أهمية الاستثمار المسؤول اجتماعيا والصناديق الإسلامية في تفعيل

وتنشيط الأسواق المالية للبلدان النامية

 

 

أ.د.محمد برّاق

المدرسة العليا للتجارة، الجزائر

أ.مصطفى قمّان

المدرسة العليا للتجارة، الجزائر

مقدمة

 

تعتبر صناديق الاستثمار الأخلاقية أو صناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا من بين أهم الأدوات المالية التي شجعت المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات على مستوى الأسواق المالية وذلك بتهافت المستثمرين على المنتجات المالية التي توافق بين المسؤولية الاجتماعية والبيئية للاستثمار مع الأداء المقبول. حيث تهدف الدراسة إلى تتبع هذه الظاهرة وإبراز أهمية هذه الصناعة على مستوى الأسواق المالية. ويتمثل السؤال الجوهري لهذه الورقة في:

 

فيما تكمن  أهمية صناديق الاستثمار الأخلاقية- المسؤولة اجتماعيا- والصناديق الإسلامية على مستوى الأسواق المالية؟

 

وانطلاقا من هذا السؤال يمكن وضع الأسئلة الفرعية الآتية:

 

-                    ما هي أسباب ظهور صناديق الاستثمار الأخلاقية- المسؤولة اجتماعيا- ؟

 

-                    هل يمكن لصناديق الاستثمار الأخلاقية أن تساهم في تنشيط الأسواق المالية؟

 

-                    ما هي أبرز التجارب الدولية الرائدة في استغلال صناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا كآلية لتنشيط السوق المالي؟

 

للإجابة عن هذه التساؤلات تفرض هذه الورقة مبدئيا أنه:

 

-                    توجه المستثمرين نحو الانفتاح على البيئة والثقافة الأخلاقية سبب في ظهور صناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا.

 

-                    تعتبر صناديق الاستثمار الأخلاقية طريق مختصر لتنشيط السوق المالي، ذلك بتحفيز المستثمرين ذوي التوجه الأخلاقي.

 

-                    يمكن للأسواق النامية الاستفادة من بعض التجارب الدولية الرائدة، في استغلال صناديق الاستثمار الأخلاقية  كآلية لتنشيط السوق المالي.

 

أهداف الدراسة:

 

-                    وضع إطار نظري لمفهوم صناديق الاستثمار الأخلاقية - المسؤولة اجتماعيا- والصناديق الإسلامية، بالإضافة إلى أهميتها.

 

-                    التعرف على دور صناديق الاستثمار الأخلاقية والإسلامية في الأسواق المالية.

 

أهمية الدراسة:

 

تكتسي هذه الدراسة أهمية كبيرة كونها تعالج جانب أساسي في حلقة النشاط الاقتصادي، إذ تعتبر السوق المالي حلقة الربط بين سوق الاستثمار وسوق التمويل-القيام بتعبئة المدخرات-، حيث تناقش الدراسة سبل تنشيط السوق المالي وفق صناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا والصناديق الإسلامية؛ كونها تحفز العديد من المستثمرين للدخول إلى السوق المالي، وتتميز بخصائص تحمل أبعادا أخلاقية، تتحمل من خلالها عبئ مسؤولية الحفاظ على مصلحة المجتمع.

 

أولا: المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية للمؤسسات

 

يعتبر دور المؤسسة الاقتصادية في التقريب بين هدفين يبدوان متناقضين: هما تحقيق الربح وترسيخ الأخلاق ذو أهمية وصعوبة بالغين، ذلك لان أخلقية الاقتصاد أصبحت ضرورة حتمية لمحاصرة التردي الذي يعرفه عالم المال والأعمال.

 

  1. 1.               علاقة الدين والأخلاق بالاقتصاد

 

يعد  عالم الاجتماع والاقتصاد الألماني ماكس فيبر  M Weber من رواد استعمال مصفاة أخلاقية ودينية لجميع القضايا وخاصة الاقتصاد، و اعتبر أن الأخلاق الرأسمالية ذات مصدر ديني ومصدرها الديانة البروتستنتية، وهي التي حققت النهضة الاقتصادية في أوروبا.[i]

 

واستطاعت الأخلاق المستقاة من الديانة الكونفوشيوسية أن تنظم وتضبط الحياة في جميع الميادين الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتحولت الديانة في العالم الأصفر إلى مذهب اقتصادي انتقل بهذه الشعوب إلى مرتبة المنافس الاقتصادي الذي يخشاه الغرب صاحب النهضة الاقتصادية.[ii] فالمعيار الذي تمشي عليه هذه الشعوب هو التفاني في العمل من اجل الذات والمجتمع على حد سواء، والسلوك المنتظم والالتزام الفعلي بالمسؤولية، وكل هذه المبادئ تثبت علاقة الأخلاق بالاقتصاد.

 

         وبذلك فان اللجوء إلى مفهوم الأخلاق والأدب يصبح السلاح الوحيد في أيدي من يريد الإصلاح ولجم الميل الطبيعي عند الإنسان في استغلال كل الفرص الاقتصادية للثراء السريع ولو على حساب سائر فئات المواطنين.[iii] ومن بين الأخلاق المتعلقة بالميدان الاقتصادي في الدول الكبرى هو تجسيد تقاليد عريقة تقف دون تحول نظام الحرية الاقتصادية إلى رأسمالية وحشية الطابع، وذلك عبر مكافحة التصرفات الاحتكارية أو عبر زيادة شفافية السوق من ناحية توفر المعلومات الصادقة، في إطار مفهوم متطور للمنافسة الشريفة الحرة التي يجب أن تسود في المجال الاقتصادي.

 

  1. 2.               سياسة المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات

 

المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات أو مسؤولية الشركات هي كل ما تقوم به الشركات، أيا كان حجمها أو مجال عملها، طواعية من أجل تعظيم قيمتها المضافة للمجتمع ككل. والمسؤولية الاجتماعية هي مسؤولية كل شخص بالشركة وليست مسؤولية إدارة واحدة أو مدير واحد. وتبدأ المسؤولية الاجتماعية للشركات من التزام الشركات بالقوانين المختلفة خاصة ما يتعلق بحقوق العاملين، والحفاظ على البيئة، وتنمية المجتمع.[iv]

 

في عصرنا هذا لم يعد مقبولا من الشركات الكبيرة أن تمد يد المساعدة إلى المجتمعات من باب الصدقة والإحسان، بل أصبح الجميع يدركون أن هذه المساعدة حق للمجتمع و مصلحة كبيرة للشركات و ليست مجرد واجب عليها.

 

ويمثل الاستثمار المسؤول اجتماعيا قوة عالمية متنامية تُعنى بقطاعات الاستثمار المختلفة، وهي تعتبر عملية يتم من خلال تقييم التبعات الاجتماعية والبيئية للاستثمارات في مختلف القطاعات في سياق التحليل المالي الدقيق لتلك الاستثمارات. ويتم النظر إلى الشركات، التي تلبي معايير محددة من معايير المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات، كفرص استثمارية سليمة من الناحية الأخلاقية، تضيف قيمة إلى المجتمع ككل إلى جانب مالكي الأسهم فيها.

 

  1. 3.               أبعاد المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات

 

سعى العديد من الكتاب والباحثين إلى محاولة تحديد أبعاد المسؤولية الاجتماعية، وقد تناول كل منهم تلك الأبعاد من وجهات نظر مختلفة،  حيث  يمكن اعتماد الأبعاد الأربعة المشتركة عند أغلب الباحثين والتي تمثلت في المسؤولية تجاه المجتمع، المسؤولية تجاه حماية المستهلك، المسؤولية تجاه أخلاقيات الأعمال، المسؤولية تجاه حماية البيئة والموارد الطبيعية( كما هو مبين في الجدول رقم  01 ).

 

الجدول رقم 01: أبعاد المسؤولية الاجتماعية

 

أبعاد المسؤولية الاجتماعية

المسؤولية اتجاه المجتمع

المسؤولية اتجاه حماية المستهلك

المسؤولية الأخلاقية

المسؤولية اتجاه حماية البيئة

- إنجاز المشاريع الأساسية

- تقديم الهبات والتبرعات

- توفير فرص العمل لأفراد المجتمع

- توفير فرص العمل للمعاقين

- توفير فرص العمل للنساء

- المساهمة في دعم الأنشطة الثقافية والحضارية

- المساهمة في دعم الاقتصاد المحلي

- التبيين

- السعر

- الضمان

- التعبئة والتغليف

- التوزيع

- الإعلان

- المقاييس والأوزان

- النقل والتخزين

 

- تناسق أهداف الشركة مع أهداف المجتمع

- عدم احتكار المنتجات

- وجود دليل عمل أخلاقي للمنظمة

- تشجيع العاملين على الإبلاغ عن الممارسات السلبية

- عدم التحايل بالأسعار

 

- الالتزام بالتشريعات البيئية

- الاقتصاد في استخدام الموارد

- الاقتصاد في استخدام مصادر الطاقة

- تجنب مسببات التلوث

- آلية التخلص من النفايات

- المساه ة في اكتشاف مصادر جديدة للمواد الخام والطاقة

 

المصدر :فؤاد محمد حسين الحمدي، الأبعاد التسويقية للمسؤولية الاجتماعية للمنظمات وانعكاساتها على رضا المستهلك (دراسة تحليلية لآراء عينة من المديرين والمستهلكين في عينة من المنظمات المصنعة للمنتجات الغذائية في الجمهورية اليمنية)، أطروحة دكتوراه، جامعة المستنصرية،  2003 ص: 4.

 

 

 

ثانيا: صناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا

 

من بين أهم الأدوات المالية التي شجعت المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات هي صناديق الاستثمار الأخلاقية         أو صناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا على مستوى الأسواق المالية وذلك بتهافت المستثمرين على المنتجات المالية التي توافق بين المسؤولية الاجتماعية والبيئية للاستثمار مع الأداء المقبول، ويشمل هذه المحور مفاهيم عامة حول صناديق الاستثمار التقليدية وصناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا بالإضافة إلى وكالات التنقيط المجتمعي.

 

 

 

 

 

 

 

  1. 1.               صناديق الاستثمار

 

إحدى القواعد الأساسية في الاستثمار أن لا تضع كل أموالك في استثمار واحد، حيث يستطيع المستثمر أن يخفض من درجة المخاطرة عند تنويع استثماراته، ومنه ظهرت فكرة صناديق الاستثمار.[v] ويمكن عرض صناديق الاستثمار في النقاط الآتية:

 

1.1 نشأة صناديق الاستثمار

 

تعتبر البداية الحقيقية للصناديق الاستثمارية بالمفهوم القائم حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1924، أين قام أساتذة من جامعة هارفارد الأمريكية بإنشاء أول صندوق استثماري في بوسطن بأصول لم تتجاوز 392 ألف دولار أمريكي يمتلكها 200 مساهم في ذلك الوقت، ثم ازدهرت الصناديق الاستثمارية ونمت بشكل كبير عقب الحرب العالمية الثانية، حيث بلغ عددها 352 صندوق عام 1947 بأصول صافية بلغت 4 مليارات الدولارات.[vi]

 

ومن الأسباب التي أدت إلى نمو صناديق الاستثمار التقليدية هي تراجع دور المصارف في سوق الإقراض، وانخفاض سعر الفائدة مما أدى إلى تراجع الودائع.

 

- اهتمام المصارف بهذه الصناديق نتيجة عوائد الخدمات المقدمة لهذه الصناديق.

 

- زيادة الطلب على هذه الصناديق من قبل الأفراد.

 

2.1 مفهوم صناديق الاستثمار

 

تختلف مفاهيم الصندوق الاستثماري حسب الجهة المصدرة له وحسب الهدف من إنشائه، ومنه يعرّف صندوق الاستثمار بأنه "وعاء مالي لتجميع مدخرات الأفراد واستثمارها في الأوراق المالية من خلال جهة ذات خبرة في إدارة محافظ الأوراق المالية وفقا لرغبات المستثمرين ودرجة تقبلهم للمخاطر، وإنما يعود بالفائدة على البنك الذي يؤسس صناديق الاستثمار أو الشركات، وذلك من أجل تقليل مخاطر الاستثمار وزيادة الفائدة"[vii].

 

 كما تعرف صناديق الاستثمار " بأنها مؤسسات مالية تقوم بالاستثمار الجماعي للأوراق المالية، عن طريق تجميع المدخرات من عدد كبير من المستثمرين، بموجب صكوك أو وثائق استثمارية موحدة القيمة ثم تعهد بها إلى جهة أخرى تسمى مدير الاستثمار، لاستثمار هذه المدخرات في الأوراق المالية لصالح المدخرين والمستثمرين معا"[viii].

 

ويتمثل مبدأ عمل الصندوق في جمع الأموال من المستثمرين وإعادة استثمارها ( كما هو مبين في الشكل رقم 01 ). من الجلي إذا، أن نفس المنطق الذي كان أساس ظهور الصناديق الاستثمارية وانتشارها ونموها، هو نفسه المنطق الذي اعتمد عليه عمل نموذج المصرف الإسلامي الذي يعتمد في جانب الخصوم على عقد المضاربة.

 

 

 

الشكل رقم 01: وظيفة صناديق الاستثمار الجماعي

 

 

 

المصدر: Mark St Giles, et al, Managing Collective Investment Funds, Second Edition, John Wiley Edition, England, 2003, p: 13.

 

  1. 2.               صناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا (الأخلاقية)

 

من بين أنواع صناديق الاستثمار الأكثر دراسة في الآونة الأخيرة في البلدان المتطورة هي صناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا أو الأخلاقية، حيث يمكن تقديم صناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا من خلال النقاط الآتية:

 

1.2 نشأة صناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا

 

إحدى التطورات الجديدة في الصناعة المالية هي ارتفاع الاستثمارات ذات المسؤولية الاجتماعية أو الأخلاقية، وترجع أصول الاستثمارات الاجتماعية إلى مئات السنوات السابقة، إلا أن الجذور الحديثة للاستثمار الاجتماعي تعود إلى المناخ السياسي لسنوات الستينيات من القرن الماضي، وذلك مع ظهور عدة قضايا مثل البيئة والحقوق المدنية و الطاقة النووية، التي زادت من الوعي الاجتماعي للمستثمرين. وفقا لذلك، بدأت صناديق الاستثمار بنية واضحة بتلبية مطلب دمج المعايير الأخلاقية والاجتماعية في عملية الاستثمار، وأدى ذلك إلى زيادة كبيرة في أصول صناديق الاستثمار المدارة بشكل أخلاقي.[ix]

 

من أهم البواعث على ظهور الصناديق الاستثمارية ذات المسؤولية الاجتماعية، من جهة، هو تحقيق رغبات وتفضيلات المستثمرين التي لا تتحقق بصفة مباشرة في الأسواق، ومن أهم تلك التفضيلات ما يسمى بالأولويات الاجتماعية، إذ إن كثيراً من المستثمرين يطمح لتحقيق أرباح، إلا أنه يرغب أن يكون ذلك مقيداً بتحقيق أغراض دينية أو اجتماعية أو سياسية.[x] ومن جهة أخرى، هو بلوغ نتيجة أكثر قبولا من الناحية الاجتماعية، بدون إحداث اختلالات اقتصادية كلية وبيئية طويلة الأجل، أو تحطيم الانسجام العائلي والاجتماعي أو النسيج الأخلاقي للمجتمع.[xi]

 

 

 

 

 

2.2 مفهوم صناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا

 

الاستثمار الأخلاقي أو الاستثمارات المسؤولة اجتماعيا، وهو: "مصطلح عام للاستثمارات واستراتيجيات الاستثمارات التي تأخذ بعين الاعتبار المحاولة لخلق التغيير الاجتماعي الايجابي، وتقليل الضرر البيئي ودمج الاعتقادات الدينية أو الأخلاقية، وبسبب العولمة، يدرك المشاركون في سوق الأوراق المالية، بان قرارات استثماراتهم لها نتائج حول العالم، ومن الصعب اتخاذ قرار استثماري بدون امتلاك بعض التأثيرات على البيئة والتنمية الاجتماعية، مما يدعو إلى الموازنة بين تحقيق عائدات مالية ايجابية ومستويات منخفضة من  الأضرار البيئية والاجتماعية."[xii]

 

         وحسب منتدى الاستثمار الاجتماعي*، فان الاستثمار المسؤول اجتماعيا هو: "عملية استثمار التي تعتبر النتائج الاجتماعية والبيئية للاستثمارات، ايجابية كانت أم سلبية، ضمن التحليل المالي الصارم والدقيق."[xiii]

 

ومنه فصناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا عبارة عن محافظ لأوراق مالية واستثمارات فعلية  تستثمر في مؤسسات  ومشاريع التي تحقق الشروط السابقة.

 

3.2          وكالات التنقيط المجتمعي

 

لقد طورت كبرى وكالات التنقيط المالي، مثلStandard & Poor’s  وMoody’s، نوع جديد من الوكالات موجهة لإعلام المستثمرين بمدى التزام المؤسسات بالمسؤولية الاجتماعية، حيث نشأت هذه الوكالات في نهاية التسعينات، وتقيم هذه الوكالات الالتزامات والسياسات المتبعة وأداء المؤسسة في الميادين الاجتماعية والبيئية والحوكمة المرتبطة بأنشطة المؤسسة.  وذلك بتصنيف المؤسسات بدرجات مختلفة حسب معطيات اقتصادية كلية من جهة، وإرسال قائمة أسئلة إلى المؤسسات من جهة أخرى، واستخدام هذه المعلومات في تنقيط المؤسسات حسب المعايير الاجتماعية والأخلاقية.[xiv]

 

يستعمل مسيرو صناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا ملاحظات ونتائج تحليل وكالات التنقيط المجتمعي للاستثمارات والمؤسسات من اجل تحسين اختياراتهم في الاستثمار.[xv]  

 

ثالثا: صناديق الاستثمار الإسلامية وهيئات الرقابة الشرعية

 

يعتبر الاستثمار الإسلامي نموذجا فريدا للتعبير عن المسؤولية الاجتماعية والبيئية والأداء الحسن، وذلك لشعور الإنسان المسلم بالمسؤولية تجاه الآخرين وتجاه البيئة وتجاه الأجيال القادمة باعتباره خليفة في الأرض.

 

مع إنشاء البنوك الإسلامية، بدأ التفكير في إنشاء صناديق الاستثمار الإسلامية، حيث تم إنشاء العديد منها في الدول العربية وغيرها، لتعمل على الاستثمار وفق الشريعة الإسلامية، ومما ساعد على إنشاء هذه الصناديق، استحداث العديد من الأدوات الاستثمارية وقيام بعض المؤسسات المالية الإسلامية بدراسة الضوابط الشرعية للاستثمار في أوراق مالية لشركات قائمة.[xvi] ويعرض هذا المحور مفاهيم خاصة بصناديق الاستثمار الإسلامية وهيئات الرقابة الشرعية.

 

 

 

  1. 1.               صناديق الاستثمار الإسلامية

 

تعتبر صناديق الاستثمار الإسلامية "أحد المؤسسات المالية الإسلامية التي تتولى تجميع أموال المستثمرين في صورة وحدات أو صكوك استثمارية، ويعهد بإدارتها إلى جهة من أهل الخبرة والاختصاص، لتوظيفها وفقاً لصيغ الاستثمار الإسلامية المناسبة، على أن يتم توزيع صافى العائد فيما بينهم حسب الإنفاق، ويحكم كافة معاملاتها أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية والقوانين والقرارات والتعليمات الحكومية واللوائح والنظم الداخلية".[xvii]  

 

تتسم صناديق الاستثمار الإسلامية بذاتية تميزها عن غيرها من الصناديق التقليدية من حيث طبيعة العلاقة بينها وبين أصحاب الوحدات (الصكوك) الاستثمارية، وكذلك من حيث طبيعة أدوات تجميع المدخرات، ومن حيث صيغ توظيف الأمـوال، وأيضاً من حيث طبيعة العلاقة التي تنشأ بين أصحاب الوحدات الاستثمارية وبين إدارة تلك الصناديق وبين المؤسسات المالية التي تتبعها أحيانا. وكذلك من حيث التزامها بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية في معاملاتها واتساع مسؤولية القائمين على أمرها لتشمل المسؤولية أمام المجتمع وأمام الأمة الإسلامية وأمام الله عز وجل.[xviii]

 

وتمثل هذه الصناديق أحد أهم الوسائل لدخول البنوك التقليدية في سوق الخدمات المصرفية الإسلامية دون الحاجة إلى تغير هيكلها الإداري أو نظام عملها وترخيصها، لذلك أنشأت العديد من البنوك الربوية صناديق استثمارية تتماشى مع الشريعة الإسلامية.

 

تعتبر المقاربة الإسلامية في الاستثمارات وصناديق الاستثمار متوافقة والمسؤولية الاجتماعية للاستثمارات. وزيادة عنها، فهي قائمة بآليات البنوك الإسلامية أي بدون مداخيل ربوية وغيرها من المحرمات.[xix]   

 

2. أنواع صناديق الاستثمار الإسلامية

 

توجد عدة أنواع لصناديق الاستثمار الإسلامية أهمها:[xx]

 

أ. صناديق الأسهم الإسلامية

 

ظهرت صناديق الاستثمار الإسلامية بالأسهم استجابة لرغبات ذوي الالتزام من المسلمين الذي يحرصون على المباح من الدخل، يقوم عمل الصندوق على مبادئ أساسية:

 

ـ  الاستثمار في أسهم الشركات التي يكون نشاطها مباحا، لتحقق أرباحا من زيادة أسعار أسهم هذه الشركات، إلا أن الفقهاء اختلفوا في الشركات التي أصل عملها مباح، ولكنها تمارس بعض الأعمال المحرمة كأن تقترض بفائدة، أو تودع أموالها بفائدة. حيث رأى البعض عدم الاستثمار في أسهمها، والرأي الثاني يرى إمكانية الاستثمار في أسهمها، وعلى مدير الصندوق أن يحسب الدخل الناتج عن أعمال محرمة، ويستبعده من الدخل الذي يحصل عليه المستثمر في الصندوق، ومخاطر الاستثمار في هذه الصناديق عالية.

 

ـ أن لا يمارس المدير في الصندوق عمليات غير جائزة مثل البيع القصير للأسهم أو الخيارات المالية أو الأسهم الممتازة.

 

 

 

 ب. صناديق السلع

 

يعتبر نشاط صناديق السلع الأساسي شراء السلع بالنقد ثم بيعها بالأجل، تتجه هذه الصناديق بصفة أساسية إلى أسواق السلع الدولية، ولصناديق الاستثمار في السلع الإسلامية ضوابط منها أنها تقتصر على السلع المباحة وتلك التي يجوز شراءها بالنقد وبيعها بالأجل، فيستثنى من السلع الذهب والفضة. ويمكن أن تعمل صناديق السلع بصيغة البيع الآجل أو المرابحة أو السلم وكل هذه الصيغ قابلة للتطبيق في أسواق السلع الدولية، ولصناديق السلع نوعان:

 

-                  صناديق المرابحة

 

تقوم صناديق المرابحة على التمويل بالأجل بطريق المرابحة وبخاصة في أسواق السلع الدولية. فيقوم الصندوق بشراء كمية من سلعة الحديد مثلاً بالنقد، ثم بيعها إلى طرف ثالث (غير من اشتراها منه) بالأجل. ويكون الأجل قصيراً في الغالب يتراوح بين شهر وستة أشهر. ويستفيد من عمليات التمويل الشركات المتعاملة في أسواق السلع لتمويل المخزون، ومصافي البترول لتمويل حصولها على الخام وشركات المواد الأولية كالسكر ونحوه.

 

-                   صناديق السلم

 

السلم بيع يؤجل فيه قبض المبيع ويعجل فيه قبض الثمن، ويمكن توليد الربح من بيوع السلم في الصناديق الاستثمارية عن طريق الدخول في عقد سلم محله بضاعة موصوفة في الذمة كالقمح أو الشعير أو الزيوت…،الخ.

 

ج. صناديق التأجير

 

يعتمد عمل صناديق التأجير على امتلاك الصندوق للأصول المؤجرة مثل المعدات والسيارات والطائرات وأحيانا العقار. وتولد الدخل من الإيرادات الايجارية، وتختلف الصناديق باختلاف عقود الإيجار لأصول الصندوق، فبعضها يقوم على عقد الإيجار المعتاد. وهنا يتحمل الصندوق مخاطرة ثمن الأصول عند انتهاء العقود، وربما كان على صفة الإيجار المنتهي بالتمليك وفي هذه الحالة تغطي الإيرادات قيمة الأصل كاملا.

 

3.  هيئات الرقابة الشرعية على صناديق الاستثمار الإسلامية

 

هناك ضرورة حتمية لخضوع معاملات وأعمال صناديق الاستثمار الإسلامية للرقابة الشرعية والمالية، رقابة شرعية حيث "يجب على الإدارة العليا لبرنامج الاستثمار الجماعي الإسلامي التأكد من وضع نظم وآليات مناسبة وفعالة للمتابعة السابقة واللاحقة للالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها"[xxi]، ورقابة مالية "توجب أن يكون على عمليات الصندوق رقابة فعالة متعددة المقاصد والجوانب للاطمئنان على المحافظة على الأموال وتنميتها وتحديد الحقوق بالعدل، و دليل ذلك من الكتاب قول الله تعالى:  ) وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ( [ البقرة : 282] ."[xxii]ومنه فمفهوم الرقابة الشرعية على صناديق الاستثمار الإسلامية ومجالاتها كالآتي:

 

 

 

 

 

 

 

1.3  مفهوم الرقابة الشرعية على صناديق الاستثمار الإسلامية

 

تتمثل الرقابة الشرعية على صناديق الاستثمار الإسلامية في: "متابعة ومراجعة وفحص وتقويم كافة المعاملات والتصرفات والأعمال التي تقوم بها تلك الصناديق للاطمئنان من أنها تتم وفقاً لأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية وكذلك طبقاً للفتاوى والقرارات والتوصيات المعاصرة الصادرة عن مجامع الفقه وهيئات ومجالس الفتوى، وبيان المخالفات، وتحليل أسبابها، ثم تقديم المعالجات الشرعية لها مقرونة بالتوصيات والإرشادات اللازمة لتطوير الضبط الشرعي إلى الأفضل"[xxiii]. وذلك بتقديم تقارير دورية تثبت ما إذا كانت إدارة الصندوق قد التزمت في معاملاتها بأحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.

 

2.3  مجالات الرقابة الشرعية على صناديق الاستثمار الإسلامية

 

تخضع كافة معاملات وعمليات الصناديق للرقابة الشرعية والتي تتمثل في الآتي:[xxiv]

 

 ـ الرقابة الشرعية على عمليات إصدار الوحدات (الصكوك) الاستثمارية والتأكد من استيفاء شروط عقد المضاربة من الناحية الشرعية وأنها لا تتضمن أي بنود غير جائزة شرعا، ويجب على هيئة الرقابة القيام بالعملية قبل الإصدار لمراجعة شروطه.

 

 ـ التدقيق الشرعي على عمليات شراء الأوراق المالية وتكوين محفظتها والتأكد من أنها لا تتضمن أي أوراق محرمة شرعا، وكذلك عمليات الاستثمار في مشروعات استثمارية مباشرة والتأكد من أنها تتم وفقاً لصيغ ومعايير الاستثمار الإسلامي.

 

 ـ التدقيق الشرعي على عمليات التقويم الدوري لقيمة الوحدات الاستثمارية، والاطمئنان من أنه قد اتبعت الأسس والمعايير الإسلامية ولاسيما الصادرة عن هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية.

 

 ـ التدقيق الشرعي على عمليات استبدال الوحدات الاستثمارية والاطمئنان من أنها قد تمت وفقاً للمعايير الشرعية الصادرة عن الهيئة.

 

 ـ التدقيق الشرعي على عمليات تحديد وقياس أرباح / خسائر نشاط الصندوق والتأكد من أن التوزيع قد تم وفقاً لشروط عقود المضاربة والوكالة.

 

 ـ التأكد من شرعية الإيرادات والتأكد من أنها لا تتضمن أي كسب حرام أو خبيث، وإن وجد فقد جُنِّبَ في حساب مستقل تمهيداً للتخلص منه في وجوه الخير حسب الفتاوى الشرعية الصادرة في هذا الشأن.

 

 ـ التأكد من شرعية النفقات، والتأكد من أنها لا تتضمن بنود إسراف أو تبذير أو ترف أو بنود لا تخص نشاط الصندوق.

 

رابعا: دور صناديق الاستثمار الأخلاقية والإسلامية في تنشيط الأسواق المالية النامية

 

يختلف المستثمرون في درجة اهتمامهم بالقضايا الأخلاقية، إلا انه هناك جاذبية نحو الاستثمارات المسؤولة اجتماعيا للكثير من المستثمرين عبر مختلف الأسواق المالية الناشئة منها والمتطورة، لما لها من خصائص تنموية مستدامة. ويبحث هذا المحور كل من أهمية الاستثمارات الأخلاقية وواقعها في الأسواق المتطورة والناشئة بالإضافة إلى أداءها ودورها في التنمية عموما وفي الأسواق المالية الناشئة خصوصا.

 

  1. 1.               مزايا صناديق الاستثمار الأخلاقية والإسلامية

 

تتلخص مزايا الاستثمار في الصناديق الاستثمارية عموما في الأتي:[xxv]

 

-                   تنشيط حركة أسواق رأس المال وذلك عن طريق تشجيع المستثمرين قليلي الخبرة والمعرفة بإيداع مدخراتهم في شركات الاستثمار، وتحقيق مستوى أعلى من العائد.

 

-                   التنوع الكفء لمكونات الصندوق بطريقة تسهم في تخفيض المخاطر إلى أدنى حد ممكن عن طريق تنويع التشكيلة التي يتكون منها صندوق الاستثمار.

 

-                   توفير قدر من المرونة للمستثمرين في حرية تحويل استثماراتهم من صندوق لآخر، وذلك مقابل رسوم ضئيلة، وكذلك يمكن لشركات الاستثمار أن تسترد أسهمها إذا ما رغب المستثمر في التخلص منها كليا أو جزئيا.

 

-                   الاستفادة من خبرات الإدارة المحترفة، لأنه من الصعب على الأفراد القيام بشراء الأسهم من السوق المنظمة وغير المنظمة واتخاذ القرار الاستثماري ومراقبة حركة الأسعار في السوق، ومتابعة باستمرار لمستوى مخاطرة المحفظة، في حين أنها مهمة سهلة على الخبراء المحترفين بالصندوق.

 

بالإضافة إلى الخصائص الأخلاقية التي من شأنها أن تضفي الكثير من المزايا على الاستثمارات مثل:

 

ـ حماية البيئة والمساهمة في التقليل من الأضرار البيئية للاستثمارات وحماية الموارد الأساسية كالمياه والغابات والحياة البرية والتربة وتطويرها.

 

ـ المساهمة في التقليل من الأضرار الاجتماعية للاستثمارات، حيث أن هذه الاستثمارات مسؤولة اجتماعيا عن مكافحة الفساد وتجنبه والالتزام بحقوق الإنسان والعمل والعمال ومساعدتهم في تحقيق مكاسب اقتصادية واجتماعية.

 

  1. أداء وتطور صناديق الاستثمار الأخلاقية و الإسلامية

 

هناك عدة دراسات أجريت لقياس أداء صناديق الاستثمار التقليدية وصناديق الاستثمار الأخلاقية والإسلامية باستعمال مختلف مقاييس ومؤشرات الأداء للمحافظ المالية.

 

1.2.  آليات قياس أداء صناديق الاستثمار

 

هناك عدة آليات ومؤشرات لقياس أداء الصناديق الاستثمارية، منها المقاييس التقليدية التي تعتمد على مقارنة أداء الصندوق مع أداء محفظة السوق، وأشهرها:[xxvi]

 

ـ  مؤشر جنسن Jensen : الذي يعتمد على مقارنة عائد الصندوق مع عائد محفظة السوق.

 

ـ و مؤشر شارب Sharpe : ويمثل نسبة المكافأة إلى التقلب ويقصد بالمكافأة الفرق مابين عائد المحفظة والعائد الخالي من المخاطرة، منسوبة إلى التقلب لعوائد أصول المحفظة الاستثمارية أي الانحراف المعياري لعوائد أصول المحفظة الاستثمارية.

 

ـ ومؤشر ترينور Treynor: الذي يعتمد على إمكانية السيطرة على المخاطر غير المنتظمة بواسطة التنويع الجيد.

 

والمقاييس البديلة لذلك هي المقاييس التي تعتمد على تقدير نماذج بمتغيرات متعددة مفسرة لخصوصية كفاءة أداء مدير الصندوق، مثل نموذج متعدد العوامل.

 

وفي ما يخص معايير تقويم أداء صناديق الاستثمار الإسلامية للاطمئنان من تحقيقها للخطط المستهدفة، ومعرفة مدى التزامها بالمسئوليات الملقاة عليها تجاه المشاركين والمجتمع والبيئة، يتطلب ذلك تحديد معايير ومؤشرات تساعد في هذا المجال، ولكن ما يجب الإشارة إليه، هو أن يغطى التقويم المجالات الآتية:[xxvii]

 

(1) ـ التقويم الشرعي لنشاط الصندوق، ومدى وجود هيئة رقابة شرعية ومراقب شرعي طوال العام، وأن ملاحظاته تؤخذ في الاعتبار لعلاج المخالفات، ومدى التعاون بينه وبين المراقب الداخلي والمراقب الخارجي.

 

(2) ـ تقويم قدرة الصندوق على تجميع الأموال للاستثمار من منظور الإصدارات المالية المطروحة وحجم الطلب عليها، ومعدل الاسترداد.

 

(3) ـ تقويم الأداء الاستثماري للصندوق وحسن إدارة محفظة الأوراق المالية، وكذلك الاستثمارات المباشرة.

 

(4) ـ تقويم العائد على محفظة الأوراق المالية والاستثمارية من منظور النمو ومقارنته بتكلفة الفرصة البديلة.

 

(5) ـ تقويم الكفاءة الفنية لإدارة الصندوق من منظور أداء العمل حسب الخطط والسياسات والنظم و انخفاض نسبة المشكلات الإدارية.

 

(6) ـ تقويم دور الصندوق في تطبيق أحكام ومبادئ الاقتصاد الإسلامي والاستثمار الإسلامي ودوره الإعلامي في هذا المجال.

 

(7) ـ تقويم دور الصندوق في التنمية الاجتماعية حسب المخطط.

 

(8) ـ تقويم دور الصندوق في المحافظة على البيئة والمشاركة في مشروعاتها.

 

(9) ـ تقويم مدى التزام العاملين بالصندوق بالقيم والأخلاق والسلوك السوي.

 

(10) ـ تقويم مدى استخدام الصندوق لأساليب التقنية المعاصرة.

 

(11) ـ تقويم معدلات التطور والنمو في أنشطة الصندوق بصفة عامة.

 

أجريت عدة دراسات تجريبية لقياس أداء صناديق الاستثمار التقليدية وصناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا وصناديق الاستثمار الإسلامية ودراسات لمقارنة الأداء مثل دراسة لقلدريرGoldreyer    وآخرون سنة 1999  ودراسة كبير وجيرارد Girard  و Kabir  سنة 2005 و دراسة ل: فيكيرياج Fikriyah   2007 .[xxviii]

 

حيث أثبت الدراسات التطبيقية أن هناك أداء جيد لصناديق الاستثمار الإسلامية مقارنة بصناديق الاستثمار التقليدية رغم قلة التنويع الناتج عن رفض عدة أنواع من الاستثمارات المخالفة لهدف هذه الصناديق، بالإضافة إلى الأداء الحسن أثناء الأزمات عكس صناديق الاستثمار التقليدية.

 

 

 

2.2. نمو وتطور صناديق الاستثمار الإسلامية

 

تطور عدد صناديق الاستثمار الإسلامية في أنحاء العالم بشكل ملحوظ، حيث لم تتجاوز 300 صندوق إسلامي سنة 2004، ووصل عددها إلى أكثر من 750 صندوق في الربع الأول من سنة 2010، وذلك بزيادة مستمرة. ووصل حجم الأصول المدارة في صناديق الاستثمار الإسلامية إلى 52,3 بليون دولار في بداية 2010 بعدما كان 29,2 بليون دولار في نهاية 2004.[xxix]

 

أثرت الأزمة المالية العالمية 2007 ـ2008 سلبا على صناديق الاستثمار التقليدية، مما أدى إلى انخفاض أصولها المدارة من 26,1 تريليون دولار سنة 2007 إلى 19 تريليون دولار نهاية  سنة 2008، ومع ذلك فان صناديق الاستثمار الإسلامية استمرت في الارتفاع حتى أثناء الأزمة المالية.

 

تعتبر الأسواق المالية في الدول الإسلامية، عموما، أسواقا ناشئة مما استوجب إدراج مشتقات مالية لتفعيل وتنشيط هذه الأسواق، بالإضافة إلى خصوصية المستثمرين في البلدان الإسلامية وعقائدهم، التي لا تسمح لهم إلا بالاستثمار في الصناديق المسؤولة اجتماعيا ودينيا، وهذا ما قامت به بعض الدول الإسلامية كما هو مبين في الجدول رقم (2).

 

الجدول رقم (2): صناديق الاستثمار الإسلامية في بعض الدول الرائدة في الصناعة سنة 2010

 

الحجم بليون دولار أمريكي

 

البلد

عدد الصناديق سنة 2010

حجم الأصول الصافية للصناديق

المملكة العربية السعودية

181

22.8

ماليزيا

177

5.1

المملكة العربية المتحدة

100

6.1

الكويت

82

4.0

البحرين

24

1.2

 

المصدر: من إعداد الباحثين بالاعتماد على تقريرErnst & Young, Op-cit, p : 52 .

 

         كانت الدول الموضحة في الجدول رقم (2) السبَاقة في فهم خصوصيات المستثمرين الأخلاقيين وأهدافهم خاصة المملكة العربية السعودية وماليزيا، مما أدى إلى استجابة كبيرة وسريعة من المستثمرين بالدخول إلى السوق المالية، والاستثمار في الصناديق الإسلامية والمسؤولة اجتماعيا.

 

3.2.  نمو وتطور صناديق الاستثمار الأخلاقية

 

نجحت العديد من الأسواق المالية في تلبية مطالب المستثمرين الأخلاقيين، والرامية إلى تكوين محافظ من استثمارات أخلاقية ودينية، يستطيعون من خلالها الدخول إلى الأسواق المالية دون المساس بعقائدهم ومبادئهم، ومن ابرز الأسواق المالية التي لم تتخلى عن هذه الفئة المهمة من أصحاب رؤوس الأموال بتحفيز المؤسسات لإتباع سياسات مسؤولة اجتماعيا وتكوين صناديق ذات توجه أخلاقي وديني، نجد السوق المالي الأمريكي والأسواق المالية الأوربية. ومثال ذلك السوق المالي الأمريكي، حيث تعتبر السوق المالية الأمريكية أكثر الأسواق المالية تطورا، وهي مهد صناديق الاستثمار الأخلاقية، حيث استمرت هذه الصناعة في التطور السريع كما هو مبين في الجدول رقم (3).

 

الجدول رقم (3): تطور صناديق الاستثمار الأخلاقية في الولايات المتحدة الأمريكية

 

السنوات

1995

1997

1999

2001

2003

2005

2007

2010

عدد الصناديق الأخلاقية

55

144

168

181

200

201

260

493

المجموع الصافي للأصول (بليون)

12$

96$

154$

136$

151$

179$

202$

596$

 

المصدر: Social Investment Forum Foundation, Report On Socially  Responsible Investing Trends In The United State 2010, p : 8 .

 

حيث استطاعت صناديق الاستثمار الأخلاقية أن تجذب رؤوس الأموال الراغبة في الاستثمارات الأخلاقية، ابتداء بصندوق أخلاقي واحد سنة 1971، وصولا إلى 493 صندوق أخلاقي سنة 2010 تدير أصول صافية بقيمة 596 بليون دولار أمريكي،[xxx] منها 8 صناديق إسلامية تدير أكثر من 2.7 بليون دولار أمريكي.[xxxi]

 

 

 

خلاصة:

 

إحدى القواعد الأساسية في الاستثمار أن لا تضع كل أموالك في استثمار واحد، حيث يستطيع المستثمر أن يخفض من درجة المخاطرة عند تنويع استثماراته، ومنه ظهرت فكرة صناديق الاستثمار، ومن بين أنواع صناديق الاستثمار الأكثر دراسة في الآونة الأخيرة في البلدان المتطورة هي صناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا أو الأخلاقية.

 

تتمثل مزايا صناديق الاستثمار في تنشيط أسواق الأوراق المالية وذلك عن طريق تشجيع المستثمرين لوجود الإدارة المحترفة والتنويع الكفء وتوفير قدر من المرونة في حرية تحويل استثماراتهم، بالإضافة إلى رغبات المستثمرين في تمويل الأنشطة التي لها آثار إيجابية على المجتمع والموافقة لاعتقاداتهم، وذلك بالاستثمار في الصناديق الاستثمار المسؤولة اجتماعيا وذات التوجه الأخلاقي.

 

وتعتبر صناديق الاستثمار الإسلامية، التي تجمع بين المسؤولية الاجتماعية للاستثمارات والمسؤولية الأخلاقية وتتوافق مع الشريعة الإسلامية، من بين التطورات التي شهدتها الصناعة المالية في الآونة الأخيرة، إذ استمرت في النمو واستقطاب أموال المسلمين وغير المسلمين وانتشرت في بلاد المسلمين وغير المسلمين.

 

مع ذلك، فان حجم الأموال المدارة في صناديق الاستثمار الإسلامية أقل بكثير من تلك المدارة في الصناديق التقليدية، حيث توصي هذه الدراسة بتسويق المنتجات المالية الإسلامية عامة، ومنتجات صناديق الاستثمار الإسلامية خاصة لاستقطاب أموال المسلمين بدرجة أولى.

 

أثبت الدراسات التطبيقية أن هناك أداء جيد لصناديق الاستثمار الإسلامية مقارنة بصناديق الاستثمار التقليدية رغم قلة التنويع الناتج عن رفض عدة أنواع من الاستثمارات المخالفة للشريعة، بالإضافة إلى الأداء الحسن أثناء الأزمات عكس صناديق الاستثمار التقليدية، حيث توصي هذه الورقة باعتماد صناديق الاستثمار الإسلامية للحد من أثار الأزمات المالية. ومنه فان دور القيم الأخلاقية والدينية والاجتماعية كبير في الرفع من أداء أدوات الاستثمار المالية.

 

  ومنه، يجب التفكير في إنشاء صناديق استثمار متخصصة لتلبية رغبات جميع المستثمرين، خاصة منهم الأخلاقيون والإسلاميون نظرا لخصوصية المستثمرون في الدول الإسلامية.

 

 

 

 

 

الإحالات و الهوامش:

 



[i] Max WEBER , (1904-1905), L’éthique protestante et l’esprit du CAPITALISME, Un document produit en version numérique par Jean-Marie Tremblay, professeur de sociologie, Dans le cadre de la collection: "Les classiques des sciences sociales", Bibliothèque Paul-Émile-Boulet de l'Université du Québec à Chicoutimi, 2002, p : 25 .

[ii]  عبدالله بن منصور، عبد الرزاق بن حبيب، الاقتصاد والأخلاق أي توافق؟، مجلة الاقتصاد والإدارة جامعة تلمسان، رقم :7، افريل 2008، ص: 15.

[iii]  نفسه، ص:16.

[iv] Hung-Gay Fung, Sheryl A. Law and Jot Yau, Socially Responsible Investment in a Global Environment, 2010, Edward Elgar Publishing, Inc., USA.p: 3.

[v] Yasuyuki Fuchita, Robert e. Litan, Pooling Money: The Future of Mutual Funds, brookings institution press, 2008, P :2.

[vi] Matthew P. Fin, Rise of mutual funds : an insider’s view, Published by Oxford University Press, Inc, 2008,P:29.

[vii] -  عصام أبو النصر، نموذج محاسبي مقترح لقياس وتوزيع عوائد الصناديق الاستثمارية، أبحاث ندوة صناديق الاستثمار في مصر الواقع والمستقبل، مصر، الجزء الأول، ص ص: 74-75

[viii] - نزيه عبد المقصود مبروك، صناديق الاستثمار بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الوضعي، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2006، ص 89.

[ix] Rob Bauer, Kees Koedijk , Rogér Otten, International evidence on ethical mutual fund performance and investment style, Journal of Banking & Finance 29 (2005) 1751–1767.

[x]  محمد علي القري، الصناديق الاستثماريةالإسلامية، ورقة مقدمة لندوة التطبيقات الإسلامية المعاصرة ، 5-8 ماي 1998م، الدار البيضاء ، المغرب

[xi] محمد عمر شابرا، مستقبل علم الاقتصاد من منظور إسلامي، الطبعة الثانية، ترجمة : رفيق يونس المصري، 2005، دار الفكر، دمشق، سوريا، ص: 89.

[xii] Hung-Gay Fung, Sheryl A. Law and Jot Yau, Socially Responsible Investment in a Global Environment, p:4.

*  منتدى الاستثمار الاجتماعي هو  منظمة أمريكية غير ربحية، تروج لمفهوم وممارسة ونمو الاستثمار المسؤول اجتماعيا   (Www.Socialinvest.Org)

[xiii] Hung-Gay Fung, Op-cit, 2010, p:4.

[xiv] Quels sont les principaux acteurs de l’Investissement Socialement Responsable (ISR), www.LaFinancePourTous.com 08-12-2010

[xv] Les Mini-Guides Bancaires, L’investissement socialement responsable (ISR), la Fédération Bancaire Française , Juillet 2010 - Hors-série , p : 22

[xvi]  هشام جبر، صناديقالاستثمارالإسلامية، بحث مقدم إلى المؤتمر العلمي الأول،حول الاستثمار والتمويل في فلسطين بين آفاق التنمية والتحديات المعاصرة، المنعقد بكلية التجارة في الجامعة الإسلامية في الفترة من 8-9 مايو2005، ص: 17.

[xvii]   هشام جبر، نفس المرجع،2005، ص:19.

[xviii]  حسين حسين شحاتة، منهج مقترح لتفعيل الرقابة الشرعية والمالية على صناديق الاستثمار الإسلامية، مجلة الاقتصاد الإسلامي، العدد 245، جامعة الأزهر، مصر، 2009، ص:5.

[xix] Mohamed Nacer THBET, Fonds D’investissement Socialement Responsables, colloque international, Avril 2010, Ecole superieure de commerce d’alger.

[xx]  محمد علي القري، مرجع سابق، 1998، ص ص:15ـ17./ نزيه عبد المقصود مبروك، صناديق الاستثمار بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الوضعي، دار الفكر الجامعية، الطبعة الأولى، 2006، مصر، ص ص: 107ـ111./ هشام جبر، مرجع سابق،2005،  ص ص 19-20./ Mohamed Nacer THBET, Op-cit, 2010, pp:12-14 /

[xxi]  المبدأ 3، المبادئ الإرشادية لضوابط برامج الاستثمار الجماعي الإسلامي، مجلس الخدمات المالية الإسلامية، جانفي 2009،( www.ifsb.org) يعتبر هذا المجلس هيئة دولية، تضع معايير لتطوير وتعزيز صناعة الخدمات المالية الإسلامية.

[xxii]  حسين حسين شحاتة،مرجع سابق، 2009، ص: 11.

[xxiii]   حسين حسين شحاتة، مرجع سابق ، ص: 19.

[xxiv]   نفس المرجع ، 2009، ص: 20.

[xxv] مختار أحمد حمودة، صناديق الاستثمار ودورها في تفعيل برنامج توسيع قاعدة الملكية وتنمية الأنشطة الاقتصادية، الندوة الوطنية الأولى حول التحديات التي تواجه القطاع المصرفي وأفاق تطويره، 2006، طرابلس، ليبيا.

[xxvi]  انظر: Pascal GRANDIN, Mesure de performance des fonds d’investissement, Economica, France, 1998./ غازي فلاح المومني، إدارة المحافظ الاستثمارية الحديثة، دار المناهج، عمان، 2008، ص ص: 225ـ230.

[xxvii]  حسين حسين شحاتة، منهج مقترح لتفعيل الرقابة الشرعية والمالية على صناديق الاستثمار الإسلامية، مجلة الاقتصاد الإسلامي، العدد 245، جامعة الأزهر، مصر، 2009. ص ص: 42. 43.

[xxviii] Fadillah Mansor & M. Ishaq Bhatti, The performance of Islamic mutual funds: The Malaysian Case, The 14th Annual Banking and Finance Conference, Melbourne University, 2009, pp: 15-17

[xxix]  Ernst & Young,  Islamic Funds & Investments Report 2010, 6th Annual World Islamic Funds & Capital Markets Conference, ( www.EY.com)

[xxx] : Social Investment Forum Foundation, Report On Socially  Responsible Investing Trends In The United State 2010, p : 8 .

[xxxi] Ernst & Young, Op-cit, p : 52 

 

المراجع:

باللغة العربية

  1. حسين حسين شحاتة، منهج مقترح لتفعيل الرقابة الشرعية والمالية على صناديق الاستثمار الإسلامية، مجلة الاقتصاد الإسلامي، العدد 245، جامعة الأزهر، مصر، 2009.
  2. محمد علي القري، الصناديق الاستثمارية الإسلامية، ورقة مقدمة لندوة التطبيقات الإسلامية المعاصرة ، 5-8 ماي 1998م، الدار البيضاء ، المغرب.
  3. محمد عمر شابرا، مستقبل علم الاقتصاد من منظور إسلامي، الطبعة الثانية، ترجمة : رفيق يونس المصري، 2005، دار الفكر، دمشق، سوريا.
  4.  مختار أحمد حمودة، صناديق الاستثمار ودورها في تفعيل برنامج توسيع قاعدة الملكية وتنمية الأنشطة الاقتصادية، الندوة الوطنية الأولى حول التحديات التي تواجه القطاع المصرفي وأفاق تطويره، 2006، طرابلس، ليبيا.
  5.  نزيه عبد المقصود مبروك، صناديق الاستثمار بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الوضعي، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية، 2006.
  6.  هشام جبر، صناديق الاستثمار الإسلامية، بحث مقدم إلى المؤتمر العلمي الأول،حول الاستثمار والتمويل في فلسطين بين آفاق التنمية والتحديات المعاصرة، المنعقد بكلية التجارة في الجامعة الإسلامية في الفترة من 8-9 مايو2005.
  7.  عصام أبو النصر، نموذج محاسبي مقترح لقياس وتوزيع عوائد الصناديق الاستثمارية، أبحاث ندوة صناديق الاستثمار في مصر الواقع والمستقبل، مصر، الجزء الأول.
  8.  عبدالله بن منصور، عبد الرزاق بن حبيب، الاقتصاد والأخلاق أي توافق؟، مجلة الاقتصاد والإدارة جامعة تلمسان ، رقم :7، افريل 2008.
  9.  غازي فلاح المومني، إدارة المحافظ الاستثمارية الحديثة، دار المناهج، عمان،  2008.
  10.  مجلس الخدمات المالية الإسلامية، المبادئ الإرشادية لضوابط برامج الاستثمار الجماعي الإسلامي، جانفي 2009،( www.ifsb.org).
  11.  فؤاد محمد حسين الحمدي، الأبعاد التسويقية للمسؤولية الاجتماعية للمنظمات وانعكاساتها على رضا المستهلك (دراسة تحليلية لآراء عينة من المديرين والمستهلكين في عينة من المنظمات المصنعة للمنتجات الغذائية في الجمهورية اليمنية)، أطروحة دكتوراه، جامعة المستنصرية،  2003.

باللغة الاجنبية

1-                 Ernst & Young,  Islamic Funds & Investments Report 2010.

2-                 Fadillah Mansor & M. Ishaq Bhatti, The performance of Islamic mutual funds: The Malaysian Case, The 14th Annual Banking and Finance Conference,Melbourne University, 2009.

3-                 Hung-Gay Fung, Sheryl A. Law and Jot Yau, Socially Responsible Investment in a Global Environment, 2010, Edward Elgar Publishing, Inc., USA.

4-                 Les Mini-Guides Bancaires, L’investissement socialement responsable (ISR), la Fédération Bancaire Française , Juillet 2010 - Hors-série .

5-                 Matthew P. Fin, Rise of mutual funds : an insider’s view, Published by Oxford University Press, Inc, 2008.

6-                 Max WEBER , (1904-1905), L’éthique protestante et l’esprit du CAPITALISME, Un document produit en version numérique par Jean-Marie Tremblay, professeur de sociologie, Dans le cadre de la collection: "Les classiques des sciences sociales", Bibliothèque Paul-Émile-Boulet de l'Université du Québec à Chicoutimi, 2002.

7-                 Mark St Giles, et al, Managing Collective Investment Funds, Second Edition, John Wiley Edition, England, 2003

8-                 Mohamed Nacer THBET, Fonds D’investissement Socialement Responsables, colloque international, Avril 2010, Ecole superieure de commerce d’alger

9-                 Pascal GRANDIN, Mesure de performance des fonds d’investissement, Economica, France, 1998.

10-             Rob Bauer, Kees Koedijk , Rogér Otten, International evidence on ethical mutual fund performance and investment style, Journal of Banking & Finance 29 (2005).

11-             Yasuyuki Fuchita, Robert e. Litan, Pooling Money: The Future of Mutual Funds, brookings institution press, 2008.

12-              (Www.Socialinvest.Org)

13-             (www.LaFinancePourTous.com)

 

 

 

Télécharger l'article: