مكانة الثورة الجزائرية في شعر العراقيين، نماذج من شعر عبد الوهاّب البياتي

محمد الصالح بوضياف
المركز الجامعي- النعامة

 

 

يعنّ لنا عند الحديث عن الثورة الجزائرية أن نستنطق بعض ما سجّلته الأقلام والكتابات من وقائع وأحداث، فقد صقلت ثورتنا قرائح كثير من الأدباء والشعراء في جميع أقطار العروبة واستقطبت اهتماماتهم، ولعلّ الأدباء العراقيين لا سيما الشعراء منهم كانوا أكثر  هياما وتعلّقا بها، فكان من أبرز الشعراء الذين خلّدوها وتغنّوا ببطولاتها الشاعر العراقي عبد الوهاّب البياتي، إذ تميّز بفرط إعجابه بالجزائر وثورتها، فراح يستحضر أسماء الجزائريين والجزائريات الذين ناضلوا من أجل الحرية والاستقلال، بل للبياتي الفضلُ في جمع وترتيب ما كُتب عن الثورة الجزائرية، حيث جمع 255 قصيدة لـ 107 شاعر وشاعرة، من مختلف المناطق العراقية، وقد خرج هذا العمل مطبوعا في بغداد أوّلا، ثمّ في الجزائر في مجلّدين بعنوان:"الثورة الجزائرية في الشعر العراقي".

وما ترنو إليه هذه المداخلة هو أن تقترب من الثورة الجزائرية من زاوية نظر الشعراء العراقيين إليها، وقد وجدت غايتها في شعر البياتي فاتّخذتها مطيّة، عساها أن تقف على بعض الجوانب المتعلّقة بمكانة الثورة الجزائرية عند هؤلاء.

لا يمكن لأيّة أمّة من الأمم أن تنال من الاحترام والتقدير و السمعة في امتداد التاريخ إلا بقدر ما تصنعه في هذا التاريخ من أعمال تؤهلها لاستحقاق الخلود، و لا شك في  أن الجزائر بوصفها جزءا من العالم العربي والأمة الإسلامية كان لها شيء من هذا، إن في القديم وإن الحديث، ولا أدل على ذلك من الثورة الجزائرية الكبرى التي أشعلتها ثلة من الناس، فصار لها مناصرون خارج حدود البقعة الجغرافية المحدودة، و تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنه كلما طرق هذا المسلك من القول في الثورة الجزائرية قبالة الذهن الشاعر السوري سليمان عيسى نتيجة درجاننا على الاتيان إلى ذكره وحده في سياق الحديث عن الثورة، في غمرة تناسي غيره من شعراء الوطن العربي الذين تفاعلوا مع إنجاز الجزائر الخالد، ويكفي أن يطلع القارئ أو الدارس على ما قام به الدكتور عثمان سعدي في أيام سفارته للجزائر ببغداد من جمع لما قيل بالعراق في الحرب التحريرية الجزائرية من إبداع شعري، و قد وصل في ذلك إلى موسوعة شعرية من مجلدين يضمان ما مجموعه 255 قصيدة لمائة وسبعة شعراء عراقيين يتقدمهم ثلة من رواد التجديد في العصر الحديث؛ أمثال بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة.

 ولئن برهن شعراء الجزائر إبان الثورة التحريرية المباركة بإمكاناتهم الفنية المتواضعة فإنّهم برهنوا حقّا « بما لا يدع مجالا للشكّ على أنّ الواقع المباشر يمكن رفعه إلى آفاق شاعرية دونما أيّ سقوط في الابتذال النثري، أو التقريرية الممقوتة، كما برهنوا على أنّ الكلمة يمكن أن تستحيل رشاشا مدوّيا في وجه العدوّ، تقضّ مضجعه، وتستثير رعبه، وتكون في الجانب الآخر ملهمة للثوار وحمالة هموم شعب ينشد الحريّة والاستقلال»[1].  

ففي كل معركة قومية أو اجتماعية في تاريخ العرب الحديث نتاجٌ أدبي يؤدي إلى تغيير الأنفس. فكان الأدب دائما هو الشرارة الأولى التي انطلقت منها الكبرى. تلك الثورات التي حررت الإنسان من الظلم والعبودية.

إن الثورة التحريرية المجيدة التي شنها الشعب الجزائري الأدبي في غرة نوفمبر سنة 1954 ضد قوى الاستعمار الفرنسي البغيض قد فتحت مجالا فسيحا أمام الأدباء والشعراء وخولت لهم الانطلاق من قيود التخلف والجمود[2].

        كان لهذه المرحلة الحاسمة. الحافلة بالأحداث والأفكار الجديدة الأثر الواضح في الأدب، حيث أن ظروف النضال كشفت للأدباء عن إمكانيات عديدة وتجارب زاخرة دفعتهم  لمعالجة مواضيع جديدة ومتنوعة. ويبقى  أدب النضال ذا أثر فني فعال، ومحركا وعاملا على التغيير استخدمته الأمة الجزائرية بخاصة، والأمة العربية بعامة، سلاحا لتحطيم قيود الاستعمار الغاشم وسلاحا لتغيير الواقع المرّ[3].

إنّ الإحساس بحب الوطن أصبح أمرا مقدسا في العصر الحديث، ولم يعد دار إقامة أو حمى كما يعبر عنه الشاعر القديم. وقد مهد إلى تعميق هذا الإحساس كل من الشاعر الاحيائي والوجداني حيث أصبحت أو كانتا هدفا للاحتلال والتدمير[4]. ولعل أبرز حَدَثَين قومِيَين هزا كيان الإنسان العربي في العصر الحديث هما الثورة الجزائرية والقضية الفلسطينية، ونقدم الإشارة إلى الثورة الجزائرية لأنها زادت من وعي الإنسان العربي وبصرته بمدى الوحشية التي يتصرف بها الاستعمار إذا ما أراد العرب أن يتحرروا من سلطانه وجبروته. ثم إن التلاحم مع القضية الفلسطينية ازداد بعد أن عبّرت عن نفسها بالمقاومة المسلحة بعد نكسة حزيران خاصة، وكان هذا متأخرا عن أحداث الثورة الجزائرية عام 1954م.

        لقد تجاوب الوجدان العربي مع الثورة الجزائرية أيما تجاوب لأنها كانت ثورة شعب بأكمله، شعب يريد أن يحقق حريته واستقلاله عبر الدم والتضحيات الجسام، ولهذا تجد الشاعر العربي انفعل بمشاهدة البطولة الفذة والنادرة كبطولة العربي بن مهيدي، وبطولة جميلة بوحيرد وغيرهما، بل أن الشعب الجزائري كله كان مثالا للبطولة إن لم تكن جبال وأحجار تلك الأرض الطيبة.

أوّلا: الشاعر عبد الوهّاب البيّاتي:

شاعرنا هو عبد الوهاب البياتي، ولد عام 1926م، وتخرّج في دار المعلمين العليا عام 1950م، عاد للعراق بعد ثورة 17/7/1968م, مستشارا ثقافيا في وزارة ِالإعلام. وهو ثالث اثنين- مثلما يقول الأستاذ منذر الجبوري- لبدر شاكر السياب, ونازك الملائكة, فعلى يديه وأيدي زميليه تطور الشعر الحرّ والقصيدة الحديثة[5].

وتنبئنا مقدمة الجزء الأول من ديوان البياتي بأن الشاعر اعتقل عام 1954 وفصل من وظيفته،ثم هاجر إلى العراق فبيروت فالقاهرة حيث بقي من أواخر عام 1956 حتى قيام ثورة العراق في 15 تموز 1958 و في 1959 عيّن في موسكو مستشارا ثقافيا في سفارة الجمهورية العراقية حتى عام 1961 حين ترك العمل في السفارة لكنه ظل في موسكو إلى عام 1964 حين انتقل منها إلى القاهرة[6].

من دواوينه: ملائكة وشياطين (1950م).

- أباريق مهشمة (1954م).

- المجد للأطفال و الزيتون (1956م).

- أشعار في المنفى (1957م).

- كلمات لا تموت (1960م).

 - النار و الكلمات (1964م).

- قصائد(1965م).

- محاكمة في نيسابور(1963م).

- الذي يأتي ولا يأتي(1966)

- سفر الثورة(1966م).

- الموت في الحياة(ز1968م).

- بكائية إالى شمس حزيران والمرتزقة(1969م).

- حب على بوابات العالم السبع(1971م).

- كتاب البحر(1973م).

-سيرة ذاتية لسارق النار(1974م).

- قمر شيراز(1975م).

- اراكون,شاعر المقاومة الفرنسية (بيروت 1959م).

- بول ايلوار,مغني الحب والحرية(بيروت1957م).

- تجربتي الشعرية (بيروت1968م).

- رسالة الى ناظم حكمت(بيروت1956م).

-الكلاب الميتتة.

ثانيا: كتاب "الثورة الجزائرية في الشعر العراقي".

قيمته العلمية:

يضمّ كتاب :"الثورة الجزائرية في الشعر العراقي" مجموعة نفيسة ممّا خلّده كبار شعراء العراق تمجيدا لثورة الجزائر الكبرى، ولعلّ أبرز هؤلاء الشعراء محمد مهدى الجواهري، وبدر شاكر السياب، وعبد الوهاب البياتي، وكاظم جواد، وسعدى يوسف، وشفيق الكمالي، ولم يقتصر الكتاب على ذكر الشعراء الرجال، بل كان للنساء الشواعر مكان ينافسن فيه الشعراء، فقد أتى الكتاب على جملة من الشواعر خلّدن الثورة وتغنّين بأمجادها و بطولاتها. حيث نجد  مجموعة من القصائد للشاعرة الكبيرة نازك الملائكة، كما نجد غيرها من مثيلات: وأميرة نور الدين، وآمال الزهاوي، وعاتكة وهبى الخزرجي، وحياة النهر، لميعة عباس عمارة، وصبرية الحسو.

تزامنت الثورة الجزائرية مع ظهور ثورة على التقاليد الشعرية، فقد عرفت تلك المرحلة قفزة إلى الإبداع، وتحولا عن التقليد، إن على مستوى الشكل، وإن على مستوى الموضوع الشعري، ولا غرو حينئذ أن يشتمل الكتاب على قصائد شعرية متفاوتة، فبعضها يصدر من معين الشعر العربي القديم لم تخالطه رياح التجديد، وبعضها يحتوي قصائد نحت منحى التجديد، فتنوعت ما بين الشعر الحر وشعر التفعيلة، والشعر الملحمي، ومنها ما خضع للشعر المسرحي، أمّا من حيث الموضوعات فلم تثبت القصائد على معالجة موضوع واحد، بل استطاعت أن تصوّر الثورة الجزائرية في جوانبها المتعدّدة، فمسّ الكتاب في جوانب كثيرة منه  موضوع النصر والحماسة، والحرية والاستقلال، والمضي مع الثورة وعدالة قضيتها، كما نلمح فيه نقدا ومنقصة لأولئك الذين رضوا أن يكونوا مع الخوالف، فتخلّفوا عن الواجب.

كما تناول الكتاب وصف المعارك، وذكر المدن، وطبيعة الاحتلال، حيث نجد معظم الشعراء يردّدون مدنا جزائرية، ومعاقل المجاهدين والثّوّار، أومناطق ثورية شاهدة، كجبال الأوراس، ومدينة وهران، أو بعض الأسماء لكبار الشهداء والمجاهدين.

ومن موضوعات الكتاب:

وصف بطولات الثوار، أمثال العربي بن مهيدي.

أمجاد جيش التحرير الوطني و معاركه.

ثورة الجزائر كأمل للعروبة و مثال للكفاح الإنساني.

جميلة بوحيرد و نضال المرأة الجزائرية.

فرنسا و حلفاؤها كما صورها الشعراء العراقيون.

فرحة إعلان الاستقلال والحرية.

ومن النماذج التي نقرأها في موضوع الحماسة ما كتبته نازك الملائكة عن "جميلة بوحيرد". تقول في قصيدتها(نحن وجميلة/ 1960م):

جميلةُ تبكين خلف المسافات، خلف البلادْ
وتُرخين شَعرك، كفَّكِ، دمعكِ فوق الوسادْ
أتبكينَ أنتِ؟ أتبكى جميلة؟
أما منحوكِ اللحون السخيّات، والأغنياتْ؟

 

ومن ذلك أيضا ما جاء في قصيدة محمد مهدي الجواهري الموسومة: (الجزائر):

رِدِى علقم الموت لا تجزعى
ولا ترهبى جمرة المصرع
فما سَعُرَت جمرات الكفاح
لغـير خلـيق بـها أروعِ
دعى شفرات سيوف الطغاةِ
تُطبِّق منكِ على المقطـع
فأنشودةُ المجد ما وقِّعـتْ على غير أوردةٍ قُطَّــعِ

ومن أفضل ما قاله الشاعر كاظم جواد قصيدة " الشمس تُشرِق على المغرب "، إذ يعدّ الشاعر  رائدامن رواد الشعر الحرّ فى العراق، وقد كان معاصراً لفرسان الشعر الحر الثلاثة، السياب والملائكة والبياتي، فى جامعة بغداد، إلا أنهم تخرجوا فى دار المعلمين العالية وتخرج هو فى كلية الحقوق.

هذه القصيدة تقع فى عشر صفحات كاملة، منها قوله:
ألم تسمعْ صياحى الصارخَ الصاخبَ فى الوادى يناديكَ يناديكْ؟
ألم تلمحْ شُحوبى اللافحَ، السابحَ فى الريحِ، يناغيكَ يناغيكْ؟
ألم ينشرْ شروقُ القمرِ المسحورِ أشذاءَ أمانيكْ؟
على الأشجارِ عبرَ السهلِ، يَمَسُّ أغانيكْ
إلى الزيتونِ، حيث الغابةُ الشجراءُ تستهوى لياليكْ
ـ ليالينا ـ إزاءَ الطلعِ المنثورِ تذروهُ أياديكْ
لتُثرى الأرضَ، كى يخصُبَ وادينا فيجزيكْ
سلالَ الرطبِ الحلوِ، وإذْ يستروحُ الدربُ
عبيرَ الكلأْ المبتلِّ، أما يورقُ الجدبُ
ويشدو عبرَ صدرِ الليلِ فى ألوانهِ الحبُّ...

 أما الشاعر المراد دراسته في ورقة البحث هذه فله بهذه المجموعة أربع قصائد إلى نمط الشعر الحر, و هي من أجمل ما ضمّت هذه المحموعة، جاءت متنوعة، قصيدة[الموت في الظهيرة] تناولت استشهاد أحد قادة الثورة وهو- العربي بن المهيدي- وقصيدة ثانية حول الكاتب الجزائري (مالك حداد). وثالثة تناولت(جميلة) ونضالها، ونظرا لأن الشاعر يُعدّ أحد أقطاب الشعر الحر فقد سلك الأسلوب الملحمي في قصائده.

-        جاء في قصيدته [الموت في الظهيرة]:

الإهداء: إلى العربي بن مهيدي الزعيم الوطني الجزائري الذي قتله البرابرة الفرنسيون في زنزانته في السجن.

قمر أسود في نافذة السجن، وليل

وحمامات وقرآن وطفل

أخضر العينين يتلو

سورة "النصر" وفلّ

من حقول النور، من أفق جديد

قطفته يد قدّيس شهيد

يد قدّيس و ثائر

ولدته في ليالي بعثها شمس الجزائر

ولدته الريحُ والأرض وأشواق الطفولة

وعذابات ربيع في خميلة

وانتصارات وحمّى وبطولة...

وحمامات وقرآن وليل

صامت يمسح عن كفيه آثار الجريمة

وعلى الجدران ظل

يتدلى رأسه، يسقط ثلج

فوق عينيه وترب وجنادل

فوق عيني ذلك الطفل المناظل

كان في نافذة السجن مع العصفور يحلم

كان مثلي يتألّم

 كان سرا مغلقا لا يتكلم

كان يعلم

أنه لابد هالك

وستبقى بعده الشمس الجزائر

في ليالي بعثها، شمس الجزائر

تلد الثائر في أعقاب ثائر

- القصيدة الثانية مهداة إلى مالك حداد (وعندما تغش باقات الزهور، عندما الذبول قبل الأوان، يعتري زبائن الحقول. أحس بالتعاسة).

               -1-

أحس بالهوان

بالمسرح الخاوي بالقياثر المحطمة

تئن بالممثل القتيل

تدوسه الثعالب.

أحس بالكواكب

خجلى  على طريقها تعشعش العناكب.

أحس بالإنسان 

دبا يحشى رأسه بالقش والدخان

يباع بالمجان

يحب بالمجان

يكره بالمجان

يقتل بالمجان

يموت بالمجان

أحسه:استحال خرقة على طاولة في حانف

يمسح فيه أيما شيئ. أحس آه، بالإنسان

يركع في منزلة التاريخ، في قاذورة النسيان

        -2-

الثورة العملاقة

الفكرة الخلاقة

تجرف في طريقها المسوخ و الطبول

والجيف العطرة

و النصب الشائهة المبعثرة

تحرث،في أعاصيرها الحقول

تعيد صنع الرائع النبيل

تمنح للمثل القتيل

دما جديدا،مسرحا جديدا

تنفخ في قصائد الجليد

حرارة الخلق،تعيد خلقها،تعيند

تنزع عن انساننا القناع

تنزع رأس الدب عنه،تغمر الأعماق بالشعاع

تكسوه بالريش والأزهار

تمنحه أجنحة من نار

الفكرة الأعصار

ثالثا: المرأة الجزائرية في عيون الشعراء.

-المسيح الذي أعيد صلبه

           إلى جميلة

كل ما قلوه كذب وهراء

اللصوص، الشعراء

الحواة الأغبياء

انني أحسست بالعار لدى كل قصيدة

نظموها فيك

يا أختي الشهيدة

وأنا لست بصعلوك منافق

ينظم الأشعار مزهوا

وأعواد المناشق

لأخي الإنسان، بالمرصاد

أعواد المناشق

وأنا لست سياسيا ...

فثورة نوفمبر قد أثرت في الجوانب الاجتماعية للشعب الجزائري، إذ أزالت الفرق الموجود بين المرأة و الرجل تجاه الواجب المقدس الممثل في تحرير الوطن، فوجدت المرأة متنفسسا في الثورة، حيث أطلقت العنان للقوى الكامنة فيها، فالتفتت حول جبهة التحرير الوطني، وقامت بأصعب المسؤوليات وأخطر العمليات...إذ يذكر أحد معاصري تلك الفترة في مذكراته: «الفتاة والمرأة عمودان في الجزائر فقدمت الزاد و الوقود للثورة، في صورة مهج وأرواح وتضحيات أخرى... إذ لم يتورع المستعمرون عن هتك الأعراض وسبي وتعذيب... وشاء الله تعالى أن تبرز جميلة بوحيرد رمزا صارخا لما واجهته المرأة الجزائرية في الجزائر من شناعات التعذيب بالأجهزة الكهربائية وغيرها من ألوان وأساليب...تناولتها وسائل الأعلام في الغرب نفسه. كما أن التضحية بفلذات الأكباد وبشريك الحياة ة بالممتلكات هي أيضا شارات بطولة وفداء في رصيد المرأة العربية في الجزائر»، لذلك نجد جمعا غفيرا من الشعراء تغنوا ببطولاتهن وتضحياتهن.

فالثورة التحريرية قد تجاوزت النظرة المطالبية لتحرير المرأة و الرجل ككل، بل أعطت المرأة دورا ووظيفة فعالة.فكلفت بأعمال تتجاوز طبيعتها البيولوجية، فقد مارست أعمالا كثيرة في صفوف جيش التحرير بعدما تكون قد تدربت على استعمال السلاح، وعلى علاج المرضى و الجرحى، وتهتم أيضا بشؤون الإدارة كمساعدة كاتب القيادة، وتشتغل بالكتابة على الآلة الراقنة إعداد المنشورات والأوراق والدعايات، وايصال الإشتراكات أو كتاية التقارير و القوانين العسكرية،وتلقي المجاهدة المثقفة دروسا للتوعية السياسية.

  أما الفدائية في المدن فإنها تنفذ عملياتها وسط السكان بدون أن ترتدي الزي العسكري، والملاحظ هنا أن المكلفات بهذه العمليات كن يتصفن بالشجاعة الفائقة و طول النفس والصبر المنقطع حيث تضعن القنابل في المقاهي و مراكز تجمع العدو في المدن،وفي وضح النهار.ويلقى القبض على هذا النوع من النساء المجاهدات،ويبذل المستعمر قصارى جهده لتشويه أجسادهن وانتهاك أعراضهن، من أجل الحصول على معلومات منهن، وبعد أن ييأس في ذلك يحكم على بعضهم بالإعدام و البعض الآخر بالسجن.

في حين تقوم المرأة المسبلة بأعمال عديدة كالاتصال بين الشعب و الفدائيين من جهة وقيادات الثورة من جهة ثانية،كما تعمل على حراسة المجاهدين وتأمين ملاذهم ونقاط عبورهم،ويظهر هذا الدور بفاعلية قصوى عندا لجأت فرنسا إلى خطة تجميع السكان في المحتشدات بهدف عزل الثورة عن الشعب،حيث تصدت قيادة الثورة لذلك بتجنيد النساء لهذه المهمة،فاستطاعت أن تربط الاتصال بجيش التحرير.

ولعلّ من ضمن الإصدارات الأدبية التي عالجت هذا الموضوع قي وقته أي أثناء الثورة التحريرية، قصة لأحد الجزائريين يعبر من خلالها عن مساهمة المرأة الجزائرية في حرب التحرير، لاسيما لما انتقلت الثورة من الجبل إلى المدن، أين ظهر الدور الكبير للفدائيين والمسبلين،كان من بينهم المرأة الجزائرية. حيث يبدأ قصته بتقديم الشكر والثناء لهؤلاء النساء قائلا:( إلى تلك التي وقفت إلى جانب الرجل لتدافع عن حياض وطنه،إلى جميلة وأمثال جميلة بوحيرد من النساء العربيات،أهدي هذه القصة.).

ثم ينتقل إلى سرد وقائع القصة التي تدور حول شابة جزائرية في العشرين، فضلت الدخول إلى صفوف الجيش التحرير بدل مواصلة الدراسة،وذلك بعد الظروف المضطربة التي أصبحت تعيشها مدن الجزائر نتيجة التصعيد الثوري فيذكر: "ولكن البارود ورائحة الحريق قد انتشرت اليوم في كل مكان.يستطيع السواح الأجانب إذا أتيح لهم أن يزوروا وطني في هذه الظروف،أن يتحدث عن الجثث التي تتساقط في الشوارع من غير أن تجد من يدفنها...ويستطيعوا أن يشاهدا هجوم المظليين غلى حينا،حي القصبة، بأمر الجنرال"ماسو".ورغم هده الظروف فينبغي لي أن أفكر في أمر مستقبلي كسائر اللواتي بلغن سن العشرين... كيف يمكن لي أن أتقدم إلى فحص الجامعة في هذه الظروف المضطربة؟كيف يمكن التفكير في مواصلة الدراسة؟وأنا لا أمن على نفسي أن يتعدى علي المظليون في طريقي إلى الجامعة؟كيف يلذ لي أن أجلس على كرسي الدراسة،و أنا اعم بعض زملاتي،و لا أتحدث عن الزملاء قد هجرن مقاعد الدراسة،والتحقن بجيش التحرير.

 ثم ينتقل لاستعراض طرق أخرى لنضال الجزائريات في الجامعات والمدارس،إذ يبين نداء الثورة لهجر مقاعد الدراسة،والقيام بالمظاهرات والمسيرات دعما للثورة في المدن فيقول:(...فقد قرر الإتحاد العام للطلبة الجزائريين الإضراب عن الدراسة إلى أجل غير مسمى...وقرأنا بيان الإتحاد العام،وسرى الحماس بيننا،وغي مدى ربع ساعة وصل الخبر في كل مكان،وكانت المناشير تتناقلها أيدي زميلاتنا الفرنسيات في شيء من الدهشة والاستغراب وغير قليل من الوجوم، أما نحن فقد كنا ندخل غرفة الإدارة،وقاعات المحاضرات وكنا لصق البيان على الجدران. ورنّ الجرس بداية الدرس,تزاحم الطلبة الفرنسييون على القاعات.أما نحن فقد سلكنا طريقا آخر،فخرجنا في مظاهرة عبر الشوارع،نعبر ذلك الصباح عن مشاعرنا بالهتفات والأناشيد.).

وفي سنة 1958م نجد الصحافة العربية قد غصت بالقصائد التي تخص موضوع رموز الثورة الجزائرية،و كان محور هذه الموضوعات حادثة إلقاء القبض على المجاهدة"جميلة بوحيرد"حيث سال بشأنها حبر كثير، وقيل فيها أكثر من ثماني قصائد من مختلف ربوع الوطن العربي، وضع لبعضها تقديما مختصرا مؤثرا من حيث جاء في إحداها.

( عندما تلي حكم الإعدام على مناضلة الجزائرية "جميلة بوحيرد" أغرقت في الضحك..فانفجر رئيس المحكمة صارخا"لا تضحكي؟فالأمر خطير...)،  وفي أخرى كتبت إحدى المجلات:

(كتبت هذه القصيدة مساء الخميس 07 مارس1958..وكان قد حدد يوم الجمعة التالي لإعدام المجاهدة الجزائرية جميلة..و لقد انتصرت الإنسانية على هذا اليوم فانتصرت بذلك غلى أحد أيام الجميع الحزينة التي تنتظرها في الطريق إلى حياة لأفضل).

وفي تقديم قصيدة أخرى:(إلى البطلة العربية جميلة بوحيرد التي كانت تنتظر الموت على أيدي الفرنسيين...رسل الحضارة الأروبية..).

 وفي تقديم قصيدة أخرى كتب التقديم التالي:

(في صباح أول يوم من العام الجديد ستشرق أول ذرة مشمسة دون أن تلامس عيون جميلة.).

و ما يكن الإشارة إليه هنا، هو المتابعة الدقيقة لقضية "جميلة بوحيرد"من قبل الشعراء العرب،إذ أن تناولهم للموضوع ليس بالسطحية التي من الممكن أن تكون لدى الشاعر قد يقول أبياتا في قضية ما بعيدة عنه أو حتى لم يعشها، وإنما ذكر هؤلاء الشعراء حتى التفاصيل الدقيقة أثناء التعذيب،وحتى وصف جمالة في حد ذاتها،بالرغم من بعد المسافات  وعدم مقابلة جميلة شخصيا،إنما تعاطفهم بل تبنيهم لقضيتها على أساس أنها جزء منهم جعلهم يبدعون في وصفها وتصويرها،وهذا إن دل على شيئ فإنما يدل على تأثر هؤلاء الشعراء و من ثمة العرب ككل بقضايا الثورة الجزائرية و برموزها المجاهدين والشهداء.

لقد اندمج الشاعر ضمن قوى لعله أصبح يعتقد أنها تعمل على تغيير المجتمع،فوجد نفسه مدفوعا إلى ملاحقة الأحداث والتعبير السريع عن تقلبات الواقع،مما طبع نتاجه الغزير بطابع الشكل البسيط  والتعبير المباشر،غير أن هذا الوضع الجديد لم يمنعه من التأني في بعض شعره وتطوير البعض الآخر  سواء على صورة نماذج أو رموز أو أبنية شعرية, لذلك يمكن تصنيف نتاج هذه المرحلة من حيث الشكل إلى قصائد ونماذج ومطولات،ثم تقسم هذه الأصناف بعد ذلك بحسب موضوعها، فمن السهل مثلا أن نرى كيف تنقسم القصائد إلى شعر سياسي و شعر ذاتي يصف معاناة الشاعر في منافيه المتعددة، وهذه الطواعية هي التي أجازت لنا أن نستل من الدواوين التي أصدرها الشاعر بعد هذه المرحلة،ما يلحق بهذا التقسيم من القصائد، لكي نتمكن من استقصاء تأثير هذه المرحلة على الشاعر من جهة، ونتابع تطوره الفني من خلالها أولا ثم بعد أن تجاوزها،من جهة  لكي  نتمكن من التمييز بوضوح بين المراحل،ونستخلص الرؤيا بأوضح مراحلها:

-1شعر الكفاح السياسي في قصائد المرحلة التالية:

ثمة قصائد سياسية تتابع حركة التاريخ على أرض الواقع.كالقصائد التي تحدث بها البياتي عن صمود سوريا ضد حلف بغداد (عيناي في عينيك،يا وطن العقيدة والكفاح/ والنار في قلبي،و في يدي السلاح، وتحدث عنها مرة أخرى اثر مساندتها لمصر خلال العدوان الثلاثي(آه،لو تنفجر الأحرف بركان قصائد) وشعر بأنه (كانت الأحرف في نفسي تناضل)، كذلك مجد مقاومة بورسعيد،ورآها(شامخة كالنار/كالإعصار في أوجه اللصوص،لصوص أوربا من التجار)، كما أنشد أغنية انتصار إلى مراكش و الجزائر فقد غنى (للعيون المغربية/في الخيام العربية)..وقال ان ايلوار صديقه لكن اعداءه( الفاشست عادوا من جديد/ يصنعون الليل والمأساة في الفجر الوليد). فهذه قصائد ترتكز على فكرة بسيطة،وايقاع جامد أشبه بايقاع السجع .و لا تخرج عن هذه الحيز قصائده عن جميلة بوحيرد،  او ماوتسي تونغ، وان كانت القصيدة الأخيرة نتفتح على بانوراما مستقبلية رائعة (لم يبق إلا ساعتين/ ويطلع الفجر العظيم/من المصابح والعقول/ ومن دموع الأمهات).أما قصيدته عن جميلة فتنطوي على سخرية قاتلة بالضجة الشعرية المفتعلة التي ثارت في العالم العربي اثر اعتقال جميلة،فلم يبق شاعر لم يكتب في المناسبة،وقد رأى البياتي في هذه الضجة عملية تعذيب تضاهي تعذيب الفرنسيين للمناظة البطلة،فعنون قصيدته المسيح الذي أعاد صلبه-إلى جميلة بوحيرد" وخاطبها في المطلع(كل ما قلوه كذب وهراء/اللصوص، الشعراء/الحواة الأغبياء/انني احسست بالعار لدى كل قصيدة/نظموها فيك يا أختي الشهيدة) ويقول في القصيدة انه ثائر وليس شاعر يتغنى بعذاب البشرية:ان طعم الدم في صوتي وفي أبيات أشعاري الشقية/مثل سد يقف الليلة ما بيني وبين البربرية).وهذا الموقف المزدوج يمنح القصيدة نكهة خاصة.وإذا كانت قصيدته في جميلة تعود إلى عام 1959،فإن له قصيدة هي درة نتاجه من هذا الصنف في هذه المرحلة،وتعود إلى عام 1956-1957 عنوانها الموت في الظهيرة وهي عن العربي ين مهيدي الوعيم الوطني الذي قتله البرابرة الفرنسييون في زنزانته في السجن.

 المرثية تطفح بمعان عربية إسلامية لا تتكرر في شعره في تلك المرحلة، فالشعور الديني،كاطار حضاري، ينتشر بالاندفاع الثوري، وعذابات الشهادة، برؤيا انبعاث الجزائر التي لا تنتهي بانتهاء القصيدة وإنما تنتقل إلى نفس القارئ أو تنقله إلى الصيرورة التاريخية، فالشهيد(كان يعلم أنه لا بد هالك/ وستبقى بعده الشمس هنالك/ في ليالي بعثها.شمس الجزائر/تلد الثائر في أعقاب ثائر).فالتضحية لم تذهب سدى، ما دامت الثورة مستمرة. أما الذي ذهب فهو بربرية الغزاة الذين هاجموا حضارة تستعصي على التدمير:

قمر أسود في نافذة السجن،وليل

و حمامات وقرآن وطفل

أخضر العينين يتلو

سورة النصر، وقل

من حقول النور، من أفق جديد

قطفته يد قديس شهيد

يد قديس ثائر

و لدته في ليالي بعثها شمس الجزائر

 

وظيفة الرّمز عند البياتي:

يعوّل الشاعر المعاصر كثيرا على الرّمز، فهو مطيّته وتجربته تجاه الحياة، ونجاح الرّمز عند شاعر ما موقوف على مدى ارتباطه بالواقع، يقول عز الدين اسماعيل:" مهما تكن الرموز التي يستخدمها الشاعر ضاربة بجذورها في التاريخ ... لا بد أن تكون مرتبطة بالحاضر، بالتجربة الحالية "[7]، فتوظيف الرمز توظيفا فنيا ناجحا يتفق والتجربة الشعرية التي يعالجها المبدع[8]، لكي تسهم في إثراء القصيدة ، وتعزز تأثيرها، فالفكرة التي قد تبدو مسطحة وعادية، وقد يتبدل حالها عند صياغتها صياغة رامزة موحية، فتكسب أبعادا وأغوارا لم تكن متوافرة من قبل، وهذا ما يجعل الرمز" وسيلة إيحائية من أبرز وسائل التصوير الشعرية"[9]، وقد تهيأ الظرف الملائم لتحتل مكانة أساسية مهمة ضمن وسائل بناء القصيدة الحديثة بعد أن ابتدعها الشاعر المعاصر، عبر سعيه الدائب وراء اكتشاف وسائل تعبيرية لغوية، يبغي من ورائها إثر لغته الشعرية، مدفوعا بتيار التقاليد الشعرية الحديث في دعوته إلى استلهام الموروث الثقافي والحضاري، وموضعة الأعمال الأدبية، مما جعل عبد الوهاب البياتي يقول : اعتقد أنني حققتُ ما كنت أطمح أن أحققه، فمن خلال الأسطورة و الرمز ... عبرتُ عن سنوات الرعب والنفي والانتظار التي عاشتها الإنسانية عامة، الأمة العربية خاصة"[10].

فالتعامل مع الصّور على وفق إبداعات الآخرين لا يتيح إمكانية إحداث علاقات بين شيئين يظهر قرانهما توافق مظاهر الحياة وانسجامها، لا تبرز من خلال تشبيهات أو استعارات معادة مألوفة لا تثير الدهشة والانبهار ولا يغنيها تعاقب الصفات ورصدها بشكل ترتيبي، وإنّما في قدرتها على اختراق آفاق جديدة تسمو باللغة إلى درجات يميّزها اللامنتمي[11].

و البياتي عاش مثقلا بكل هذه الهموم والمشاغل، وكان يشعر بأن " العالم منفي في داخل منفى والناس رهائن"[12] ، وقد طوّف في الأزقة طفلا وكهلا، وتنصّت إلى وعيد الحلاج، وهو يساق إلى الصلب، وسمع المتنبي وهو يُتمتم بأبياته النارية مشعلا الحرائق في كل مكان، في وجه الساسة المحترفين الذين أطبقوا " على العالم منذ فجر الإنسانية الأولى، ولا يزالون يمارسون لعبتهم"[13]، ولكل ذلك اشتد في البحث عن أسلوب شعري جديد، لم يجده في الشعر العربي القديم ، يمكنه من التوفيق "بين ما يموت ومالا يموت، بين المتناهي واللامتناهي، بين الحاضر وتجاوز الحاضر[14].

ويوظف الشاعر البياتي موضوع حبّه للطفولة كرمز لاستعادة الخبرة البدائية للانسان  "التي تتميّز بحياة اجتماعية بسيطة مشتركة"، والشاعر يحمل أبدا في داخله بساطة ونقاء وبراءة الطفولة التي هي من جهة نظر البياتي شرط لازم لتحقيق الانتصار على المرض والشيخوخة والفقر، أو كما يقول السيّد المسيح"إن لم ترجعوا أطفالا فلن تدخلوا ملكوت السماوات"، إنّ مفهوم نقل"بساطة الطفولة إلى قوة الرجولة "[15]، واضح تماما في كتابه الذي يتحدث عن تجربته الشعرية ، يقول البياتي:"لقد كان الموت عدوا لهذا الطفل الذي يحمل مدينة الشاعر- التي سفح على أسوارها كثيرا من الدموع... إنّ الطفولة والفن ووجه الانسان يبشّر بالثورة في هذا  العالم ضدّ الذلّ الكوني والشروط الاجتماعية والسياسية" [16].

وتشكّل صورة الطفل الثوري الذي هو نقيض للموت وانتصار عليه الموتيف- الرمز الذي يتكررّ  في العديد من قصائده- ففي قصيدة الموت في الظهيرة، يصور البياتي العربي بن مهيدي الذي قتله البراربرة في زنزانته في السجن ثائرا شهيدا وطفلا مناظلا ولدته شمس الجزائر أيام بعثها من الريح والأرض والحنين إلى الطفولة.

الإيقاع في القصيدة:

دأب شعراء الحداثة على الإكثار من استخدام الرمز، بكيفيات مختلفة، في نتاجاتهم الشعرية، في محاولة منهم لإخراج القصيدة من الجفاف والجمود الذي أصابها، في بعض مراحل تطورها.

ولا يكفي خروج الشاعر الحديث عن الوزن والقافية، ليحقق ما يصبو إليه من تطوير قصيدته وتحديثها، إذا لم يصاحب ذلك تغيير في الرؤيا والأسلوب معا، ومن ثم تغيير في الوسائل والأدوات، لا بالاستغناء عن لغة الشعر الأولى، وإنّما بتطوير مفرداتها، دلاليا وإيحائيا، وتطوير أساليب التعامل معها.

والخطاب الأدبي، وبخاصة الخطاب الشعري، خطاب رمزي في الاعتبار الأول[17]، إذ "يمكن القول إن كل عمل أدبي، مهما كانت قيمته أو مدى تماسكه، يشتمل على مدلول رمزي"[18] ، يساعد على توصيل ما أراده المبدع أو يومئ إليه، فيكون بذلك رافدا مهما في إغناء التجربة وتماسك القصيدة، ولا يقتصر جهد الشاعر الحديث على توظيف الرموز العامة، بشتى أنواعها، وعلى اختلاف مصادرها، بل يتعداها- في بحث مستمر- إلى رموز أخرى، يخترعها أو ينتزعها من واقعها التاريخي أو المعاصر.

الإيقاع الهادئ المستمر في قصيدة البياتي"الموت في الظهيرة"، وتوالي حالات العطف فيها، يعطيان شعورا مدوخا تنبلج من خلاله التقابلات بين القمر الأسود، وحقول النور، بين الليل والأفق الجديد، والإيقاع ينبثق من هذا الإطار مع الطفل الأخضر العينين و الحمامات الوديعة و تلاوة سورة النصر، لينطوي كل ذلك متخمضا عن ولادة قديس وثائر.في المقطع الثاني نشاهد الطفل قد استحال ظلا على الجدار أما القمر الأسود فيعمل في الليل على مسح آثار الجريمة. والمقطع الثالث يذكر أن الرجل كان في السجن يحلم ويتألم لكنه صامت تجاه مصيره لأنه يعلم أن ثوارا آخرين سيحلون محله، فلا أسف و لا جزع في نفسه تجاه موته هذا العبور من خلال الموت يحيل الفرد إلى نموذج بدئي يتغلغل في ضمير الأمة- لكن الفكرة التي تشير بها القصيدة لا تطل مرة أخرى إلا في المرحلة القادمة، وبذلك تكون القصيدة إرهاصا مبكرا جدا لمرحلة تالية.   

 ويربط البياتي بين المعاناة والتجربة، فالشعر "معاناة ولا يمكن للقارئ أن يتذوق هذه القصيدة أو تلك، إلا إذا كان قد عانى التجارب الموجودة فيها "[19]، وحتى تكون قارئا جيدا في نظر البياتي عليك أن تعانى تجربة الكتابة الشعرية، وتكتوى بلهيب عذاباتها وأن يكون لك حس فني تتخذ منه جوازا نقديا للإبحار في الذاكرة الجمالية لعالم النص الشعري [20].

لقد كانت موضوعات الشعر العراقي الذي تناول الثورة الجزائرية بضاعة مزجاة، حيث جمعت بين الحديث عن قوّة الثورة، وبطولات الثّوار، و أمجاد جيش التحرير وما خاضه من معاركة مضفّرة، وتشجيع الجزائريين على المضيّ قدما لنيل حريّاتهم والتّنعّم بالاستقلال، كما سجّلت أسماء بارزة في سماء الثورة، ومن يقرأ للبياتي يجده يذكّر دوما ببطولات الشهيد العربي بن مهيدي، ونضال جميلة بوحيرد، وهو ما نلمسه في أكثر من ديوان.[ينظر مثلا ديوانه«كلمات لا تموت» حين استعاد في قصيدته «المسيح الذي أعيد صلبه» التي كتبها في دمشق بطولات جميلة بوحيرد، أوقصيدته «قمر أسود» التي يصوّر فيها رمز الشهادة عند العربي بن مهيدي].

وبهذا يبقى أدب النضال يؤدي دوره الفعال في بث الروح الثورة في الأمة وبث الثقة في طاقاتها. إذ تجد كلّ ثورة نفسها ملزمة بإيجاد صوت من الأصوات يعبّر عنها، ويدعو لها ويحرض الشعب على الكفاح المسلح ويقوي إيمانه بالنصر، لذلك نجد هذا الأدب غزير المادة، وأكثر تأثيرا، وأقرب مكانا من النفوس والشعوب، يقول الشاعر المناضل الراحل مفدي زكريا في ديوانه "اللهب المقدس": "لم أعن في اللهب المقدس بالفن والصناعة. عنايتي بالتعبئة الثورية وتصوير وجه الجزائر الحقيقي بريشة من عروق قلبي غمستها في جراحاته المطلوبة" [21].

 

قائمة المصادر و المراجع:

المصادر :

01-  عبد الوهاب البياتي: الأعمال الكاملة- دار العودة- بيروت- ط01- 1971م- ج02.

02-   عبد الوهاب البياتي: تجربتي الشعرية- ملحق بالديوان- دار العودة- بيروت- 1972.

03-  عبد الوهاب البياتي، الديوان- دار العودة- بيروت- ط01- 1971م- ج02.

04-  عبد الوهاب البياتي: في جهاد فاضل- أسئلة الشعر- حوارات مع الشعراء العرب- الدار العربية للكتاب- القاهرة، ط1- 1994م.

05-  عبد الوهاب البياتي: وردة المستحيل- مجلة العربي- العدد 472- مارس1998.

المراجع :

01- بركات، أنيسة: أدب النضال في الجزائر من سنة 1954م حتى الاستقلال، رسالة دكتوراه في الأداب، جامعة الجزائرك المكتبة الجامعية بالجزائر74/1973م.

02- تاوريريت، بشير: الشعرية والحداثة بين أفق النقد الأدبي وأفق النظرية الشعرية- دار رسلان للطباعة والنشر والتوزيع-  دمشق- ط2010 .

03- رزق، خليل: شعر عبد الوهاب البياتي في دراسة أسلوبية- مؤسسة الأشرف- بيروت- ط01، 1995م.

04- سعدي، عثمان :الثورة الجزائرية في الشعر العراقي- المكتبة الوطنية- بغداد- 1981م- القسم الثاني.

05- شلتاع، عبود شراد: تطور الشعر العربي الحديث- دار مجدلاوي للنشر- ط1- 1998م.

06- صبحي، محي الدين: الرؤيا في الشعر البياتي - عالم الكتب- القاهرة- ط01- 2004م.

07- طويلي، ممد: الثورة الجزائرية وصداها في العالم، الملتقى الدولي الجزائري، 24-28 نوفمبر، 1984م، المركز الوطني للدراسات التاريخية .

08- عشري زائد، علي: عن بناء القصيدة العربية الحديثة- مكتبة دار العروبة- الكويت- 1981.

09- عزالدين، إسماعيل: الشعر العربي المعاصر- دار العودة- بيروت، ط3- 1981م-.

10- عقاق قادة: الكلمة الشعرية ذات المنحى الثوري والبعد التحريري في الشعر الجزائري الحديث - مجلّة الآداب والعلوم الانسانية- جامعة سيدي بلعباس- الجزائر- العدد 03، أبريل 2004م.

11- العلاق، علي جعفر: الشاعر العربي الحديث، رموزه وأساطيره الشخصية، الشعر العربي عند نهايات القرن العشرين، مهرجان المربد التاسع.

12- كندي، محمد علي: الرمز والقناع في الشعر العربي الحديث( السياب ونازك والبياتي)- دار الكتاب الجديد المتحدة- لبنان- ط1- 2003م.

13- مفدي، زكريا: اللّهب المقدّس- المؤسسة الوطنية للكتاب- ط01- 1986م..

14- منصور، عبد الوهاب: الصورة الشعرية في ديوان أطلس المعجزات: - مجلّة الآداب والعلوم الانسانية- جامعة سيدي بلعباس- الجزائر- العدد 03، أبريل 2004م.

 



[1] - ينظر مقال: الكلمة الشعرية ذات المنحى الثوري والبعد التحريري في الشعر الجزائري الحديث: عقاق قادة- مجلّة الآداب والعلوم الانسانية- جامعة سيدي بلعباس- الجزائر- العدد 03، أبريل 2004م. ص 65.

[2] - الثورة الجزائرية وصداها في العالم، الملتقى الدولي الجزائري، 24-28 نوفمبر، 1984م، المركز الوطني للدراسات التاريخية تحت إشراف: محمد طويلي- ص 72.

[3] - أنيسة بركات: أدب النضال في الجزائر من سنة 1954م حتى الاستقلال، رسالة دكتوراه في الأداب، جامعة الجزائرك المكتبة الجامعية بالجزائر74/1973م- ص72.

[4] - شلتاع عبود شراد: تطور الشعر العربي الحديث- دار مجدلاوي للنشر- ط1- 1998م- ص262 .

[5] - عثمان سعدي :الثورة الجزائرية في الشعر العراقي- المكتبة الوطنية- بغداد- 1981م- القسم الثاني.

[6] - -الرؤيا في الشعر البياتي:محي الدين صبحي- عالم الكتب- القاهرة- ط01- 2004م- ص58-59.

[7] - عزالدين إسماعيل: الشعر العربي المعاصر- دار العودة- بيروت، ط3- 1981م- ص199.

[8] - محمد علي كندي: الرمز والقناع في الشعر العربي الحديث( السياب ونازك والبياتي)- دار الكتاب الجديد المتحدة- لبنان- ط1- 2003م- ص 58.

[9] - علي عشري زائد: عن بناء القصيدة العربية الحديثة- مكتبة دار العروبة- الكويت- 1981- ص 110.

[10] - عبد الوهاب البياتي: تجربتي الشعرية- ملحق بالديوان- دار العودة- بيروت- 1972- ص 42.

[11] - ينظر مقال: الصورة الشعرية في ديوان أطلس المعجزات:  منصور عبد الوهاب- مجلّة الآداب والعلوم الانسانية- جامعة سيدي بلعباس- الجزائر- العدد 03، أبريل 2004م. ص 61.

[12] - عبد الوهاب البياتي: وردة المستحيل- مجلة العربي- العدد 472- مارس1998- ص 90.

[13] - المصدر نفسه- ص 90.

[14] - عبد الوهاب البياتي، تجربتي الشعرية، ص:36.

[15] - خليل رزق: شعر عبد الوهاب البياتي في دراسة أسلوبية- مؤسسة الأشرف- بيروت- ط01، 1995م، ص 120.

[16] - عبد الوهاب البياتي، الديوان- دار العودة- بيروت- ط01- 1971م- ج02، ص 453، 455.

[17] - محمد علي كندي: الرمز والقناع في الشعر العربي الحديث( السياب ونازك والبياتي)- ص 233.

[18] - علي جعفر العلاق: الشاعر العربي الحديث، رموزه وأساطيره الشخصية، الشعر العربي عند نهايات القرن العشرين، مهرجان المربد التاسع، ص:75.

[19] - بشير تاوريريت: الشعرية والحداثة بين أفق النقد الأدبي وأفق النظرية الشعرية- دار رسلان للطباعة والنشر والتوزيع-  دمشق- ط2010 – ص 109.

[20] - عبد الوهاب البياتي: في جهاد فاضل- أسئلة الشعر- حوارات مع الشعراء العرب- الدار العربية للكتاب- القاهرة، ط1- 1994م- ص 18.

[21] - ينظر: اللّهب المقدّس- المؤسسة الوطنية للكتاب- ط01- 1986م.- ص 02.

 

Télécharger l'article