تطور الإنفاق الاستثماري في الجزائر وعلاقته بالمردودية

 

الأستاذ : لبشير عبد الكريم

جامعة الشلف

 

مقدمة

إن الاستثمار في أي بلد يساهم بشكل مزدوج في النمو الاقتصادي. فمن ناحية يعتبر أحد المكونات الأساسية للطلب الكلي و بالتالي فإن انتعاش الاستثمار هو انتعاش للطلب الكلي ويترتب على ذلك زيادة الدخل وبالتالي زيادة النمو، ومن ناحية أخرى فهو يعتبر عنصرا هاما من عناصر الإنتاج ومستواه قد يؤثر بشكل مباشر في زيادة أو انخفاض حجم الطاقة الإنتاجية للاقتصاد والتي تعتبر المحرك الأساسي للنمو بجانب الطلب. إن العلاقة القوية بين مستوى وهيكل الاستثمار من جهة ومعدل النمو من جهة أخرى كافية لتشجيع الباحثين على تحليل محدداته وتفسير هذه العلاقة من أجل تبني السياسات الاقتصادية الحكيمة التي ترتكز على المؤشرات الميدانية الحقيقية.

 

إن هذه الدراسة تتناول بالتحليل مناخ الاستثمار السائد في الجزائر حاليا و تحاول الإجابة على التساؤل التالي: هل تدهور الإنفاق الاستثماري يرجع بالأساس إلى قصور الطلب الكلي أم إلى ضعف المردودية سواء تعلق الأمر بمردودية رأس المال أو مردودية مناصب الشغل، وما مدى تأثير الانفتاح على الاقتصاد العالمي على مستوى هذا الاستثمار. سأركز في هذا البحث على علاقة الاستثمار بمردودية رأس المال نظرا للارتباط الوثيق بين رصيد رأس المال ومردوديته الاقتصادية والمالية، وكنت أتمنى قبل البدء فيه أن أركز على علاقته مع مردودية عنصر العمل نظرا لافتقاد البحوث الاقتصادية الخاصة بحالة الجزائر على مثل هذا الموضوع، لكن تشعب البحث وضخامته حالت دون تحقيق هذه الأمنية.

 

         لقد قسمت هذا العمل إلى ثلاث مباحث. إن المبحث الأول يتناول مفهوم الاستثمار وتطوره الميداني وسوف أحلل فيه بعض المؤشرات الخاصة بالاستثمار منها: معدل الاستثمار، معدل التراكم. أما المبحث الثاني سأتطرق فيه إلى علاقة الطلب بالاستثمار وسأشرح فيه مفهوم المعجل في النظرية الكينزية وهل له تأثير على التراكم في الاقتصاد الجزائري. وسأحاول في المبحث الثالث التطرق إلى موضوع هام وهو علاقة الإنفاق الاستثماري بالمردودية وسأحلل فيه بالتفصيل محددات هذه المردودية تارة باستعمال بعض العلاقات المعروفة في كتب الاقتصاد وتارة باستخدام الاجتهاد الشخصي.

 

المبحث الأول: مفهوم الاستثمار وتطوره الميداني

1-1: مفهوم الاستثمار:

يعتبر الاستثمار إنفاقا يوجّه إلى زيادة أو الإبقاء على رصيد رأس المال و يتكون من جميع السلع والخدمات التي تستخدم في خطوات الإنتاج من أجل إنتاج سلع وخدمات أخرى مستقبلا. ويجب التمييز بين الاستثمار الإجمالي والاستثمار الصافي، فالأول يمثل الإضافات الكلية إلى رصيد رأس المال، والثاني أي الاستثمار الصافي يطرح الإهلاك-الانخفاض في رصيد رأس المال الذي يحدث خلال الفترة الزمنية نتيجة لاستخدام هذا الرصيد أو ببساطة نتيجة لمضي الوقت-من الاستثمار الإجمالي. فالاستثمار الصافي إنما يقيس الزيادة الصافية في رصيد رأس المال في خلال فترة زمنية معينة[i]. فكل تدفق يغذي مخزون رأس المال يعتبر استثمارا بغض النظر عن طبيعته المادية أو غير المادية.

 

         يقسّم الاستثمار تقليديا إلى ثلاث مكوّنات. فالأول يشمل الإنفاق على الآلات والمعدات والتشييدات الغير سكنية، والثاني على المباني السكنية، أما الثالث فهو عبارة عن الاستثمار في المخزون. ويطلق على الصنفين الأولين بالاستثمار الثابت أو التراكم الإجمالي لرأس المال الثابت. سأركز في بحثي على هذا الأخير لأن الصنف الثالث يشكل نسبة ضئيلة من الاستثمار الإجمالي. كما يصنّف الأعوان الاقتصاديون الذين يقومون بعملية الاستثمار إلى ثلاثة أصناف: القطاع العائلي، المؤسسات الإنتاجية، القطاع الحكومي"الإدارات العامة". إن الإنفاق الاستثماري للمؤسسات عادة ما يشكل القسط الأكبر من الاستثمار الإجمالي وهذا ما يفرض على أصحاب القرار أن يولوا أهمية خاصة لهذا النوع من التراكم. يوجد تصنيفات أخرى لرأس المال الثابت منها رأس المال الإنتاجي الذي يساهم في عمليات الإنتاج بشكل مباشر ورأس المال الاجتماعي الذي يساهم بشكل غير مباشر. فالأول يحتوي على التجهيزات والآلات، المواد الخام، السلع النصف مصنوعة، المباني والمنشآت، الخ، أما الثاني فيحتوي على الطرق والجسور، الموانئ والمطارات، الخزانات والسدود، المستشفيات والمدارس، الخ.

 

         إن هيكل الاستثمار في الفترة الحالية يختلف جذريا عن هيكله في الماضي وقد أصبح الاستثمار غير المادي (البرامج المعلوماتية، التدريب والتكوين، البحوث والاختراعات العلمية وما إلى ذلك) يشكل نسبة لا يستهان بها من رصيد رأس المال الكلي. وبذلك فإن التراكم الإجمالي لرأس المال الثابت لا يعكس حقيقة مستوى الاستثمار لأنه يهمل الجانب غير المادي فيه. فحسب دراسة قام بها معهد "Rexeode" في فرنسا، فإن الاستثمار غير المادي يشكل 40% من رأس المال الثابت الإجمالي الكلي في الوقت الحالي بعدما كانت نسبته 30% في 1987[ii].

 

1-2: تطور مؤشرات الاستثمار

                                      أ‌-    تطور معدل الاستثمار:غالبا ما يتزايد حجم الاستثمار بصفة عادية من فترة إلى أخرى ولا يتناقص إلا في حالات استثنائية ولذلك فتطوره المطلق لا يعبر فعلا عن نمو مستواه الحقيقي، أما معدل الاستثمار فهو عبارة عن حصة القيمة المضافة الموجهة للتراكم ويعكس قيمة الجهد المالي التي تبذله المؤسسات الإنتاجية من أجل تطوير طاقاتها الإنتاجية ولذلك فنموه المطرد يعبر بالفعل على أن الاستثمار ينمو بوتيرة أسرع من نمو الإنتاج وتباطؤه يعني أن حصة الاستثمار من الإنتاج المحلي الإجمالي تتناقص باستمرار. نعبر على هذا المعدل رياضيا على الشكل التالي:

 

بحيث:

: التغير النسبي في معدل الاستثمار.

: معدل نمو التراكم الإجمالي لرأس المال الثابت.

: معدل نمو الإنتاج المحلي الإجمالي.

فمن خلال العلاقة أعلاه يبدو جليا أن التغير النسبي في معدل الاستثمار يكون موجبا إذا كانت وتيرة نمو معدل التراكم أسرع من معدل نمو الإنتاج. إن الجدول والبيانات الآتية تبين لنا تطور الاستثمار ومعدله ووتيرة هذا المعدل من سنة 95 إلى سنة 2000:

جدول 1: تطور الاستثمار ومعدله ووتيرة هذا المعدل من سنة 95 إلى سنة 2000(بالملايين)

Année 1995 1996 1997 1998 1999 2000
ABFF 541826 639447.1 638119.7 728754.1 789798.6 869325.6
PIB 1743631.8 2256712.6 2432462.9 2424003.9 2802155.1 3654086.6
TI 0.31 0.28 0.26 0.30 0.28 0.24
    -9% -7% 15% -6% -16%

المصدر: - الديوان الوطني للإحصائيات، الحسابات الوطنية.

- أما معدل الاستثمار ووتيرته، فقد تم حسابها شخصيا.

 

 

إن تطور الاستثمار المطلق يخفي وراءه انخفاض معدل الاستثمار وخاصة في نهاية عقد التسعينات. إن التغير النسبي السالب لهذا المعدل يدل على تناقص حصة التراكم من القيمة المضافة من فترة إلى أخرى ما عدا سنة 98 إلا أن معدل هذه السنة لم يبلغ مستوى 95 رغم تحسنه.

 

                                    ب‌-  تطور معدل التراكم:إن معدل التراكم عبارة عن نسبة الاستثمار الإجمالي إلى التراكم الإجمالي أو ما يسمى بمخزون رأس المال والذي يعبر فعلا عن نسبة الاستثمارات الجديدة بالنسبة للاستثمارات القديمة ويعكس بالفعل تطور الاستثمارات. لكن المشكلة التي تواجهنا هي كيفية تقييم مخزون رأس المال، ولتلافي هذا المشكل نلجأ إلى طريقة بسيطة وهي تعيين سنة من السنوات الماضية لكي نبدأ منها حساب التراكم، هذه السنة تسمى سنة الأساس وقد اخترنا لذلك سنة 89 واستخدمنا القانون التالي[iii]:

 

 

بحيث : Kt : قيمة رأس المال الثابت المتراكم في نهاية الفترة t.

K0 : قيمة رأس المال الثابت في سنة الأساس (سنة الإنطلاق).

ABFFi : التراكم الإجمالي لرأس المال الثابت في نهاية السنة i.

CFFi : إستهلاك رأس المال الثابت في نهاية السنة i (الإهتلاكات).

 

إن رصيد رأس المال المحسوب بهذه الطريقة لا يعكس بالفعل قيمة رأس المال الموجود لأننا ساوينا بين مخزون رأس المال والتراكم الإجمالي لرأس المال في سنة الأساس، إلا أنه يساعدنا على مقارنة معدل التراكم للسنوات المختلفة. ولكي نأخذ بعين الاعتبار التضخم نحسب قيمة رصيد رأس المال الموجود بتكلفة تجديده بمعنى حساب قيمته بالأسعار الجارية مع الأخذ بعين الاعتبار تضخم الأسعار من فترة إلى أخرى أو حسابه بالأسعار الحقيقية لسنة الأساس. وقد اعتمدنا في ذلك على الرقم القياسي لأسعار الإنتاج الصناعي (IPPI) لأن مخزون رأس المال يتكون من سلع إنتاجية، وقيّمنا المخزون بتكلفة التجديد فحصلنا على الجدول والبيانات الآتية :

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

جدول 2: تطور مخزون رأس المال ومعدل التراكم من 1989 إلى 2000(بالملايين)

السنة ABFF IPPI CFF التراكم الصافيANFF stock capital معدل التراكمTA التغير النسبي لمعدل التراكمTA %
89 114828.1 100 30196.4 84631.7 84631.7 1 -
90 145300 130.4 37331 107969 218328.737 0.495 -51%
91 207367 221.2 52138.8 155228.2 525583.388 0.295 -40%
92 283802 285.8 54179.8 229622.2 908698.748 0.253 -14%
93 324100 332.4 95395.9 228704.1 1285567.16 0.178 -30%
94 407500 439.7 116046.4 291453.6 1992006.8 0.146 -18%
95 541826 575.2 137670.4 404155.6 3010028.49 0.134 -8%
96 639447.1 669.3 188145.3 451301.8 3953756.72 0.114 -15%
97 638119.7 711.4 179528.3 458591.4 4661045.5 0.098 -14%
98 728754.1 738.2 208854.9 519899.2 5356536.51 0.097 -1%
99 789798.6 761.4 209854.9 579943.7 6104824.36 0.095 -2%
00 869325.6 779.3 210854.9 658470.7 6906815.36 0.095 0%

المصدر:- Rétrospective Statistique « 1970-1996 », Edition 1999, ONS.

- قد أخذنا الإحصائيات الحديثة من موقع الديوان الوطني للإحصائيات في موقع الأنترنت

 

 

 

 

إن تناقص معدل التراكم يعكس بالفعل تدهور الإنفاق الاستثماري، وأما تذبذب وتيرته يبين التقلبات التي يتعرض لها الاقتصاد الجزائري نتيجة اعتماده على مداخيل المحروقات. فكلما تحسنت هذه الأخيرة انعكست بالإيجاب على التراكم وكلما تدهورت تدهور معها الاستثمار. والشيء البارز في الشكل أعلاه هو استقرار معدل التراكم في الآونة الأخيرة، فربما يبشر ذلك باستقرار الاقتصاد الجزائري مستقبلا بدل استمرار ركود عقد التسعينات هذا من جهة وتزايد هذه الوتيرة من جهة أخرى، فلو استمر هذا التزايد فلا نخشى على مستقبل الاستثمارات في الجزائر. أما الآن فنحاول أن نتعرف على العوامل التي ساعدت على ركود الاستثمارات، فهل يرجع ذلك إلى قصور الطلب أم إلى ضعف مردودية عوامل الإنتاج؟ سنحاول الإجابة على هذه التساؤلات في المبحث الآتي.

المبحث الثاني: الطلب الكلي والاستثمار

         تنص النظرية الاقتصادية أن هناك أربع محددات أساسية للاستثمار وهي: الطلب المتوقع، الربحية، تكاليف عناصر الإنتاج، القيود المالية. لكن العاملين الأخيرين يعتبران من المحددات الفرعية لأن تكاليف عناصر الإنتاج تؤثر مباشرة في الربحية، كما يمكن التخلص من القيود المالية عن طريق اللجوء إلى الاقتراض. وتبعا لذلك سنركز على المحددين الأساسيين: الطلب والربحية.

 

2-1: الأسس النظرية لعلاقة الاستثمار بالطلب:

إن نمو الطلب الكلي يحفز المنشآت على زيادة الاستثمار. إن زيادة الطلب تضع ضغوطا على الطاقة الإنتاجية الجارية لمنشآت الأعمال والتي تتطلب التوسع في رصيد رأس المال. مما سبق نستنتج أن الإنفاق الاستثماري يتوقف على التغيرات في مستوى الناتج بشرط أن تكون الطاقة الإنتاجية مستغلة بالكامل. فحسب النظرية الكينزية، إذا كان حجم التراكم متناسبا مع مستوى الناتج وأن رصيد رأس المال للمؤسسات الإنتاجية يتواءم بسرعة مع هذا المستوى فإن الزيادة في الاستثمار تكون أقوى من الزيادة في الطلب وهذا ما يعرف بمبدأ المعجل. إن هذه الزيادة في الاستثمار تتوقف على قيمة المعجل والذي يقاس بنسبة رصيد رأس المال إلى مستوى الإنتاج المحقق بهذا الرصيد، ويمكن التعبير عنه رياضيا كالآتي[iv]:

 

 

 

إن العلاقة الأخيرة تعني أن التغير في رصيد رأس المال (أي الاستثمار) يتناسب طرديا مع التغير في مستوى الناتج وإذا كان المعجل (w) أكبر من الواحد فإن الإنفاق الاستثماري يكون أقوى من التغير في مستوى الطلب (مستوى الطلب = مستوى الإنتاج)، أما إذا كان أقل من الواحد فإن التغير في التراكم يكون أقل من التغير في مستوى الناتج.

 

2-2: تحليل العلاقة الميدانية بين الاستثمار والطلب:

إن السؤال المطروح الآن هو: هل حجم الاستثمار في الاقتصاد الجزائري يتأثر بدرجة أو أخرى بمستوى الطلب أي بمستوى الناتج؟ إن زيادة الطلب سوف تؤثر إما في زيادة الكميات أو زيادة الأسعار، فإذا كان الإنتاج مرنا بشكل تام فإن الأسعار لا تتأثر ويكون مستوى الناتج حساس جدا لمستوى الطلب ويترتب على ذلك زيادة الإنفاق الاستثماري. فلو قرأنا الأرقام الإحصائية الخاصة بهذا الموضوع قراءة تحليلية لتبين لنا أن الاستثمار لم يستجب للتغير في الطلب الكلي في عقد التسعينات وهذا يرجع إلى المستوى المرتفع للتضخم في السنوات الماضية سواء تعلق الأمر بالرقم القياسي لأسعار الاستهلاك (IPC) أو أسعار الإنتاج الصناعي (IPPI) مما يدل على أن مواءمة العرض مع الطلب كانت عن طريق الأسعار وليس عن طريق الكميات. إن الأرقام التالية تدعم ما قلناه سابقا:

 

جدول 3: تطور أسعار الاستهلاك والإنتاج الصناعي من 89 إلى 2001

Année IPPI IPC IPC% IPPI%
89 100 100 - -
90 130.4 120.2 20% 30%
91 221.2 150.8 25% 70%
92 285.8 197.5 31% 29%
93 332.4 240.2 22% 16%
94 439.7 316.3 32% 32%
95 575.2 406.2 28% 31%
96 669.3 488.8 20% 16%
97 711.4 518.4 6% 6%
98 738.2 550.7 6% 4%
99 761.4 562.2 2% 3%
00 779.3 558.7 -1% 2%
01 811.9 578.2 3% 4%

المصدر:- Rétrospective Statistique « 1970-1996 », Edition 1999, ONS.

- المجموعة الإحصائية السنوية 2002، دوإ

 

         إن الارتفاع الجنوني للأسعار في هذه الفترة يدل أن هناك عوامل أخرى غير الطلب هي التي أعاقت ارتفاع مستوى الإنتاج وبالتالي مستوى الإنفاق الاستثماري من أهمها مردودية عناصر الإنتاج التي تؤثر بدورها في ربحية المشروعات الإنتاجية. لا بد أن أشير أن الأسعار قد استقرت مع نهاية عقد التسعينات وبداية الألفية الثالثة وهذه إشارة تدل على أن التحسن في أسعار المحروقات وتطبيق برنامج الإنعاش الاقتصادي بدءا يؤتيان أكلاهما، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذا الاستقرار يدعم ما قلناه سابقا وهو أن معدل التراكم قد توقف عن التناقص في السنوات الأخيرة.

 

2-3: علاقة مخزون رأس المال بالناتج:

لكي أتأكد من النتائج السابقة، سوف أحلل علاقة مخزون رأس المال بالإنتاج المحلي الإجمالي. إن الشكل أسفله يبين نقاط الانتشار الخاصة بالتغير النسبي لمخزون رأس المال الحقيقي ومعدل نمو الإنتاج المحلي الإجمالي الحقيقي مع فترة إبطاء واحدة من سنة 90 إلى 2000:

 

إن نقاط الانتشار أسفله تبين بشكل واضح أنه لا يوجد أية علاقة بين نمو مخزون رأس المال ونمو الإنتاج وبالتالي فإن الطلب المتوقع مستقبلا والمقدر على أساس الطلب الماضي ليس له أي تأثير على الاستثمار لأنه يوجد عوائق أخرى تمنع الاستثمار من أن يستجيب للطلب وأهمها المردودية وسنتأكد من ذلك في المطلب اللاحق.

 

المبحث الثالث: مفهوم المردودية وعلاقتها بالاستثمار

3-1: مفهوم المردودية والربحية: إن الحافز على الإنتاج وبالتالي على الاستثمار هو تحقيق الربح. فالإنفاق الاستثماري سواء كان على المستوى الكلي أو على مستوى المؤسسة يتوقف بالدرجة الأولى على الربحية ثم الطلب المتوقع مستقبلا. والربحية تتأثر بدورها بمردودية رأس المال والعمل لأن هذان العنصران يشكلان المدخلات الأساسية في العملية الإنتاجية، فكلما تمكّنت المشروعات من تقليص تكلفتهما وزيادة عائديهما، كلما حفّزها ذلك على استخدام المزيد منهما وبالتالي زيادة الاستثمار فيهما. ويجب التفرقة بين الربح والربحية فالأول يقيس الفرق بين الإيرادات والتكاليف أما الثاني يقيس الفرق بين مردودية رأس المال وتكلفته التي تساوي سعر الفائدة الحقيقي. وتقاس مردودية رأس المال بقسمة تعويض رأس المال على قيمة مخزون رأس المال، أما مردودية العمل فتساوي الكلفة الأجرية للوحدة الواحدة المنتجة.

 

إن الاستثمار له علاقة مباشرة بالربحية فكلما ارتفع العائد على الاستثمار مقارنة بسعر الفائدة الحقيقي اتجه رأس المال إلى المجال الإنتاجي وكلما انخفض اتجه إلى المجال المالي أو المضاربة. فلكي يقرر رجل الأعمال توجيه رأس ماله للاستثمار لا بد أن يكون الفرق كافيا بين العائد على رأس المال الموجه للاستثمار والعائد الموجه للودائع أو للمضاربة. إن المردودية تنقسم إلى مردودية رأس المال ومردودية مناصب الشغل والأولى تصنف بدورها إلى مردودية اقتصادية و مردودية مالية.

 

إن العولمة وانفتاح اقتصاديات الدول على بعضها البعض تؤثر بشكل مباشر على حجم الاستثمار عن طريق الأسعار المنافسة والتي تؤدي إلى انخفاض مردودية عناصر الإنتاج المحلية مقارنة بمردودية الاقتصاديات المتقدمة. إن الاقتراض لتمويل الاستثمار لا يجدي نفعا في حالة المردودية الضعيفة ويكون ذو بال في حالة المردودية الجيدة التي تكون أكبر من تكلفة الاقتراض نظرا لتأثير ما يسمى" l'effet de levier" الذي يعمل على زيادة تعويض الأموال الخاصة. سوف أركز في هذا المطلب على المردودية الاقتصادية لرأس المال.

 

3-2: التحليل النظري للمردودية الاقتصادية لرأس المال:

تقاس المردودية الاقتصادية لرأس المال محاسبيا بقسمة الفائض الإجمالي للاستغلال على المخزون الإجمالي لرأس المال:

 

 EBE: الفائض الإجمالي للاستغلال ويساوي القيمة المضافة مطروحا منها الأجور والضرائب الصافية من الإعانات.

 k*Pe: القيمة الإجمالية لمخزون رأس المال وتساوي كمية راس المال مضروبا في الرقم القياسي لأسعار التجهيزات.

         يمكن كتابة العلاقة السابقة على الشكل:[v]

 

بحيث: P المستوى العام للأسعار،  y : كمية الإنتاج الحقيقي

 

إن العلاقة السابقة تحتوي على ثلاث حدود وهذا يعني أن المردودية الاقتصادية تتأثر بثلاث محددات:

: عبارة عن حصة الفائض الإجمالي للاستغلال من القيمة المضافة. إن تأثير هذا الحد على المردودية يسمى بأثر التوزيع. فكلما ارتفعت هذه الحصة تبعها ارتفاع المردودية.

: عبارة عن الإنتاجية الظاهرة لرأس المال ويطلق عليه أثر إنتاجية رأس المال وتتناسب طرديا مع المردودية.

: عبارة عن السعر النسبي لرأس المال ويسمى بأثر السعر النسبي ويتناسب عكسيا مع المردودية، وهذا يعنى أن المردودية ستتدهور في حالة ارتفاع الرقم القياسي لأسعار المنتجات الرأسمالية مقارنة بالمستوى العام للأسعار.

 

يمكن كتابة علاقة المردودية (1) بشكل أكثر دقة بحيث ندخل أكبر عدد من المحددات[vi]:

 

لأن الفائض الإجمالي للاستغلال يساوي القيمة المضافة مطروحا منها الضرائب والأجور.

ولدينا كذلك: كتلة الأجور تساوي عدد العمال في الأجر المتوسط (S = W*E)، ومنه يمكن كتابة القانون السابق على الشكل:

 

لأن: VA = P*y

 

 

إن القانون الأخير (3) مهم للغاية لأنه يظهر تقريبا كل المحددات الهامة التي تؤثر في المردودية وخاصة أنه أدمج إنتاجية عنصر العمل التي كانت مفتقدة في العلاقة (2). يمكن أن نلخص هذه العوامل فيما يلي:

: عبارة عن حصة الضرائب في القيمة المضافة، فكلما ارتفعت هذه الحصة أثرت سلبا على المردودية وكلما انخفضت أثرت بالإيجاب لأنها مسبوقة بإشارة السالب.

: هذا الكسر يعبر عن نسبة الأجر الحقيقي إلى الإنتاجية الظاهرة لعنصر العمل، فالبسط عبارة عن الأجر الحقيقي وما دام مسبوقا بإشارة السالب فيعني ذلك أنه يتناسب عكسيا مع المردودية، فكلما تحسن الأجر الحقيقي انخفضت المردودية والعكس صحيح. أما المقام فهو عبارة عن الإنتاجية الظاهرة لعنصر العمل، وهو يتناسب طرديا مع المردودية، فكلما تحسنت إنتاجية هذا العنصر تبعها تحسن المردودية والعكس صحيح.

 

         من خلال التحليل السابق يتبادر في الذهن أن تحسين المردودية مرهون بتخفيض الأجر الحقيقي، أي أن التحفيز على زيادة الإنفاق الاستثماري يكون على حساب المستوى المعيشي للعمال وهذا تحليل خاطئ بدليل أن زيادة الإنتاجية الظاهرة للعمال تؤثر بالإيجاب على المردودية وبالتالي يمكن رفع القدرة الشرائية للعمال وتحسين المردودية في نفس الوقت التي تكون فيه وتيرة نمو الإنتاجية أكبر من وتيرة نمو القدرة الشرائية (الأجر الحقيقي). إن المحددات الأخرى المؤثرة في المردودية قد تكلمنا عنها سابقا وهي إنتاجية رأس المال وسعره النسبي.

 

3-3: التحليل الميداني لمحددات المردودية: قد حسبنا المردودية باستعمال العلاقة(1)بعد خصم الاهتلاكات فحصلنا على الجدول أسفله الذي يحتوي على تطور الفائض الصافي للاستغلال والمخزون الصافي لرأس المال (قد تم حسابه بطريقة شخصية):

السنوات التراكم الإجمالي لرأس المال الثابت الرقم القياسي لأسعار الإنتاج الصناعي التغير النسبي للرقم القياسي إهتلاك رأس المال الثابت التراكم الصافي لرأس المال الثابت المخزون الصافي لرأس المال(بالأسعار الجارية) الفائض الصافي للاستغلال المردودية الصافية لرأس المال
89 114828.1 100   30196.4 84631.7 84631.7 158560.1 1.87
90 145300 130.4 0.30 37331 107969 218328.737 231559.4 1.06
91 207367 221.2 0.70 52138.8 155228.2 525583.388 398163.7 0.76
92 283802 285.8 0.29 54179.8 229622.2 908698.748 493954.9 0.54
93 324100 332.4 0.16 95395.9 228704.1 1285567.16 487417.2 0.38
94 407500 439.7 0.32 116046.4 291453.6 1992006.8 633684.9 0.32
95 541826 575.2 0.31 137670.4 404155.6 3010028.49 769118.7 0.26
96 639447.1 669.3 0.16 188145.3 451301.8 3953756.72 1019073.4 0.26
97 638119.7 711.4 0.06 179528.3 458591.4 4661045.5 1160782.1 0.25
98 728754.1 738.2 0.04 208854.9 519899.2 5356536.51 1080861.8 0.20
99 789798.6 761.4 0.03 209854.9 579943.7 6104824.36 1334430 0.22
2000 869325.6 779.3 0.02 210854.9 658470.7 6906815.36 1874344.9 0.27

جدول 4: تطور المردودية الصافية لرأس المال من 89 إلى 2000

المصدر: Annuaire statistique de l'algérie, Résultat 1996, n°18, ONS, 1998, p340

- أما الإحصائيات الحديثة أخذناها من موقع الأنترنت، أما المخزون لصافي لرأس المال والمردودية الصافية قدتم حسابها بطريقة شخصية

 

نلاحظ أن المردودية كانت متناقصة باستمرار خلال عقد التسعينات وقد غيرت مسارها ابتداء من سنة 99. فهل هذا التناقص راجع إلى زيادة الأجر الحقيقي أم إلى ارتفاع حصة الضرائب من القيمة المضافة أم إلى انخفاض انتاجية المدخلات أم إلى ارتفاع السعر النسبي للتجهيزات؟ هذا ما نحاول الإجابة عليه من خلال استقراء المتغيرات الميدانية.

 

لقد حسبنا كل محددات المردودية المبينة في العلاقة (3)، حيث تحصّلنا على الأجر الحقيقي بقسمة الأجر الوطني الأدنى المضمون على الرقم القياسي لأسعار الاستهلاك، أما بالنسبة للإنتاجية الظاهرية للعمل ولرأس المال فقد تم حساب الإنتاجية الاسمية أولا ثم الحقيقية ثانيا وذلك بقسمة الإنتاج المحلي الإجمالي على عدد العمال ومستوى رأسمال على الترتيب، لكن بفترة إبطاء واحدة بالنسبة لرأس المال أي:

أما معدل الضريبة والسعر النسبي فقد تحصّلنا عليهما بقسمة مستوى الضرائب الاسمية على قيمة الإنتاج المحلي الاسمي بالنسبة للأول وقسمة الرقم القياسي لأسعار الإنتاج الصناعي على الرقم القياسي لأسعار الاستهلاك:

 

 

 

جدول 5: تطور محددات المردودية من سنة 89 إلى 2000

t           Re
89 21%   79441.74   1 1.87
90 21% 4.561 85460.11 766.87 1.08 1.06
91 22% 2.119 101924.45 813.74 1.47 0.76
92 20% 0.881 101188.40 699.79 1.45 0.54
93 19% 0.462 83214.40 752.11 1.38 0.38
94 21% 0.313 78143.30 909.71 1.39 0.32
95 21% 0.215 78865.16 834.49 1.42 0.26
96 21% 0.153 81887.23 806.81 1.37 0.26
97 21% 0.118 81905.30 843.41 1.37 0.25
98 20% 0.094 76792.56   1.34 0.20
99 19% 0.092 86463.62   1.35 0.22
2000 20% 0.107 104998.20   1.39 0.27

إذا قرأنا الأرقام التي تحصلنا عليها في الجدول أعلاه قراءة تحليلية نصل إلى النتائج التالية: إن معدل الضريبة بقي ثابتا ولهذا لم يكن له تأثير يذكر على المردودية. أما إنتاجية رأس المال فكانت متناقصة باستمرار باستثناء سنة 2000 مما يوضح أن المردودية تأثرت بالإنتاجية نقصانا و زيادة. إن تذبذب إنتاجية العمل يبين أن علاقة هذه الأخيرة مع المردودية علاقة ضعيفة، وإن كان تأثيرها ظاهرا للعيان في السنوات الأخيرة لعقد التسعينات بحيث أن إنتاجية العمل بدأت ترتفع بشكل مطرد من سنة 99 وكذلك الحال بالنسبة للمردودية. أما السعر النسبي فلم يطرأ عليه تغير واضح وبالتالي فإن تأثيره على المردودية ضعيف جدا، كما تشير قيمه على أن التضخم في أسعار عوامل الإنتاج كان أكبر من التضخم في أسعار الاستهلاك رغم سياسة دعم الاستثمار التي طبقت مؤخرا وذلك راجع إلى أن كل القيم أكبر من الواحد.

 

         يمكن تدعيم ما قلناه سابقا عن طريق البيانات. لا يمكن رسم تطور جميع المحددات في معلم واحد نظرا لاختلاف وحدات القياس ولكي نتفادى هذا المشكل نحسب التغيرات النسبية لجميع المحددات فنحصل على البيان لتالي:

        إذا قارنا الأشكال أعلاه مع الخط الغليظ الذي يمثل التغير النسبي للمردودية تبين لنا أنه يوجد علاقة كبيرة جدا بين إنتاجية رأس المال والمردودية وعلاقة أقل بين إنتاجية العمل والمردودية وعلاقة ضعيفة بين المردودية والمحددات الأخرى. إن جدول الارتباط التالي يبين قوة أو ضعف هذه العلاقات:

المحددات المردودية وإنتاجية رأس المال المردودية وإنتاجية العمل المردودية والسعر النسبي المردودية والأجر الحقيقي المردودية ومعدل الضريبة
معامل الارتباط 0.92 0.43 -0.26 0.05 0.11

 

يوجد علاقة قوية بين المردودية الاقتصادية لرأس المال وإنتاجيته وارتباط متوسط بينها وبين إنتاجية العمل. فضعف المردودية الحالية يرجع بالأساس إلى ضعف إنتاجية رأس المال وبدرجة أقل إلى ضعف إنتاجية العمل. فتحسين إنتاجية عناصر الإنتاج يعتبر علاجا ناجعا لضعف الاستثمارات في الجزائر.

 

خاتمة

 

إن التحليل النظري لأي موضوع اقتصادي هو الأساس في أي بحث علمي، لكنه لا يكفي لتفسير الظواهر الاقتصادية تفسيرا دقيقا وإنما يعتبر منطلقا لفهم العلاقات بين المتغيرات الاقتصادية. فلا بد من التحليل الميداني للظواهر الاقتصادية حتى نختبر النظرية في الميدان ولذلك أسقطنا بعض العلاقات الخاصة بالاستثمار على الاقتصاد الجزائري وبيننا أي المتغيرات تؤثر في هذا المحيط.

 

         هذه الدراسة أوضحت لنا ضعف المؤشرات الخاصة بالإنفاق الاستثماري وتدهوره مع الزمن، إلا أن حدة هذا التدهور بدأت تتناقص في الفترات الأخيرة الماضية. وقد بيننا ميدانيا أن هذا الركود لا يرجع بالأساس إلى قصور الطلب الكلي وإنما إلى مردودية عناصر الإنتاج بصفة عامة ومردودية رأس المال بصفة خاصة. وقد أحطنا بجميع المتغيرات المؤثرة في المردودية وبيننا بالأرقام أن ضعف المردودية ترجع بالأساس إلى ضعف إنتاجية رأس المال وبدرجة أقل إلى ضعف إنتاجية العمل، أما المحددات الأخرى النظرية فلا تأثير لها يذكر.

 

         إن ضعف إنتاجية رأس المال لها أسباب عديدة لا يمكن حصرها إلا بالدراسة المستفيضة المبنية على المؤشرات الواقعية، وبذلك يمكن التحكم في تطور المردودية حتى تتوافق مع تطورها في الاقتصاديات العصرية وتبعا لذلك نتحكم أكثر فأكثر في حجم الاستثمار الذي يتماشى مع نمو مستقر ودائم. إن انفتاح الاقتصاد الجزائري على العالم يفرض عليه من أي وقت مضى أن يحسن مردودية عناصر الإنتاج وتبعا لذلك تخفيض أسعار المنتجات المحلية ومنافسة المنتجات الأجنبية. إن العولمة وانعكاساتها أثرت سلبا على مردودية المؤسسات الإنتاجية بسبب الأسعار المنافسة والتي تفرض عليها أن تبيع بأسعار أقل ويترتب على ذلك انخفاض هامش الربح الذي يؤدي إلى انخفاض الفائض الإجمالي للاستغلال ومنه انخفاض المردودية. فلو كانت هذه الأخيرة عالية جدا وبالتالي تكون الربحية كبيرة، فإن تخفيض الأسعار لا يؤثر إلا تأثيرا ضعيفا في انخفاض هامش الربح وتبعا لذلك فائض الاستغلال. إذن فتحسين المردودية يساعد على تنافسية المؤسسات ودخولها من الباب الواسع للعولمة.

 


الهوامش :

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[i]الدكتور سامي خليل، نظرية الاقتصاد الكلي " نظريات الاقتصاد الكلي الحديثة" :الكتاب الثاني، الكويت 1994، ص1152.
[ii]Joseph KERGUERIS, les déterminants de l'investissement, RAPPORT D'INFORMATION, n°:35, SÉNAT, SESSION ORDINAIRE DE 2002-2003.
[iii] الدكتور عصام عزيز شريف، مقدمة في القياس الاقتصادي، د م ج، الجزائر، 1981، ص119.
[iv] ارجع في ذلك إلى كتب الاقتصاد الكلي وأخص بالذكر:-          سامي خليل، الكتاب الأول في نظرية الاقتصاد الكلي "المفاهيم والنظريات الأساسية"، الكويت 1994.-          Jaques Lecaillant, Analyse macroéconomique, Cujas, Paris, 1969.
[v] J. P. Gourlaouen, Economie de l’entreprise à l’économie nationale, Vuibert, 1986, p237.
[vi] إن هذا التعديل لعلاقة المردودية هو اجتهاد شخصي.