إيقاع الثورة و أفق التصالح مع التاريخ

ذاكرة الجسد لأحلام مستغانمي انموذجا

 

الأخضر ابن السايح

جامعة عمار ثليجي الأغواط

                              

نبض الثورة و سخونة الذكرى المسترجعة ، تحوّلت إلى مادّة سرديّة  ، نتيجة للاحتكاك و التفاعل بين التاريخ الجسد و المكان ، و حدود التوازي و التقاطع دفع الذاكرة التاريخية إلى فضاء الكتابة ، و تحوّلت الثورة إلى مادّة دسمة ، ساهمت في سعة المشهد السردي ، و حجمه التراكمي في الإنتاج الإبداعي ، و لعلّ سرد أحلام مستغانمي هو تماهي الذات مع أشياء الثورة الجزائرية و تفاصيلها .

فالكاتبة كتبت بإيقاع الثورة ، سواء على مستوى التقابل الحاصل بين الجسد كذات نصانية و الثورة بقرائنها و تأثيثاتها المشهدية ، كما كتبت الجسد بتحولاته الشعريّة و الثورة بدلالاتها الحسّية و الترميزية .

فكانت الثورة الجزائرية ...... رؤية و  سؤال ، كما تحوّلت إلى سلطة بثقلها الثقافي و المعرفي و التاريخي .

من هنا كانت رواية ذاكرة الجسد خطاب ثوري بامتياز يعتمد على الذات و الذاكرة و مخزونها التاريخي الدفين المغلّف بالكثير من الحميمية ، كسّرت فيها الكاتبة جدار الصمت بمساِءلة العوالم الدفينة و تعريتها و محاورتها و تجاوزها بلغة إبداعية طافحة بالشعرية ، وصلت بها إلى المناطق الغامضة و المظلمة في الذات الإنسانية عن طريق الحفر و النبش المستمر لاستخراج مكنون النفس ، حيث تنفجر طاقة الذات الداخلية مشعّة معريّة و فاضحة لكل الزّيف الخارجي .

ذاكرة الجسد خطاب مركّب يمزج بين حكي الحدث الآني و الحدث المسترجع من الذاكرة في وقت واحد من خلال تكثيف المعنى واقتصاد مركّزا في القول و الفعل .

من هنا كان البحث حول موقع الثورة الجزائرية كنص يؤسّس للمشهد الإبداعي ، كما كنّا نبحث عن تيمة الثورة بدلالاتها المنفتحة على النص ، و بلاغة الثورة و مساهمتها في تشييد عالم الرواية ، و باختصار كنا نبحث عن فعل الثورة ، فهي ليست ماض مكتمل بقدر ما هي حياة تتخلّق في رحم السرد .        

 

الأبعاد الرمزية للثورة:

 لما كانت الرمزية تنظر إلى العالم الحسّي بكثير من القلق و التوجس فلا تلمح منه إلا رسوما أو أصداء لعالم آخر غير منظور ، تكمن فيه الحقيقة الجوهرية لعالم الإنسان   [1]« فكل فكرة مجردة معاد لها في الحقائق الحسية و من هنا يكمن دور الأديب في الربط الفني الدقيق بين العالمين الحسي والمجرد وجاء الرمز لاستجلاء المجهول القابع وراء عالم الحس أو داخل دواتنا ،و لا نصل إلى ذلك باللغة المألوفة و الكلمة المباشرة بل من المعاني و الصور و الدلالات و المشاعر التي تصاحب ذلك » و لذلك فقد عمد الرمز يون إلى نمط من الكلمات و الاستعارات و التشابه و ما يقابلها من معاني ودلالات يحققون من خلالها إيحاءاتهم و إشاراتهم، فالكلمة الموحية أشبه بالصدى الذي ينبعث من صوت آخر يختفي وراءه [2]« .

و لذا استعانت أحلام مستغانمي بالرمز  " فالثورة التحريرية صدى لأبعاد رمزية أخرى خلقتها الحالة النفسية المتأزمة للكاتبة فامتزجت بالثورة وبتلريخها امتزاجا عضوياَ و أصبحت الثورة الجزائرية تحمل أبعاداً متعددة  تعامــــلت معها الكاتبة من واقعها الشخصي و القومي و السياسي وأصابت درجة عاليه من الصدق الفنّي و سّر هذا الصدق و الجودة مبعثه الانفعال الوجداني بين الداخل الجانب النفسي و الخارج الواقع المحسوس و من هنا ظهرت " الثورة" كأم و كحبيبة و كوطن و كامرأة مثلما حملت أبعادا سياسية و إيديولوجية سنتطرق إليها بالتفصيل .

 

2/1 الثورة / المرأة الأم و الحبيبة :

تحمل  المدينة الثورة الجزلئرية  أبعاداً رمزية  نلمس فيها المرأة مثلما نجدها الأم الحبيبة و كل ذلك يأتي على لسان الراوي المجاهد" خالد بن طوبال " فحياةً / المرأة هي الثورة التي رباها صغيراً و كان شاهداً على ولادتها و هاهو يتحمل أعباء حبُه كبيراً ،و حياة هي استخدام رمزي للجزائرولثورتها التي ولدت بفضل قوافل الشهداء و المجاهدين و هاهو شاهد على حياتها بعد أن كبرت و نضجت و أصبحت مغرية و شهية .

يقول خالد./ كنت أتدحرج يوماً بعد آخر نحو هاوية حبك ، أصطدم بالحجارة و الصخور ، و كل ما في طريقي من مستحيلات و لكنني كنت أحبك /[3] و يزداد حب هذا الرجل لهذه المرأة الثورة التي تحمل كل صفات الوطن و تضاريسه  .

 

…./ أي امرأة فيك هي التي أوقعتني /[4]   و حياة المرأة,,الثورة والوطن لا تحمل صفة المرأة الواحدة بل ملامح كل النساء اللواتي ينتمين إلى مكان واحد أو هي " الثورة " و الجزائر ككل. هذا ما يجعلً حياةً تنتقل بالتدريج من صفة المرأة إلىالثورة المدينة .

يقول خالد/ لم تكوني امرأة كنت مدينة .

مدينة بنساء متناقضات .مختلفات في أعمارهن وفي ملامحهن في ثيابهن وفي عطرهن .في خجلهن وفي جرأتهن .نساء من قبل جيل أمي إلى أيامك أنت

نساء كلهن أنت   [5]/  .

هنا يتحّول رمز المرأة إلى المدينة باعتبار " حياة " جزءا لا يتجزأ من هذه المدينة تحمل ملامحها و صفاتها بل تعتبر امتدادا لهذا المكان تحمل حفرياته .و تعتمد " أحلام مستغانمي " في إبراز تلك الجزئيات على مقدرتها البالغة في تمثيل أوجه الثورة و ظواهرها المادية المختلفة، و ربطت بين مشاعرها الحزينة ووضع المدينة البائس.  و قد اعتمدت الكاتبة على أنثوية المكان حين ربطت بين المرأة الثورة و المدينة قصد تغيير الدلالة عن طريق كسر النمط المنطقي بالجمع بين الأضداد عند تشكيل الصورة. فهذه المرأة تحمل صفات مجسدة في نساء قسنطينة و لذا ليس غريبا أن تكون الثورة هي المدينة والجزا ئر بحالها .

و التلاعب بالدلالة عن طريق الرمز والإيحاء يدفع القارئ لتشغيل طاقته و إعمال فكره في تتبع احتمالات الدلالة الهاربة بغية اصطياد ما يتراءى له منها .يقول خالد/ كنت أشهد تحولك التدريجي إلى مدينة تسكنني منذ الأزل . كنت أشهد تغيٌرك المفاجئ و أنت تأخذين يوماً بعد يوم شكل أمي تزورين أوليائها ، تتعطرين ببخورها ، ترتدين قندورة عنابي من القطيفة في لون ثياب (أما) تمشين و تدورين على جسورها ، فأكاد أسمع وقع خلاخلك الذهبي يرن في كهوف الذاكرة . ، أكاد ألمح أثر الحناء على كعب قدميك المهيأتين للأعياد /[6] .

يقول – بوشوشة بن جمعة في كتابه  الرواية النسائية المغاربية »  إن المدينة / الفضاء تقترن بتجربة المرأة / الأنثى في بداية عشقها، فمظاهر معاناتها انتهاء بانكساراتها و هي بذلك تمثل فضاء التجربة و الخيبة و ما يصحبها من معاناة تنقلها الذكرى إلى أفق الكتابة و لعل هذا ما يعلل علاقة التنافر بين المرأة و هذا الفضاء الذي يمثل بؤرة معاناتها أنثى / و فردا حتى عندما تخرج من التسمية و تدخل في الترميز فتصبح هي الثورة المدينة / و الوطن و هو ما يجسده نص " ذاكرة الجسد " الذي تأخذ فيه المرأة / شاكلة المدينة قبل أن تتضخم أبعادها فتتخذ شكل الوطن « [7]  .

و من هنا فنحن لا نرى حب رجل لامرأة، إنما هو حب كياني،جمع بين المجاهدين وثورتهم حيث الهوية الوطن، التاريخ، الماضي، المستقبل، يستشف من خلال هذا الإسقاط على هذه المرأة الابنة، التي تحمل ملامح المدينة و تعكسها.

و المتأمل للمقطع السابق يلمس تناثر مفردات و علامات مكانية رمادية كالتضاريس ، والكهوف ، و المغارات و الأولياء فهذه المسحة الحزينة للأماكن التي تعكس الراوي تعبر عن الاختلاجات النفسية المضمرة. و إذا كان الفضاء النفسي ناسخا للفضاء الحسي في الكثير من الأحيان فإن الفضائين معا يتفاعلان و يتكاملان في هذه الرواية  .

و المتأمل لما ورد يجد أن " الثورة " هي المرأة التي أحبها خالد ووصل به الأمر إلى حد العشق و الجنون أحبها كامرأة و أحبها كحبيبة سكنت قلبه إلى الأبد .

و أحبها كأم لمس فيها الدفء و تبقى أنثوية المكان هي السائدة في هذه الرواية .

يقول خالد : مخاطبا " حياة الثورة والوطن/ هاهي المرأة المدينة " أكان يمكن أن أصمد طويل في وجه أنوثتك هاهي سنواتي الخمسون تلتهم شفتيك ، و هاهي الحمى تتنقل إلي ، و هاأنا أذوب أخيرا في قبلة قسنطينية المذاق ، جزائرية الارتباك /[8]   .إن الفضاء الذي تتحرك فيه هذه الرواية هو فضاء نفسي مونولوجي ناسخ للفضاء الثوري الذي ولدت الجزائر المستقلة من أرحامه يحمل سمة المرأة فكانت تلك الرغبة الأيروسية الجارفة لذلك المكان الأنثى ، و تلك المرأة المغرية بأنوثتها و عبق جسدها .

و يؤكد الكاتب بوشوشة بن جمعة في كتابه الرواية  النسائية المغاربية تلك العلاقة التي تربط المدينة الفضاء و المرأة الجسد في قوله : » إن أشكال الفضاء التي رسمتها الرواية النسائية المغاربية ، ذات التعبير العربي تكشف عن حقيقة رؤية المرأة / الكاتبة ، للجسد و تعاملها معه عند ممارسة فعل الإبداع ، فهي تتحدث عنه في الأغلب من وراء  حجب، تلتقي و المنظور الاجتماعي الذي يعد حديث المرأة عن ذاتها و خاصة جسدها من المحرمات و الموضوعات الممنوعة و المسكوت عنها ، و بذلك تمارس في كتابتها عن الجسد و حديثها عنه لعبة الإظهار و المكاشفة .

 مما يؤكد أنها لم تستطيع التحرر من ضوابط البيئة و ضغوط قيمـها و أعرافـها و لعل مثل هذه اللعبة هي التي تمنح للكتابة النسائية بعدها الدرامي و الجمالي « [9] .

و ما يلاحظ عند أحلام مستغانمي هو الرابط القوي بين فضاء الثورة المدينة الوطن و المرأة ،هذه العلاقة التي تطل عبر الحب الهوى ، و الشفة و الابتسامة الثنائية التوافقية التي تشمل المعلن و المخفي عن طريق التلميح دون التصريح ،مستعملة الرمز و الإيحاء .

يقول خالد : / على حافة العقل و الجنون في ذلك الحد الذي  تلغيـه العتمـــة و الفاصل بين الممكن و المستحيل .كنت أقترفك

كنت أرسم بشفتي حدود جسدك .

أرسم برجولتي حدود أنوثتك .

أرسم بيدي كل ما لا تصله الفرشاة

بيد واحدة كنت أحتضنك و أزرعك و أقطفك و أعريك و ألبسك و أغير تضاريس جسدك لتصبحي على مقاييسي.

يا امرأة على شاكلة وطن /[10]  .

و قد اعتمدت الكاتبة على إثارة الغرائز الجنسية بذلك الإيحاء و التلميح، الذي يجعلك أمام جسد أنثى مستخدمة الشفاه و الجسد و الاحتضان و الالتحام المعبر عن الشهوة العارمة التي تصل إلى حد الامتزاج بالآخر فالذوبان فيه ، فكذلك المكان الأليف يعيش فيه الإنسان و يموت في المكان نفسه هذا المكان الذي يتميز بالجاذبية ،كجاذبية جسد أنثى خالقة تلك الأيروسية التي تصل إلى حد الانفعال فالهيجان عن طريق إثارة مشاعر القارئ و المستمع .

»و هو ما يعني المدينة ، الجسد و طبيعة العلاقة القائمة بينهما في الكتابة الروائية النسائية في المغرب العربي ،فالمدينة فضاء هي حقل ممارسة المرأة تجربة الذات و الجماعة، توهم بحضور الجسد / الشكل / و اللذة المتغيبة في الواقع ، حيث يقدم من وراء حجب تجعل منه الصدى لا الصوت ،  الإطار لا  الصورة الاسم لا المسمٌى ، و ذلك في الكثير من الخجل و التعثر و الحرج مخافة خرق المحظور و ارتكاب المعصية، تحضر المرأة في المدينة...و كان الجسد الاستثناء هي سلطة الجسد الجماعي على الفردي و هيبة الفضاء العام على الفضاء الخاص و تأثير في المتخيل الروائي «[11]  .و إذا كان حضور الجسد كشيء محضور يتم من خلال عملية إسقاط على فضاءالثورة المدينة باعتبارهما كيانا حوى الكل في نظر الناقد بوشوشة بن جمعة فإن الجسد في حد ذاته هو سكن لهذا المكان يحمل تخومه و حفرياته التي تميزه عن غيره. فكذلك هذا المكان الأليف بالنسبة لخالد بن طوبال فقد ضحى في سبيله و فقد ذراعه من أجله و هاهو مستعد أن يفعل المزيد و يحبه برغبة جامحة مثيرة شبيهة بتلك الرغبة التي يثيرها جسد أنثى في مخيلة القارئ وعن طريق هذا النظام بين الدلالتين تحدث تلك الصورة المتخيلة التي تربط فضاء الثورة والوطن بفضاء الجسد في تلاحم يجمع النشوة و الحب في أسلوب مشوق » و بالتشويق وحده يتمكن المؤلف من جعل أسلوبه  نابضا بالحياة « [12]   .و قد استطاعت الكاتبة  أن تعتمد على أسلوب أنيق  يقرب بين مخارج الحروف على نسق يجمع بين المقاطع الشبـــه موسيقية مزاوجة بين الصدى و ترجيع الصدى » و لذلك يجب أن ننبه إلى أن اللغة العربية في ذاتها لغة موسيقية لألفاظها و أساليبها رنين و إيقاع «[13]  .خاصة حين يحسن استخدامها في حدود الكشف عن الأغوار النفسية الظاهرة منها و المضمرة ، خاصة أن ًخالد بن طوبال ًيعتمد على الذاكرة والتداعي النفسي في استرجاع الماضي و مقارنته بالحاضر ومن هنا يلعب الخيال دوره ، »و لما كان هذا الفن معتمدا على الخيال في التصوير كانت عباراته حاوية هذه الصور الخيالية من تشبيه و مجاز و استعارة و مبالغة و مقابلة ، لأن في كل صورة من هـذه ميزة لتقوية المعنـى أو تجسيده أو إلحاقه بما هو أقوى منه استجابة لقوة العاطفة و الانفعال. بيد أنه تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن البديع و الزينة اللفظية لا تحسنان إلا مع ثقافة واسعة و ذوق في اللغة رفيع و حس في الأدب رقيق «[14]   تميزت أحلام  مستغانمي به كما نلمس أنثوية المكان هي التي تطغى على النص / الأنثى المكان / المرأة ..الثورة,

فما هو خالد يخاطب حياة  الثورةالمرأة و الوطن ../ يا امرأة على شاكلة وطن

امنحيني فرصة بطولة أخرى دعيني بيد واحدة أغيّر مقاييسك للرجولة

و مقاييسك  للحب و مقاييسك للذّة، كم من الأيدي ، احتضنتك دون دفء . كم من الأيدي تتالت عليك وتركت أظافرها على عنقك ، و إمضائها أسفل جرحك

و أحبتك خطأ و آلمتك خطأ .

أحبّك السرّاق و القراصنة و قاطعو الطرق ، ولم تقطع أيديهم ،ووحدهم الذين أحبوك دون مقابل ، أصبحوا ذوو عاهات /[15] .

تحمل العبارات الواردة دلالتين إحداهما واقعية و الأخرى رمزية.

الأولى تشخص ظاهرا ملموسا و الثانية توحي بمعان خفية هذا الازدواج وسع من أبعاد المدلول حيث تعبر على شيء واضح و في نفس الوقت يحمل معنى غامضاً يتداخل فيه الواقع بالرمز.فالراوي خالد يخاطب حياة المرأة و الحبيبة و يظهر من خـلال الكلام عن الجنس الاحتضان ، اللذة ، الآثار التي تترك على العنق و هي تلمح دون أن تصرح مستعينة بألفاظ تحيل إلى الحلم و الخيال و العشق و اللذة ، كما تشير في نفس الوقت إلى دلالات أخرى غير الجنس و هي المدينة و الوطن كما أن السياق يعبّر عن الوطن فالمجاهد " خالد " يريد أن تبقى المبادئ التي أستشهد من أجلها الشهداء يريد أن يرجع هذا الوطن إلى خط المجاهدين و الشهداء و المقاييس التي كانت تحكمهم و تضبطهم ،و لذا يريد فرصة أخرى رغم أنه بيد واحدة و لكنها صادقة و محّبة ، فالأيادي التي تتالت على لمس هذا الوطن و تسييره هم خونة و قراصنة.. تركوا خدوشاً على هذا الوطن مازال يعاني منها إلى اليوم.. و حكموا هذا الوطن بدون أن يقدموا أي تضحية عرفاناً بالحب، و هاهو الذي فقد ذراعه لم ينل حظوة حتى في الاقتراب من هذا الوطن .و بناء على كل ما تقدم فإن » لغة الرواية تنتجها بنيات النص و علائقه الداخلية و إن كانت تتميز بطابعها الحكائي القصصي ، فإنها لا تقطع صلتها بالواقع ثم إنها و إن كانت تمثل سبيل الكاتب إلى التعبير عن رؤاه الحلمية فهي تسعى إلى الإنزياح عن لغة المجتمع المستهلكة لتكتسب دلالات جديدة تضفي عليها سمة الحداثة، و هو ما يجعلها تتميز ببعدين أساسيين : أولهما جمالي ينبثق من أنساق النص الداخلية و ثانيهما واقعي يتوّلد من العلاقة الجدلية القائمة بينهما و المجتمع ، و بذلك تعيد لغة الرواية إنتاج الواقع جمالياً « [16]  .

هذا الانزياح الذي يخرجها عن اللغة المألوفة و يكسبها دلالات جديدة و قدرة على استنطاق أغوار المجتمع في حلة جديدة تتميز بجمالية الوقع .

فها هو خالدا يخاطب هذه المرأة /الثورة المدينة والوطن.

.../ أنت لي الليلة ككل ليلة فمن سيأخذ طيفك مني ؟ من سيصادر جسدك من سريري ؟ من سيسرق عطرك من حواسي ؟ و من سيمنعني من استعادتك بيدي الثانية

أنت لذتي السرية ، و جنوني السري ، و محاولتي السرية للانقلاب على المنطق .

كل ليلة تسقط قلاعك في يدي ، و يستسلم حراسك لي ، و تأتين في ثياب نومك لتتمددي إلى جواري فأمرر يدي على شعرك الأسود الطويل المبعثر على وسادتي ، فترتعشين كطائر بلله  القطر ثم يستجيب جسدك النائم لي/[17].هذا الازدواج في العبارة تارة على وجه الحقيقة و تارة على وجه المجاز هو أسلوب أحلام مستغانمي في رواية " ذاكرة الجسد " » باستعارة مصطلحات تحيل إلى الحلم و الخيال و الطبيعة و العشق فضلا عن استخدامها بعض الكلمات المشتبهة و الإشارات الغامضة التي لا تخلو من إيحاء إلى الجنس و دلالة عليه. «  [18]

و المتأمل لهذا المقطع يجد أن جميع الأمكنة ترمز إلى المرأة و الجزائر بأكملها هي " حياة " و في الوقت نفسه هي الجزائر – و حبُ رجل مجاهد مثل خالد لوطنه هو أشبه بحب رجل لحبيبته مستعد للتضحية من أجلها و قد اعتمدت على هذا الرمز لتوسيع الدلالة بصورة أعمق و أشمل – و حبُ هذه الحبيبة هنا و مناجاتها و استعادتها وضمها و الالتحام بها بمعناه المكاني هنا إعادة الحياة لهذا الوطن ولثورته التي ولدت منه و إعادة التوازن الطبيعي للكون  و المرأة حياة هي " المكان الفاتح للشهية ، و يمكن أن تجمع و يطلق على جمعهً أمكنة المقبلات " و هو المكان الذي يثير في الإنسان الشهوات « [19]  و قد لجأت الكاتبة إلى المكان الأنثوي الذي يحيل إلى الجنس و متعة الجسد بخلق التأثير العاطفي لدى المتلقي " » فالجذب العاطفي هو جوهر التأثير «  [20] والذي يحقق للمكان جمالية خاصة عن طريق إثارة النزوات الجنسية حين ربطت بين المرأة / الجسد / و الثورة المكان لكن هذه العلاقة هي السبيل الوحيد للانكفاء على النفس و الانصراف إلى الذات ، سواء أكان ذلك نشدانا للعزلة ، و هروباً من الآخرين  أو إخفاء لحالات و تأثرات و ممارسة للحظات حميمية .

نلمس هذا في الخواطر التي يكررها خالد على لسان زياد الشاعر و هي كلمات مشحونة حسرة و خوفاً و حزناً و شهوة .

.../ على جسدي مرري شفتيك .

فما مرروا غير تلك السيوف عليَ.

أشعليني أيا امرأة من لهب

يقرُبنا الحب يوماً..   يباعدنا الموت يوماً

و يحكمنا حفنة من تراب

تقّربنا شهوة للجسد.

 ثم يوما يباعدنا الجرح لما يصير بحجم جسد

توحّدت فيك ..أيا امرأة من تراب و حب

سقيتك ثم بكيت و قلت

أميرة عشقي أميرة موتي ……تعالي  / [21]   و إذا كان الجسد هو امتداد للمكان الذي يحيا فيه الإنسان و يموت فيه فإن التلاحم مع هذا المكان أصبح و شيكا و هو لا بدّ منه و من هنا  كانت المرأة جسدا ملتحما بالأرض لا يمكن فصله أو تمييزه ، و المرأة هنا هي هذه الثورة التي أنبتتنا و هذا الوطن الذي ننتمي إليه فمهما ابتعدنا أو اختلفنا عنه، إلا أن التوحّد مع هذا الوطن لا مناص منه .و إذا كانت المرأة ترمز إلى الوطن و إلى الأرض و ميلاد هذا الوطن جاء نتيجة حب لهذه الأرض من طرف المجاهدين و الشهداء فالمجاهد هو ابن هذه الأرض و هو أيضا زوج لها و سيد وأب يرضع لبنها كابن  و يخصبها كزوج و يوفر لها الحماية و الكرامة كأب[22]   ، كما أن ميلاد الثورة و التاريخ لابد من حمل وجنين و حتى قبل أن يكون هناك حمل وجنين  لابد أن يكون قد ألتقي رجل  و امرأة [23] و الحب هو الذي يجمعهما و شهوة الجسد هي التي توحدها في كيان واحد هو الوطن ومن هنا التجأت أحلام مستغانمي إلى ميزة المرأة كدلالة شاملة تحمل الحب و التلاحم و التضحية .

و لذا نجد المرأة في هذه الرواية تأتي على شكل أم و على شكل امرأة حبيبة و على شكل جسد أنثوي يحرق شهوة و لهبا .

و أحلام مستغانمي تمتلك تلك الخصوصية التي نجدها في الرواية النسائية ككل. هذه اللغة المرسلة و ذلك الدفيء في الألفاظ  و العبارات التي  تنسجم مع طبيعتها كأنثى و الميل إلى البساطة  »و إيثار البساطة في نظم الكلام جعل لغة الكتابة النسائية تتميز بسرعة الإيقاع الذي يعكس الانفعالات داخل الأنثى و يكشف عن أحوالها عند التناغم أو التنافر فالجمل في الأغلب قصيرة ، متعاطفة أو متلازمة  تنسحب أحيانا ليعوضها نوع من كتابة البياض تعبر عنه علامات تعجب أو استفهام أو نقاط متتابعة و هو ما يسم نسقها بالتدفق الذي يجسد حال توتر الذات / الكاتبة و هي تمارس فعل الإبداع  ومن علاماتها تقطع العبارة بانعدام الروابط و تسارع الوتيرة و الترجيع الغنائي و تقسيم الكلام إلى وحدات إيقاعية متساوية «[24]

هذا ما نلمسه في أسلوب الكاتبة  إضافة إلى الصورة الشعرية التي تتميز بها كالإيقاع الموسيقي للألفاظ و العبارات » فالموسيقى تساهم في توصيل الدلالة و تعميق الأثر الشعوري لدى الملتقى «[25]   كما أن » الفكر و الشعور يلتقيان عضويا في لقاء باطني يلتحمان و يؤلفان الصورة معا في لحظة انفجار التجربة و تشكلها في حيز مكتوب «[26]   .فصورة المرأة تلتقي بصورة  الثورةالوطن المكان الرحم أو المكان الأليف الذي يتميز بتلك الجاذبية التي يتميز بها الجسد الأنثوي » باعتبار أن المكان امرأة في إحدى تجلياته و المرأة مكان بشري في إحدى تجلياتها «[27]  كما أن الصيغ الشعرية تكتنز بالدلالة المكثفة و يصبح مستوى الرمز مشحون بالطاقة عن طريق تفعيل الإيقاع الذي ينطبق على الشعر و ما صاحبها من سيطرة صورة المكان الذي تجّسد في الجسد الأنثوي و تحّقق تلك المداعبة الأيروسية  ومن ثم فإن بنية الصورة التي  وظفتها ليست اعتباطية  بل هي من قبيل الحكاية الرامزة بجملة عناصرها,, و السياق العام للرواية هو الذي يحدد المعنى الأصلي ، وأحلام مستغانمي لا تريد أن تكون أمينة للواقع دون أن تفقد حسها الشعري الصافي ووعيها التاريخي النافذ .

و المتأمل لرمز المرأة / المدينة.. يجدها تحمل معنى الابنة و الحبيبة و الزوجة.

يقول خالد على " حياة " أثناء محاورته لسي الشريف عم الفتاة و المشرف على عرسها.

        ../ لقد عرفتها طفلة " لا صديقي عرفتها أنثى أيضا و هذه هي المشكلة. إنها ابنتك » لا لم تكن ابنتي ، كان فقط أن تكون كذلك ولكن كان يمكن أن تكون حبيبتي كان يمكن أن تكون زوجتي كان يمكن أن تكون لي«   [28]…/..

ورمز المرأة و الحبيبة لم يكن جديدا فقد تنبهت له الأساطير السومرية القديمة حين ربطت بين الأرض و المرأة  لأن المرأة تتميز بالإنجاب وتلك ميزة تتميز بها الأرض و قد اعتبرت الأرض أمّا فعبدها الإنسان السومري و صورها على شكل امرأة  [29]   .

و من هنا كانت المرأة حياة هي الوطن الذي أحبه المجاهد " خالد " و هو أولى الناس به من غيره هذا ما أرادت قوله الكاتبة.

و إذ ذاك يصبح المكان يعبّر عن الهاجس الوطني إلى هاجس سياسي يعطي الشرعية للمجاهدين و من ضحى في سبيل هذا الوطن وبذلك تصبح " حياة " المرأة و الحبيبة من الرموز المكانية الدالة على الهوية.و الرمز هنا يفهم من السياق العام للنص فهذه المرأة التي أحبها، كل الطرق في قسنطينة تؤدي لها ، في الشوارع المقاهي ، النساء ، المقابر .

 

يقول خالد : / كانت كل الطرق تؤدي إليك حتى تلك التي سلكتها للنسيان ، و التي كنت تتربصين لي فيها .

كل المدارس و الكتاتيب العتيقة كل المآذن كل البيوت المغلقة " كل السجون كل المقاهي كل الحمامات التي كانت تخرج منها النساء أمامي جاهزات للحب ، كل الواجهات التي تعرض الصيغة و الثياب الجاهزة للعرائس ، و حتى تلك المقبرة   / [30] فكل شبر في هذه الأرض يؤدي إلى الوطن و بالتالي إلى هذه الحبيبة " حياة " و قد كان لأحلام مستغانمي القدرة على تنظيم وحدة إيقاعية شاملة كمظهر جمالي مهيمن على جميع وحدات النص مستخدمة ما في الكلمات و الجمل من طاقات موسيقية، مستخدمة المرأة الأنثى كفضاء مصاحب للثورة والوطن .

و بهذه الطريقة تفتح صيغة تعبيرية جارفة و حارقة مكونة من فعل الرغبة للجنس و بالتالي ترتفع الشحنة الدلالية و تعيد للغة طابعها المحفز عندما تبعث في الكلمات تلك الحرارة المصاحبة للالتهاب و تربط بين الصوت و الدلالة و تصبح اللغة أكثر حركة و حيوية يقول خالد مناجياً " حياة " التي تزف لغيره .

.../لو كنت لي آه لو كنت لي ذلك الصباح ، في ذلك السرير الكبير الفارغ البارد دونك في ذلك البيت الشاسع المسكون بذكريات الطفولة المبتورة و شهوة الشباب المكبوت الذي مرَ على عجل .

» لو كنت لي لامتلكتك كما لم أمتلك امرأة هنا لاعتصرتك بيدي الوحيدة في لحظة جنون- لحولتك إلى قطع إلى مواد أولية إلى بقايا امرأة إلى عجينة تصلح لصنع امرأة /  [31]

و قد لجأت أحلام مستغانمي إلى الرمز المشحون بالطاقة الجنسية التي تشتعل لهباً مع تفعيل النظم الصوتية الماثلة في الجمل المنسجمة التي تسير على نسق واحد و قد شملت ترجيحات غنائية – بارزة في حشو الجمل بأطرافها التي تعقبها نقاط متتالية و قد تلعب أطراف الجمل المتتابعة …./ لحولتك إلى قطع…….. / إلى مواد أولية إلى بقايا امرأة .../. 

حيوية أخرى تتعلق بالمسار الدلالي للنص ،عندما تكتسب هذه الأطراف خاصية مفصلية ، إذ تخضع للتكرار دون أن تعني أبداً نفس المعنى ، حيث تكون كمشاهد قد تراكمت في بناء الشواهد الحسية المتواترة و قد لجأت الكاتبة إلى مفردات الجنس كغلاف خارجي بحالات الوجد والعشق في استعارة أبنية التعبير الغزلي الحسيَ مع تحويل المدلولات » فهي حديث روح يتخذ شكل المناجاة و لغة جسد تقترب من الاعترافات من خلال إغراقها في تصوير أوجاع الأنوثة المعيش منها والحلمي ، الواقعي و المتخيل و هو ما يعلل الطابع الشاعري الذي يسمها ،حيث تقترب لغة الرواية من لغة الشعر إلى حدّ التماهي فيتداخل بذلك السردي و الشعري ، الحواري و الغنائي إلى حد يعسر معه تمييز حدود الرواية عن تخوم الشعر لغة و إيقاعاً و متخيلاً « [32]

 

2/2 الوطــن و التاريــخ :

ترمز الثورة إلى الوطن مثلما ترمز إلى التاريخ »  و قد يقوم الكاتب بتسجيل التجارب الإنسانية بحقائق إنسانية عن طرق الإيحاء «[33]  .

»  و هذا الإيحاء هو المعنى " الشعري الذي تظهر فيه ذاتية الكاتب «[34]   و من هنا اعتمدت " أحلام مستغانمي " على الثورة كواقع و تاريخ متناولة البعد الحضاري للثورة انطلاقا من العناصر المكانية الثابتة في الرواية كالجسور المتعلقة بالرومان و من قام بترميمه فيما بعد " صالح باي " أو سجن " الكديا " في عهد الاستعمار .و هذه الظاهرة تنطبق على جميع الأمكنة و من هنا لم تعد الرواية وسيلة تسلية و لكنها صارت منذ زمان وثيقة فكر و شهادة واقع ورؤية مستقبل ووسيلة احتجاج[35]  فهي أقرب إلى الوثيقة التاريخية تسجل حقائق و تعكس واقعاً و تحمل رؤية و تصور » و العلاقة بين الرواية و التاريخ هي التي تجعل الفن الروائي أكثر الفنون الأدبية قدرة على رصد الحياة و تصويرها لكن هذه العلاقة بين الرواية و التاريخ و بينها و بين الواقع لا تنقص من قيمة الخيال و دوره في العملية الروائية «[36]  و إذا كانت الثورة مجسدة في المرأة " حياة " فإن حياة هي الوطن تحمل ملامحه يقول خالد:  يا امرأة كساها حنيني جنوناً ، و إذا بها تأخذ تدريجياً ملامح مدينة و تضاريس وطن/[37].

كما نشير هنا أن هذه المرأة " حياة " هي طفلة بنت القائد سي الطاهر و الكلام عن حياتها و عن مولدها  هو كلام عن تاريخ الثورة الجزائرية و أحلام الشهداء التي تجسدها هذه الفتاة.

عندما يتذكرها خالد  " طفلة " يتذكر أصدقاءه من المجاهدين و الشهداء و الأحداث الكبرى الأليمة التي مرَت على تاريخ الثورة وبعده ، كما أن " حياة " المرأة حملت حفريات هذا الوطن و خصائصه و كل ما يميزه " و خالد " أصبح عبداً لهذه المرأة و بالتالي عبداً لهذه المدينة و هذا الوطن .

يقول خالد مخاطبا هذه المرأة / كنت كل مرة أقع على استنتاجات متناقضة مرة يبدو لي حبك قصة أسطورية أكبر منك و مني شيئا ربما كان مقدّرا مسبقا منذ قرون، منذ كانت قسنطينة مدينة تدعى سيرتا  …/ [38]  و الحب الأسطوري الذي هو أكبر من عمر هذه المرأة ،هو حب الوطن الجزائر تاريخا و حضارة و ترابا منذ نشأته الأولى حتى اليوم ورمز " سيرتا " يملأ هذه المدينة و هذا الوطن بالزخم التاريخي في إشارات للحضارات البائدة ، وبالتالي يستمد هذا المكان المتمثل في الوطن الجزائر جمالياته و قيمة من مستويات أبعد غورا في صلب الثقافة الإنسانية ،  مصطحبا معه دائما أداة التاريخ السياسي الملازم للوضع الجزائري بحرائقه الكبرى نتيجة للتقلبات السياسية المختلفة من الثورة حتى اليوم .

فحب "  خالد " للثورة يستدعي حضوره في كل شيء في تاريخه في تناقضه في دينه في كل شيء مرتبط بهذا الوطن ماضيا و حاضرا. و قد اعتمدت الكاتبة على  رمز المرأة للدلالة على الوطن » فليس هناك قيمة للرمز مجردا عن السياق و إنما قيمته الفنية تنبع من خلق السياق المناسب له بحيث يمنحه القوة و الحيوية و يمنحه أيضا المقدرة على التجديد وفق دلالات التجربة الحديثة ، فيبرز عندئذ في إطاره الشعوري النابع من صلب العملية الشعورية لا من وضعه المجرد أو من تطوره التاريخي « [39]   و من هنا أحسنت الكاتبة حين ربطت بين مسيرة الجزائر الثورية و مسيرة " حياة  حين كانت طفلة إلى أن أصبحت امرأة و حبيبة  للمجاهد خالد و حياة هي الثورة و قسنطينة عّينة من هذا الوطن بل الوطن في كل شيء هذا ما يقّره خالد في قوله……. / كنت في النهاية كالوطن ، كان كل شيء يؤدي إليك إذن ..

مثله كان حّبك ، تواصلا حتى بصده و بصمته . مثله كان حبّك حاضرا بإيمانه وبكفره/[40] و يؤكد الدكتور صالح مفقودة بناء على مقال له حول هذه الرواية » إن الأمكنة في الرواية حين تؤنس تصير هذه الفتاة " أحلام " ، والوطن حين يتحول إلى رمز يصير هذه المرأة الطالبة، التي لا ترمز للوطن كجغرافيا ، بل ترمز للوطن بمختلف الأوجه و الأبعاد فهي أحلام الشهداء ، وسيلة الثوار ،و كلاهما للوطن و المرأة يتعرضان للانتهاك على مرأى التاريخ «[41]  . وهذا ما يؤكده الراوي خالد أثناء معاتبته ًحياةً /.كيف يمكن  أن تمرغي اسم والدك في مزبلة كهذه ..أنت لست امرأة فقط ،أنت وطن ،فهل لا يهمك ما سيكتبه التاريخ يوما .

أجبت بشيء من السخرية المرّة .وحدك تعتقد أن التاريخ جالس مثل ملائكة الشر والخير على جانبينا ليسجل انتصاراتنا الصغيرة المجهولة أو كبواتنا و سقوطنا المفاجئ نحو الأسفل.التاريخ لم يعد يكتب شيئا، إنه يمحو فقط ./ [42]

فحتى التاريخ شوّه وبدّل ولم يكن قادرا على كشف الحقيقة ومن خلال هذا المقطع نلمس تلك النبرة الحزينة الصادرة من أعماق وجدان الكاتبة »فإرهاصات مسحة الحزن وأسبابها لم تكن إقليمية بقدر ما كانت قومية.إن تأزم الوضع في كافة أقطار الوطن العربي هو الدّافع لسيطرة هذا اللون من المشاعر [43]…«  

-لكن يبقى حب هذا الوطن في قلب هذا الرجل المجاهد ًخالد ً ويتحمل كل شئ في سبيل هذا الوطن الذي يتمنى أن يحشر معه يوم الحشر يحيا فيه ويموت فيه فهو جزءه  المكمل له ومهما فسدت الأوضاع السياسية وكثرت التقلبات فوفاءه صامدا ويكفيه مكان في هذا الوطن .

 يقول خالد مخاطبا المرأة الوطن :

./ أنا الذي قتلتني لعدة أسباب غامضة ،وأحببتك  لأسباب غامضة أخرى .

أنا الرجل الذي حولك من امرأة إلى مدينة، وحولته من حجارة كريمة إلى حصى، لا تتطاولي على حطامي كثيرا لم ينته زمن الزلزال وما زال في عمق هذا الوطن حجارة لم تقذفها البراكين بعد.

دعينا نتوقف لحظة عن اللعب .كفاك كل ما قلته من كذب أعرف اليوم أنك لن تكوني لي. دعيني إذن أنحشر معك يوم الحشر حيث تكونين، لأكون نصفك الآخر.دعيني أحجز مسبّقا مكانا لي إلى جوارك.ما دامت كل الأماكن محجوزة حولك هنا .وما دامت مفكرتك ملآ بالمواعيد حتى آخر أيامك …يا امرأة على شاكلة وطن …………/ [44]

ومن أهم الرموز والأدلة في نظرنا وأكثرها إيحاء بدلالة المكان وإديولوجيتة هو هذه المرأة التي على شاكلة الوطن.

فمهما وقع من تناقضات سياسية ومضايقات تعرض لها ًخالد ًوغيره من الغيورين على هذا الوطن ،إلا أن حبهم يبقى ويستمر حتى وإن كان في يوم البعث .

ومهما فعل هذا الوطن من تهميش لأبنائه بفعل فاعل ومطاردتهم  واعتلى الفساد وخابت الظنون والآمال سيبقى الخير في هذا الوطن، ويبقى الأمل وإن غدا لناظره لقريب .

وقد اعتمدت أحلام مستغانمي على الرمز والإيحاء مركّزة على البناء العاطفي وعلى تجربتها الحية ضمن ما يسمى بالنسق الموحّد بين المكان والذات .ومن هنا تم التواصل بين المؤلف والقارئ من خلال الدلالات الجمالية لتلك الرموز مثل :

الثورةالمرأة والمدينة         ،            الحجارة الكريمة     و       الحصى

 

                                   مواطن صالح              و       مواطن مهّمش

هذه الرموز تولد طاقات تخيلية جمالية متجانسة تتوالى عبر الهيكل المادي للنص .الذي يخلق تفاهما بين المرسل والمتلقي.

-وإذا كانت قسنطينة المرتبطة بالمرأة ًحياة ً تمثل تاريخ الثورة ومستقبل الجزائر فإنها تكتسب بعدها الحضاري والتاريخي الموغل في القدم .يخاطب خالد حياة مقارنا بينها وبين هذه المدينة النسخة الأصل…/وكانت تشبهك تحمل اسمين مثلك وعدة تواريخ للميلاد خارجة لتوها من التاريخ باسمين واحد للتداول..وآخر للتذكار.كان اسمها يومها سرتا قاهرة كانت كمدينة أنثى وكانوا رجالا في غرور العسكر .من هنا مر صيفاكس ماسينيسا ويوغرطة وقبلهم آخرون.

تركوا في كهوفها ذاكرتهم . نقشوا حبهم وخوفهم وآلهتهم . تركوا تماثيلهم وأدواتهم وصكوكهم النقدية أقواس نصرهم وجسورا رومانية ……ورحلوا . لم يصمد من الجسور سوى واحد . ولم يبقى من أسمائها سوى اسم  قسنطينة  الذي منحه لها منذ ست عشرة قرنا  قسط نطين ./  [45] . وقد أحسنت الكاتبة في ربط هذه الثنائية بين " سيرتا " قسنطينة " حياة " وأحلام .هذه الثنائية ربطت بين الماضي و الحاضر متناولة التاريخ و الهوية و الأصل ولا ينطلق شيء من العدم وبهذه الطريقة أعطت للثورة بعدها التاريخي في ماضيها  و حاضرها مازجة بين الاسم القديم و الجديد . وبهذه الطريقة استطاعت أن تمتد بجذور المكان في نسغ الحياة و استرجاع طاقته الفطرية في بعث ظواهره عندما يقوم بتشكيل وعينا عن طريق الفهم و الشعور معا .

يقول خالد / أحسد ذلك الإمبراطور الروماني المغرور، الذي منح اسمه لمدينة

لم تكن حبيبته بالدرجة الأولى ……وإنما أقترن بها الأسباب تاريخية محضة .وحدي منحتك اسما لم يكن اسمي ……وربما لذلك ، يحدث أن أعاكس قانون الحماقات هذا ……وأنادي تلك المدينة

"سيرتا " لأعيدها إلى شرعيتها  الأولى ……… تماما كما أناديك  حياة [46]

وإذا كانت الإمبراطورية الرومانية لا تمثل الشرعية لهذه المدينة وهذا الوطن وهي ككل الغزاة. فإن الشرعية جاءت مع ميلاد الثورة التحريرية وميلاد الاسم الجديد " أحلام " التي تمثل أحلام الشهداء في وطن حر مستقل. وإذا كانت المرأة " حياة " و قسنطينة تمثل المكان الأصل . فإن » المكان هو بيت التاريخ و التاريخ صناعة اللغة «  [47]هذه اللغة التي تعرف الانزياح و الرمز والميل إلى الشعرية بهذا التركيب المنظم حيث » تكتسب الجملة الشعرية حداتها من انحراف التركيب وارتفاع الصور مع وضوح المرموز له بانتظام في دفقات التيار الوجداني و المبطّن للتجربة و المتناغم دائما مع ارتفاع الوعي بالكتابة « [48]

وهذا ما نجحت فيه أحلام  مستغانمي فعلا .كما أنها تتميز بالواقعية و الصدق في ذكر الثورة الفضاء و قسنطينة التاريخ . وعندما تتعرض للمكان تتعرض لتاريخه أيضا بطريق مشوقة يقبلها العقل والمنطق. يقول خالد عن قسنطينة المدينة و الوطن .

./ المدن كالنساء ……نحن لا نمتلكها لمجرد أننا منحناها اسمنا  وكانت " سيرتا " مدينة نذرت للحب و الحروب . تمارس إغراء التاريخ وتتربص بكل فاتح سبق أن ابتسمت له يوما من علو صخرتها كنسائها كانت تغري بالفتوحات  الوهمية ولكن لم يعتبر من مقابرها أحد .

هنا أضرحة الرومان ………و الوندال ……والبيزنطيين ……والفاطميين ………والحفصيين……والعثمانيين ………وواحد واربعين بايا، تناوبوا عليها قبل أن تسقط في يد الفرنسيين. هنا وقفت جيوش فرنسا سبع سنوات بأكملها على أبواب قسنطينة. فرنسا التي دخلت الجزائر سنة 1830 ،لم تفتح هذه المدينة الجالسة على صخرة ،إلا سنة 1837سالكة ممرا جبليا تركت فيه نصف جيشها ،وتركت فيه قسنطينة خيرة رجالها [49]…../ .وقد كانت واقعية أحلام مستغانمي في التزامها بالحقائق التاريخية وقد أعطت بطاقة الهوية التي تؤطر المكان، والتي تمثل البطاقة الجماعية الشخصية الجزائرية .

والكاتبة تزاوج بين عبقرية الثورة وشعرية اللغة بفضل تجسيد الانطباع على تضاريس الكلمات مثل قولها …/وكانت سيرتا مدينة نذرت للحب و الحروب تمارس إغراء التاريخ ./ [50]

ورغم أن الكاتبة تعرضت لمظاهر الحياة في قسنطينة إلا أنها لم تهمل البعد التاريخي للمكان في نقل ماضيه وحاضره  كما تمثله معالم المكان الممثلة في الأضرحة والطرق لأن هذه الأمكنة تستدعي الذاكرة والتاريخ وقد اعتمدت  الكاتبة على المرأة في تأطير كافة الأمكنة في الثورة الجزائرية.

كما أن قسنطينة بكل ما تحمل من شوارع وأحياء وأضرحة وما  إلى ذلك، فهي  تحمل ذاكرة الثورة  وتحمل تاريخها .يقول خالد …/ هنا تبدأ الذاكرة المشتركة ، وشوارع يسكنها التاريخ وينفرد بها. بعضها مشيتها مع سي الطاهر وأخرى مع آخرين . هنا شارع يحمل اسمه ……وشوارع تذكر عبوره . وهنا أنا ذا أتوحد بخطاه وأواصل طريقا لم نكمله معا، تمشي العروبة معي من حي إلى آخر . ويملأني فجأة شعور غامض بالغرور/[51]

وقد تعاملت الكاتبة مع هذه الحقائق بأسلوب فني جعلت الرواية تمثل وثيقة تاريخية قامت فيها بتعرية الواقع مثلما هو ولذا يقال » إن الفن لا يغير الحقيقة ولكنه يعرضها بشكل جديد [52]…« 

 

2/3 القوميـــة:

من الأبعاد الرمزية " للثورة " البعد القومي. فا لثورة مدينة عربية وهي جزء لا يتجزأ من العروبة والإسلام ../ فكل مدينة عربية اسمها قسنطينة/ [53]  ولذا ربطت بين زياد الفلسطيني وحياة لتعبر عن علاقة  فلسطين بالجزائر وبالأمة العربية ككل كما ربطت بين الأندلس ومدنها العريقة بقسنطينة وبحياة .ولذا نجد أن الثورة هي نموذج للعالم العربي ككل .

يقول خالد محاورا حياة / كنت لا أريد أن تنغلقي في قوقعة الوطن الصغير وأن  تتحولي إلى منقبة للآثار و الذكريات ، في مساحة مدينة واحدة . فكل مدينة عربية اسمها قسنطينة . وكل عربي ترك خلفه كل شيء وذهب ليموت من أجل قضية كان يمكن أن يكون اسمه الطاهر …………

وكان يمكن أن تكون لك قرابة به /[54] .

 فالقضية هنا لا تنحصر في قسنطينة أو الجزائر وإنما الأمة العربية قاطبة وما الجزائر إلا  جزء من هذا الوطن الأم  وقضية فلسطين هي قضية الجزائر وقضية هذه المدينة المرأة يقول خالد :./ ربما كان زياد يشبهك أيضا ………اكتشفت ذلك مع مرور الأيام ، وأنا أنظر

إليكما وأنتما تتحدثان أمامي كل مرة  . كان أيضا فيه شيء من السحر الغامض فيه ………من الجاذبية التي لا علاقة لها بالجمال ./[55]

فالتشابه بين أقطار الأمة العربية واحدة في دمها وأصلها ونسبها وتاريخها ودينها  فالتشابه  يكاد يكون صورة طبق الأصل لمدينة، واحدة ولمرأة واحدة هي الأمة العربية.

 والمتأمل لما ورد في هذه الرواية يجد أن الراوي خالد وزياد الفلسطيني وحياة  توحد في كيان واحد وقلب واحد هو قلب الأمة العربية المجسدة في حياة المدينة والوطن والأمة .

 يقول خالد/ في تلك اللحظة ………شعرت أن شحنة من الحزن المكهرب وربما الحب المكهرب أيضا قد سرت بيننا. واخترقنا نحن الثلاثة .

كنت أحب زيادا ………كنت مبهورا به كنت أشعر أنه سرق مني كلمات الحزن وكلمات الوطن ، وكلمات الحب أيضا……كان زياد لساني ، وكنت أنا يده، كما كان يحلو له أن يقول . وكنت أشعر في تلك اللحظة ………أنك أصبحت قلبنا .معا . /  [56]

وما يلاحظ على هؤلاء الثلاثة الانسجام الوحداني والعاطفي والتقارب الحاصل الذي يعود إلى القلب الواحد هو قلب الأمة العربية النابض بين شعوبها ، وهو الجذع المشترك الذي يجمع العالم العربي وقد أفلحت الكاتبة حين جعلت من المرأة حياة رمزا للأمة العربية وقد صاغت الكاتبة هذه العلاقة على أساس تلك الانفعالات الوجدانية التي جمعت بينهما في حب يصل إلى العشق والهيام .

كما استعانت بتلك اللغة الدافئة التي تنسجم مع هذا الوضع الغرامي، وتلك هي خصوصية الرواية النسائية والتي أكدها بوشوشة بن جمعة في قوله:

»وهي لغة تتوفر على علامات حساسية نسويه ، تجعلها تختلف عن تلك التي يستعملها الرجل في كتابته وذلك لما تتميز به من دفق شعوري ودفء وطابع شاعري غنائي ونزوع إلى الإيحاء من خلال المزاوجة بين الواقع والحلم ، الحقيقة والخيال الحسي و المجرد « .  [57]

وقد حظيت حياة كشخصية ومكان وثورة وموضوع بأهمية خاصة واستثنائية في هذه الرواية إذ تعد العمود الفقري الذي يربط بين جميع الأمكنة فهو المفصل الذي اعتمدت عليه الكاتبة في ربط الأمكنة و الأحداث في قالب وجداني يشتغل عشقا  ووجدا وبهذه الطريقة فتحت المجال لفضاء  أرحب وأوسع يربط الماضي بالحاضر الإحساس التاريخي والفني و ضمنيا على مستوى الفضاء السياسي والإيديولوجي . كل هذه الأشياء تمر عير قناة واحدة . هي حياة المكان حياة الأصل التاريخ ، حياة  الأمة التي تربط بين أبنائها .

يقول خالد ../ بعد أشهر قرأت بين أوراق زياد خاطرة أدهشتني بتطابقها مع أحاسيسي هذه كتب فيها :

-         شعبين كنا لأرض واحدة ………

-          ونبيّين لمدينة واحدة …………

 وها نحن قلبان لامرأة واحدة  ../ [58]

ويمكن أن توضح هذه العلاقة بالشكل التالي :

الراوي" خالد"                   المرأة  "حياة "          زياد" الشاعر"

                                                                                                               

 

الأمـة العربية.... أرض واحـدة .... مدينـة واحـدة .....امرأة واحـدة

وقد تمثل هذه الرموز طقوس عشق وولاء لهذه الأمة التي يلتمس فيها العزاء والحب ، كما أن رمز المرأة كافية للدلالة على مناخ وتضاريس الفضاء الروائي عند أحلام مستغانمي .

-وقد يتوسع مفهوم الأمة ليشمل الأندلس وتاريخ العرب هناك وآثارهم فالأندلس كانت جزء لا يتجزأ من هذه الأمة العربية الواسعة ولذا نجد حب خالد لهذه المرأة " حياة " جاء مع المدن الأندلسية أيضا / ………فهل يمكن أن أنساك في  مدينة اسمها غر ناطة ./[59] 

وغر ناطة مدينة عربية اقترن اسمها بالعرب وتاريخهم وحضارتهم يقول خالد :

…. / كان حبك يأتي مع المنازل البيضاء الواطئة بسقوفها القرميدية الحمراء مع عرائش العنب ………مع أشجار الياسمين المثقلة مع الجداول التي تعبر غر ناطة

مع المياه مع الشمس ………مع ذاكرة العرب.. كان حبك يأتي مع العطور والأصوات و الوجوه ، مع سمرة الأندلسيات وشعرهن الحالك .

كنت أشعر أنك جزء من تلك المدينة أيضا ……فهل كل المدن العربية أنت ………

وكل ذاكرة عربية أنت/  [60]

فكل شيء في الأندلس يرتبط بحياة رمز الأمة العربية وحضارتها .

والمكان عند أحلام مستغانمي يترصد الفجوات والانقطاعات ليصرخ من هنا أو هناك دالا على حضوره اللامرئي نتيجة للرمز الذي تعتمد عليه الكاتبة –فالمكان يتجسد في المرأة ًحياة ًًزيادً الشاعر ،الراوي ًخالد ً والمكان عند الكاتبة هو الذي ينتج الشخصية ويحدّد ملامحها وأفعالها مثل ما جاء في الرواية  /مع سمرة الأندلسيات وشعرهن الحالك / فالأندلسيات يحملن حفريات المكان العربي ألا وهو السمرة وسواد الشعر التي هي صفة من صفات ًحياةً وملامحها ،كما هو صورة طبق الأصل لإمرأة واحدة وأرض واحدة .وكان الاستنتاج الذي وصلت إليه المؤلفة منطقيا في قولها :

.../كل المدن العربية أنت /

 

وتزداد طقوس الحب والعشق والولاء لهذه المرأة الأمّة في مدينة عربية بالأندلس يقول خالد: ./أريد أن أحبك هنا .في بيت كجسد مرسوم على طراز أندلسي .

أريد أن أهرب بك من المدن المعلّبة ،وأسكن حبّك بيتا يشبهك في تعاريج أنوثتك العربية. بيتا تختفي وراء أقواسه ونقوشه واستدارته ذاكرتي الأولى .تظلّل حديقته شجرة ليمون كبيرة ،كتلك التي يزرعها العرب في حدائق بيوتهم بالأندلس .أريد أن أجلس إلى جوارك كما أجلس هنا على حافة بركة ماء تسبح فيها سمكات حمراء وأتأملك مدهوشا .

أستنشق جسدك كما أستنشق رائحة الليمون البلدي الأخضر قبل أن ينضج .

أيتها الفاكهة المحرّمة أمام كلّ شجرة أمرّ بها أشتهيك ./ [61]

وتبقى لغة الجسد وشهوة الحب ولهيب العشق هي السيدة في تأدية طقوس الولاء لهته الأمّة العربية التي أقبلت في زي امرأة هي ًحياةً تارة على وجه الحقيقة وتارة على وجه المجاز مستخدمة لغة مرسلة في شبه عفوية وطلاقة » ثم إن هذه اللغة النسائية لغة دافئة تستمّد أصواتها من وهج الأنوثة في عنفوان اهتياجها النفسي والجسدي وهو ما يضفي عليها طابع الغنائية المنبثقة من رؤية رومانسية للواقع والأشياء « .  [62]

كل ذلك جرى على لسان الراوي المتعاطف مع من لهم علاقة بحبيبة العمر ًحياةً وقد أنبتت الكاتبة من المكان الأصلي أمكنة جديدة تمس فلسطين والأندلس وكل مدينة عربية حيث تمتزج هذه الأمكنة في مكان واحد هو ًحياة ً المكان الأنثى الذي يتجسد في كل شبر من أرض العروبة والإسلام وقد  مزجت الكاتبة بين المكان الرحمي » الذي يشبه رحم الأم الذي يبعث إلى الدفء والحماية والطمأنينة في أيام الطفولة ويظل عالقا في الذاكرة طول العمر «  [63]

مولّدة من هذا المكان أمكنة أخرى أنتجتها على شكل ثمار تصب في قالب واحد مستخدمة تلك المقبلات من فرط استثارة تلك الشهوات للجنس من خلال استثارة شهوة الجسد وكان المفصل الذي يربط بين هذه الأمكنة  جميعا حياة المرأة والحبيبة وتحت تأثير لهب الجسد وحرارته وهي الطريقة التي استطاع الراوي  الكاتب بواسطتها الهيمنة على عالمه الحكائي بما فيه من أبطال يتحركون .

هذا الفضاء شملته حياة كمدلول مجازي ومدلول حقيقي مستغلة المكان المجازي  رمزا  مقصودا  يؤدي دلالة سياسية واجتماعية وحضارية وفق معطيات اللغة.

» التي تجد أداة إستراتيجية وأساسية في التسمية  والتقطيع وإنطاق العالم والمكان ليلج الفضاء المألوف «  [64]

 

2/4 السياسة والإيديولوجيا:

ومن الأبعاد الرمزية للثورة أيضا البعد السياسي والإيديولوجي حيث اتّخذت المؤلفة مدينة قسنطينة مطيّة للكشف عن الأوضاع السياسية فيها يخصّ هرم السلطة والأفكار السائدة والاتجاهات الإيديولوجية التي تسيّر المجتمع في شيء من التلميح و التصريح المعلن والمضمر من خلال دورة حلزونية ارتجاعية تتم في ذاكرة " خالد بن طوبال " حين يجد نفسه وجها لوجه مع هذه المدينة المرأة في طور النمو والتفاعل والمخاض، يبدأ من فترة الميلاد حين أصبح هذا البلد حرا مستقلا ويستمر مع تقلباته السياسية حتى اليوم في قالب قصصي مشوق تلعب فيه " حياة " الدور المحوري باعتبارها محور الرواية وجوهرها حيث فقد الراوي " خالد"  ذراعه من أجلها وهاهو يرسمها ويرسمها في المنفي أحبها وعشقها حتى الجنون يقبلها ويستنشق رائحتها ويهيم بها ويتبع خطاها . فكان شاهدا على حالها وتقلباتها .

فهاهو الوطن  يستثقل ماضيه وتاريخه وحضارته من خلال " حياة " التي استثقلت  المقياس التي تلبسه واعتبرته ثقيل يوجع المعصم .

../ آ …………تعني المقياس  ………يحدث أحيانا أن ألبسه في بعض المناسبات ولكنه ثقيل يوجع  معصمي .

قلــت :

لأن الذاكرة ثقيلة دائما لقد لبسته أما عدة سنوات متتالية ولم تشك من ثقله ……

ماتت وهو في معصمها ……إنها العادة فقط : لم أعتب عليك كان في صوتي حسرة ، ولكن لم أقل لك شيئا . كنت تنتمين لجيل يثقل عليه حمل أي شيء

ولذا اختصر الأثواب العربية القديمة بأثواب عصرية من قطعة  أو قطعتين

واختصر الصيغة والحلي القديمة بحلي خفيفة تلبس وتخلع على عجل ، واختصر..

التاريخ والذاكرة كلها بصفحة أو صفحتين في كتب مدرسية [65]

 والمقياس هنا يحمل بعد حضاري وثقافي يتصل بتاريخ الوطن وتراثه  وأصالته التي ينبغي الحفاظ عليها لأنها هي التي تحدّد هويتنا وانتمائنا وتعكس  جذورنا أما الوطن الذي لا تاريخ له ولا تراث.فهو وطن لقيط مآله الزوال .ولذا نلمس رفض الراوي ومن ورائه مؤلفة  الراوية على هذا الواقع المر حين تنكر هذا الوطن لتاريخه وذاكرته واستثقل ماضيه وتراثه وهاهو  يحاول الانسلاخ عن مقومات حضارته كما تخلع امرأة أثواب زينتها . هذا ما يعكس رد " خالد " على ما لاحظه من تغير على ملامح " حياة "وزينتها .

 

./ لن أعتب عليك ، نحن ننتمي لأوطان لا تلبس ذاكرتها إلا في المناسبات وبين نشرة أخبار أخرى وسرعان ما تخلعها عندما تطفأ الأضواء وينسحب المصورون ، كما تخلع امرأة أثواب زينتها ./[66] 

وهنا نلمس اليأس والإحباط و خيبة الأمل تنتاب الراوي من هذه الأوطان التي تتنكّر لذاتها وتاريخها وهنا تعبّر عن التذمر والامتعاض من الهوية والأصالة والميل إلى التقلب . وقد تنتقل الكاتبة إلى التصريح علنا من خلال الراوي  " خالد بن طوبال " مبديا موقفا من بعض الإيديولوجيات السائدة في الوطن الجزائري كالاشتراكية وما صاحبها من ثورات لم تتجاوز الشعارات والمزايدات يقول خالد ./ وحدهم العرب راحوا يبنون المباني  ويسمون الجدران ثورة ويأخذون الأرض من هذا ويعطونها لذاك ويسمون هذا ثورة .الثورة عندما يصل المواطن إلى مستوى الآلة  التي يسّرها ../[67]

فأحلام مستغانمي تعتمد على العبارات التي تحمل دلالتين متراكبتين إحداهما واقعية والأخرى رمزية، فالأولى تشخص ظاهرا ملموسا والثانية توحي بمعاني خفية.

فهاهو الراوي خالد عندما أراد رسم لوحة " حياة " ومن ثم الوطن لم يضع توقيعه وبالتالي ترك فرصة لمن يتبناها بعده ويضع توقيعه عليها على أنه صاحبها ومالكها.

يقول خالد ./هناك إذن الذين يشترون توقيعي فقط ،وليس لوحاتي  وهناك أنت تريدين لوحتي دون توقيع . وهناك أنا المجنون العنيد الذي يرفض هذا المنطق الجديد للأشياء ويرفض باسم الحب أن يحولك إلى لوحة لقيطة لا نسب لها ولا صاحب يمكن أن تتبناها أية ريشة وأي رسام ./ [68]

هذه اللوحة اللقيطة هي بدون شك الوطن الحر المستقلّ الذي ضحّى بقوافل من الشهداء والمجاهدين من اجل أن تبقى الجزائر حرة أبيه كما قدموا هذا الوطن جاهزا لمن تبنّاه بعدهم ووضعوا له مبادئ وقوانين غير التي مات من اجلها الشهداء وهاهي تنتهك على مرأى ومسمع المجاهدين وتوقّع بإمضاءات غيرهم لأنها جاهزة لذلك عندما منحت لهم الفرصة وتأخر من هو أحق بها .

وقد وفقت الكاتبة في تعرية هذا الفضاء خاصة في جانبه السياسي حيث التقلبات السياسية والردة عن خط الشهداء والمجاهدين حيث لا تتمتع الشخوص والأمكنة والأشياء بحرمتها وحصانتها وأصالتها وكل شيء اصبح بالمقلوب .فقد تنكر الوطن لابناءه من المجاهدين البررة والمخلصين الوطنيين وتغيرت المبادئ والقيم .يقول خالد ./ماذا لو كنت المرأة التي لا ترسم إلا باليد اليسرى تلك التي لم تعد يدي .

خطر ببالي مرة أن أرسمك بالمقلوب .واجلس لأتفرج عليك عساني اكتشف أخيرا سرك .فربما كانت هذه الطريقة الوحيدة لفهمك ،فكرت حتى في إمكانية عرض تلك اللوحة مقلوبة في معرض سيكون اسمها (أنت).

سيتوقف أمامها الكثيرون.وقد يعجبون بها دون أن يتعرف أحدهم تماما عليك .

أليس هذا ما تريدين في النهاية ../[69]

والملاحظ أن اليد  اليسرى مفقودة ،فقدت في الثورة وبالتالي لا ترسم هذه المرأة وبالأحرى يضيع هذا الوطن من أصحابه المجاهدين البررة . والوطن أصبح لا ينظر إلاّ بالمقلوب وانعكست الأمور رأسا على عقب . واصحب المخلص بالأمس عدوا اليوم .

ولعل هذه الطريقة في نظر الراوي خالد هي التي تجعل ًحياة ً غير معروفة في نظر الكثيرين وبالتالي يصبح هذا الوطن الشامخ غير معروف نظرا لملامحه التي انعكست وتغيرت، وبالتالي أدت إلى جهل الكثيرين له .

فهذا ما تريده ًحياة ً وما يريده الوطن هذه الأيام ومن خلال هذا الإسقاط، على هذه المرأة الذي هو إسقاط على هذا الوطن حيث الهوية والثوابت والماضي والمستقبل .ثم الكشف عن الجانب السياسي وأبعاده المختلفة ولعل هذه الازدواجية في الخطاب السياسي والميل إلى التناقضات التي تكاد تكون سمة من سمات هذا الوطن حيث الشخصية العربية تعاني من التشويه والتهميش ،هذه الازدواجية في نظر الدكتور على وطفة » تعود إلى الثقافة العربية التي تعاني في مضامينها من أزمة قيم تتمثل في انشطارات ثقافية متنوعة وتعود هذه الأزمة إلى صراعات قيمية بين قيم الماضي والحاضر ،بين قيم الثقافة التقليدية وقيم الثقافات المعاصرة وتعود هذه الأزمة في أكثر صورها وضوحا إلى عدم قدرة الثقافة العربية على احتواء القيم الجديدة التي تطرحها الثورات العلمية التكنولوجيا المتقدمة في كافة المستويات .وهذا بدوره ينعكس سلبا على بنية الشخصية العربية ويؤدي إلى اغترابها «  [70]

 

ولذا نجد في ثنايا هذه الرواية الكثير من المفردات والعلامات والرموز التي تصف الجانب السياسي حيث الاضطهاد والظلم والتهميش أحيانا باستخدام الرمز والإيحاء أحيانا أخرى بالتصريح المباشر على لسان ًخالد ًالراوي حيث يقول./الوطن الذي أصبح سجنا لا عنوانا معروفا لزنزانته لا اسما رسميا لسجنه ولا تهمة واضحة لمساجينه والذي أصبحت أقاد إليه فجرا معصوب العينين محاطا بمجهولين يقوداني إلى وجهة مجهولة أيضا شرف ليس في متناول حتى كبار المجرمين عندنا.

هل توقعت يوم كنت شابا بحماسه وعنفوانه وتطرف أحلامه أنه سيأتي بعد ربع قرن يوم عجيب كهذا يجردني فيه جزائري مثلي من ثيابي ...وحتى من ساعتي وأشيائي ،ليزج بي في زنزانة (فردية هذه المرة )زنزانة أدخلها باسم الثورة هذه المرة

الثورة التي سبقته وجرّدتني من ذراعي ……/ [71]

وأخيرا تتطرق الكاتبة إلى السلطة التي حكمت الجزائر وبالتالي الرجل الذي سيتزوج ًحياة ً

ًحياة ً كانت من نصيب ضابط  .اكتفى الراوي بذكر سي  وبقي الاسم مبهما يشير إلى كبار القادة والمسئولين . فكانت ًحياة ً  من نصيبهم ،واكتفى المجاهد خالد بالنوّاح والعويل من بعيد وهو يحترق شوقا وحبا وحسرة ،يقول خالد عن الرجل الذي ستزف له ًحياة ً  

../ولكن سي.كان أكثر من ذلك .كان رجل الصفقات السرّية والواجهات الأمامية .كان رجل العملة الصعبة والمهمّات الصعبة .كان رجل العسكر ورجل المستقبل .فهل مهم بعد هذا أن يكون طيّبا أو لا يكون ..

تجمّعت في الحلق أكثر من غّصة ،منعتني أن أبدي رأيي فعلا في ذلك الشخص /[72]

ومن هنا كان الوطن ينتهك ويغتصب على مرأى ومسمع المجاهدين وبمشاركتهم ولو شرفيا ،هاته ًالمشاركة ًالتي ندم عليها ًخالد ً حين قبل أن تزف المرأة التي أحبها لغيره واكتفى بالصمت والحزن .بل ويحضر هذا العرس الذي لم يكن له .

هذا ما يعكسه قول ًخالد ً ./..فلماذا قبلت في تلك اللحظة .لماذا قبلت دون نقاش أن أسلمك لأظافرهم .

ألانني أدري أن مباركتي قضية شكلية لن تقدّم ولن تأخر في شئ .

وأنه لو لم يزوّجك من سي لكنت من نصيب.. سي..آخر من السادة الجدد .

فهل مهم في النهاية أي اسم من أسماء الأربعين حرامي تحملين ./ [73]

والمعارضة لا تهم ولا فائدة منها ما دامت ًحياة ًمن نصيب غيره من أصحاب النجوم والكراسي الأمامية حسب وصف الكاتبة ،فالوطن هو من نصيب القادة وضباط العسكر وإن كانت ….استشارة فهي على سبيل التشريف دون التكليف والإلزام.

وقد يئس الراوي ًخالدً من هذا التلاعب السياسي الذي حلّ بالوطن وأقرّ أن يضع حدّا ولو مستقبلا .فحياة . هي مشروع أحلام لهذا الوطن الذي ينبغي أن يعود لرشده ويقف على قدميه بخطا ثابتة أساسها الحقيقة والصدق ويكفّ عن الكذب والزور واللعب بالمستحيل ما دامت شهادة الحق مختزنة في ذاكرة هذا الرجل ًخالدً ومن على شاكلته .

يقول خالد ./أخطأنا حبيبتي .

الوطن لا يرسم بالطباشير،والحب لا يكتب بطلاء الأظافر .

أخطأنا.التاريخ لا يكتب على سبورة بيد تمسك طباشير وأخرى تمسك ممحاة .

والعشق ليس أرجوحة يتجاذبها الممكن والمستحيل .

دعينا نتوقف لحظة عن اللعب .لحظة عن الجري في كل الاتجاهات .نسينا في هذه اللعبة من منا القط ومن الفار ومن سيلتهم من .

نسينا إنهم سيلتهموننا معا .

لم يعد أمامنا متسع للكذب .لا شيء أمامنا سوى هذا المنعطف الأخير .لا شيء تحتنا غير هاوية الدمار فلنعترف أننا تحطمنا معا ./ [74]

وقد سئم ًخالد ً من لعبة القط والفأر من سيلتهم من .من الرابح ومن الخاسر ،من المنتصر ومن المنهزم . وفي النهاية سيبتلع الاثنين معا فلا غالب ولا مغلوب ولذا أراد أن يضع حدّا ولو مستقبلا لهذا الوطن الذي يحمل آماله وأحلامه ولا يبقى لهذا الوطن إلا رجاله المخلصين الذين يحفظون تاريخ هذا الوطن وذاكرته ولو بعد حين

.يقول خالد :…

../ لست حبيبتي

أنت مشروع حبي للزمن القادم .أنت مشروع قصتي القادمة وفرحي القادم .أنت مشروع عمري الآخر .في انتظار ذلك .أحبي من شئت من الرجال ،واكتبي ما شئت من القصص وحدي أعرف قصتك التي لن تصدر يوما في كتاب .وحدي اعرف أبطالك المنسيين وآخرين صنعتهم من ورق .

وحدي أعرف طريقتك الشاذّة في الحب ،طريقتك الفريدة في قتل من تحبين لتؤثثي كتبك فقط / [75]

وقد نجحت ًأحلام مستغانمي ًفي تعرية هذا الوطن وتشريحه خلقيا واجتماعيا وسياسيا بطريقة نقلت فيها الواقع إلى عالم الفن متجاوزة المألوف من الدلالات المادية إلى أخرى رمزية تعتمد على الإيحاء » ولعل نص –ذاكرة الجسد-ينهض خير دليل على هذا التزاوج بين الروائي /السردي والشعري /الغنائي في لغة الرواية مما جعلها تكون مكثّفة الإيحاء دون أن تغرق في الترميز إلى حد الغموض أو التعتيم ،متدفقة الإيقاع ،تضج بالأنوثة صدى وتعبق بها  رائحة وتنصهر بها حرائق « [76] 

وقد كتبت ًأحلام مستغانميً بشكل جريء عن الوطن وقضاياه السياسية ولا يسعنا إلا أن نقول ما قالته الناقدة الأردنية رفعة محمد دودين بأن أحلام مستغانمي » أعادت إلى مشهد الحياة الجزائرية الدامي والحياة العربية بشكل عام من الرومانسية والحنين بوطنية نقية التقى فيها الجزائري والفلسطيني على التهجّد باسم فلسطين والجزائر ومن حيّ من أحياء باريس ونحن ننتظر  من هذه الكاتبة المبدعة الكثير والكثير«.[77] 

 

الخاتــــــمة

وفي النهاية نشعر مثلما شعرنا في البداية بالهيبة والوقار  والتجلية والإكبار لبطلة هذه الرحلة أحلام مستغانمي ً في رواية ًذاكرة الجسد ًالتي تعتبر نقلة نوعية في عالم الرواية الجزائرية خاصة والرواية العربية عامة من خلال مدينة ًقسنطينة وثورتها المباركة التي أنتجت أحلام أو حياة ًوكانت هذه الرواية أقرب إلى الوثيقة التاريخية التي سجّلت الكثير من الحقائق التي ارتبطت بتاريخ الجزائروثورتها حيث استطاعت المؤلفة نقل الواقع إلى عالم الفن .

فهذه الرواية هي بمثابة لوحة تشريحية للفضاء الجزائري ككل ،إذ نلمس عاداته وأذواقه ومعتقداته وأنماط سلوكه وتاريخه وحياته السياسية ،وسمت الكاتبة بموقفها إلى مستوى الحقائق التي يعيشها المواطن الجزائري  والعربي على السواء.

هذه الحقائق التي أكدتها الناقدة الأردنية » رفعت محمد دودين  «في قولها »إن أحلام مستغانمي وذاكرة الجسد يصل الماضي بالحاضر في لحظة إبداع يحاور قضايا الشعب العربي بمحطّة النضال الفلسطيني ونضالات الإنسان العربي عموما في سبيل قضايانا العادلة «¬

وما يستخلص من هذا البحث أن الكاتبة في بناءها للرواية بدأت من النهاية واتجهت إلى البداية من خلال مغامرة للسفر في ذاكرة  رجل جزائري هو ًخالد بن طوبال ً.

ولذا نجد المكان عند ًأحلام مستغانمي ًهو المكان الممسوك بالخيال والذي يسكن الإنسان ويظهر على شكل حفريات تظهر على الشخصية في تصرفاتها وسلوكها ونمط حياتها أطلقنا عليها حفريات المكان التي تميز الإنسان دون غيره .

كما أن التعامل مع المكان لم يتم تصويره كموقع جغرافي ًجامد ً وإنما تحول إلى شخصية من الشخصيات الرئيسية التي تمثّل دور البطولة والحركة والحيوية .فالمكان يمثل القلب النابض في هذه الرواية وتمثله ًحياةً التي ساهمت في خلق العالم الحميمي الذي يرتبط بالمكان الرحمي حيث الولادة والنشأة ويظل عالقا في الذاكرة طول العمر .

ومن هنا كان المكان مركز استقطاب الجميع لأنه يمثّل النواة في جمع الأمكنة المكونة لهذا الفضاء بصفة عامة

ــــــــــــ

¬ رفعة محمد دودين ًمجلة الهدى ً العدد السادس الموافق لأفريل 2000 م /دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع –عين مليلة .ص 25

ويمكن أن نوضحه في الشكل التالي

 

كل شيء يضعك وجها لوجه مع هذه الثورة ًواعتمدت على المفصل المكاني الذي تمثله ًحياة ً حيث يربط بين جميع الأمكنة والشخصيات التي لها علاقة بهذا المكان بل تعتبر في الرواية امتدادا لهذا المكان .

والمكان عند ًأحلام مستغانمي ً هو مكان ًثقافي ً مزجت فيه بين المكان الذكرى والمكان الحاضر كما انه أصبح مكان منتج يتغذى من جميع ما يحيط به ويعيد إنتاجها من جديد بشكل يحقق للمكان جماليته كما أن هذا المكان مكان شهي وأنثوي يمتلك تلك الحميمية وقوة الجاذبية حيث جعلت من ًحياة ً ًمركز ثقل الرواية ً والمكان المستقطب للجميع يبدأ من ًحياة ً ويعود إليها ليمتزج معها في الأخير .

ونظام الأمكنة عند أحلام مستغانمي يمتد من الجزء في استدعاء الكل وهي ما تسمى علاقة الجزء بالكل .

والكاتبة هيمنت على عالمها الحكائي بما فيه من أبطال يتحركون على واجهة تشبه واجهة النواة الجاذبة للكل وتمثلها ًحياةً التي استطاعت بفضلها خلق تلك الحميمية وطقوس العشق اتجاه هذا المكان الأصل الذي تمثله ًالثورة ً.

وأحلام مستغانمي استطاعت أن تحّول عنصر المكان إلى أداة للتعبير عن موقف وتصور من خلال تلك الثنائية الضدية التي اعتمدت عليها مكونة فضاء روائيا شاملا .يتوزع بين أمكنة واقعية  وأمكنة  مجازية حيث حولت بعض العناصر المكانية الثابتة إلى دلالة سياسية واجتماعية و حضارية . كما أن الكاتبة جمعت بين سحر الفن وسطوة المكان ًفالمكان إذن ليس مجالا للحركة فحسب ،لكنه أيضا ذاكرة للزمن يحفظ في طياته عبق الماضي ورائحة أحداثه وشخوصه ً¬ ومن هنا كانت ًقسنطينة ً هي التاريخ القديم وهي الثورة وتاريخها وهي أحلام الشهداء وهي المستقبل كما خلقت للمكان سطوته وروحه الخفية ،حيث بقي يلاحق أبناءه حتى في المنفى واخذ منهم كل شيء وانصهر الجميع في بوتقة المكان الأصل .وهذا ما نلمسه في رحلة ًخالد بن طوبال  في ماضية وحاضرة كما يلاحظ أن الإبداع لدى الكاتبة تم بفضل الزمن حيث حققت للمكان تلك الأبعاد التي ترتبط بخيوط المكان حتى الأصل الذي تمثله ًحياةً في علاقة حميمية شبه أيروسية حملت طقوس العشق والولاء لهذه المدينة الصخرة مثلما تسميها الكاتبة .

كما أن سطوة المكان عند ًالكاتبة ً قابعة في الداخل متأثرة بالخارج وتبقى تلك الوشائج العاطفية متوفرة في النص تحقق للمكان جماليته حين ساهمت في ربط القارئ وإشراكه في عملية الإبداع من خلال إثارة خياله وتوسيع مداركه بصورة فنية جمعت فيها بين بنية التعبير الرصين المنتظم وما يدلّ عليه وينتهي إليه من تمزق عن طريق هذا التمزيق الرمزي لجسد الكلمات إلى درجة أن القارئ لا يميز بين قسنطينة الأرض والوطن وحياة تلك المرأة الأنثى الشهية أو بين شهوة الجسد وشهوة المكان .هذه الدلالة التغييبية يتم أداؤها بشكل منتظم طبقا لبنية إيقاعية وتركيبية محكمة قرّبت النثر للشعر

ـــــــــــــ

¬-د/مصطفى الرزاز (الافتتاحية »مجلة الثقافة الجديدة العدد 12 .الهيئة العامة لقصور الثقافة /نوفمبر 98 مطبعة الأمل القاهرة ص 02

يبدو كل ذلك في درجة قصوى من التوتر مع ما تفضي إليه العبارات من فضاء حسي يتجاوز المألوف من الدلالات التي يحيل إليها ليكتسب أخرى رمزية تجعل منه جسدا يتخذ شكل المدينة أو الوطن ومن هنا تظهر ًخصوصية أحلام مستغانمي ً من تجّذرها في الذات النسوية وانفعالها الوجداني الأنثوي والمزج بين عناصر الواقع وصور الخيال والاعتماد على لغة دافئة موحية أقرب إلى الشعر عن طريق تكوين مجموعة من المتواليات الصوتية الكفيلة بتحقيق درجة قصوى من الغنائية .

وأحلام مستغانمي تحاول ربط المكان بالمعطيات الحسية الأكثر إثارة ممّا جعلنا نقول بأنثوية المكان الشهي القابل للإدراك عن طريق مزج الصورة بالجنس حيث تتفتح تلك الصيغة التعبيرية والجارفة المفعمة بلهيب الرغبة عن طريق الكلمات التي تتصل بجسد المرأة وملابسها .ولعل ما يمكن ملاحظته في أسلوب الكاتبة تلك الوحدات الصوتية المتشاكلة وعلى مجموعة من التحولات الدالة للحزم الصوتية هو الذي أثرى العملية الإبداعية للكاتبة وجعل الرواية في مستوى الحدث شكلا ومضمونا .

ومن هنا كانت هذه الرواية متماشية مع هذا الوطن منذ استقلاله الى يومنا هذا ومتفاعلة مع تطور الأحداث والمخاضات منذ سنوات الاستعمار العجاف وما عقبها .التي اتسمت بالبحث عن الهوية الوطنية إلى سنوات الاستقلال التي اتسمت بالبحث عن الثوابت الوطنية وحقوق الإنسان كما كان صوت التاريخ والأيديولوجيا والسياسة حاضرا على الدوام في ثنايا هذه الرواية الموسومة بالبحث عن الهوية ومسائلة الهوية والخيبة الاجتماعية وسراب الاستقلال ومن هنا كانت الواقعية هي السمة الغالبة على هذه الرواية مهما تعددت وتقنعت طرائق وتجليات الواقعية عن طريق الانزياح وكسر مألوف اللغة والاعتماد على الرمز أساسها في ذلك فاعلية الذاكرة كعين باطنية »المونولوج« حيث تقترب الكاتبة الروائية من الكتابة الشعرية ويبقى ضمير المخاطب هو المهيمن على أسلوب الحوار .

ولعل المرأة ًحياةً أو المكان الأنثى هو الذي تتمفصل فيه جميع الأمكنة وتتعدد وتتداخل ،يختلط فيه التراث بالأسطورة السياسية بالأيديولوجيا هو الذي يمثل محور بناء الرواية القائم على الثالوث المحرّم مثلما سمته الكاتبة الدين ،السياسة ،  الجنس         الدين

                                                الديـن                        

 

                               الجنس                  السياسة

 

وفي الأخير لا ادّعي أنني قدمت كل ما يجب تقديمه في هذه الرواية الجديرة بالقراءة والدراسة وهذا قليل من كثير ،كما كانت أهم فاعلية في هذه المقاربة هي قراءة النصوص وتشريحها والتقصي ألمجهري أحيانا لأدق جزئياتها وعناصرها كما نقرا الجوانب المضمرة من خلال الجوانب الأخرى المظهرة .

ولا ننكر أننا انبهرنا كثيرا وأعجبنا بهذه الرواية التي كانت نقلة نوعية متميزة في عالم الرواية الجزائرية جعلت أحلام مستغانمي جديرة أن تتربع على عرش الرواية في الجزائر بكل تفوق وامتياز ،نظرا لخصوصيتها من خلال تجاوزها للنصوص الروائية التقليدية وانزياحها عنها .



[1] ـ  د/ ياسين الأيوبي / مذاهب الأدب /  معالم وانعكاسات / ح II الرمزية ط I – 1982 م المؤسسة الجامعية   للدراسات و  النشر و التوزيع / بيروت / لبنان .ص 32.

[2] ـ  نفس المرجع ص 36 .

 

[3] ـ الرواية ص 158 .

[4] ـ الرواية ص 159 .

[5] ـ الرواية ص 160 .

 

[6] ـ الرواية ص 160 .    

[7] ـ بوشوشة بن جمعة / الرواية النسائية المغاربية / منشورات سعيدان / سوسة الجمهورية التونسية ص 225

[8] ـ الرواية ص 194

 

[9] ـ بوشوشة بن جمعة / الرواية النسائية المغاربية / منشورات سعيدان / سوسة الجمهورية التونسية ص 268

[10] ـ الرواية ص 208

[11] ـ بوشوشة بن جمعة /الرواية النسائية المغاربية /ص 228

[12] ـ د / عزيزة مديدة / القصة والرواية / ديوان المطبوعات الجامعية / للجزائر ص – 26 .

[13] ـ د / عبد العزيز شرف / الأسس الفنية للإبداع الأدبي / دار الجيل /بيروت/ط   1993 ص – 203 .

[14] ـ نفس المرجع ص 208 .

[15] ـ الرواية ، ص209 .

[16] ـ  بوشوشة بن جمعة /الرواية النسائية المغاربية/ص 293

[17] ـ الرواية ص 209

[18] ـ بوشوشة بن جمعة /الرواية النسائية المغاربية ص300

[19] ـ شاكر النابلسي /جمالية المكان في الرواية العربية /المؤسسة العربية للدراسات والنشر /بيروت ط1 ص20

[20] ـ دانييل جولمان /عالم المعرفة 262 أكتوبر 2000 الكويت ص 172

 

[21] ـ الرواية ص 302 .303

[22] ـ ينظر / جورج طرابيشي / الرجولة و إيديولوجيا الرجولة في الرواية العربية/ دار الطبيعة للطباعة و النشر / بيروت ط2 – إذا مارس 1983 ص 47 .

[23] ـ ينظر جورج طرابيشي / رمزية المرأة في الرواية العربية و دراسات أخرى / دار الطليعة بيروت /لبنان ط1 ص 194.

[24] ـ بوشوشة بن جمعة / الرواية النسائية المغاربية / منشورات سعيدان سوسة جمهورية التونسية - ص 297

[25] ـ إبراهيم رماني / الغموض  في الشعر الغربي الحديث / ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر 12/91 ص 253

[26] ـ نفس المرجع ص 253.

[27] ـ  شاكر النابلسي / جماليات في الرواية العربية / المؤسسة العربية للدراسات و النشر / بيروت ط1 1994 ص – 17  .

[28] ـ الرواية ص 316.

[29] ـ ينظر د/ يوسف حبي " الإنسان و الأرض " مجلة آفاق عربية ع /9/79 ص 85 .

[30] ـ الرواية ص 390

 

[31] ـ   الرواية ص 295 .

[32] ـ بشوشة بن جمعة /الرواية النسائية المغاربية ص 297

[33] ـ د/ محمد غنيمي هلال " النقد الأدبي الحديث " دار العودة / بيروت / طI 1983 ص 564 .

[34] ـ  نفس المرجع ص 564 .

[35] ـ ينظر د/ حلمي محمد القاعود " حوار مع الرواية المعاصرة في مصر و سورية " اشبيلية للدراسات و النشر و التوزيع ط I /1999 ص 35 .

[36] ـ أحمد الحسين " مخطوط رسالة دكتوراه في الأدب " تقنيات الرواية في النقد العربي المعاصر جامعة حلب 1993 ص 196 .

[37] ـ ذاكــرة الجسد ص 17 .

[38] ـ الرواية ص 212 .

[39] ـ د / إبراهيم الحاوي / حركة النقد الحديث و المعاصر في الشعر العربي / مؤسسة الرسالة بيروت / الطبعة الأولى / 1404 ه 1980 ص 175 .

[40] ـ الرواية ص 28

3 ـ د/صالح مفقودة /قسنطينة والبعد الحضاري للمكان /مجلة العلوم الإنسانية عدد 13/2000

[42] ـ الرواية ص / 324

[43] ـ د/إبراهيم الحاوي/حركة النقد الحديث والمعاصر في الشعر العربي /مؤسسة الرسالة بيروت /ط1.1404 ه /1980 م ص 201

[44] ـ الرواية ص 330.331

 

[45] ـ  ذاكرة الجسد – ص 343 –

 

[46] ـ الرواية – ص 344 –

[47] ـ د/ صلاح فضل / أساليب الشعرية المعاصرة / دار الآداب بيروت – ط / 1995 ص 141.

[48] ـ نفس الرجع ص 142 .

 

[49] ـ الرواية – ص 344 .

[50] ـالرواية – ص 344 .

[51] ـ الرواية – ص 376 .

[52] ـ شاكر النابلسي/جماليات المكان في الرواية العربية/المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت ط1/ 1994 ص10

 

[53] ـ ذاكرة الجسد – ص 174 .

[54] ـ ذاكرة الجسد – ص 174 .

[55] ـ ذاكرة الجسد – ص 230

 

[56] ـ الرواية – ص 232 .

[57] ـ بوشوشة بن جمعة / الرواية النسائية المغاربية / منشورات سعيدان سوسة /الجمهورية التونسية ص303

 

[58] ـ الرواية  ص 243 .

[59] ـ  الرواية– ص 247 .

 

[60] ـ ذاكرة الجسد –ص 248.247

 

[61] ـ الرواية ص - 249 -

[62] ـ بوشوشة بن جمعة / الرواية النسائية المغاربية / منشورات سعيدان / سوسة .تونس / ص 297

[63] ـ شاكر النابلسي / جماليات المكان في الرواية العربية / بيروت ط 1  1994 ص 16

[64] ـ خالد حسين حسين / من المكان غالى المكان الروائي / المعرفة ع  442/ تموز يوليو  2000 / وزارة الثقافة سورية ص 161

 

[65] ـ الرواية ص - 135 -

 

[66] ـ الرواية  ص136

[67] ـ الرواية ص168

[68] ـ الرواية ص 191

[69] ـ  الرواية ص 191

 

[70] ـ د/علي وطفة /المظاهر الاغترابية في الشخصية العربية /بحث في إشكالية القمع التربوي /مجلة عالم الفكر /المجلد السابع والعشرون /اكتوبر /ديسمبر 98 المجلس الوطني للثقافة والفنون /الكويت /ص 270

[71] ـ الرواية ص 284

 

[72] ـ الرواية ص 317

[73] ـ  الرواية ص 330

 

[74] ـ ذاكرة الجسد ص 330

[75] ـ نفس المصدر والصفحة

[76] ـ بوشوشة بن جمعة /الرواية النسائية المغاربية /منشورات سعيدان سوسة /الجمهورية التونسية ص 298

[77] ـ  الناقدة الأردنية (رفعة محمد دودين /مجلة الهدى /مجلة شهرية /ع6/أفريل 2000  دار الهدى للطباعة والنشر والتوزيع /ص.ب.193 عين مليلة ص.25

 

 

 Télécharger l'article