة الجزائر"، مذكرة ماجستير، غير منشورة، جامعة الجزائر، 2005، ص: 18.

[11] - Samuel Munzele Maimbo, "The regulation and supervision of informal remittance systems: emerging oversight strategies", Seminar on current development in monetary and financial law, IMF publications, IMF, Washington, 24/11/2004, pp: 03-07.

[12] - عبد المطلب عبد الحميد، "العولمة واقتصاديات البنوك"، الدار الجامعية، الإسكندرية، مصر، 2001، ص: 186.

** - It is the acronym stands for: Capital, Assets, Management, Earnings, and Liquidity.

[13] - Luca Errico, and Mitra Farahbaksh, "Islamic Banking: Issues in prudential regulation and supervision", IMF working paper, no. 98/30, IMF, Washington, March 1998, p: 15.

[14] - موسى مبارك أحلام، "آلية رقابة البنك المركزي على أعمال البنوك في ظل المعايير الدولية، دراسة حالة الجزائر"، مرجع سابق، ص ص: 45-54.

[15] - Shaechter, A.stone, M.R. and Zelmer, M, "Adopting inflation targeting: practical issues for emerging market countries", IMF occasional papers, IMF, Washington, 2002, pp: 03-05.

[16] - ناجي التوني، "استهداف التضخم والسياسة النقدية"، سلسلة جسر التنمية، المعهد العربي للتخطيط، الكويت، سنة النشر غير مذكورة، ص ص: 10-13.

[17]- محمد الشريف إلمان، "الدينار والجهاز المصرفي في مرحلة الانتقال"،[تحرير]، الإصلاحات الاقتصادية وسياسة الخوصصة في البلدان العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان، ط1، فيفري 1999، ص 422.

[18] - مدوخ ماجدة، وصاف عتيقة، "أداء السياسة النقدية في الجزائر في ظل الإصلاحات الاقتصادية"، [مداخلة]، المؤتمر العلمي الدولي حول الأداء المتميز للمنظمات والحكومات، جامعة ورقلة، الجزائر، 08-09/03/2005، ص ص: 02-04.

* +- الأمر01-01 الصادر في 27/02/2001 المعدل والمتمم لأحكام القانون 90-10.

[19] - دحمان بن عبد الفتاح، "الأداء المتميز للمنظومة المصرفية بالجزائر ضرورة لتحقيق إدارة فعالة للاقتصاد الجزائري"، [مداخلة]، المؤتمر العلمي الدولي حول الأداء المتميز للمنظمات والحكومات، جامعة ورقلة، الجزائر، 08-09/03/2005، ص: 03.

*- - الأمر 03-11 المؤرخ في 26/08/2003 المتعلق بالنقد والقرض.

[20] - Abdelkrim Sadeg, "le système bancaire Algérien, la nouvelle réglementation", Algérie, 2004, pp : 24-25.

[21] - Kada Akacem, "Croissance et Réformes Economique Dans Les Pays Du MENA", ]conférence[, 02eme séminaire scientifique international, faculté des sciences économiques et des sciences de gestion, université d’Alger, Algérie, 14-15/11/2005. p : 05.

[22] - Hocine Bénissad, "Algérie : De La Planification Socialiste à L’économie De Marché", ENAG éd, Algérie, 2004.

[23] - المجلس الوطني الاقتصادي والاجتماعي (م. و. إ. إ)، "مشروع تقرير حول الظرف الاقتصادي والاجتماعي للسداسي الثاني من سنة 2004"، الدورة العامة العادية 26، الجزائر، جويلية 2005، ص: 31.

[24] - نفس المرجع، ص: 32.

[25] - M. Y. Boumghar, "la conduite de la politique monétaire en Algérie : un essai d’examen", ]conférence[, 02eme séminaire scientifique international, faculté des sciences économiques et des sciences de gestion, université d’Alger, Algérie, 14-15/11/2005. p : 17.

*” - تعليمة بنك الجزائر رقم 04-02 المؤرخة في 13/05/2004 المتعلقة بنظام الاحتياطات الإجبارية.

[26] - موسى مبارك أحلام، "آلية رقابة البنك المركزي على أعمال البنوك التجارية في ظل المعايير الدولية، دراسة حالة الجزائر"، مرجع سابق، ص: 146.

[27] - محمد لكصاسي، "التطورات الاقتصادية والنقدية في الجزائر سنة 2002"، [مداخلة]، تدخل محافظ بنك الجزائر أمام المجلس الشعبي الوطني، 22/10/2003.

[28] - علي حبيش، آثار الإصلاحات المصرفية على مكافحة تبييض الأموال في الجزائر، مذكرة ماجستير غير منشورة، جامعة البليدة، جوان 2006، ص ص: 91- 99.

[29] - موسى مبارك أحلام، "آلية رقابة البنك المركزي على أعمال البنوك التجارية في ظل المعايير الدولية، دراسة حالة الجزائر"، مرجع سابق، ص: 156.

[30] - عبد اللطيف بن أشنهوا، "عصرنة الجزائر، حصيلة وآفاق 1999- 2009"، ألفا ديزاين، الجزائر، فيفري 2004.

 

Télécharger l'article