Imprimer
Affichages : 16608

 

 

تقييم آثار الإصلاح الاقتصادي في الجزائر – ما بعد الإصلاح الاقتصادي

 

 

الأستاذة : آمال عياري   و الدكتورة : رجم نصيب

كلية العلوم الاقتصادية وعلوم التسيير

جامعة باجي مختار  – عنابة -

 

المقدمـة

شهدت حقبة الثمانينات و التسعينات تطورات اقتصادية إيجابية من شأنها دفع عجلة التنمية الإقتصادية و النمو بالجزائر، نشير منها إلى أمرين مهمين في رأينا الأول يتمثل في : الإصلاح الإقتصادي و الهيكلي الذي تقوم بتنفيذه و الثاني في تحسين مناخ الإستثمار مع الإصلاح الإقتصادي بإصدار تشريعات مناسبة لتشجيع الإستثمار و ترسيخ الإستقرار المالي و سعر الصرف و بقية الإجراءات التي تساعد على تخفيف القيود و زيادة الإطمئنان أمام الإستثمارات الأجنبية. فقد تسارعت الجزائر إلى تبني برامج الإصلاح الإقتصادي بإشراف FMI و BM و جوهر هذه السياسة هو التحرير سواء بالنسبة للتجارة أو الصرف أو الأسعار. و بذلك أعطت الجزائر تعهدات لـ FMI تفوق الإلتزامات المطلوبة منه في نطاق تحرير التجارة مع دخولها للمنظمة العالمية للتجارة و بالتالي فإنها في وضع مريح نسبيا بالنسبة للإلتزامات المفروضة عليها لدخول OMC، و لذلك فإنه يمكن إذا استمرت المشكلات الإقتصادية على ما هي عليه أن تكون آثار اتفاقية " الجات " سلبية نظرا لتدني القدرة التنافسية لإقتصادها خاصة و أن القطاع العام يعاني من كثرة الديون المعدومة و اختلال هياكل التمويل و سوء الإدارة، و بالتالي ضعف قدرة المنتجات على منافسة المنتجات المستوردة من الخارج.

 

تستهدف هذه الدراسة إلى التعرف على ما يجب أن تبتغيه السياسة المالية و الإقتصادية في مرحلة ما بعد الإصلاح الإقتصادي الذي قطعت فيه الجزائر شوطا كبيرا و هاما تعرف بسياسات الإصلاح الهيكلي و الإصلاح الإداري و القانوني، و لذلك تعالج هذه الدراسة ما يلي:

1)     ماهية الإصلاح الإقتصادي.

2)     أثر سياسات الإصلاح الإقتصادي على الإقتصاديات الكلية.

3)     التصحيح الهيكلي و ما بعد الإصلاح الإقتصادي.

4)     تقديم توصيات ختامية.

 


 أولا : مسميات الإصلاح الإقتصـادي و مفاهيمـه

1.1ماهية الإصلاح الاقتصادي

تعد قضية الإصلاح من بين القضايا التي يمكن أن تكون ذات أهمية كبرى بالنسبة للنمو و التنمية في الدول العربية عامة و في الجزائر على وجه الخصوص.

         ففي إطار جهود الإصلاح الإقتصادي تنتشر مسميات مثل: برامج التثبيت، إعادة الهيكلة، التعديل الهيكلي، برامج التكيف الاقتصادي، …الخ.

         و مهما اختلفت التسميات،  فجميع هذه البرامج لا تعدو أن تكون أحد الأمرين أو الأمرين معا: الأمر الأول هو: "التثبيت Stabilisation" و الآخر "التكييف Ajustement".

         فبرامج التثبيت الإقتصادي Programme de stabilisation يصممها و يتابع تنفيذها FMI، و تعتمد النظرية الإقتصادية الكلاسيكية الجديدة لميزات المدفوعات [1] و تستند إلى تحليل الصلة القائمة بين تراكم الديون و مشكلاتها و التعديلات الضرورية في هيكل الإقتصاد لعلاج المشكلات الإقتصادية القصيرة الأجل مثل مشكلة التضخم و رصيد الإحتياطات النقدية و كذلك هروب رأس المال الوطني للخارج، علاوة على تزايد عجز الحساب الجاري و عجز الموازنة العامة [2]، و عادة ما يتم التركيز على سياسات جانب الطلب الكلي لمواجهة تلك المشكلات ، هذه الأخيرة (سياسات جانب الطلب الكلي) تنطوي على كافة الإجراءات و التدابير التي تتبناها الدولة المعينة، بغرض التأثير على مستوى الطلب الإسمي و معدل نموه و مستوى الإستعاب المحلي *. و تحتوي تلك السياسات على كافة الإجراءات و التدابير النقدية التي تندرج في الإطار التقليدي للسياسة الإقتصادية الكلية و نخص بالذكر:

1)     تخفيض الإنفاق الحكومي على التعليم و الصحة و الخدمات الإجتماعية و الدفاع و غيرها.

2)     تعديل عرض النقد و الإئتمان المحلي من خلال التحكم في السيولة النقدية و من إجراءاتها رفع معدل الفائدة على الودائع المحلية.

3)     تخفيض مستويات الأجور الحقيقية سواءا بالتخفيض المباشر أو من خلال الضغط عليها بزيادة معدلات البطالة.

غير أن هذه السياسة الإقتصادية المصممة للمدى القصير، سرعان ما تؤدي إلى الركود و نقص الإستثمارات المحلية و الخارجية، عندئذ تبدأ برامج التكييف الهيكلي Programme d'ajustement structurel برعاية البنك الدولي. هذه البرامج تعتمد على النظرية الإقتصادية في تخفيض و توزيع الموارد. و من أهم الإقتراحات و الإجراءات المقدمة من طرف BM في إطار برامج التكييف نذكر:

  1. تحرير الأسعار و إبعاد الدولة عن التدخل في آليات العرض و الطلب.
  2. نقل الملكية العامة إلى القطاع الخاص (الخصخصة أو التخصيصية).
  3. تحرير التجارة و زيادة التصدير.

 

2.1. أهم الاختلالات الداخلية و الخارجية الدافعة للإصلاح الإقتصادي بالدول العربية

إن حتمية الإصلاح تمليها الإختلالات الهيكلية أو الأساسية للإقتصاد [3]. و قد تكون مثل هذه الإختلالات نتيجة لظواهر و صدمات داخلية أو/و خارجية، و التي ازدادت حدتها و بصورة ملموسة في النصف الثاني من عقد السبعينات، عقب الأزمة الهيكلية التي عمت الإقتصاد الرأسمالي العالمي و من أهم ملامحها نذكر[4] : إنهيار أسواق النقد العالمية، ازدياد حدة علاقات الصراع و النمو غير المتكافئ للقوى الرأسمالية الكبرى، بالإضافة إلى انتشار عديد من الظواهر الإقتصادية السلبية على المستوى العالمي كظاهرة الركود التضخمي، تباطؤ معدلات النمو الإقتصادي، علاوة على ظهور أزمة الطاقة عقب صدمتي البترول الأولى و الثانية.

         و قد مارست هذه الأخيرة (أي جملة الظواهر الخارجية السالف ذكرها) تأثيرا سلبيا على اقتصاديات الدول النامية و ذلك من خلال أربعة آليات يمكن تلخيصها فيما يلي[5] :

  1. تدهور شروط التبادل التجاري الدولي في غير صالح الدول النامية، و خاصة في ظل تزايد حدة السياسات الإنكماشية ، وإجراءات الحماية الجمركية التي انتهجتها الدول المتقدمة في مواجهة صادرات الدول النامية.
  2. ارتفاع أسعار الفائدة العالمية، إذ تشير الإحصائيات إلى ارتفاع متوسط معدل نمو أسعار الفائدة الحقيقية المستحقة على ديون الدول النامية بنسبة 75% في فترة الثمانينات.
  3. اتجاه بعض الدول المتقدمة إلى خفض برامج مساعدتها التنموية للدول النامية، و قد اقترن ذلك بتفاقم أزمة المديونية الخارجية منذ عام 1982 ووصولها إلى مستويات حرجة انعكست على تدهور مؤشرات الديون الخارجية في تلك الدول على نحو تعذر فيه استمرار خدمة أعباء ديونها الخارجية من ناحية و تمويل واراداتها الإئتمانية من ناحية أخرى.
  4. انتشار ظاهرة تدفق رأس المال الوطني إلى الخارج فعلى سبيل المثال، قدر حجم هذه الأموال في بعض دول أمريكا اللاتينية بحوالي 30,53 مليار$  بالمكسيك و 16,51 مليار $ بالأرجنتين و 16,39 مليار $ بفنزويلا و ذلك خلال الفترة 1980 إلى 1984.

هذا بالإضافة إلى مظاهر الإختلالات الهيكلية الداخلية نتيجة انتهاج معظم تلك الدول لسياسات اقتصادية اتسمت بعدم الكفاءة في مجالات التسعير و الرقابة على الصرف و كذلك انحراف قرارات الإستثمار، و انتشار الفساد الإداري إلى جانب انخفاض معامل مرونة الجهاز الإنتاجي، و سوء تخصيص الموارد الإقتصادية الأمر الذي تمخض عنه استمرار العجز المزمن في كل من ميزان المدفوعات و الموازنة العامة للدولة.

و إزاء تدهور الأداء الإقتصادي كمحصلة لتأثير الظواهر الإقتصادية (الخارجية منها و الداخلية) ظهرت حتمية " الإصلاح الإقتصادي" و ذلك تحت رعاية مؤسسات دولية (FMI و BM ).

 

3.1. مضمون السياسات المقترحة من طرف FMI و BM في مجال الإصلاح الإقتصادي

         تندرج العناصر التي يتكون منها برنامج الإصلاح الإقتصادي المسمى "التثبيت الإقتصادي" على المستوى الكلي تحت أربع مجالات رئيسية:

  1. 1.     السياسة المالية:وذلك لتقليل نسبة عجز الموازنة العامة إلى الناتج المحلي الإجمالي و تخفيض الدعم.
  2. السياسة النقدية و الإنتمائية: و ذلك بتقليل معدل التوسع في الإئتمان و رفع أسعار العائدة المحلية.
  3. سياسة سعر الصرف و التجارة و الديون: و التي تضم تخفيض قيمة العملة و توحيد سعر الصرف و تعويمه، إلغاء اتفاقيات التجارة و الدفع، و تحرير الإستراد و تقليل الإعتماد على التسهيلات الإئتمانية قصيرة الأجل.

 

  1. الإصلاح الهيكلي: و يشمل:  تعديل الهيكل التنظيمي للقطاع العام و القضاء على التشوهات السعرية و إعطاء إهتمام أكبر للزراعة و تشجيع الإستثمار الأجنبي و الإصلاح الإداري و القانوني و العدالة و الإنصاف.

 و مجموع هذه السياسات السالف ذكرها تحاول تقليل الإفراط في العجز في الميزان التجاري أو معدل ارتفاع التضخم و هما عرضيان لظاهرة ارتفاع في الطلب مع عدم قدرة العرض على مواجهتهما لمحدوديته بالذات في فترة زيادة الموارد المؤقتة من الخارج بمعنى آخر هذه السياسات تستهدف استعادة التوازن ما بين العرض و الطلب الكلي و استعادة للتوازن الخارجي.

إلا أن سياسات الصندوق (FMI) لا تقتصر على جانب الطلب وحده كما سبق ذكره فهناك سياسات خاصة بجانب العرض الكلي تستهدف زيادة الناتج المحلي من السلع و الخدمات بما يتوافق مع المستوى المحدد للطلب المحلي الإجمالي و تنقسم تلك السياسات إلى مجموعتين[6] :

المجموعة (1):و تضم الإجراءات الموجهة لزيادة تيار الناتج المحلي من خلال كفاءة تخصيص الموارد الإقتصادية، ويتطلب ذلك التخلص من مظاهر الإنحراف في هيكل الأسعار بالمنتجات المختلفة و أسعار الصرف إلى جانب تعديل الهيكل الضريبي و أيضا تخفيف القيود التجارية.

المجموعة (2): و تتمثل في تلك السياسات التي تستهدف تحفيز الطاقة الإنتاجية بغرض رفع معدل نمو الناتج المحلي في الأجل الطويل و هي بذلك تضم كافة الإجراءات التي تسهم في زيادة معدلات الادخار و التكوين الرأسمالي الثابت،و كذلك بتعظيم عملية الإستثمار في رأس المال البشري من خلال توسيع و تطوير نطاق برامج التعليم و التدريب و التطور التكنولوجي.

 

 

 

 

ثانيا : آثـار سياسات الإصـلاح الإقتصادي

1.2. على المجمعات الإقتصادية الكلية للدول العربية

يعتبر الإستثمار المحدد الرئيسي لمعدل النمو الإقتصادي فبانخفاض أسعار البترول في أوائل الثمانينات اتجهت معدلات الإستثمار إلى انخفاض و تبعتها معدلات النمو الإقتصادي، و لكن بداية التسعينات شهدت ارتفاعا في معدلات الإستثمار و تحسن في معدلات الإدخار القومي في الدول غير المنتجة للبترول نتيجة لنجاح جهود هذه الدول في التغلب جزئيا على اختلالات الميزانية و باقي الكميات الإقتصادية في إطار سياسة الإصلاح الإقتصادي التي تستهدف بالدرجة الأولى زيادة معدلات الإستثمار سواء كان أجنبيا أو من القطاع الخاص.

و فيما يتعلق بمستقبل اتجاهات نمو الكميات الإقتصادية الكلي (الإجمالية) يرى تقرير FMI أن المستقبل يبشر بالأمل على الرغم من العديد من المؤشرات الدولية غير المواتية في العالم (أسعار البترول، تخفيض اليد العاملة الوافدة إلى الدول الأوروبية، انخفاض معدلات المعونة الدولية نتيجة لسياسات الدول المانحة).

و حسب FMI العولمة ستفتح آفاقا جديدة للمنطقة العربية، و الأمر يتوقف على السياسات الداخلية التي ترسمها الدول العربية للحفاظ على معدلات عالية للنمو الإقتصادي، و المحك الأساسي لنجاح السياسات الداخلية هذه هو زيادة مستوى و كفاءة رأس المال في الدول العربية.

و لكن دراسات و بحوث أخرى أثبتت عكس ما قدمه FMI، فالإصلاح الإقتصادي المنتهج وفقا للوصفة المقدمة من طرف FMI لم تثبت نجا عتها و الذي يغطى من خلال النقاط التالية:

1)  متوسط نصيب المنطقة العربية من تدفقات المال الأجنبي المباشر خلال 5 سنوات السابقة لا يتعدى 1,5% سنويا خاصة و أن معدلات رأس المال/ الناتج، تعتبر عالية في الدول العربية مما يستدعي ضرورة جذب تدفقات مالية أكبر من تلك التي يمكن أن تحصل عليها دول جنوب شرق آسيا لزيادة الناتج و معدل النمو بنسبة متساوية.

2)  انخفاض كفاءة رأس المال بهذه المنطقة نتيجة لتعاظم حجم الإنفاق العام الحكومي بشقيه العسكري و المدني، فالدول العربية تتوفر بها خدمات بنية أساسية و لكن انخفاض نوعية هذه الخدمات و مستواها يرفع أيضا من تكلفة الإستثمار، فضلا عن تدهور الخدمات الأخرى (النقل، التعليم،…) و انخفاض إنتاجية العامل.

3)  معدلات الإدخار القومي في الدول العربية غير النفطية يتراوح بين 20 إلى 25% من الناتج المحلي الإجمالي. في حين أن معدلات الإستثمار المطلوبة لاستيعاب خريجي النظام التعليمي حوالي 35% من الناتج القومي الإجمالي حتى يتحقق معدل نمو حوالي 7% سنويا، و بالتالي هذه الدول تسعى لتغطية الفجوة من الإستثمارات الأجنبية المباشرة و إلا تعرض الإستقرار فيها للخطر من جراء التوترات الإجتماعية المرافقة لزيادة البطالة.

 

 

2.2. على المجمعات الإقتصادية الكليـة بالجزائـر

         ليس هناك من شك الآن في برنامج التصحيح الإقتصادي والذي بدأ يعطي نتائجه المرجوة ابتداء من منتصف التسعينات و ذلك على الرغم من الإضطرابات الأهلية التي عصفت بالجزائر في المرحلة الأخيرة و من أهمها نذكر:

  1. خلال السنوات السابقة لإعادة الجدولة (ما بين 1986 – 1993)، وصلت نسبة خدمة الدين إلى الصادرات (التي تمثل نسبة الصادرات الموجهة لخدمة الدين الخارجي) في المتوسط إلى 70%، لتبدأ في الإنخفاض منذ 1994، بحيث أصبحت تقدر بـ 30% في كل من 1996 و 1997.
  2. بدأ الإحتياطي في التزايد منذ 1994 بحيث وصل إلى 8 مليار$ في نهاية 1997، و الذي كان أقل من 2 مليار $ خلال الثمانية سنوات السابقة لبرنامج الإستقرار. و لم يكن ذلك ناتجا عن أي ارتفاع ملموس في أسعار البترول، ذلك أن متوسط سعر البرميل كان خلال فترة 1994 – 1997 يبلغ 18,7$ أي ما يعادل سعره في الفترة السابقة (1986 – 1993)حيث بلغ البرميل حينئذ 18,8$. فهذا التحسن في مستوى الإحتياطي كان بطبيعة الحال مدعما بالتمويلات الاستثنائية التي استفادت منها الجزائر خلال هذه الفترة.
  3. تناقص عجز الخزينة العمومية الذي بلغ في المتوسط 4,7% من الناتج المحلي الإجمالي في الفترة ما بين  1986 – 1993 و مستواه الأقصى 12,7% من الناتج الإجمالي سنة 1988 ليتحول إلى فائض في سنتي 1996 و 1997.
  4. انخفاض معدل التضخم سنة 1996 ليصل سنة 1998 إلى الهدف الذي كان محددا في نهاية البرنامج و هو 5% و ذلك بالمقارنة مع القدرات السابقة و الذي تجاوز فيها معدل التضخم 20% خلال خمس سنوات متتالية (من 1991 إلى 1995).
  5. تسجيل معدل موجب للنمو الناتج المحلي الإجمالي ابتداءا من 1995، إذ بلغ متوسطه 3,4% خلال الأربع سنوات التي استغرقها البرنامج، و ذلك بالمقارنة مع فترة الثمانية السنوات السابقة (86 – 1993) حيث كان في المتوسط سلبيا (- 0,5%).

فكل هذه الأرقام تثبت و بشكل واضح أن البرنامج قد حقق الأهداف المنشودة و أن المقاييس الاساسية للإقتصاد الكلي قد صححت:

  1. استعادة التوازنات المالية الداخلية
  2. و استعادة التوازنات المالية الخارجية

و في هذا الصدد يقدم السيد المحافظ لبنك الجزائر بملاحظة أساسية أمام المجلس الشعبي الوطني و هي1" إن استقرار الإطار الإقتصادي الكلي ليس غاية في حد ذاته، إنه نتيجة معتبرة. غير أنه لا يمثل سوى قاعدة لهدف أكثر طموحا، هو الانتعاش الإقتصادي، بعبارة أخرى، فهو شرط ضروري و لكنه غير كاف، إنه خطوة نحو هدف النمو و التشغيل".

         بعد أن كان متوسط سعر برميل البترول في 1997 يبلغ 19,5$ انخفض في 1998 ليبلغ في السداسي الأول 16$ في المتوسط و ازدادت حدة هذا الانخفاض في السداسي الثاني ليبلغ 11,9$ في المتوسط، و هكذا، عكست ميزانية الدولة هذا الانخفاض بحيث بلغت قيمة العجز الكلي 108 مليار دج، أي ما يعادل 3,9% من الناتج المحلي الإجمالي.

إن الأثر السلبي لانخفاض سعر البترول على المالية العامة قد ازداد حدة خلال السداسي الأول من عام 1999، و لكن نتيجة الإرتفاع الملحوظ في سعر البترول في السداسي الثاني من 1999 ليبلغ 23$ للبرميل، سجلت الوضعية المالية للخزينة العمومية تحسنا في الثلاثي الرابع لهذه السنة بحيث بلغ عجز الخزينة 0,5% أي أقل من المستوى الذي بلغه في 1998 و أقل من المستوى المتوقع في قانون المالية (و هو 2,4%).

بعد تدهور الوضعية المالية في سنة 1998، و الذي تم كبحه بفضل الصرامة المتبعة فيما يتعلق بتسيير النفقات العمومية و بفضل تحسن أسعار البترول، فإن تأكد تحسن الظروف الخاصة بالجباية البترولية منذ بداية 2000، يترجم بفائض هام في وضعية عمليات الخزينة العمومية و هذا بدء من السداسي (1) العام 2000، و في إطار قانون المالية التكميلي لسنة 2000 وضعت ميزانية الدولة بعد ذلك، على أساس سعر 19$ للبرميل و بما أن السعر المتوسط كان أعلى من ذلك (28,3$ للبرميل خلال الأشهر 9 الأولى من سنة 2000)، فإن الزيادة الجبائية البترولية الناتجة عن الفارق بين السعر المرجعي و السعر المتوسط المسجل، تغذي صندوق ضبط الإيرادات* (Le fonds de régulation des recettes budgétaires).

 

3.2. على القطـاع الصناعي الجزائـري

في أعقاب أربع سنوات من تطبيق برامج التكيف الهيكلي التي وصفت نتائجها الإقتصادية الكلية بأنها نتائج استثنائية يبدو من المفيد أن نتساءل عن آثارها الإقتصادية و عن قدرة برامج هذا الإصلاح على توفير الظروف لنمو دائم، و في هذا المنظور سندرس آثار الإصلاح على قطاع الصناعة.

فقد أصيبت القطاعات الاقتصادية المختلفة بانكماش و لكن بدرجات متفاوتة، و القطاع أكثر تضرر من غيره هو بدون نزاع القطاع الصناعي و الذي يبرز من خلال عدة مؤشرات منها نذكر:

I-    الإنتاج :

هبط مؤشر الإنتاج الصناعي بأكثر من 11 نقطة بين 1994 و 1997. و أكثر المؤسسات الصناعية تضررت بالإنكماش هي الصناعات المعملية التي تشكل هيكل الإنتاج العصري إذ أن إنتاجها هبط بما يقارب 21 نقطة فيما بين التاريخين المذكورين و بالمقابل، نرى أن الصناعات الوحيدة التي شهدت نموا مطردا هي فروع الطاقة و المحروقات، كما أن فرع مواد البناء سجل نموا في الإنتاج و لو بدرجة أقل من الفروع السابق ذكرها.

نلاحظ في مجموع الصناعات المعملية تطورات تختلف باختلاف الفروع، و إذا ما استثنينا صناعة المواد التي سجل إنتاجها نقطتين خلال الفترة، و جدنا أن الصناعات الأخرى منيت بانحطاط محسوس.

و أكثر الصناعات تضررا بالانحسار هي الصناعات التي تهم شغل الجلود و المنسوجات و ربما كان السبب في ذلك ما تواجهه هذه الصناعات من منافسة منذ بضع سنوات من خلال انفتاح أكثر للسوق على رؤوس الأموال الخاصة الوطنية و نشاط القطاع غير الرسمي و توسعه و استنادا إلى سنة 1998 هبط مؤشر إنتاج الجلود و الأحذية بما قدره 53 نقطة، و لم يعد هذا المؤشر في سنة 1997 سوى 23,7 أما ما يتعلق بالمنسوجات و صناعة الخشب فإن التراجع فيها حديث النشأة و لكنه بالضخامة نفسها إذا ما اعتبرنا فترة 1994 – 1997.

و يبدو أن الصناعات الغذائية كانت أكثر صلابة و مقاومة للأزمة و لو أن تراجع الإنتاج فيها كان نسبيا بين 1994 و 1997 إذ انتاجها هبط بثلاث عشر (13) نقطة و شهدت الصناعات الكيماوية تطورا مماثلا نسبيا و لو أن انحطاطها أشد بروزا خلال السنوات الأخيرة.

و كانت الصناعات الحديدية و المعدنية و الميكانيكية و الكهربائية و الكترونية التي تشكل النواة المركزية لأي منظومة صناعية متضررة كذلك بالغ التضرر بالأزمة. فقد انخفض إنتاجها بنسبة 50% فيما بين 1984 و 1997 و كان الإنحطاط فيها أكثر  ظهورا فيما بين 1994 و 1997، و هي الفترة المشمولة بالتصحيح الهيكلي بنسبة 30% طول السنوات الثلاث.

و كان من نتائج هذا الإنخفاض في الإنتاج بطالة جزء كبير في أداة الإنتاج و من المفارقة أن نرغب في وضع حد لإقتصاد المديونية الذي هو الهدف الرئيسي لبرنامج التصحيح الهيكلي عن طريق الإيقاف الجزئي لأداة الإنتاج.

كان هبوط معدلات استخدام قدرات الإنتاج عاما، و النزوعات الإنخفاضية تنصب بصورة كاملة على أدوات الإنتاج و قد شمل ذلك بالترتيب صناعات الخشب و النسيج و الصناعات الحديدية و المعدنية و الميكانيكية و الإلكترونية.

و فضلا عن انخفاض معدل استعمال القدرات [7] يلحق الضرر أساسا بصناعات السلع الوسيطية و التجهيز، فإنه بالغ الأثر كذلك في الفروع التي تكون وحداتها قديمة و التي تشهد تعطلات متكررة، و في الفروع ذات الطاقة التكنولوجية العالية و التي ما تزال بحاجة إلى مساعدة تقنية.

و هذا الواقع الثابت الذي وصفناه باختصار يجعلنا نتساءل عن أسباب الركود المستمر للصناعة الجزائرية و قد يكون من المهم أن نحلل أو أن نتساءل على الأقل عن قسط أثار سهلة الإستقرار و الآثار التي قد تكون ناجمة من القيود الهيكلية التي يعانيها الإقتصاد الجزائري في الإنحسار و لعل هناك تضافر بين العوامل كلها فيما أصاب الإقتصاد الوطني من علل و أوهان.

و يمكن إرجاع الحجج التي يحتج بها الملاحظون لحالة الظروف الإقتصادية و الإجتماعية في الجزائر إلى تفكيك بنية المؤسسات أو هدمها من الناحية المالية و من خسائر في جانب الصرف إلى أحد العوامل المفسرة لهذه الظاهرة و التي إليها عوامل أخرى مثل عدم تحصيل ديونيها، و تقلص الطلب على منتجاتها و المنافسة الأجنبية، و حيازتها لمخزونات هامة من المنتجات غير المسوقة.

 

II-هدم البنية المالية للمؤسسات:

كان من آثار التصحيح الهيكلي قيام الدولة بسحب حمايتها للمؤسسات الوطنية و بشكل فظ مباغت، و فجأة وجدت هذه المؤسسات نفسها في وضع تواجه فيه محيط الناجم عن القرارات الإقتصادية الكلية، و دون أن تكون مهيئة لذلك (تحرير الأسعار، و معدلات الفوائد و تخفيض قيمة الدينار، و الإنفتاح الإقتصادي).

و إذا ما أرجعنا هدم البنية المالية للمؤسسات إلى ظاهرة التمويل على المكشوف وحده، فإننا نلاحظ في الواقع تلازما قويا بين تخفيض قيمة الدينار و تضخم المكشوفات المالية للمؤسسات العمومية، و قد ارتفع هذا المكشوف على الحساب بالنسبة إلى مجموع القطاعات الصناعية من 90 مليار دينار في 1995 إلى أكثر من 13 مليار دج في نهاية سنة 1996.

فهو يمثل 28% من رقم الأعمال الإجمالي أي 3,4 أشهر من متوسط الإيرادات، و يرى المجلس الوطني الإقتصادي و الاجتماعي [8] أن القطاع الصناعي كانت له مالية إيجابية تقارب 8 ملايير في سنة 1993، و قد بدأ ظهور التمويل على مكشوف الحساب سنة 1994 بمبلغ 10 ملايير دينار مما يسمح بإبراز الصلة الوثيقة بين قيمة الدينار في أبريل 1994 و انهدام بنية مالية المؤسسات تدريجيا.

و قد إزداد مكشوف المؤسسات العمومية ازديادا كبيرا منذ سنة 1993 فانتقل من 10 ملايير دينار في نهاية ديسمبر 1994 إلى 29 مليار في نهاية ديسمبر 1995، و هذا المكشوف يمثل أكثر من ربع رقم أعمالها، و نلاحظ أن فرع مواد البناء قد شذ عن هذه القاعدة بما حصل عليه من مالية إيجابية[9] و يبدو أن ثلاثة أسباب على الأقل كانت وراء هذا التدهور العام.

 

 

ثالثا: ما بعد الإصلاح الإقتصـادي

         رغم شروع الجزائر و غيرها من الدول العربية في الإصلاح الإقتصادي تبعا للوصفة المقدمة من طرف FMI و BM، إلا أنها عجزت عن إلغاء جميع الصعوبات و المشاكل التي تعترض نموها الإقتصادي و من أهمها نذكر:

 

 

1.3. صعوبة الإندماج في الإقتصاد العالمي

         أدت الإختلالات التي عانت منها الدول العربية عامة و الجزائر على وجه الخصوص في الثمانينات و التي أدت إلى إقدامها على سياسات الإصلاح الإقتصادي إلى صعوبات اندماجها في الإقتصاد العالمي بسلاسة و يسر، و يمكن تلخيص هذه الصعوبات في بعد السياسات النقدية الحمائية و الإفراط في التدخل الحكومي، و فكرة الأسعار، و أخيرا عدم قابلية العملات المحلية للتحويل و التي أدت إلى عدم إقدام الإستثمار الأجنبي المباشر على الإستثمار و بالذات في قطاعات التجارة و بالتالي تباطؤ نمو التجارة مع العالم الخارجي.

         كما أن العجز المزمن في الميزانيات أدى إلى تباطؤ معدل النمو الإقتصادي نتيجة لإنخفاض الإئتمان الممنوح لقطاع الخاص و بالتالي بتباطئ معدلات الإستثمار و خاصة و أنه من المعروف أنه لإزالة عدم التبعية و تناغم قرارات الإستثمار مع الإدخار و تناسقها مع السياسات الإقتصادية تؤدي إلى التوزيع الأمثل للموارد.

         و قد شهد النصف الثاني من التسعينات التغلب على معظم هذه الصعوبات و استعادة التوازن المالي و بالتالي انخفضت معدلات التضخم حتى حدث الإنخفاض الحاد في أسعار البترول في النصف الثاني من عام 1998 و إن كانت أوضاع المعاملات الخارجية لمعظم الدول العربية هشة.

و إلى جانب استعادة التوازن على المستوى الكلي هناك سياسات أخرى بحيث اتباعها مثل تحرير التجارة و تحسين وسائل النقد و الطرق و الاتصالات و السياسات الضريبة و تنظيم النظام المالي المحلي، و توفير بنية أساسية صالحة لخدمة، أهداف النمو الإقتصادي و إصدار قوانين للمنافسة و تنظيم الإحتكار و تنظيم الأسواق ككل.

 

2.3. أهمية تغرير تكنولوجيا المعلومات و القدرة على المنافسة

         إن الثورة التكنولوجية ملائمة للبلدان النامية، بصفة عامة، و لكنها ملائمة للبلدان العربية بصفة خاصة، و المنطقة تواجه ضرورة الإسراع في زيادة مستويات تعليم و مهارات قواها العاملة و لكنها في الوقت نفسه تمتلك الموارد (قاعدة رأس المال البشري الكافية) اللازمة لذلك، من خلال الإستفادة من فرص التعليم الجديدة المتنوعة التي خلقها التقدم الذي أحرزته تكنولوجيا المعلومات.

         و هذه الثروة التي تستدعي إحداث تغيير هيكلي في نظرتنا إلى التعليم هي نفسها التي تتبع الأدوات الجديدة اللازمة لإنجاز هذا التغيير.

         و من الواضح أن هذه ليست مهمة الحكومات وحدها، غير أن للحكومات دورا هام تلعبه في تسهيل هذه التطورات، إذ ينبغي تنفيذ سياسات لحفز مشاركة القطاع الخاص في مجال التعليم و التدريب. كما ينبغي إطلاع الجمهور العام و دوائر الأعمال و التجارة على فرص التعليم الجديدة التي يتزايد توفرها (على سبيل المثال من خلال مشروعات تجريبية). و حيثما اقتضى الأمر ينبغي تطبيق المعايير التعليمية و شبكات اعتماد المؤسسات التعليمية لضمان الحدود الدنيا من جودة التعليم.

 

 

3.3. التطوير الإداري لدعم سياسات الإصلاح الإقتصادي

         تهدف مجموعة السياسات الإقتصادية سالفة الذكر إلى السيطرة على التضخم و كبح جماحه بما يحقق الإستقرار الإقتصادي من ناحية، و إلى تشجيع الاستثمار و تنمية الإنتاجية وزيادة معدلات التشغيل بما يحقق معدلات نمو اقتصادي متزايدة من ناحية أخرى. و تحوي السياسات الجديدة مضامين مؤسسية تتعليق بضغط حجم الجهاز الحكومي، و إعادة تشكيل أدواره و توفير و تنمية المقومات المؤسسية اللازمة لإدارة التحول إلى اقتصاد السوق.

 

الخاتمــة

         في خاتمة هذا البحث يمكن أن نستخلص أمرين:

         الأمر الأول: أن الإصلاح الهيكلي يعتبر أصعب بكثير من التصحيح على المستوى الإقتصادي الكلي إذ تحقق تقدم ضئيل في مجال الخوصصة و تحرير التجارة الدولية و على العكس من ذلك، أسفر الإصلاح عن نتائج سريعة لحد كبير فيما يتعلق بالتخفيف من الضغوط التضخمية و استقرار أسعار الصرف و تخفيض العجز في الموازنة العامة للدولة و موازين المدفوعات، و لما كان التصحيح في قطاعات الإقتصاد الحقيقي يتخلف كثيرا عن التصحيح في قطاع الإقتصاد النقدي، فإن هذا يهدد عملية الإصلاح برمتها و هناك حاجة لمواجهة هذه المشكلات على المستويين الفني و السياسي.

         الأمر الثاني: بدون تحقيق نوع من الربط الموضوعي بين سياسات الإصلاح الإقتصادي من ناحية و عملية الإصلاح السياسي و قضيته العدالة و الإنصاف من ناحية أخرى، فالأرجح أن سياسات الإصلاح الإقتصادي سوف تؤدي إلى:

-           تهميش دور الدولة في الإقتصاد و المجتمع.

-           تعميق حدة التناقضات و الإختلالات و زيادة عدد الفقراء في المجتمع.

-           انتشار مظاهر الفساد السياسي و الإداري.

و هذا سوف يخلق بيئة ملائمة لتنامي ظواهر العنف و التطرف و الجريمة، و تحت ضغط هذه الظواهر سوف تصبح الدول العربية عامة و الجزائر خاصة عرضة للوقوع في توترات اجتماعية ممتدة و خاصة أن الإندماج في الإقتصاد العالمي يجعلها عرضة للصدمات الخارجية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قائمة المراجع:

* نادر فرجاني " آثار إعادة الهيكلة الرأسمالية على البشر في البلدان العربية". مجلة التنمية و السياسات الإقتصادية – إصدار م.ع.ت. المجلد 1- العدد 1- ديسمبر 19987 –

* د. سميرة إبراهيم أيوب " صندوق النقد الدولي و قضية الإصلاح الإقتصادي و المالي – دراسة تحليلية تقييمية " – مركز الإسكندرية للكتاب – 2000 –

* انتقالية و استشفاف " التحولات الهيكلية في الإقتصاد حالة المكسيك و نيجيريا " 1995 .

* د. يونس أحمد البطريق " في المالية الدولية " – الدار الجامعية للطباعة و النشر و التوزيع" الإسكندرية 1993 –.

* Dhram Ghai « The IMF and the South «  - the social impact of crissis and adjustment » UN reasearch institute 1991 – P 33-37.

* Balassa. B « Structural ajustement policies in devloping contries » world development vol 82 – jan 1983, P 23.

* Media Bank_ publication spéciale_ Mars 2001.Communication du gouverneur de la B.A/ M.A Keramane assembleé populaire national –

* المجلس الوطني الإقتصادي و الإجتماعي : تقرير عن الظروف الإقتصادية و الإجتماعية في السداسي الأول 1996

 

 

 

آثار برامج التعديل الهيكلي على سوق العمل في الجزائر

 

الأستاذة : قصـــاب سعدية

كلية العلوم الإقتصادية وعلوم التسيير

 - جامعة  الجزائر –

 

مقدمة

       تمثل الإصلاحات الاقتصادية التي مست الدول النامية في الفترة الإنتقالية كما حدث في الجزائر منذ التسعينات مرحلة تحضيرية للدخول في إقتصاد السوق عن طريق برامج التثبيت والتصحيح الهيكليين بهدف الوصول إلى التوازنات الكبرى خاصة المالية منها، وهوما أدى بالإقتصاد الجزائري إلى طلب جدولة الديون الخارجية في هذه الفترة.

       وتعتبر الإصلاحات المقترحة من الصندوق النقدي الدولي والبنك العالمي إصلاحات تهدف إلى توسيع النظام الدولي الجديد، الذي ينبني أساسا على تحرير التجارة الخارجية في إطار عولمة الإقتصاد عن طريق إرساء قواعد السوق، التي تستلزم تغييرات جذرية ( هيكلية ) في الإقتصاديات النامية بهدف إرجاع الإستقرار للإقتصاد ثم محاولة إنعاشه في مرحلة لاحقة ، وحتى تتمكن الجزائر من تحقيق الهدفين السابقين لابدّ أن تأخذ بعين الإعتبار مجموعة من المتغيرات الخارجية ،أصبحت تفرض نفسها على الساحة  الدولية وتؤثر مباشرة عليها وأهمها العولمة الإقتصادية.

       وفي إطار هذه المتغيرات والمستجدات الحديثة للإقتصاد العالمي أصبحت المؤسسة الجزائرية تتأثر لا محالة بمحيط جديد، يفرز مفارقات عديدة وعلى المؤسسة أن تتعايش معها حتى تحافظ على وجودها في عصر إشتدت فيه المنافسة الدولية .

تعتبر المؤسسة عونا إقتصاديا أساسيا يصل من خلاله الإقتصاد إلى تحقيق هدفه بإستغلال كل طاقته الإنتاجية إستغلالا أمثلا بمرعاة كل الظروف المحيطة به وهو ما نحاول تفصيله في النقاط التالية :

بدءاّ بطرح مشكل البطالة التي تعاني منه الجزائر في ظروف الأزمة والإجراءات ألتي إتخذت للتقليل منها مستقبلا عن طريق برامج إصلاحية هيكلية والأخذ في الحسبان كل المتغيرات الخارجية المؤثرة مباشرة في العملية الإصلاحية .

 

I ــ وضعية سوق العمل خلال التسعينات:

من التشخيص الكمي لمراحل التشغيل في الجزائر نلاحظ أن كبح الإستثمارات الإنتاجية إبتدأ من سنة 1986 بسبب الأزمة الاقتصادية التي عاشتها الجزائر بعد هذا التاريخ من جراء إنخفاض العائدات البترولية التي تشكل الممول الوحيد لمختلف المشاريع الإستثمارية التي تؤدي إلى خلق مناصب شغل جديدة تمتص اليد العاملة المتزايدة المقبلة إلى سوق العمل .

      نظرا لعدم تنويع صادرات الجزائر وإعتمادها الكلي على تصدير المواد الأولية قد تأثرت هذه الأخيرة بالأزمة البترولية التي مست كل الإقتصاديات المصدرة للمحروقات .

فإختل ميزان مدفوعاتها وسجل ميزانها التجاري عجزا ملموسا يصعب تصحيحه بالمواصلة في تطبيق نفس السياسة التي كانت لها ظروفها الخاصة بها.

إرتفعت المديونية الجزائرية خلال هذه المرحلة وإزدادت خدمة الديون بنسب مخيفة لم تتمكن من تسديدها فإشتد الإختناق عليها من جراء القيد المالي .فلجأت إلى المؤسسات المالية الدولية لتخفيف العبء عنها بعدما كانت خدمة الديون تصل إلى أكثر من 75% من إراداتها السنوية عن طريق طلبها لإعادة جدولة ديونها فوّقعت على إتفاقية ستاند باي سنة 1994 مقابل إتباع برنامج تعديلي للإقتصاد الجزائري ، يمكن تفصيله لاحقا.

 

  ـ 1 ـ تشخيص التشغيل في ظروف الأزمة :

لايمكن إسناد الإرتفاع المذهل لمعدّلات البطالة في الجزائر إلى إرتفاع معدل نمو السكان فحسب وإنما راجع أيضا إلى البنية الاقتصادية الهشة التي لا تتماشى والمتغيرات الجديدة لإن دينامكية الجهاز الإنتاجي لم تسطيع مواجهة طلبات العمال الجدد التي وصلت إلى اكثر من 260.000 طلب سنة 1998

إنطلاقا من دراسة الكمية لواقع التشغيل في الجزائر تم التمييز بين فترتين أساسيتين، الأولى خاصة بمرحلة السبعينات ،أين كانت هيكلة النظام الإنتاجي الجزائري يعتمد أساسا على الإستراد في التموين،والذي يعتمد هو الآخر على تصدير المحروقات فقط لتسديد فاتورة هذا الإستراد ،وإستمر هذا التسيير عشرية كاملة تميز فيها الإقتصاد الجزائري بهشاشة جهازه الإنتاجي . و بمجرد أن حدث إنخفاض في أسعار النفط سنة 1986 إلى 14 $  للبرميل أثر ذلك على كل الإقتصاديات العالمية فأحدثت إضطرابات عنيفة في الإقتصاد الجزائري فإنحرف مسار التشغيل حتما عماّ كان عليه في فترة التسعنيات كما رأينا سابقا ، إضافة إلى التحولات الكبرى التى لم يسبق لها تاريخ الجزائر حيث أثرت بصورة واضحة على سوق الشغل[10]  و هو ما أدى إلى إرتفاع معدل البطالة في هذه الفترة من 17,2% سنة إلى1987 27,20% سنة 1996 وهو الرقم الذى يعادل.00 2.1000  بطال لنفس السنة .

        من إفرازات الأزمة الاقتصادية في ظل التراجع الإقتصادي الذي يؤثر مباشرة على سوق الشغل باعتبار العمل يشكل أحد العناصر الضرورية للعملية الإنتاجية أي أن المؤسسة الجزائرية من في ظل النظام الإنتاجي السائد ، قد تؤثر سلبا على الحالة الإجتماعية للعمال و الذي يظهر جاليا في النقطة الموالية سواء من ناحية عرض العمل أو الطلب عليه . تعتبر المؤسسة الاقتصادية الواحدة الأساسية لإنعاش الجهاز الإنتاجي مهما كان نمط التسيير المتبع ، بهدف إرجاع التوازن و الإستقرار الإقتصادي، و هو الأمر الذي يؤدي إلى إصلاحها بإستمرار لإجاد الأسلوب الكفيل لتسييرها تسييرا عقلانيا يعيد لها الإعتبار كمؤسسة تمثل أحد أقطاب النمو الإقتصادي ويمكن حصر قيود المؤسسة أو الإقتصاد الجزائري في فترة الأزمة في نقطتين اساسيتين، ذات الصلة المباشرة بسوق الشغل . 

  ــ التراجع الإقتصادي و إنخفاض معدل النمو: يعتبر معدل النمو أحد المؤشرات الأساسية للوضعية الاقتصادية لأي بلد كان .هذا المعدل المرهون بحجم الإستثمارات الإنتاجية الذي يؤثر مباشرة على الإنتاجية الذي يؤثر مباشرة على مستوى التشغيل كما في الجزائر وبالتالي على معدلات البطالة. إنتهجت الجزائر في نهاية عقد الستينات و بداية السبعينات إستراتجية تنموية تعتمد أساسا على السياسيات الإستثمارية الضخمة في القطاع الصناعة وقطاع البناء والأشغال العمومية ( B  T  P ) لهذه الإستراتجية التي كان من نتائجها خلق أكثر من مليونين منصب عمل خلال فترة لا تتعدى عقدين من الزمن . لم يشكل القيد المالي في هذه المرحلة عائقا على التنمية بسبب الإرادات الجزائرية والمتمثلة أساسا في الجباية البترولية ،هذه السياسة التي سمحت في إرتفاع معدلات النمو الاقتصادية بالتوازي مع إرتفاع وتطور معدلات الإستثمار في نفس الفترة . لكن مع إنخفاض أسعار المحروقات في سنة 1986 بدأ حجم الإستثمارات يتقلص تدريجيا وخاصة في قطاع الصناعة وقطاع (   B   T   P)  اللذان كانا يمثلان القطاعين الرائدين في التشغيل فإنخافض معدل نمو الإستثمار إنعكس مباشرة على سوق الشغل في الجزائر كما ستوضحه أرقام معدلات  البطالة في ذات الفترة

           ـ  إرتفاع مخيف في معدل البطالة

           ـ  عدم قدرة المؤسسة على المحافظة على مناصب الشغل الموجودة   

           ـ  فقدان مناصب الشغل بإستمرار  

           ـ  تسجيل رصيد سالب في خلق مناصب شغل 

           ـ  البدأ في غلق بعض المناصب التابعة للقطاعين السابقين

           ـ  تسريح عدد كبير من العمال يوميا.

لقد شهد معدل النمو في الجزائر تراجعا مخيفا فوصل إلى 2,4% سنة 1992 وهو ما أدى إلى عدم قدرة الإقتصاد الجزائري على مواجهة طلبات العمل المتزايدة بإستمرار في غياب سياسة تشغيلية تعتمد على الإستراتجية السابقة للحد أو التخفيف من التحولات الإجتماعية التي يعيشها العمال يوميا، والتغير في المعطيات الاقتصادية الداخلية والخارجية .

 

 ــ أرقام عن البطالة في ظل الأزمة : يمكن أيضا الإعتماد على معدلات البطالة لقياس مستوى الإقتصاديات فإرتفاع هذه الأخيرة يمثل مؤشرا هاما على الإختلالات الاقتصادية التي تصيب الجهاز الإنتاجي وعدم قدرته على تحمل الطاقات البشرية القادمة لسوق العمل سنويا .

       تطورت معدلات البطالة في الجزائرمنذ الإستقلال إلى يومنا هذا ،فإختلفت تركيبة فئة البطالين بإختلاف الظروف الاقتصادية والإجتماعية وحتى السياسية فكان معدل البطالة غداة الإستقلال يقارب 34% ومع إنتهاج السياسات الإستثمارية إنخفض إلى أقل من 17% سنة 1984 ليتغير إتجاهه مرة ثانية في سنوات االتسعينات ليصل إلى أكثر من 28% سنة 1998 إنها أرقاما مخيفة حيث تمثل 2100000 بطال وحتى تستطيع أن تتصدى الجزائر إلى هذا المشكل عليها أن تخلق أكثر من 250.000 منصب عمل سنويا ليبقى  معدل البطالة كما هو عليه حاليا وإلا سوف يرشح للإرتفاع إذا بقيت الآلة الإقتصادية تسير على نفس الوتيرة الحالية ،قد تختلف أسباب البطالة بإختلاف الظروف الاقتصادية مما يؤدي أيضا إلى إختلاف تركيبة البطالين ،فنلاحظ في فترة السبعينات أن أغلبية البطالين عديمي التكوين ويقل سنهم عن 25 سنة .أما عقد التسعينات فالبطالة لا تقتصر علىالشباب العديم التأهيل والتكوين فقط وإنما مست حتى الشباب المتخرج من الجامعات وذوي التكوين العالي بالإضافة إلى العمال المسرحين لأسباب إقتصادية . 

           أما الشباب الذي يطلب العمل لأول مرة فعددهم يزداد من سنة إلى أخرى بإزدياد الفئة النشيطة وهي الشريحة الأكثر تظررا من البطالة لأن المدة المتوسطة لها وصلت إلىحوالى 30 شهرا وهي الوضعية التي يؤدي إلى خلق أنشطة جديدة تحت شكل الإقتصاد غير المنظم أو الأنشطة السوداء بصفة عامة.قد تساهم مثل هذه الأنشطة في إمتصاص البطالة للشباب الذين يمارسون مثل هذه الأعمال ولا يدرجون ضمن فئة البطالين حسب تعريف البطالة

 

2 ـ آثار الأزمة الاقتصادية على سوق الشغل :

عند التركيز على الجانب الكمي لتطور الشغل في الفترة ( 1986 ـ 2000 ) يمكن الإشارة إلى تدني وتيرة النمو في خلق مناصب الشغل جديدة ،مع إرتفاع طلبات العمل لمختلف شرائح الفئة النشيطة فوصلت إلى حوالي 200.000 طلب في المتوسط ،فالإعتماد على سياسة إستثمارية تؤدي إلى خلق مناصب شغل  جديدة دون اللجوء إلى سياسة تشغيلية ،وهو المشكل الذي تعاني منه سوق الشغل في الجزائر ،فبمجرد إنخفاض الموارد المالية من العملة الصعبة بسبب تدني الريع البترولي فأثر سلبا و مباشرة على سياسة الإستثمارات  وهو ما ضرب في عمق سوق الشغل في غياب سياسة تشغيلية واضحة الأهداف ، فسجلت سنة 1990 ( رصيدا سالبا) في عملية خلق مناصب الشغل ، وهي السنة التي تصادف تطبيق برنامج التعديل الهيكلي والذي كان له النصيب في تردي أوضاع التشغيل في الجزائر .

            عند تحليل الميزان التجاري في فترة الأزمة يمكن لمس العلاقة الوطيدة التي تجمع الإستثمرات الإنتاجية وعملية محاربة البطالة بأنتهاج سياسة إستثمارية كما سبق الذكر فالأعتمادالكلي على إيرادات المحروقات أدى إلى تعطيل الجهاز الإنتاجي وكبح مسار التشغيل منذ سنة 1990. فتوقفت المشاريع الإستثمارية الجديدة وتوجيه بعضها أو جلها إلى القطاعات غير المنتجة مما تسبب في  شلل الآلة الإقتصادية في الجزائر وهو الأمر الذي زاد من حدة الأزمة  و تعقيدها . فأعيد النظر في النظام الإقتصادي المتبع  و محاولة إصلاحه في إطار برنامج تعديلي هيكلي لتسوية معظم المجموعات الاقتصادية الكبرى . وكذلك سوق العمل بإتباع سياسة تشغيلية تعتمد على العقلنة و الرشادة الاقتصادية في تسيير مواردها البشرية و ذلك عن طريق إتخاذ تدابير و الإستعانة بسياسات مكملة للسياسة الكلية المعروفة التي تعتمد على معدلات نمو قياسية يصعب تحقيقها في ظروف الأزمة التي تعيشها الجزائر في هذه الفترة .

        بإعتبار الجزائر بلد يعتمد على الإيرادات البترولية في تمويل مشاريعه فإنه كان و ما زال يعاني من الإختلالات المالية في الميزانية ، حيث يشكل قطاع المحروقات المصدر الوحيد للتمويل وأحد أقطاب النمو في الجزائر،كما تنص عليه النظرية الاقتصادية والمتمثلة في القطاعات التي تعتمد على اثار السحب الأمامية و الخلفية ،فتقلص الإيرادات البترولية جعل الجزائر تفقد مداخيل معتبرة من العملة الصعبة التي هي في أمس الحاجة إليها لتمويل مشاريعها الإستثمارية ،فإنخفاض الموارد المالية الجزائرية منذ سنة 1986 أثر على كل القطاعات الوطنية،ولاسيما الإستثمار الذي يمثل المصدر الرئيسي لتوازن سوق الشغل في الجزائر ،فتدهور الموارد المالية الجزائرية بسبب إنخفاض سعر البرميل الواحد من البترول من 40 سنة1981 $ إلى17سنة 1986 ليس بالأمر الهين ،ولا يمكن التحكم فيه بسهولة وخاصة في غياب الفعالية ،الراشدة والعقلانية في تسيير الموارد المالية والبشرية،

فالتدهور الذي عرفته أسعار السوق البترولية في هذه الفترة أدى إلى عجز ميزانية الدولة مما أدى إلى تعديل البرنامج العام للإستثمارات فإتخدت عدة قرارات في هذا الشأن .

1 ـ تأجيل بعض المشاريع التي لم يبدأ العمل فيها

2 ـ الإستمرار في المشاريع التي يصعب توقيفها

3 ـ تحويل إنجاز المشاريع القديمة التي تتكفل بها المؤسسات الأجنبية إلى مؤسسات وطنية[11]  . لجأت الجزائر في هذه الفترة إلى المؤسسات المالية الدولية لتسوية عجزها عن طريق الإستدانة لتموين نظامها الإنتاجي ،حيث إرتفعت ديون الجزائر من 16 مليار دولار سنة 1980 إلى 24 مليار دولار سنة 1989 ،فإشتد الإختناق على الإقتصاد الجزائري بسبب عبء المديونية وخدمتها، التي تعتبر من أهم القيود العائقة لمسار التنمية في الجزائر فإرتفعت نسبة الدين خلال نفس الفترة من 32 % إلى 75 % لم تترك هذه العملية المجال للتنمية وإنجاز المشاريع الإستثمارية الجديدة بسبب القيد المالي الذي يحاصر الإقتصاد من كل النواحي فأدى الوضع إلى إنخفاض معدل النمو من 4,6 % سنة 1985 إلى2.9% سنة1988 فهشاشة الجهاز الإنتاجي الجزائري ،لم يستطيع مواجهة إظطرابات السوق البترولية العالمية فبدأت بوادر الأزمة الاقتصادية تشتد مع بداية سنة 1986 فظهرت معالمها واضحة في سوق العمل فإتجهت دالة الطلب على الشغل نحو الإرتفاع فإنخفضت عملية خلق مناصب الشغل بوتيرة كبيرة كانت نتائجها الإرتفاع المذهل لمعدلات البطالة بعد سنة 1987 كما سبق الذكر .  

 

إن الإتجاهين المتعاكسين لدالتي الطلب والعرض على العمل قد أحدثت إختلالا هيكليا في سوق الشغل في الجزائر إنعكس على الجانب الإجتماعي بالدرجة الأولى فتأثرت كل فئات المجتمع و هو الأمر الذي أحدث إضطرابات على مستوى علميات التأجير التي تدخل ضمن التحولات الإجتماعية والإقتصادية التي يشهدها العالم عموما والإقتصاد الجزائري على وجه الخصوص لأن الشغل يعد من المصادر الهامة لمداخيل العمال فإضطرابها أو تدينها سيظهر حتما على مستواهم المعيشي ، مما يؤدي إلى توليد سلوكات وتحولات جديدة في المجتمع الجزائري يصعب التحكم فيها حاليا .

بحكم الوضعية الصعبة التي شهدها عالم الشغل في الفترة الأخيرة وجدت الجزائر نفسها أمام قيود كبرى لا يمكنها تجاررها إلا بتعديل الوضع عن طريق تنفيذ برنامج تعديلى ، يأخذ في الحسبان كل المعطيات والمتغيرات الجديدة التي ظهرت على الساحة الاقتصادية ، وخاصة بعدما إشتد الإختناق على العائلات بسبب تدهور مداخيل أو إنعدامها مما أدى إلى تدهور الإستهلاك عند هذه الفئات التي تتسع رقعتها باستمرار فإزداد فقرهم مما تولد عنها سلوكات جديدة طفيلية تعيق مسار التنمية إلا أنها تشكل مصدر رزق لكثير من العائلات التي مستها الإصلاحات كالعمال المسرحين لأسباب إقتصادية . التقاعد المسبق ، فقدان مناصب الشغل ...إلخ من الظواهر الجديدة التي رأينها سابقا.

 

 

 

II برامج التعديل الهيكلي والمؤسسة الجزائرية:

دخلت الجزائر مرحلة جديدة من الإصلاحات و ذلك منذ سنة 1987 وبدأ التطبيق الفعلي للبرنامج التعديلي مع سنوات 1990.                  

وهي السنة التي عرف فيها البرنامج تغيرات هيكلية سريعة ، حتى وصف هذا الأخير بالبرنامج الصارم حيث تم إنجاز أكثر مما كان متوقعا فيه .

           من أهم التعديلات المستمرة في هذا البرنامج والخاصة بسوق العمل في الجزائر العديد من الأجراءات الصارمة المطبقة على العمال و التي تدخل في إطار الأسلوب الجديد للتسيير عموما وتسيير الموارد البشرية خصوصا .

       من أهم الإجراءات التي شرع في تنفيذها تلك المتعلقة بعمليات التطهير والتي تدخل ضمن الإصلاحات الهيكلية الجزائرية والتي مست بالخصوص المؤسسة العمومية الجزائرية فغيرت جذريا مسار القطاع الصناعي العمومي حيث أصبح هذا الأخير يهتم بالعمليات الإنتاجية من بيع وشراء والتخلي كليا عن الجانب الإجتماعي للعمال بسبب تغيير النمط التسييري للإقتصاد الجزائري الذي     دخل مرحلة إقتصاد السوق والتي تستلزم :

     ـ تحفيز الإستثمار الخاص وتشجيع الإستثمارات الأجنبية

     ـ تحرير الأسعار وفقا لقوانين السوق

     ـ رفع إحتكار الدولة للتجارة الخارجية ومعظم الأنشطة الإقتصادية بهدف المنافسة بين الشركاء  الإقتصاديين وفتح المجال واسعا للقطاع الخاص .           

    ـ إصلاح النظام المالي والبنكي بهدف رفع الدعم عن الخزينة العمومية في التمويل المباشر للمؤسسات الوطنية و السماح بخلق بعض البنوك الخاصة .

1 ـ الإصلاحات الاقتصادية الكلية :

شهد الإقتصاد الجزائري إصلاحات جذرية هيكلية مست المجمعات الكبرى للإقتصاد حتى يتمكن من مسايرة الإقتصاد العالمي وفقا للتغيرات الجديدة المفروضة على كل إقتصاد العالم و يمكن سرد هذه التعديلات في النقاط التالية .

ــ تشجيع القطاع الخاص و تحفيز الإستثمار الأجنبي : في إطار التحولات الاقتصادية الجديدة التي تسعى إليها الخطة التنموية الجزائرية أصبح القطاع العمومي ينفذ العديد من التعليمات المسطرة ضمن البرنامج التعديلي التي تتمثل في :

     ـ  محاربة التغيب في المؤسسات العمومية

     ـ  كبح التوظيفات الجديدة

     ـ  غلق عدد كبير من المؤسسات العمومية

     ـ  تبني مشروع خوصصة بعض المؤسسات

إن إجتماع هذه التعديلات في المؤسسة الجزائرية مهدّ الأرضية لنظام إقتصادي يعتمد توجهات الصندوق النقدي الدولي (F M I ) و البنك الدولي ضمن البرنامج التعديلي المسطر من طرف هذه الهيئة المالية العالمية.

ــ تحرير الأسعار وفقا لقوانين السوق :تلعب هذه السياسة دورا فعالا في تسوية سوق العمل و خاصة بعد أن تم المصادقة على قانون 89 ـ 12 الذي يحدث القطيعة كليا مع نظام الأسعار السابق (1)الذي كان يحدد السعر فيه إداريا مع التجاهل التام لقوانين السوق التي تستلزم .

    ـ  الشفافية في تكوين الأسعار

    ـ  الإستعمال العقلاني لعوامل الإنتاج

    ـ  الرشادة والعقلنة في إختيار الإستثمارات

    ـ  الإهتمام بمردودية المؤسسة

    ـ  محاربة مظاهر الغش ، التبذير ، الرشوة

إن إجتماع هذه العناصر في تسيير المؤسسة سيعطي دفعة قوية للمؤسسات الإقتصادية الجزائرية في ظل الخوصصة التي تفسح المجال واسعا للمنافسة القوية بين  المنتيجين فتحدد الأسعار حسب ميكانيزمات السوق وهي الأهداف المرجوة من السياسة الجديدة للأسعار  مع التنفيذ الفوري لبرنامج التعديل الهيكلي المستمد من  F  M  I  ) ومن البنك الدولي في بداية سنة 1990 شهد نظام الأسعار في الجزائر تغيير جذري فإرتفعت هذه الأخيرة من سنة 1991 إلى 1992 بما يعادل 39.4 %  وهو مايفسر رفع الدعم عن المواد الغذائية الواسعة الإستهلاك (  الدقيق ـ الزيوت ـ السكر )بالإضافة إلى إرتفاع أسعار المنتوجات الصناعية التي إزدادت بنسبة 76% سنة1991حسب معطيات الديوان الوطني للإحصائيات .(O N S )[12]  

ــ رفع إحتكار الدولة عن التجارة الخارجية:

من مقومات البرنامج التعديلي هو تفتح الإقتصاديات على الخارج في إطار عولمة الإقتصاد وتحرير

التجارة الخارجية وتطلع الإقتصاد الجزائري على الأسواق العالمية (في ظل تحقيق شروط المنافسة الدولية) وهو ما يجلب  الإستثمار  الأجنبي للبلاد التي تريد تصحيح إختلالاتها الكلية ضمن إصلاحات إقتصادية هيكلية لرفع القيود على التجارة الخارجية بتعزيز مكانة القطاع الخاص في الجزائر وإعطائه الفرصة في المشاركة في مختلف المجالات الإقتصادية كما سبق الذكر في النقطة الأولى.

ــ رفع الدعم على المزانية العمومية :كثيرا ما عانت خزينة الدولة في النظام السابق من تحملها للعبء المالي الذي يحدث في المؤسسات الوطنية التي كانت تسجل عجزا سنويا بسبب عدم نجاعة النظام التسييري الذي يستمد قرارته مركزيا .

  إستفاد الإقتصاد الجزائري في عشرية السبعينات و إلى منتصف الثمانينات من إيرادات الجباية           البترولية

 فدعمت خزينة الدولة فوارق الأسعار وخاصة أسعار الموارد المستوردة مما أدى إلى إرتفاع الطلب الإجمالي في المجتمع الجزائري و لكن مع إشتداد الأزمة الإقتـصادية دخلت البلد مرحلة أخرى من التسيير ترفع مسؤولية الخزينة عن مساندة هذا الدعم بسبب تقلص إراداتها في ظروف كانت أكثر من95%    من الموارد تعتمد على قطاع المحروقات.

 في إطار الإصلاحات التي شورع في تطبيقها مؤخرا في الجزائر ، أعيد النظر في مهام خزينة   الدولة     وفقا للبرنامج التصحيحي الذي قلص دور الدولة في دعم الأسعار و رفع القيود و العبء عن الخزينة بتقليص الطلب الإجمالي عن طريق التخفيض في الإتفاق الإجمالي في الأجل القصيرحتى يتسنى للإقتصاد الجزائري الإستقرار والتثبيت ثم الإنتعاش.

2 ـ برنامج  التعديل الهيكلي وسوق العمل :

يعرف التثبيت الكلي على أنه تخفيض الإنفاق الكلي إلى مستوى الدخل والإنتاج بعد حدوث صدمات سلبية تؤدي إلى الإختلال بين العرض والطلب ،أما التصحيح فهو محاولة رفع الدخل القومي عن طريق الإستعمال الفعال للموارد المتاحة [13].

شهدت أسواق العمل ضمن برامج التصحيح والتثبيت نصيبها من التعديلات نظرا لمرونة علاقة العمل التي ساعدت على تطبيق هذه الإصلاحات والمتمثلة في تسطير بعض القوانين التشريعية الجديدة بالإضافة إلى إنشاء هيئات للعمل تقوم بتعديل وتسوية سوق العمل في الجزائر وفقا للتوجهات الجديدة

تمثلت أهم التصحيحات الجديدة التي مست قانون العمل في الجزائر والتي كان لها الأثر الكبيرعلىمركبات سوق الشغل ، وهو إدخال مرونة  كبيرة في علاقات العمل تجسدت في حرية التفاوض التي  لقيها أرباب العمل في مناقشة الأجور وكذا شروط العمل ،وقد أدت هذه العلاقة الجديدة إلى تقويةشركاء العمل. وخاصة الهيئآت النقابية الممثلة لحقوق العمال والإعتراف بحق الإضراب في القطاع العمومي .

في إطار البرنامج التعديلي تم إنشاء هيئات جديدة للعمل في الجزائر تتطلع جاهدة إلى إستقرار سوق الشغل وذلك عن طريق

 

2 . 1 المحافظة على الشغل و ترقيته : إتخذت إجراءات جديدة للمحافظة على الشغل وذلك عن طريق إنشاء الصندوق الوطني لتأمين البطالة (C N A C ) سنة 1994 وتندرج وظيفته الأساسية في

التكفل بالعمال الذين فقدوا مناصب عملهم لأسباب إقتصادية وذلك عن طريق تأمين بطالتهم أو إحالتهم إلى التقاعد المسبق . وقد تم على مستوى المؤسسات إنشاء أو تأسيس هيئة خاصة ضمن مخطط التقويم الإقتصادي تعمل على التكفل الإجتماعي للعمال المتضررين بالتعديل أو التصحيح الجديد .

يتحصل الصندوق الوطني لتأمين البطالة  C N A C على موارده من إشتراكات العمال ، فأصبحت هذه الهيئة سارية المفعول منذ أن بدأت التطبيق الفعلي للبرنامج التصحيحي حيث يتكون حاليا من 13 وكالة

وية على مستوى الوطن و إلى جانب هذه الوضعية تم تسطير سياسة خاصة بإعادة توزيع الوقت الرسمي بهدف ترقية الشغل .

         يصل إلى سوق العمل سنويا أكثر من 260.000 طالب جديد للشغل لا يجدون مناصب العمل التي توازي وتعمل على إستقرار هذه السوق وفي ظروف إقتصادية وإجتماعية صعبة جدا إرتفع فيها معدل البطالة إلى 28% سنة 1996 وبمعدل نمو منخفض لايمكن السماح بخلق مناصب عمل تلبي رغبات الشباب الذي يعاني من البطالة . للتخفيف من هذه الوضعية ودائما في إطار الإصلاحات الجديدة التي شهدتها سوق العمل ،سطرت الحكومة منذ سنة 1990 برنامج خاص بترقية الشغل ذو بعد إجتماعي مخفف من الشغل الذي لم يعد يطاق من طرف السكان

         يدور المحور الأساسي لترقية الشغل على ثلاثة نقاط أساسية ،تهدف على إدماج الشباب العاطل عن العمل في النسيج الإنتاجي بمحاولة خلق أنشطة إقتصادية بمبادرات شخصية لقت المساعدة من طرف السلطة المحلية التي عملت على إنشاء مندوبي تشغيل الشباب على مستوى الولايات والبلديات لتسهيل العملية بواسطة مايسمى بالصندوق الوطني لترقية الشغل ،الذي يساهم مساهمة فعالة في تمويل هذه الأنشطة.

كما يطمح مثل هذا الإجراء إلى تحفيز الشباب البطال على إنشاء نشاطه الخاص في شكل تعاونيات أو مؤسسات صغيرة أو الإستفادة بمنصب عمل مؤقت لا تتعدى مدة واحدة قابلة للتجديد ، تدخل في إطار تشغيل الشباب لمبادارات من الجماعات المحلية .

2 ـ 2 الشبكة الإجتماعية :(LE   Filet  Social ) لقد تم مؤخرا إنشاء ما يسمى بوكالة التنمية الإجتماعية  Agence Developpement Social  (  A D S ) تهدف إلى تقليص الفئات المهمشة إجتماعيا عن طريق إعادة إدماجهم في الحياة العملية في أعمال و أنشطة ذات المصلحة العامة بالنسبة للبطالين من جهة ، كما تعمل هذه الوكالة على مساعدة أرباب الأسر عديمي الدخل بإعطائهم منحة تضامنية بالنسبة للأشخاص غير القاديرين  على لعمل (1) .

 2 . 3  تسيير سوق العمل : لقد تم التفكير في تسيير هذه السوق بعدما كانت هذه الأخيرة تعاني من

إختلال هيكلي ظهرت أثاره على المستوى الإقتصادي والإجتماعي وبالتالي لا يمكن إرجاع السبب الرئسي للبطالة إلى العامل الديمغرافي و كذا نقص الإستثمارات فقط وإنما لابدّ من تسيير هذه السوق

بالإعتناء بمصالح و كالة الشغل المنتشرة في أرجاء الجزائر بإعادة تصحيحها وإعادة تقويم وظائفها بالإهتمام بتدفقات عروض العمل و الطلبات عليها من طرف المؤسسات .

للوصول إلى التسيير الفعال لسوق العمل لابدّ من الإهتمام بتسيير خطر البطالة الذي أصبح يمتد إلى كل فئات العمال بدون تمييز وذلك عن طريق :

ـ إعادة الإعتبار للمصالح العمومية للشغل بإعادة تنظيمها من أجل التسيير الحسن لسوق العمل المحلية

ـ تحديد طلبات العمل وعروضها بكل دقة

III آثار البرنامج التعديلي على العمل :  بعد إتفاقية ستاندباي لسنة1994 أصبح الإقتصاد الجزائري يسير على برنامج تصحيحي تثبيتي ظهرت آثاره على المستوى الإجتماعي والإقتصادي . وهدفه الأساسي هو تصحيح الإختلالات الكلية التي عاشتها الإقتصاديات النامية بصفة عامة كعجز ميزان المدفوعات،إرتفاع معدل التضخم،عجز ميزانية الدولة.

              إن تصحيح مثل هذه الإختلالات الكلية يستلزم إتباع ميكانيزمات صعبة وفقا لسياسة إقتصادية يشرف عليه صندوق النقد الدولي والبنك العالمي وهو ما نفذته الجزائر في الفترة الإنتقالية بمساعدة مالية وفنية من طرف هذه الهيئة الدولية حتى وصف هذا البرنامج في أحد تقارير البنك العالمي بالبرنامج الصارم .

و من نتائج البرنامج التصحيحي التي كان لها الأثر الفعال على المستويين الإجتماعي والإقتصادي تلك السلوكات و المظاهر الجديدة التي ظهرت على سوق العمل وتم تفصيلها في النقطة الأولى والتي مست خصوصا عنصر العمل وما يترتب عنه من نتائج على العمال بسبب الإجراءات التعديلية المتضمنة لبرنامج تقويم المؤسسة الاقتصادية الجزائرية الذي أدى إلى تصحيح الكثير من الميكانزمات التسيرية المنتجة من طرف المؤسسة سابقا وأصبح تطبيقها ساري المفعول منذ سنة 1990 .

 أدت برامج التصحيح  والتثبيت الهيكلي وما تتضمنه من سياسات إنكماشية إلى الإعتقاد بأنها تزيد من حدة البطالة وتدهور سوق العمل بل وتعتبر جزءا من تكاليف التعديل غير المبررة حيث يقول    RAMZI   ZAKI (1)  "قد أخذت مشكلة البطالة أبعادا خرجة مع تطبيق برنامج التصحيح الهيكلي والتثبيت ،حيث لم تؤد السياسات المنبثقة عنها إلى الحد فقط من النمو والعمالة بل إلى تخفيض مستوى التشغيل أيضا "         

         حتى يتسنى لنا توضيح الأثار الناجمة عن الإصلاح الإقتصادي الذي شهدته الجزائر على

المستوى الكلي و المؤسسة على الخصوص إذ لا يمكن فصل الجانب الإجتماعي عن الإقتصادي

بسبب العلاقة السببية التي تجمع بينهما . كثيرا ما أثرت هذه التعديلات على الحياة الإجتماعية للعمال من جراء التسربات الفردية والإجماعية التي أدت إلى فقدان العديد من مناصب العمل خاصة من سنة 1988 ـ 1996 كما رأينا سابقا وهو تفاقم معدلات البطالة في وسط المجتمع الجزائري بمختلف فئاته حيث ترجع أهم أسباب هذه البطالة إلى :

1 ـ  التسريحات الجماعية و الفردية لأسباب إقتصادية

2 ـ نهاية الأشغال

3 ـ نهاية عقود العمل

4 ـ التقليص من عدد العمال

5 ـ غلق العديد من المؤسسات الاقتصادية أو خوصصتها

لقد غلق عدد كبير من المؤسسات العمومية المحلية والعشرات من الوحدات الخاصة النتمية  لقطاع  B T P  و قطاع النسيج و الجلود بسبب صعوبات التموين الناتجة عن التخفيض من قيمة العملة الوطنية من جراء تنفيذ البرنامج التعديلي .

      و في هذا الإطار صرح الأمين العام للفيديرالية الوطنية لعمال النسيج و الجلود لقد تم إلغاء سنة 1997 ما يعادل 19.255 منصب عمل وفقدان 5070 منصب لأسباب إقتصادية أي أنه تم إنخفاض اليد العاملة في القطاع العمومي ،من 30% إلى 14% لقطاع النسيج و الجلود كما تم غلق 17 وحدة من بين29

 

 

___________________________________________

(1) M D C P : Evolution de L’emploi et Situation du marché du Travail en  Algerie ( 1985_ 1996 )  Fevrier  1997

(1) RAMZI Zaki: (1993) The Impact Of  Stabilization And Structural

 Ajustement Programs On Human   Developement . Human Developement Seris N° 1 United Nations : Expert Group Metting On human developement  in  the word arab

 وحدة موجودة على التراب الوطني هذا من الناحية الكمية(1)  ولكن عند تقييم البرنامج من الناحية الاقتصادية التي تعتمد على العقلنة والرشادة الاقتصادية فإن البرنامج  قد حقق أهدافه المنتظرة وقد إستطاع أن يوسع من رقعة القطاع الخاص بتشجيعه من خلال توقيع قانون الإستثمارات الخاصة بتجسيد قوانين الخوصصة في الجزائر فشهدت هذه الإجراءات كلها الإرضية الصحيحة لأرساء قواعد إقتصاد السوق فأصبحت معالمه واضحة  وتتوجه نحو تطبيق محاور البرنامج التعديلي حيث إستاطاعت الدولة ترفع تدعيمها كليا على القطاع العام وهو ما أدى إلى تخفيض حجم الطلب الإجمالي بالتقليص من النفقات الحكومية بالإعتماد على بعض الأدوات المالية والنقدية وفقا للسياسة المسطرة من طرف الصندوق النقدي الدولي (F M I ) و البنك العالمي .

من مقومات برامج التصحيح الهيكلي مرونة أسواق العمل التي تعمل على تعديل مركباته للوصول إلى التوازن المطلوب . لقي دور مرونة سوق العمل ومدى نجاح برامج التصحيح الهيكلي صدا كبيرا لدى الإقتصاديين ، وكان الإهتمام مركزا على مدى تأثير التصحيح الهيكلي على البطالة.(2)

تهدف برامج التثبيت والتصحيح الهيكلي إلى الإنطلاقة الإقتصادية الصحيحة وبالتالي إلى توسيع العمالة إذا نجحت في الوصول إلى الإستعمال الكفؤ للموارد ورفع الإنتاج ، لكن الطبيعة الإنكماشية لهذه البرامج قد يؤدى إلى تدهور سوق العمل في الأمدين القصير والمتوسط ،وتعتبر هذه السياسة الإنكماشية المتبعة في هذا الإطار ذات أهداف طويلة الأجل ستؤدي إلى تصحيح وإنعاش الإقتصاد ، بتعديل الإختلالات الاقتصادية الكلية وهو ما لمس في الجزائر عن طريق إجراء تحرير التجارة الخارجية التي تشجع الصادرات بإقتحام القطاع الخاص لمختلف الأنشطة الاقتصادية مما يفسح المجال للمنافسة وإعطاء دفعة للإقتصاد الجزائري .

       وللتفصيل أكثر في آثار هذا البرنامج يمكن تحديد مختلف تأثيراته على محددات ومركبات سوق العمل و نبدأ بـ :

1 ـ  تأثير برامج التعديل الهيكلي على دالة الطلب علىالعمل :

لقد لوحظت مرونة شديدة في مجال العمل تمثلت في الأشكال الجديدة للتشغيل كما رأينا سابقا حيث تم تسجيل سنة 1989 نسبة 1/3 من مناصب العمل الجديدة في شكل عمل مؤقت و في سنة 1993 إرتفعت النسبة إلى 2/3  من مجموع المناصب الجديدة وعليه أصبح هذا النوع من التوظيف يشكل القاعدة المعمول بها في الجزائر خاصة قطاع الخدمات و الفروع التي يسود فيها القطاع الخاص .

 

 

____________________________________

(1) جريدة الخبر . العدد 2079  بتاريخ  28 ـ 09 ـ 1997  ص 02

(2) ندوة حول تنظيم ونمدجة أسواق العمل ودينامكية اليد العاملة في بعض الأقطار العربية . القاهرة . 26.28.ماي  1997

 

ومن ناحية أخرى تأثرت كثيرا المؤسسات من التصحيحات الهيكلية حيث تخلت هذه الأخيرة على الكثير من الوظائف الثانوية ، كالصيانة ، المطاعم ، وفي بعض الأحيان أجبرتها الظروف على الإستغناء على بعض النشاطات الإختصاصية .

كما يعاني أغلبية عمال المؤسسة الجزائرية من مرونة علاقات العمل حيث يستفيد بعض العمال من الضمانات الإجتماعية و الحماية الضرورية لهم مهنيا و نجد في نفس الوقت حرمان البعض الأخر من العمال المؤقتين من نفس الغطاء القانوني .

لقد برزت مظاهر مهمة في علاقات العمل الأجرية المتمثلة في تدني أو إنخفاض الشغل المؤجور بإستمرار من الناحية الكمية فقدرت نسبته سنة 1989 ب 62 من مجموع عقود العمل المبرمة ثم إنخفضت هذه النسبة إلى 55% سنة 1990 أما سنة 1996 وهي السنة التي تم فيها توجيه الكثير من

القطاعات الاقتصادية إلى التعامل مع هذا النوع من العقود أي التشغيل غير المأجور كقطاع الخدمات التجارة ، الزراعة التي سجلت حوالي 75% (1)

كما   تطور شكل التشغيل الذاتي نظرا للتشجيعات المقدمة في هذا الإطار و المتمثلة في سياسات تشغيل الشباب و التي تؤدي إلى إنخفاض التشغيل المأجور.

و منذ سنة 1990 وهي السنة التي شرع في تطبيق برنامج تشغيل الشباب أين لاحظنا التطور المستمر لنسبة الحرفين التجار الصغار ، و كذا المهن الحرة و هو ما يترجم إرتفاع نصيب القطاع الخاص المقدر بـ 88% بالنسبة لقطاع التجارة و 57 لقطاع الخدمات.    

2 ـ تأثير برنامج التعديل الهيكلي علي دالة عرض العمل :

                                                            من البديهي جدا أن يتأثر عرض العمل بالإصلاحات الإقتصادية التي مست سوق العمل مباشرة حيث إنعكست سلبيا (في الأجل القصير و المتوسط )على اليد العاملة فأدت هذه الأخيرة إلى :

ـ تحمل العمال عبء الإصلاحات وتكاليفها بسبب تقليص حجم التشغيل مما يزيد من إرتفاع معدل البطالة بإضافة عمالة جديدة يزيد من الثقل الإجتماعي و خاصة أثناء تطبيق هذه البرنامج إنها ضريبة الفترة الإنتقالية فإنتقل معدل البطالة في الجزائر من 22% سنة 1992 إلى 25% سنة 1995 ثم 28% سنة 1996 وحوالي 33% سنة1998 وتوجهه نحو الإرتفاع أصبح مضمونا  بسبب التسريحات الجماعية و الفردية لأسباب إقتصادية .

ـ إرتفع معدل النشاط نتيجة إرتفاع السكان النشطين الذين بلغوا سن العمل قانونا بسبب إرتفاع

نمو السكان وكذلك بسبب إنخفاض سن اليد العاملة المتضررة من التصحيحات الهيكلية بدخولها في القطاع غير المنظم أو غير الرسمي الذي أصبح يمتص نسبة غير مهملة من اليد العاملة و هو ما أدى إلى إرتفاع معدل النشاط في الجزائر حيث كان يمثل نسبة 22% سنة 1992 فإرتفع إلى 27  سنة 1995 مما يؤدي إلى إرتفاع متوسط عرض اليد العاملة الإضافية بأكثر من 260.000 سنويا.

ـ إرتفاع نسبة مساهمة القطاع غير المنظم في النشاط الإقتصادي نتيجة إنخفاض سن العمل إلى أقل من 15 سنة ولو كان ذلك في القطاع غير المنظم (غير رسمي) مما يؤدي إلى توسيع الفئة النشيطة  رغم المشاكل التي تعاني منها مصالح اليد العاملة في تحديد هذه الفئة مما يؤدي إلى غياب التنسيق

 

______________________________________________

(1) Medjkoune Med : Les Problemes actuels de L’emploi dans le cadre de L’ajustement structurel cas    deL’Algerie :  Article non publié   Année  1997

 

 

بين طلب العمل وعرض اليد العاملة . كما يرجع السبب الرئيسي في إتساع الفئة النشيطة إلى تدهور المداخيل الحقيقية للعائلات الأمر الذي قاد إلى ظهور سلوكات وخلق أنشطة زادت من رقعة القطاع غير المنظم في الجزائر.

 

الخلاصة:

          وبعد التحليل يمكن إستنتاج أن معدلات البطالة إزدادت تفاقما في مرحلة التسعينات لأسباب إقتصادية بحتة ترجع أساسا إلى برامج التعديل الهيكلي الي شهدها الإقتصاد الجزائري في نفس الفترة والتي مست أساسا القطاع العام ، فتضررت المؤسسات الإقتصادية من هذا الإجراء وإنعكس مباشرة على الطلب على العمل( عرض الشغل )، فأدى إلى تقليص مناصب الشغل المعروضة من طرف المؤسسات ، وهوالأمر الذي أدى إلى إختلال سوق العمل في الجزائر .

 

 

 

 

المراجع المعتمد عليها:

      1ــ باللغة العربية :

ــ هاشم جمال : السوق البترولية وإنعكاساتها على الإقتصاد الجزائري : رسالة ماجستير معهد العلوم الإقتصادية سنة  1989

ــ رياض دهال : بلقاسم العباس : البطالة وبرامج التصحيح الهيكلي في بعض الأقطار العربية ندوة حول "تنظيم ونمذجة أسواق العمل ودينامكية اليد العاملة في البلدان العربية . القاهرة 26 ـ 27 ماي1997

ــ  جريدة الخبر . العدد 2079  بتاريخ  28 ـ 09 ـ 1997  ص 02

     2ــ بللغة اللاتينية

_   Revue Cread : Ajustement  et  emploi  au  Maghreb  N° 37  Decembre  1994

--  L’Economie : La nouvelle   politique  des  prix dans cadre des réformes économiques  N° 26  1995     APS    

--  M D C P : Evolution de L’emploi et Situation du marché du Travail en  Algerie ( 1985_ 1996 )  Fevrier     

     1997

--   RAMZI Zaki: (1993) The Impact Of  Stabilization And Structural Ajustement Programs On Human development. Human Developement Seris N° 1 United Nations : Expert Group Metting On human developement  in  the word arab

--  Medjkoune Med : Les Problemes actuels de L’emploi dans le cadre de L’ajustement structurel cas de : L’Algerie    Article non publié   Année  1997