حوكمة المؤسسات و  متطلبات حماية البيئة

 

أ.جمعة هـوام

كلية العلوم الاقتصادية و علوم التسيير

جامعة عنابة، الجزائر

الملخص:

         تعتبر القضايا البيئية من الأولويات التي تهتم بها جميع الدول وتضعها في مقدمة خططها وبرامج تطويرها،  فتوطين التقنيات الحديثة، توفير الكفاءات الأكاديمية والمهنية و متطلبات الصحة والسلامة ، الاهتمام بمصادر الطاقة وتقليل حجم النفايات ، توفير المعلومات والبيانات والحوافز، و وضع القوانين والنظم  تعد من أهم الجوانب الواجب توفرها من أجل المحافظة على البيئة ورعايتها ، وهذا لن يكون إلا بتفعيل نظام رقابي  يمكنه أن يحرص على  توفير هذه المتطلبات.

في هذه الدراسة سنسلط الضوء على الجوانب الفكرية لحوكمة المؤسسات كنظام للرقابة وانعكاسات تطبيقه على أداء المنظمة الاقتصادية ،  بما  يجعل هذا النظام  الرقابي الطريقة المثلى لإيجاد المقاييس الشاملة لأداء الوحدة الاقتصادية دعم  قدرتها على المنافسة و الاستمرار ، بتوفير متطلبات حماية بيئتها ، وتحقيق مصالح الفئات المختلفة المتعاملة معها.

الكلمات الدالة:  حوكمة المؤسسات، الرقابة، البيئة.

 

: Abstract

            Environmental issue is one of the most priorities that concern all states and put the forefront of its plans and developed programs, because the use of modern technologies, providing academic and professional competencies , requirements of health and safety, attention to sources of energy and reducing waste volume, providing data , information and incentives, and the development of laws and regulations are the most important aspects that must be met in order to preserve and protect  the environment,  this will not  exist  without  activating the regulatory control system that can provide these requirements.

            In this paper we aim to shed light on the intellectual aspects of corporate governance, its reflection as a control system and its implications on the organization economic performance, support their ability to competition and continuity, provide the requirements of environmental protection, and realize the interests of different groups collaborating with them. 

 

 

مدخـل للدراسة:

          لقد تعاملت الأعمال مع البيئة كمعطى مجاني ، و بما أنها موارد لا متناهية، فإنها كانت و ربما لازالت تمارس دورا سلبيا إن لم يكن عدائيا ضد البيئة، فهي تأخذ الهواء النقي و الماء الصافي و الأرض الخضراء لتحولها و بطريقة قياسية إلى هواء اسود، و إلى ماء مثقل بالمواد  السمية و الضارة، و أراض جرداء متآكلة. و لا تفسير لذلك،  إلا أن الأعمال هي الأعمال و أن الأرباح و صنع النقود فيها يمكن أن يبرر كل شيء!!، وتعد حوكمة المؤسسات من المواضيع الحديثة التي يتم تداولها في البيئة التنظيمية ، وذلك من خلال ارتباطها بعدة آليات وإجراءات  تهدف إلى الإصلاح الإداري، والذي يعد احد العناصر الهامة في نظام الحوكمة، بحيث يساهم في ضبط العمل وتوجيه إدارة المنظمة نحو النجاح والتطور المستمر. و بما أن حماية البيئة أصبحت من الاهتمامات الأساسية للمؤسسات الاقتصادية عموما و الصناعية خصوصا ، فقد فكر مسيرو المؤسسات في إعادة النظر في وظيفة الرقابة على سيرورة النشاط الصناعي، ما جعل من البيئة الطبيعية احد المتغيرات الأساسية في إدارة الشركة، فصارت الحاجة ماسة إلى الحوكمة البيئية حفاظا على سلامة محيط المؤسسة، وضمانا للأداء المتميز للمؤسسة الاقتصادية.

مشكلةالدراسةوأسئلتها: 

لتحقيق أهداف الدراسة، قمنا بصياغة التساؤل الرئيسي على النحو التالي:

كيف يمكن لحوكمة المؤسسات أن توفر متطلبات حماية البيئة في المؤسسة الاقتصادية؟

ويتفرع عن هذا التساؤل الرئيسي الأسئلة الفرعية التالية:

  1. 1.                 ماهي أسباب اهتمام المؤسسات الاقتصادية بتحسين أدائها البيئي؟ وما متطلبات ذلك؟
  2. 2.                 ماهي حوكمة المؤسسات و ما مبادئ تطبيقها؟
  3. 3.                 كيف يمكن لحوكمة المؤسسات أن تلعب دورا في حماية بيئة المؤسسة الاقتصادية ؟

أهمية الدراسة:

         جاءت هذه الدراسة تزامنا مع تبني الجزائر لمفهوم الحكم الراشد في المؤسسة الاقتصادية ، و تأتي أهميتها في التأكيد على أهمية التوسع في هذا المفهوم و معرفة مختلف أبعاده، بما فيها مساهمته الفعالة في إحكام الرقابة على بيئة  المؤسسة ، بما ينعكس  إيجابا على سيرورة نشاطها ، جودة منتجاتها، و مكانتها في المحيط الاقتصادي.

أهدافالدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى تسليط الضوء على النقاط التالية:

-                   التعرف على المسؤولية البيئية و متطلبات حماية البيئة في المؤسسة الاقتصادية .

-                   التعرف على مفهوم حوكمة المؤسسات و محدداتها، مبادئ تطبيقها و ركائزها  .

-                   محاولة التعرف علي دور حوكمة المؤسسات في توفير متطلبات حماية بيئة المؤسسة.

 

 

حدودالدراسة:

         سنقتصر في هذه الدراسة على الجوانب الفكرية لحوكمة المؤسسات بالقدر الذي يخدم الإشكالية المطروحة   و ذلك  بالتطرق إلى أهمية نظام الحوكمة كنظام للرقابة على بيئة المؤسسة و الحفاظ عليها .

منهجالدراسة:

         تحقيقاً لأهداف الدراسة السابقة ، ووصولاً لأفضل الأساليب والطرق للكشف عن دور حوكمة المؤسسات في توفير متطلبات حماية البيئة ، فإن الباحث سوف يعتمد على المنهج الاستنباطي، والذي يقوم على التفكير المنطقي الإستنتاجي لمحاولة الربط بطريقة منطقية بين الجوانب المختلفة  لحوكمة المؤسسات ، و متطلبات حماية البيئة .

 

المبحث الأول : المسؤوليـة البيئيـة و متطلبات حماية البيـئة في المؤسسة الاقتصادية:

         تشكل البيئة مجموعة من النظم الطبيعية والاجتماعية والثقافية التي يعيش فيها الإنسان و الكائنات الأخرى حيث يستمدون منها زادهم، ويؤدون فيها نشاطهم، ولهذا يجب توعية أفراد المجتمع بأن أهم الواجبات الملقاة عليهم يمكن إجمالها في عدم القيام بأية أعمال قد تحدث تأثيراً سلبياً على سلامة البيئة وصحة أفراد المجتمع حاضراً ومستقبلاً.

1- مفهوم البيـئة :

         لا شك أن البيئة ستكون مركز الاهتمام لأكثر من عقد قادم ، كما أنها ستكون سببا في إعادة التفكير في مجالات مهمة كالسياسة و الاقتصاد و التكنولوجيا و الإنتاج و التسويق و المالية و الابتكار و القانون.... الخ. و إذا كانت البيئة سابقا هي كل ما يتعلق بالطبيعة من خلال مفهوم الجايا GAIA  الذي طرح في الستينات و يرمز إلى آلهة الأرض عند الإغريق و يقوم على تصور أن كل أشكال الحياة على الأرض  تتشكل كائنا عملاقا قادرا على تطويع  و استخدام المحيطات و المجالات الحيوية و الجيولوجية و المائية لتلاءم حاجاته،فان البيئة في الوقت الحاضر قد اتسعت لتشمل المحيطات الثقافية و الاقتصادية و الاجتماعية. و الواقع أن مفهوم البيئة شانه شان المفاهيم الأخرى قد تطور عبر فترات و مراحل عديدة، فقد انصب اهتمام الشركات في البدء على العوامل المادية لبيئة العمل كالإضاءة         و الحرارة و الرطوبة....الخ انطلاقا من افتراض قوي قامت عليه المدرسة الكلاسيكية في الإدارة و هو أن ثمة علاقة طردية بين الكفاءة و العوامل المادية في بيئة العمل .

         والبيئة لفظة شائعة الاستخدام يرتبط مدلولها بنمط العلاقة بينها وبين مستخدمها فنقول: ‏البيئة الزراعية  والبيئة الصناعية، والبيئة الصحية، والبيئة الاجتماعية والبيئة الثقافية، ‏والسياسية.... ويعنى ذلك علاقة النشاطات البشرية المتعلقة بهذه المجالات...‏، وقد ترجمت كلمة ‏Ecology‏ إلى اللغة العربية بعبارة "علم البيئة" التي وضعها العالم ‏الألماني ارنست هيجل ‏Ernest Haeckel‏ عام 1866م بعد دمج كلمتين يونانيتين هما ‏Oikes‏ ومعناها مسكن، و ‏Logos‏ ومعناها علم وعرفها بأنها "العلم الذي يدرس علاقة ‏الكائنات الحية بالوسط الذي تعيش فيه ويهتم هذا العلم بالكائنات الحية وتغذيتها، وطرق ‏معيشتها وتواجدها في مجتمعات أو تجمعات سكنية أو شعوب    كما يتضمن أيضاَ دراسة ‏العوامل غير الحية مثل خصائص المناخ (الحرارة، الرطوبة، الإشعاعات، غازات المياه ‏والهواء) والخصائص الفيزيائية والكيميائية للأرض والماء والهواء".‏ ويتفق العلماء في الوقت الحاضر على أن مفهوم البيئة يشمل جميع الظروف والعوامل ‏الخارجية التي تعيش فيها الكائنات الحية وتؤثر في العمليات التي تقوم بها. فالبيئة بالنسبة ‏للإنسان هي الإطار الذي يعيش فيه والذي يحتوي على التربة والماء والهواء وما يتضمنه ‏كل عنصر من هذه العناصر الثلاثة من مكونات جمادية، وكائنات تنبض بالحياة، وما ‏يسود هذا الإطار من مظاهر شتى من طقس ومناخ ورياح وأمطار وجاذبية و ‏مغناطيسية..الخ ومن علاقات متبادلة بين هذه العناصر1.‏

         و البيئة  هي المحيط الطبيعي و المجتمعي الشامل الذي يؤثر علينا جميعا ، بما في ذلك مؤسسات الأعمال        و هي بهذه الدلالة ستكون أحد مرتكزات الأداء الاستراتيجي حيث ستكون البيئة شانها شان الجودة في الثمانينات في قلب اهتمامات المؤسسة. فالمؤسسة البيئية هي المؤسسة التي تكون أكثر استجابة لاهتمامات الزبائن و تحقيق هدفها العميق في النمو المستديم كما يرى كلينر  A.Kleiner ، و بنفس الدلالة يشير ركلهاوس W .D.Rukelhaus الى اعتبار الاستدامة الهدف الجديد للمؤسسة بعد هدف الجودة.

          و إذا كانت الأعمال تسعى لأجل تحقيق الكفاءة و الربح بمنظور أناني ضيق و قصير الأمد، فان البيئيين منذ عقود و الحركة الخضراء منذ أواخر الثمانينات يسعون من اجل أولوية البيئة على غيرها2.

2- المسؤولية البيئـية في المؤسسة الاقتصادية :

         لقد تعاملت الأعمال مع البيئة كمعطى مجاني و بأنها موارد لا متناهية، لهذا فإنها كانت و ربما لا زالت كذلك حتى الآن في مجالات عديدة تمارس دورا سلبيا إن لم يكن عدائيا ضد البيئة . فهي تأخذ الهواء النقي و الماء الصافي و الأرض الخضراء لتحولها و بطريقة قياسية إلى هواء اسود رمادي ملوث، و إلى ماء مثقل بالمواد السمية      و الضارة، و إلى أراض جرداء متآكلة. و لا تفسير لذلك إلا أن الأعمال هي الأعمال ، و أن الأرباح و صنع النقود فيها يمكن أن يبرر كل شيء، و إذا ما نشأت مشكله أو ظهرت أزمة ما هنا أو هناك فان آليات السوق كفيلة بمعالجتها على نحو فعال و كفء.

         و إزاء هذه النظرة القائمة على أولوية الكفاءة في الأعمال دون النظر في الموارد غير المتجددة التي تستنفذ من جهة و التلوث المضر طبيعيا و مجتمعيا من جهة أخرى،  فان الأسس التي قامت عليها الأعمال في التعامل مع البيئة      و النتائج التي أدت إليها كانت ذات تأثير سلبي واضح على البيئة ، و يمكن أن نحدد هذه الأسس كالآتي:

-      تغليب الجوانب الفنية و الاقتصادية على الجوانب الاجتماعية و الأخلاقية و البيئية،و سعي المؤسسة إلى المزيد من الإنتاج ، التسويق، و الاستهلاك دون الاهتمام من أين تأتي الموارد ، ماهي خصائصها ، و أين تذهب المنتجات.

-      إهمال التكلفة المتعلقة بالبيئة عند تلويثها، فالموارد البيئية الأكثر شيوعا كالماء و الهواء و الطبيعة كانت تعتبر تكاليف خارجية يتحملها المجتمع أو البيئة عموما،في حين أنها موارد تستهلك في العمليات الإنتاجية أو الخدمية شانها شان العمل و رأس المال و الموارد الأخرى، و يجب تحملها كتكاليف داخلية شانها شان تكاليف عوامل الإنتاج.

-      الكثير من أسس الاقتصاد التقليدي الذي ترتكز عليه المؤسسات تعاني من نقائص مهمة بالعلاقة مع البيئة أبرزها أن الاقتصاد التقليدي يفترض أن البيئة المادية تتمتع بإمكانات لا متناهية فهي لا تفرض أي حدود على النشاط الاقتصادي، كما انه يتعامل مع الأضرار البيئية و الاجتماعية الناجمة عن نشاط الأعمال كخارجيات لا تؤثر بشكل مباشر على عمليات السوق و صناعة القرار، فهو لا يعطي أي قيمة لأي شيء لا يخضع لعمليات السوق،

-      تغليب الأعمال للمصالح الآنية قصيرة الأمد على المصالح طويلة الأمد، فمن اجل إرضاء حملة الأسهم في تحقيق عائد على الاستثمار أعلى، لا يكون هناك متسع من التفكير أو العمل من اجل عائد محدود، و لكنه متجدد يستمر لفترة طويلة،

-      النظرة الضيقة المباشرة لمؤسسات الأعمال على حساب النظرة الشاملة و غير المباشرة، فرغم أن المؤسسة أصبحت تنظر إلى التلف على انه أسوء أنواع الهدر تحت تأثير حركة الجودة منذ منتصف السبعينات فإنها لازالت لا تنظر إلى التلوث على انه تلف آخر و عيب من عيوب الإنتاج و تقديم الخدمات ،

-      التكنولوجيا التي ساهمت في رفع مستوى المعيشة و الدخل و تحسين الصحة العامة و زيادة توقع الحياة        و اكتشاف موارد جديدة هي نفسها التي أدت لتفاقم  مشكلات استنفاذ موارد طبيعية غير متجددة بوتيرة أعلى زيادة حدة التلوث،  ثقب الأوزون ، و ظاهرة الدفء الحراري و غيرها.

         و بهذا فان هذه الأسس التي تقوم عليها الأعمال قد سلطت الأضواء الكاشفة على ممارسات الأعمال        و تأثيراتها السلبية على البيئة ، و صار لابد على المؤسسة أن تتحمل مسؤوليتها البيئية كما تتحمل مسؤوليتها حيال الأطراف الأخرى التي تعمل على تحقيق مصالحها ، و في كل تلك الجوانب تنشط الحركة  البيئية الخضراء سعيا منها لتحقيق المسؤولية البيئية في المؤسسة الاقتصادية.

3-الحركة الخضـراء و متطلبات حماية البيـئة:

         إن الحركة البيئية الخضراء ترى بان البيئة قد أهملت بما فيه الكفاية، و أفسدت بطريقة وحشية و استنفدت مواردها بطريقة جشعة. و لعل الأهم هو أن كل هذا الإهمال و الإفساد و الاستنفاد لازال قائما و مستمرا بوتيرة لا تبررها لا أوهام الحلم التكنولوجي الذي سيوجد الحلول الناجعة لكل المشكلات و أوهام اليد الخفيفة العمياء لاقتصاد السوق ، كما لايبررها جشع الأعمال الذي سينقلب على رجال الأعمال أنفسهم بعد أن تصبح المخاطرة البيئية هي مخاطرة الجميع. و ترى الحركة الخضراء أن هناك أسبابا جدية لابد من الوقوف عندها من اجل وضع الحلول اللازمة لتخضير الأعمال و المؤسسات، التكنولوجيا، و المنتجات،.... الخ،  و هذه الأسباب هي:

-      تفاقم خطر نفاذ الموارد الغير متجددة كالمعادن و الطاقة حيث أن ما يستخرج و يستهلك منها يفوق قدرة الطبيعة على تجديده في ظل الإهمال طويل الأمد لرأس المال الطبيعي،

-      ظهور الثقب في طبقة أوزون القطب الجنوبي في كل ربيع ، حيث يكون الآن 18 مليونا من الكيلومترات المربعة،

-      تزايد مستويات ثاني أكسيد الكربون و غازات الحبس الحراري  في الجو نتيجة للنشاط الإنساني، و يتوقع زيادة الحرارة الأرضية ما بين 1,5 – 4,5 درجة خلال القرن القادم، 

-      تهديد التنوع البيولوجي فخسارة الكائنات قدر ما بين 10-100 كل يوم بتأثير النشاط البشري على الأرض ،

-      تلوث شواطئ المحيطات التي يعيش عليها حوالي  70 %من سكان العالم و التي تقدم %50 من الأسماك   بشكل متزايد،

-      تقلص الأرض المزروعة و حسب تقديرات الأمم المتحدة فان مابين 6-7 مليون هكتار من الأرض يفقد سنويا بفعل تآكل الأرض، في حين أن أضرار التشبع بالماء التملح و التقلية (التربة القلوية) ،  تعادل ما يقارب 1,5 مليون هكتار سنويا،

-      ندرة المياه العذبة في العالم ، و إزالة الغابات المطرية و إفسادها،

-      تلوث الأرض و تضرر الآثار الحضارية و التاريخية كمواقع اكروبولوس اليونانية التي تضررت أضرارا جسيمة جراء التلوث البيئي.

         إن الحركة الخضراء في أواخر الثمانينات هي إلى حد كبير وريثة لكل الاهتمامات بالبيئة في عصرنا الحديث سواء تعلق الأمر ببيئة العمل المادية و المعنوية و ضرورة تحسينها من اجل صحة و سلامة العاملين و رفع روحهم المعنوية ، و تحسين علاقات العمل،  أو الاهتمام بالبيئة الطبيعية التي تأثرت بالتوسع العشوائي و المتعقب لأية فرصة سريعة ، أو كان الاهتمام بالبيئة الاجتماعية الصحية و الجمالية .... الخ3.

 إلا أننا نرى أن هناك ضغوطا متزايدة على الوحدات الاقتصادية من جانب أطراف متعددة تطالب بتحسين أدائها البيئي، و عليه فيمكن القول أن متطلبات حماية البيئة باتت محل اهتمام جميع أطراف الوحدة الاقتصادية.

 

المبحث الثاني : حوكمة المؤسسـات و دورها في توفير متطلبات حماية البيئة :

         بعد أن أصدرت الولايات المتحدة الأمريكية مصطلح الخوصصة لمعظم دول العالم، بدأ مصطلح أمريكي جديد في غزو العالم وهو ما يطلق عليه corporate gouvernance،  و تم تعريبه إلى مصطلح " الحوكمة     أو الإدارة الرشيدة للمؤسسات"، وقد ظهرت حوكمة المؤسسات بسبب حدة الصراع بين أطراف الوكالة ، انفصال الملكية عن التسيير و ازداد الاهتمام بها بعد سلسلة أحداث الفشل التي ضربت أكبر الشركات المقيدة في أشهر أسواق المال العالمية .

1- مفهوم حوكمة المؤسسات و محدداتها، مبادئ تطبيقها و ركائزها:

         وصف سير أدريان كادبوري في تقريره الشهير بتقرير كادبوري Cadbury report  عام 1992م  حوكمة الشركات على أنها : "النظام الذي تُدَارُ و تُراقَبُ به الشركات ..." و أكد  في هذا التقرير على أن مجالس الإدارة مسؤولة عن حوكمة شركاتها و أن دور المساهمين في الحوكمة هو انتخاب أعضاء مجلس الإدارة و المراجعين   و التأكد من أن هناك هيكل حوكمة ملائم و في مكانه ،  و أن مسؤولية المجلس تتضمن و ضع الأهداف الإستراتيجية للشركة ، توفير القيادات التي تحقق هذه الأهداف ،  و كذا  مراقبة العمل و رفع التقارير للمساهمين خلال فترة و ولايتهم، كما أكد في تقريره على ضرورة التزام مجلس الإدارة باللوائح و القوانين و عمله لمصلحة المساهمين أعضاء الجمعية العامة4.

         كما عرفت منظمة التعاون الاقتصادي و التنمية (OECD ) حوكمة الشركات على أنها "النظام الذي يوجه و يضبط أعمال الشركة حيث يصف و يوزع الحقوق و الواجبات بين مختلف الأطراف في الشركات   كمجلس الإدارة و المساهمين ،  و ذوي العلاقة و يضع القواعد و الإجراءات اللازمة لاتخاذ القرارات الخاصة بشؤون الشركة كما يضع الأهداف و الاستراتيجيات اللازمة لتقييم و مراقبة الأداء " 5  

         و عرف معهد المدققين الداخليين حوكمة الشركات في مجلته  (Tone at the Top  )  على أنها : "العمليات التي تتم من خلال الإجراءات المستخدمة من ممثلي أصحاب المصالح،  من اجل توفير إشراف على إدارة المخاطر ، مراقبة مخاطر الشركات، و التأكيد على كفاية الضوابط لانجاز الأهداف،  و المحافظة على قيمة الشركة من خلال أداء الحوكمة فيه "6  كما عرفتها مؤسسة التمويل الدولية: (IFC) سنة 1998، على أنها "النظام الذي يتم من خلاله إدارة الشركات و التحكم في أعمالها ".

 و من خلال التعريفات السابقة لمفهوم حوكمة الشركات ، يمكن استخلاص الآتي:

         حوكمة الشركات هي نظام يتضمن مجموعة من المتطلبات القانونية و التشريعية ،الإدارية                     و الاقتصادية(مدخلات النظام ) تحكمها منهجيات و أساليب،و تستخدم في ذلك آليات داخلية( مجلس الإدارة    المراجع الداخلي،  لجنة المراجعة )،و خارجية ( الهيئات المهنية،  أسواق رأس المال ، المراجع الخارجي القانوني         أو التعاقدي ) ،وتتفاعل فيما بينها لتحقيق نتائج (مخرجات النظام )، تعمل على إدارة الشركة و مراقبتها بما يحفظ حقوق أصحاب المصالح ، و بما يضمن الشفافية و الإفصاح في الشركة.

 

ü               المحددات الداخليـة و الخارجـية لحوكمة المؤسسات  :

         أشار التراث الأدبي لحوكمة المؤسسات إلى وجود العديد من الآليات التي يمكن أن تستخدم لتطبيق مفهومها بالشكل الذي يلاءم ظروف المؤسسات ، وبيئة العمل الخاصة بها، وكذا نظام الحوكمة  المطبق داخل البلد،  و تجدر الإشارة إلى أن   التطبيق الجيد لحوكمة المؤسسات يتوقف على مدى تحقق جودة مجموعتين من المحددات:

أولا:المحددات الخارجية   

         وتشير إلى المناخ العام للاستثمار  في الدولة، والذي يشمل على سبيل المثال: القوانين المنظمة للنشاط الاقتصادي ( مثل قوانين سوق المال والشركات وتنظيم المنافسة ومنع الممارسات الاحتكارية والإفلاس )، وكفاءة القطاع المالي ( البنوك وسوق المال ) في توفير التمويل اللازم للمشروعات، ودرجة تنافسية أسواق السلع وعناصر الإنتاج، وكفاءة الأجهزة والهيئات الرقابية ( هيئة سوق المال والبورصة )  في إحكام الرقابة على الشركات، وذلك فضلا عن بعض المؤسسات ذاتية التنظيم التي تضمن عمل الأسواق بكفاءة ( ومنها على سبيل المثال الجمعيات المهنية التي تضع ميثاق شرف للعاملين في السوق، كالمراجعين والمحاسبين والمحامين والشركات العاملة في سوق الأوراق المالية وغيرها )، بالإضافة إلى المؤسسات الخاصة للمهن الحرة كمكاتب المحاماة والمراجعة ،  والتصنيف الائتماني والاستشارات المالية والاستثمارية.وترجع أهمية المحددات الخارجية إلى أن وجودها يضمن تنفيذ القوانين والقواعد التي تضمن حسن إدارة الشركة، والتي تقلل من التعارض بين العائد الاجتماعي والعائد الخاص.

ثانيا: المحددات الداخلية

         وتشير إلى القواعد والأسس التي تحدد كيفية اتخاذ القرارات وتوزيع السلطات داخل الشركة بين الجمعية العامة ومجلس الإدارة والمديرين التنفيذيين، والتي يؤدى توافرها من ناحية وتطبيقها من ناحية أخرى إلى تقليل التعارض بين مصالح هذه الأطراف الثلاثة. و يمكن تمثيل المحددات السابق ذكرها من خلال الشكل الموالي7:

 

الشكل رقم (01): المحددات  الداخلية و الخارجية لحوكمة المؤسسات.

 

                                                                                                    

   

      يقصد بمبادئ الحوكمة  مجموع  القواعد والنظم والإجراءات التي تحقق أفضل حماية وتوازن بين مصالح مديري الشركة والمساهمين فيها، وأصحاب المصالح الأخرى المرتبطة بها، و بالتالي تحقيق  أهداف الحوكمة ككل   وهناك ستة مبادئ   أساسية تم وضعها من طرف  منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية  OECD ، لترسيخ قواعد الحوكمة و التأكيد على أهميتها في دعم الأداء الاقتصادي ، و تعد هذه المبادئ بمثابة نقاط مرجعية بالإمكان استخدامها من قبل صانعي السياسة في غمار إعدادهم للأطر القانونية والتنظيمية لأساليب حوكمة المؤسسات، والتي      تعكس ظروفهم الاقتصادية والاجتماعية  وكذا   الأطراف المختلفة بالسوق و ذلك  عند قيامهم بإعداد الممارسات     الخاصة بهم8.  و يمكن تلخيص  هذه المبادئ في الشكل الآتي :

 

الشكل رقم (02): مبادئ حوكمة الشركات.

 

المصدر: من استنتاج الباحثة

         و يتضح من مبادئ حوكمة الشركات أن هذه الأخيرة ترتكز على ثلاثة ركائز أساسية، كما يوضحها الشكل التالي: 

الشكل رقم (03):   ركائز حوكمة الشركات

                                                             ركائز حوكمة الشركات هي:

 

 

 

 

 

المصدر: طارق عبد العال حماد: حوكمة الشركات، المفاهيم، المبادئ ، التجارب، الدار الجامعية، الإسكندرية، مصر،2005،ص 47.

2- دوافع  الاهتمام بالحوكمة البيئـية في المؤسسة الاقتصادية:

         لقد ازداد الاهتمام بالحوكمة البيئية مؤخرا بعد زيادة الضغوطات على الوحدات الاقتصادية،  و ذلك لتحسين و إحكام الرقابة على أدائها البيئي، و من بين دوافع الاهتمام  ما يلي:

المستهلكين :

بحيث ترتب عن زيادة الاهتمام بحماية البيئة من مختلف الأضرار التي قد تتعرض لها تغير في أنماط الشراء لدى المستهلكين،  و زيادة إقبالهم على شراء المنتجات التي لا تسبب أضرارا بيئية  ، و بالتالي يعد هذا تحديا حقيقيا لمختلف الوحدات الاقتصادية من اجل إحكام الرقابة على عملياتها الإنتاجية و منتجاتها و ذلك لحماية البيئة ، و يعتبر الوعي البيئي لدى المستهلكين  احد العوامل الأساسية التي أدت إلى اهتمام الوحدات الاقتصادية بحوكمة البيئة و الرقابة على حمايتها  تفاديا لمخاطر فقد حصصها التسويقية ،

المساهمين و المستثمرين:

قد يترتب عن التأثيرات البيئية السالبة لأنشطة الوحدات الاقتصادية زيادة في المخاطر و الالتزامات البيئية ، و كذا تخفيض الأرباح المحققة، و لذلك فان هناك ضغوط متزايدة من جانب المساهمين و المستثمرين للحصول على معلومات عن أداء المؤسسة البيئي ، إلى جانب أدائها المالي ، فمجموع المستثمرين و المساهمين  على قناعة كافية بان الممارسة البيئية السيئة لأنشطة الوحدات الاقتصادية قد تؤدي إلى زيادة الالتزامات و بالتالي المخاطر ، مما يؤدي إلى تخفيض الأرباح، و الإضرار بمصالحهم ،

المقرضـين:

تحتاج البنوك و مؤسسات الإقراض إلى معلومات بيئية لا توفرها التقارير المالية ، و ذلك لتقييم المخاطر البيئية التي قد تترتب عن منح الائتمان للغير ، ذلك لأنها قد تتعرض لمخاطر ناتجة عن التأثيرات البيئية السالبة لأنشطة الوحدات الاقتصادية كما في حال منح ائتمان بضمان عقار ملوث، مما قد يسبب مخاطر بيئية جسيمة على مؤسسات الإقراض و البنوك،

القوانين التي تطالب بحماية البيئة:

من بين الأضرار التي سببتها التأثيرات البيئية السالبة لأنشطة الوحدات الاقتصادية حدوث ثقب الأوزون ،  التغيرات المناخية، و الأمطار الحمضية ،  مما اجبر العديد من الدول على إعداد قوانين و سياسات بيئية تهدف إلى  تحقيق التنمية الاقتصادية و المحافظة على البيئة من الأضرار المختلفة،

جماعات الضغط البيئي:

تمارس الجماعات البيئية في العديد من الدول ضغوطا متزايدة على الوحدات الاقتصادية و الحكومات بهدف المحافظة على البيئة و حمايتها من الأضرار التي قد تتعرض لها،  و قد امتد نشاط هذه الجماعات إلى الكثير من الدول و أبرزها : GREENPEACE, FRIENDS OF THE EARTH  و تكمن قوة الجماعات البيئية في الاتحاد معا لتشكيل وسيلة ضغط فعاله لتوجيه نظر الإعلام و المستهلكين إلى الوحدات الاقتصادية التي تسبب أضرارا بالبيئة حث المستهلكين على عدم التعامل معها ، و المساعدة في إقامة دعاوي قضائية إذا ما تطلب الأمر ذلك9.

 

3- دور حوكمة المؤسسـات في توفـير متطلبـات حماية البيئة :

         من خلال ما تعرضنا له سابقا يمكننا أن نستنتج الدور الذي تلعبه حوكمة المؤسسات كونها نظاما رقابيا  على أداء الشركة في توفير متطلبات حماية البيئة ، فمن خلال ركائزها الثلاث السلوك الأخلاقي، الرقابة و المساءلة  و إدارة المخاطر توفر الحوكمة إطارا رقابيا فعالا يضمن حماية البيئة في المؤسسة الاقتصادية ، و ذلك كما يلي:

أولا: السلـوك الأخـلاقي

         إن تطبيق حوكمة المؤسسات يجعل من إدارة المؤسسة ملزمة باحترام مدونة أخلاقيات الأعمال ، السلوك المهني و المسؤولية الاجتماعية  بالحفاظ علي بيئة نظيفة، و بالتالي فهذا يكشف لنا جانبا من المسؤولية الأخلاقية التي تتجاوز مسؤولية الأعمال الضيقة بكثير و تتجاوز المسؤولية البيئية في حدودها الملزمة قانونا لشركات الأعمال من اجل حماية البيئة،  لان ماهو أخلاقي هو الحالة المثالية الذاتية في توخي المنافع و تجنب الضرر لحدود تتجاوز حدود القانون،  أو قواعد اللعبة ، مادامت الأخلاقيات نفسها هي في اغلب الحالات خارج لعبة الأعمال و ما دامت المعايير الأخلاقية لا يمكن أن تحسب بالوحدات النقدية التي تفرضها معايير الأعمال.

 و إذا كانت الأعمال أكثر ميلا لتخضير شركاتها،  فان هذا لا يعني بالضرورة أن الشركات في سياستها و برامجها متماثلة في تحمل مسؤوليتها البيئية،  فبعض الشركات لا زال يميل لدفع الغرامات و قبول المقاضاة و التكاليف القانونية على تحمل المسؤولية البيئية؛

في حين أن البعض الآخر يقبل هذه المسؤولية في حدود ما يفرضه القانون و إزاء ذلك يمكن أن نقوم بترتيب تدرج مسؤولية الأعمال ابتداء من المسؤولية الأولى المتمثلة  في تحقيق الربح و صنع النقود،  مرورا بالمسؤولية البيئية للأعمال  من  ضرائب و رسوم التلوث و الاتجاهات و الممارسات البيئية في خفض التلوث و تخضير الشركة داخليا و خارجيا ، و انتهاء بالمسؤولية الأخلاقية للأعمال و المتمثلة في هذا المجال في التنمية المستديمة لتجديد البيئة بما يخدم الأجيال القادمة و الحالية ، المبادرة بالابتكارات الودية بيئيا،  المبادرات الطوعية لخدمة البيئة الاجتماعية و الطبيعية ، و أن تكون الشركة داعية بيئية بالتزام أخلاقيات حماية البيئة في التصميم ، التكنولوجيا،  العمليات ، المنتجات ،  التسويق و الاستثمار....الخ10.

 

و يمكن توضيح هذا التدرج من خلال الشكل التالي:

الشكل رقم (04) : التدرج في مسؤولية الأعمال البيئة و الأخلاقيات ضمن الحوكمة الرشيدة للمؤسسات

 

ثانيا: الرقـابة و المسـاءلة 

         من خلال آلياتها الرقابية ( المراجعة الخارجية ، مجلس الإدارة و المساهمين، لجان المراجعة) يمكن لحوكمة المؤسسات أن تلعب دورا فاعلا في المساءلة و الرقابة لضبط أداء المؤسسة بما يحافظ على بيئتها، و يبرز هذا الدور أكثر بالنظر الى مفهوم المراجعة البيئية ، و تهدف المراجعة البيئية إلى تشجيع الوحدات الاقتصادية على تحسين أدائها البيئي و ذلك من خلال:

-      تصميم و تطبيق نظم لحماية البيئة،

-      إجراء تقييم موضوعي و دوري للأداء البيئي،

         و تنتهي المراجعة البيئية بتقرير بيئي يعتمد بواسطة مراجع بيئي مصرح له بمزاولة المهنة،  و يقدم إلى الجهة المختصة في الدولة ، كما تتاح معلوماته لمختلف أفراد و جهات المجتمع، و يتضمن التقرير البيئي المعلومات التالية:

-      اسم المنشاة و موقعها ،

-      وصف أنشطة المنشأة،

-      تقييم تفصيلي للموضوعات البيئية ذات الصلة بأنشطة الموقع،

-      ملخص للأرقام المتعلقة بالانبعاث المسبب للتلوث، المخلفات، المواد الخام، الطاقة، استهلاك المياه، و كل الموضوعات البيئية الهامة الأخرى،

-      السياسة و البرنامج البيئي و أهداف المنشاة،

-      تقييم الأداء لنظام حماية البيئة المطبق بالموقع،

-      التاريخ المحدد لإعداد التقرير البيئي التالي،

-      اسم و عنوان المراجع البيئي المصرح له بمزاوله المهنة و الذي اعتمد التقرير ،

و يجب على إدارة المنشاة فحص نتائج المراجعة ، و اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحسين أدائها البيئي 11.

 

ثالثا: إدارة المخــاطر

         تمثل إدارة المخاطر المنهج أو المدخل العلمي للتعامل مع المخاطر البحتة و ذلك عن طريق توقع الخسائر العارضة المحتملة ، و تصميم و تنفيذ إجراءات من شانها تقليل إمكانية حدوث الخسارة إلى حدها  الادنى12، إن التركيز على إدارة المخاطر كركيزة من ركائز حوكمة المؤسسات يشكل محركا للمنظمة و أداة قوية قادرة على تحسين أدائها، و ينظر الكثير إلى التحديات الجديدة الناتجة عن إدارة المخاطر ، على أنها ترفع من مستوى معايير المراجعة الداخلية كواحدة من آليات تطبيق الحوكمة13 ،و هنا تبرز ضرورة إعداد المنشاة لبرنامج إدارة مخاطرها البيئية و ذلك لتجنب التأثيرات الضارة التي قد تترتب عنها و إدارة المخاطر البيئية تتطلب من المراجع الداخلي تقييم مدى الالتزام بالسياسات البيئية للوحدات الاقتصادية و القوانين المطبقة و قد يكون من الصعب تحديد كل المخاطر البيئية فما يعتبر آمنا اليوم قد لا يعتبر آمنا غدا ، و بالتالي يعد برنامج إدارة المخاطر البيئية ليناسب وحدة اقتصادية معينة        و يجب أن يتضمن :

-      تقييم سياسة الوحدات الاقتصادية للمحافظة على سلامة و صحة العاملين بها،

-      فحص بيئة و ظروف العمل،

-      تحليل دورة حياة المنتج،

-      الرقابة على المخاطر البيئية المترتبة عن المخلفات،  المواد الكيماوية،  الانبعاثات الملوثة للهواء،  الضوضاء.

         كما يتطلب الأمر من الوحدة الاقتصادية أن تقوم بتطبيق نظام الإدارة البيئية ، و يتمثل في الهيكل الذي يحدد المسؤوليات، السياسات، الممارسات، و التعليمات اللازمة لحماية البيئة ، و تعد المراجعة البيئية جزءا من هذا النظام ،و بما أن الإدارة البيئية  تعد جزءا من نظام الرقابة الداخلية المطبق في المؤسسة، يقع على عاتق المراجع الداخلي مهمة فحص هذا النظام،  و تقييمه دوريا، و إبداء رأيه في تقريره الخاص 14.

 

نتــائج الدراسة :

 من خلال هذه الدراسة يمكننا استخلاص النتائج التالية:

-      إن الأسس التي تقوم عليها الأعمال قد سلطت الأضواء الكاشفة على ممارسات الأعمال و تأثيراتها السلبية على البيئة، فصار لابد على المؤسسة أن تتحمل مسؤوليتها البيئية كما تتحمل مسؤوليتها حيال الأطراف الأخرى التي تعمل على تحقيق مصالحها ،

-      تنشط الحركة  البيئية الخضراء سعيا منها لتحقيق المسؤولية البيئية في المؤسسة الاقتصادية، لكن ذلك لا يعد كافيا لإحكام الرقابة على أدائها البيئي،

-        حوكمة الشركات هي نظام تراقب و تدار به المؤسسة ، و يتضمن مجموعة من المتطلبات القانونية           و التشريعية  الإدارية و الاقتصادية، تحكمها منهجيات و أساليب، و تستخدم في ذلك آليات داخلية ( مجلس الإدارة ،  المراجع الداخلي،  لجنة المراجعة )،و خارجية ( الهيئات المهنية،  أسواق رأس المال ، المراجع الخارجي) ، تتفاعل فيما بينها لتحقيق نتائج تعمل على إدارة الشركة و مراقبتها ،

-        من  خلال ركائزها الثلاث السلوك الأخلاقي، الرقابة و المساءلة، و إدارة المخاطر ، توفر حوكمة المؤسسات  إطارا رقابيا فعالا يضمن الحفاظ على  البيئة في المؤسسة الاقتصادية، و يوفر متطلبات حمايتها .

 

التوصيــات:

من اجل تفعيل دور حوكمة المؤسسات خدمة لبيئة المؤسسة الاقتصادية ينبغي الأخذ بالتوصيات التالية:

-      ضرورة تطبيق نظام إدارة البيئة كجزء من نظام الرقابة الداخلية في المؤسسة،

-      ضرورة إعداد برنامج بيئي و مراجعته دوريا، مفاده فحص و متابعة نشاط المؤسسة، مخلفاته و أثاره على بيئتها الداخلية و الخارجية،

-      تفعيل دور المراجع الداخلي تجاه الرقابة البيئية المستمرة،

-      ضرورة احترام القوانين و متطلبات حماية البيئة ، وكذا احترام المسؤولية الاجتماعية ،

-      تعيين مراجع خارجي مستقل مصرح به لدى الدولة،  يهتم بالفحص الدوري لنشاط المؤسسة البيئي          و تقييمه باستمرار ،

-      توعية مختلف الأطراف المستفيدة من المؤسسة الاقتصادية ، و كذا وسائل الإعلام  بضرورة الالتفات لحماية البيئة و جعله هدفا أساسيا  إلى جانب هدف تحقيق الربح ، الجودة، و  التميز في قطاع الأعمال.

 

الإحالات و الهوامش:

1 نجم عبود نجم : أخلاقيات الإدارة و مسؤولية الأعمال في شركات الأعمال، دار الوراق للنشر و التوزيع، عمان ، الأردن ، 2006، ص290.

2 Web site:            http://www.iid-alraid.de/arabisch/abwab/Ecology/Eco1.htm

3نجم عبود  نجم : أخلاقيات الإدارة و مسؤولية الأعمال في شركات الأعمال ، مرجع سابق ، ص 280-285.

4Karine le Joly  &  Bertrand Moingeon : Gouvernement d’entreprise, débats théoriques et pratiques sous la direction, Ellipses édition marketing S.A, Paris, France, 2001, p19.

5تقرير التنمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: الحكم الجيد لأجل التنمية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، البنك الدولي، واشنطن، 2003، ص:03

6The institute of internal auditors: The lessons that lie beneath, Tone at the top, USA, February 2002, p: 2.

7 الملتقى الدولي حول : الحوكمة و  أخلاقيات  الأعمالفيالمؤسسات ، 2009 / 11 / 19 -18، عنابة،  مداخلة الأستاذ أبو حفص رواني   و الأستاذ مهدي شرقي  .

8 OECD:  Principles and Annotations on Corporate Governance: Arabic Translation, Center for International Private Enterprise, 2003, P: 9.

Web site:            www.cipe-arabia.org/pdfhelp.as

9جورج دانيال غالي : تطوير مهنة المراجعة لمواجهة المشكلات المعاصرة و تحديات الألفية الثالثة، الدار الجامعية، الإسكندرية، مصر، 2001،ص434-439.

10نجم عبود  نجم : أخلاقيات الإدارة و مسؤولية الأعمال في شركات الأعمال ، مرجع سابق ، ص 322-324.

11جورج دانيال غالي : تطوير مهنة المراجعة لمواجهة المشكلات المعاصرة و تحديات الألفية الثالثة، مرجع سابق ،ص452.

12طارق عبد العال حماد: إدارة المخاطر  ، الدار الجامعية ، الإسكندرية ، مصر، 2007 ، ص51.

13طارق عبد العال حماد: حوكمة الشركات ،المفاهيم المبادئ التجارب ، الدار الجامعية ، الإسكندرية ، مصر ،2005، ص 484.

14جورج دانيال غالي : تطوير مهنة المراجعة لمواجهة المشكلات المعاصرة و تحديات الألفية الثالثة، مرجع سابق ،ص463.

 

 Télécharger l'article: