عقدة "ليما" في  مجموعة "المنفى والمملكة"

لألبير كامو

أو  الانتماء القسري إلى الثورة الجزائرية

 

الحبيب الدائم ربي

 المغرب

        لربما قد لا تناسب  الأوضاع المريحة طبيعة الفكر والإبداع ، فما يستفز العلماء والفنانين، بالأساس، هو القلق  واللاطمأنينة. إذ كلما  وُضعوا أمام امتحان التحديات  انقدحت قرائحهم وارتفع سقف إبداعيتهم درجات. وحتى  حين يسود  بينهم وبين العالم قدر من التناغم،  في حالات سكينة  وهي نادرة، فإنهم ما يفتأون  يزوبعونه كي يجرحوا صفوه السطحي بأسئلة مربكة. من ثم شكلت اللحظات المفرقية من تاريخ الأفراد والأمم والشعوب زنادا زاد  شرر عطائهم  قدحا. بيد أن هذا  لا يحسم في كون الأحداث الجسام قد تعطي ما يوازي أهميتها من أدب وفكر، سيما وأن اتساع الرؤية قد لا يؤدي بالضرورة إلى اتساع في العبارة، هذا مع تحريف بسيط لقولة النفري الشهيرة...و لفظ "العبارة" هنا كناية على  الكتابة و "التعبير" عموما.فكم من وقائع لا ترقى إلى مستوى الأدب صارت أدبا عظيما وكم من أمور في غاية الخطورة لم تخلف  أثرا أدبيا وفنيا يليق بخطورتها.  

          من هذا المنطلق نبغي استشكال وضعية الكتابة لدى الكاتب الفرنسي ألبير كامو،إزاء "الثورة الجزائرية"، من خلال مجموعته القصصية "المنفى والمملكة"[1]. لا من زاوية المقايسة بين "الحدث التاريخي" و"الحدث الأدبي"، خاصة وأن الثورة الجزائرية حدث تاريخي عظيم بكل المقاييس ، و القيمة الفكرية والفنية لمنجز  كامو ، بدورها، لا تقبل الدحض أو التشكيك، وإنما من زاوية التموقف  الحائر لكامو،وبالتالي لشخوصه، من "الحرب الجزائرية" أو "الثورة الجزائرية"، بين "لا" و "نعم"، حسب تعبير الشاعر بشار بن برد.ومراوحتنا هنا بين اصطلاحي "الحرب" و"الثورة" هو  احتراز مقصود بغرض توصيف حالتي التمزق  والحيرة اللتين عبّر عنهما كامو  في كتاباته الأدبية على الخصوص. فكما لا يخفى فإن الرجل فرنسي الأصل جزائري المنشأ،وهذا "الانتماء" المتردد، فضلا عن اختيارات فكرية وإيديولوجية متداخلة، كلها جعلت منه "فرنسيا جزائريا"، أو على الأصح لا هو  فرنسي تماما ولا هو جزائري،أو هو هما معا، في الكتابة كما في الحياة،وكان من شأنه التأثير في كتابته  ونفسيته،إلى حد بات معه  شبه غريب  في فرنسا، شبه غريب في الجزائر، بل منفيا.فيما يشبه "عقدة ستوكهولم" معكوسة، قد يعشق فيها الجلاد ضحيته، ويعتنق  قضيتها من دون أن يتخلى، تماما، عن قضيته. ولعل هذا الانشطار بين"الكراهية" و"الحب"،بين السادية والمازوشية، بين الانتماء والاقتلاع،هو  ما سنبرهن على بعض تمظهراته من خلال استثمار ما أطلق عليه علماء النفس" عقدة ليما"[2]،التي  بقدرما  هي، في ظاهرها،اختيار شخصي للانتماء إلى الآخر الأضعف، إلا أنها، مع ذلك ، عَرَض من أعراض الوقوع الاضطراري في إغواء قسري.من ثم فإن ما يعنينا من كتابة "كامو"، بالدرجة الأولى، هو القول لا كيفيته. مع العلم بأن صاحب"الطاعون" وإن  كان يكتب، في هذه الأضمومة، بأسلوب بسيط عن قضايا معمقة. فهو يخفي، خلف البساطة الخادعة، اشتغالا تقنيا في غاية الدقة والفنية.

سيرة ممزقة:                                                                             

 من شأن  سيرة ألبير كامو المتوترة،المركّبة، التي يضارع فيها الجرح الشخصي بالغمة الجمعية، أن تساعدنا على تسليط الضوء لفهم بعض اختياراته الواعية واللاواعية،في مجال الكتابة بالأساس.لقد ولد سنة 1913 بقرية مندوفي  الجزائرية التابعة لقسنطينة ،من أب فرنسي وأم إسبانية. نشأ بحي فقير من أحياء العاصمة وتابع دراسته بجامعة الجزائر.هو إذن جزائري المولد والنشأة،لكنه في الآن ذاته أوروبي"الهوية".وحبه موزع بين ضفتين: بين فرنسا وبين "الجزائر الفرنسية". من هذا المنطلق فولاؤه مجروح للمستعمر- بكسر الميم الثانية- والمستعمَر- بفتح الميم الثانية- لذلك فخلال الاحتلال الألماني لباريس انخرط في صفوف المقاومة الفرنسية ،وأصدر رفقة جان بول سارتر، منشورا سريا ناطقا باسم المقاومة الشعبية،  يحمل اسم Combat ، سيغدو بعدها صحيفة ذائعة الصيت، تتبني الوجودية وفلسفة العبث،من منظور يربط  اللامعقول بالتمرد. ففي ظل اللامعنى في هذه الحياة، وفي حياته بالذات(أي حياة كامي)، فليس للفكر البشري  سوى حلين: أن "يحاول تجاوز نفسه في نطاق ما يؤدي إلى نفيه"[3] بمعنى  أن ينتحر  ( ويستسلم)،أو  يتمرد على اللامعقول ويعانق العدم. وفي الحالتين فإنه لا محالة معانق  قصور حيلته. أليس الوقوع في محظور التضامن مع الخصم انتحارا وعدما؟!

      هذه الصورة المتناقضة لكامو ستأخذ في مذكرات سارتر، صديقه القديم وخصمه فيما بعد، ملمحا ساخرا، إذ كان بحسبه" مثيرا للضحك". وما شده إليه، في بادئ الأمر، هو "جانبه الجزائري". لقد "كان يتحدث  بلكنة تشبه أهل جنوب فرنسا"، كما أن "له صداقات إسبانية تعود إلى أيام اتصاله بالإسبان والجزائريين"[4].

وتمثلات سارتر  عن كامو في هذا السياق، تستضمر إقصاء له من مركزية الذات الأوروبية، علما بأن الهامش (الجزائر الفرنسية)،من جهته،لا يعترف به إلا كآخر مشبوه في ظل ثورة الجزائريون على الهيمنة الاستعمارية.

    -"المنفى والمملكة"

         لقد عُرف عن "كامي الأديب" كونه مفكرا أيضا، فهو كاتب سرود روائية ومسرحيات ويوميات   ومقالات لا تخلو من فكر فلسفي، فيما ظلت  قصصه القصيرة، وخاصة "المنفى والمملكة" بعيدة عن دائرة الضوء النقدي، والحال أنه كان قصاصا لا يضاهى.لا من حيث   التقاطه لتفاصيل داعمة لطروحاته الفكرية، وحسب، بل وأيضا على صعيد تجريب أساليب حكائية منفلتة من التكرار والنمطية،ولو أنها لا تولي بالا للشكلانية المفرطة، فما يعني الكاتب،قبل كل شيء، هو البعد الأطروحي.

      بالرغم من كون  قصص  هذه المجموعة كتبت منجّمة.وشُرع في نشرها منذ 1954،وهو تاريخ نشر قصة "المرأة اللعوب"، لتظهر في  مجموعة بعنوان " المنفى والمملكة" سنة 1957، أي في أوج الحراك الثوري بالجزائر ضد المستعمر،فإنها تمثل أضمومة قصصية تنتظمها رؤية واحدة.  إنها حسب جون بيير بوشيه "مجموعة تيماتية" تجمع قصصا تدور حول موضوعة واحدة"[5]: موضوعة "المنفى"وهي بهذا مشروطة بـ"الحرب" وتداعياتها السيكولوجية والتاريخية. وتتكون  من ست قصص تراوح بين14صفحة و 40صفحة ، تؤطرها العناوين التالية: الزوجة اللعوب،اللئيم (أو فكْر مُشوش)،الخُرْسان، المُضيف، جوناس، والحجر الذي ينمو.

ويمكن اختصار متونها الحكائية هكذا:

- الزوجة اللعوب،La femme adultère بطلتها "جانين"التي سترافق  زوجها"مارسيل"، هي المحبطة،  في مغامرة إلى  صحراء الجزائر،

- اللئيم(أو ذهن مشوش)، Le renégatتدور حول مبعوث مسيحي(إلى الجزائر)  غارق في هلوساته ورطاناته يحاول، سدى، تنصير قبيلة من الرحل الإحيائيين،

- الخرسان،Les muets     تحكي  عن وضعية عمّال في مصنع للحاويات(البراميل) بالجزائر العاصمة، ومعاناة إيفارس Yvarsرغم زيجته السعيدة وتضامن أصدقائه معه في التصدي لرب العمل.

- المُضيف، L'hôteتحكي عن مدرس أوروبي بالجزائر يشتغل بمنطقة جبلية  فرض عليها فصل الأمطار عزلة قاسية،سيجد نفسه في مواجهة مع حالة الاستعمار الفرنسي للجزائر، إذ سيكلفه رجال الدرك باقتياد أحد مجرمي الحق العام إلى السلطات المحلية، إلا أنه سيرخي سبيله في الطريق، لكن المجرم سيسلم نفسه إلى السلطات بمحض إرادته.

- جوناس(أو يوحنا)Jonas، تشخص حالة رسام استغرقه النجاح، يجد نفسه، بعد تألق وشهرة، عاجزا عن الإبداع، ليعيش حالة من الإحباط والعزلة ، سيتعافى منها أخيرا.

- الحجر الذي ينمو(يدفع)،La pierre qui pousse تحكي عن مهندس شيد حاجزا على امتداد  نهر بالبرازيل، ليلفي نفسه وحيدا متعبا، فيندمج مع الأهالي  في احتفالات طقوسية تجمع بين معتقده(المسيحي) ومعتقداتهم (التوفيقية- التلفيقية) .

      ولعل أول ملاحظة تستوقفنا ونحن نستعرض متون القصص بإيجاز،هي كون شخوصها تعاني  جميعا من تمزق داخلي، كمعادل موضوعي للشرخ الذي يحكم علاقتها بالواقع. تلك العلاقة الملتبسة التي تنتظم حياة الكاتب كذلك.

في العتبات:

  1-  من المعلوم أن  العنوان يشكل  عتبة  سيميائية معتبرة ضمن اقتصاد التداول الرمزي، سيما في الأعمال الإبداعية،لكونه ينفتح على أفقين مختلفين ومتداخلين، بالنظر إلى إحالته، من جهة، على واقع مادي ملموس، ومن جهة أخرى ، على "أثر للواقع" يتجلى في الكتابة والتخييل. من ثم فإن دوره في تكييف أفق انتظار الكتابة والقراءة معا، حاسمٌ لا محالة،لأنه مؤشر لا يمكن تجاوزه، بما هو  بوابة حقيقية (أو زائفة) يتقصّدها الكاتب، بتصميم مسبق،كمدخل لعوالمه التخييلية.

        إن  إطلالة بسيطة على العناوين التي اختارها كامي لمحكياته ومسرحياته وتأملاته الفكرية، ومترجماته،بدون استثناء، تضعنا أمام عزلة الكائن وغربته القاسية. لنتأمل التعيينات التالية لمجمل آثاره:

في الرواية :الغريبL'Etranger، الطاعون La Peste، السقوط La chute،

في المحاولات الفكرية: زيجات، صخرة سيزيف،الرجل الثائر،

في  المسرح: كاليجولا،سوء التفاهم،حالة حصار، العادلون، الذباب.

في اليوميات: وقائع جزائرية (1939- 1958)

 في الترجمات والإعدادات المسرحية: الأرواح(بيير لاريفي)، المأخوذون (دوستويفسكي).

        وهي كلها، بظننا، توحي بقدر أو آخر باغتراب ما.

    2- وحتى نبقى في حدود " المنفى والمملكة"،وفي سياق "النص الشارط": الثورة الجزائرية، علينا أن نستحضر الدلالات اللاهوتية(الإنجيلية) و الفلسفية لكلمة " المنفى" و"المملكة"، إفرادا وإضافة.بدءا بخروج آدم(وحواء) من الجنة، مرورا   بتأملات  أفلاطون، وديوجين الكلبي، وهيجل، وديكارت، وسارتر، تمثيلا  لا حصرا.فالمنفى لايتعلق بغربة مكانية للجسد وحسب، وإنما هو كذلك نفي في الوجود والوعي[6]، أي ابتعاد عن البنيات المؤسسة للوجود الذاتي، وهو بالتالي، ليس استلابا[7]، وإنما هو توق مستمر لاستعادة توازن مفقود. إنه محنة الفكر المتمرد أمام عجزه الآدمي. من ثم نرى أن العناوين  في هذه المجموعة تكتسي  دلالات مجازية تتجاوز منطوقها. حيث يتضافر المعيش بالفلسفي: الوضع الشخصي بالوضع البشري.وحياة الكاتب بحيوات شخوصه.ومع أن المطابقة بين الكتابة والواقع مجرد أسلوب إيهامي، فإنها لدى كامو تتخذ بعدا آخر،قد يصبح معه فعل الكتابة صدى لحياة الكاتب، حتى وهو يشيد عوالم متخيلة. ومبرر هذا أن كامو كان يشتغل على أطروحة "المنفى" في مختلف الصيغ التعبيرية التي توسّل بها في كتابته(القصة، الرواية، المقالة، المسرح، الروبورتاج، اليوميات، إلخ.). وهكذا فإن شخصيات هذه المجموعة القصصية، وإن اختلفت أحوالها فإنها تتقاطع ضمن تمفصلات عدة، منها:[8]

- الخيبة والإخفاق: إخفاق الزواج(في قصة الزوجة الخائنة)، إخفاق الراهب في تنصير أهل الصحراء(في قصة اللئيم)، إخفاق في الحياة الاجتماعية(في قصة الخرسان)، إخفاق في الاندماج (في قصة المضيف)، إخفاق في الإبداع(في قصة جوناس)وهكذا...

- العزلة  أو المنفى: حين تجتمع الخيبة بالعزلة فذاك هو المنفى الأقسى الذي "يكون فيه الإنسان حيث لا يكون"(جاك بريفير).لهذا فإن شخصيات المجموعة  تستشعر اليتم[9]، و ترزح تحت كلكل العزلة.أما وأنها عزلة ، حتى والكائن يوجد بين الآخرين، فذاك هو الجحيم بعينه. ويتجلى المنفى لدى الشخصيات الرئيسية الست في "الرفض والاقتحام وعدم التفهم من قبل باقي الشخصيات الأخرى"[10] فإلى جانب الأوضاع المأزومة التي يترجمها البناء العام  للشخصيات  هناك  صيغ تعبيرية عديدة  تترجم ذلك. فـ"جانين" استندت بكامل جسدها على الإفريز، ظلت بلا صوت،عاجزة عن الاقتلاع من الفراغ الذي ينفتح أمامها"(ص. 21)."تستيقظ  متأخرة شيئا ما ، الصمت حولها مطبق"( الزوجة اللعوب .ص.23)، والراهب يتأوه"يالصمت الصحراء، إنه الليل وأنا وحدي"( اللئيم .ص.43)، وإيفارس                     

"لا يحس سوى بتعبه، قلبه منقبض، يريد أن يتكلم لكنه لا يجد ما يقول"(قصة الخرسان، ص.57)،"يلحظ فجأة أن الأبواب مغلقة، أمامها مجموعة صامتة من العمال"(االخرسان. ص.50). والمعلم "يعيش في هذا البؤس كراهب في مدرسة منسية"(قصة المضيف،ص.90) وجوناس(يوحنا) صار " يتفادى غشيان الأماكن والأحياء التي يرتادها الفنانون،وما أن يصادف بعض معارفه ويكلمونه عن الفن حتى يصاب بالذعر"(قصة جوناس، ص.98).

لا شك أن سؤال الانتماء والهوية مطروح بحدة في هذه المجموعة. ولا شك أيضا أن قصص  المجموعة،كلها، ماعدا قصة "الحجر الذي ينمو" ترسم تقابلات بين "الأوروبي" و"العربي" في وطن يتنازع فيه الجلاد الهوية مع ضحيته.

بيد أن هذا الإخفاق في التواصل  لا يمنع من كون شخوص المجموعة تحاول الدخول في شبكة من العلاقات الإيجابية مع المحيط والناس قد تتكلل جزئيا بحلول وسطى كتجسيد  لمقاومة "المنفى"والدخول إلى "المملكة" التي يحافظون فيها على  هوياتهم المشوشة بقدر ما"[11]. هاهنا تتجسد "عقدة ليما"، ويظهر هذا جليا في القصتين الأخيرتين"جوناس" و"الحجر الذي ينمو" ففي الأولى ينخرط البطل، مع زملائه، في صراع مع رب العمل، وفي الثانية ينحلُّ الجدل في "تركيبة" تجمع ما لا يجمع.كأن تكون الزوجة بغيا، في قصة "الزوجة اللعوب"، أو يخلي المعلم الأوروبي سبيل عربي، كان من المفروض أن يسلمه تنفيذا لأوامر سلطات الاحتلال،إلى العدالة. وقمة المفارقة في القصة هي أن يسلم العربي الطليق نفسه للسلطات.

ومن يقرأ قصة "الزوجة اللعوب" سوف لن يعثر فيها على خيانة "لجانين" لأن فعل "الخيانة" المقصود، هو تلك الرغبة في التخلص من "زواج" لمعانقة الانتماء إلى صحراء الجنوب وناسها هي المقيدة بأغلال "غربية". ولاحاجة بنا إلى الإسهاب في استعراض الأمثلة النصية التي تبيّن مدى معاناة "الأقدام السوداء"، في الجزا ئر الثائرة، من مآزق هويتهم.

ويمكن قراءة هذه الإشارات باعتبارها أعراضا للبحث عن خلاص، يحرر  الذات المحبطة، المعزولة،من ضغط "العبث"، ويدخلها عالم الملكوت(المملكة). والواقع أن  شخوص "المنفى والمملكة" جميعا، أبطال إشكاليون (بالمعنى اللوكاشي)،في سعيهم إلى البحث عن قيم أصيلة بوسائل غير أصيلة، مما يوقعهم في التناقض:وعقدة ليما هي المصطلح النفسي الذي المناسب للدلالة على "هوياتهم القاتلة".

نحن نعلم جيدا ما قد يترتب عن الربط بين  الكاتب وشخوصه من مزالق منهجية، يتم الخلط فيها بين محفلين متباينين. إلا أن تجاهل بعض التقاطعات الفعلية بين الكتاب وأبطالهم قد لا يقل مجازفة. ألم يقل غوستاف فلوبير عن بطلته" إن السيدة بوفاري هي أنا"، أي أنها تحمل بعضا من ذاته ووعيه.من هنا فإن الهمّ الذي يحرّك شخصيات "المنفى والمملكة" هو همٌّ  لصيق بالكاتب كامو. ولئن كان كامي "جنوبيا" فإنه لم يكن كذلك تماما.مادام  واحدا من "الأقدام السوداء" في كل الأحوال. صحيح أنه كان متعاطفا مع"العرب الجزائريين" منتقدا عدم المساواة بينهم وبين الفرنسيين" لكنه ظل يعالج القضية من منظور فرنسي جزائري. مما طبع تصوراته وأفكاره بغير قليل من التذبذب ، متأرجحا بين الماركسية والنزعة الأخلاقية.صحيح " أن كامو لم يكن قطّ لامباليا بالأزمة الجزائرية، لقد كانت تمزق فؤاده. وقلقه تضاعف حسب إيقاع الحرب ولم ينطفئ أبدا على امتداد الستة والثلاثين شهرا الأخيرة من حياته"[12].

إن وقوف شخصيات "المنفى والمملكة" في وسط المسافة الفاصلة بين "أن يكونوا وألا يكونوا" يلخص لنا ذلك الصراع الذي اعتمل في دواخل كامو  الذي أقحمته أصوله، رغم أنفه، في صفوف المستعمرين،وفرض عليه الواقع أن "يناصر" الثورة الجزائرية. مما أوقعه في حرج كبير،كحرج المختطف الذي يقع في حب رهينته. فحين وجه إليه قارئ سنة 1957 في دورية إنجليزية Encounter سؤالا يبغي معرفة رأيه في "الحملة الفرنسية في الجزائر" عبّر عن رأيه الإيجابي في "رفع وضع الاستعمار عن الجزائر" بعقد  حوار بين كل الأطراف لصياغة دستور يمنحها استقلالا "على النمط السويسري"[13]،من دون الذهاب أبعد من ذلك. ما لم نقل إنه "تراجع خطوة إلى الوراء" بانتقاده لـ"الفظائع" من الجانبين(الفرنسيين والعرب) مساويا بين الضحية والجلاد!.

 

 

 

 

 



[1]. Albert Camus,L'exil et le Royaume,nouvelles,Gallimard.1957.

 

2- -تستند الظاهرة على واقعة اقتحام مجموعة مسلحة  للسفارة اليابانية بعاصمة البيرو (ليما)سنة 1996 واحتجاز مئات من المدعوين، ليتم فيما بعد إطلاق سراحهم  من دون شروط .و تتجلي متلازمة "عقدة ليما" في تعاطف المختطفين مع رهائنهم وإطلاق سراحهم وربما التعلق العاطفي بهم . ينظر:www.urbandictionary.com

 

-  - الدكتور عبد المنعم الحفني،موسوعة الفلسفة والفلاسفة، الجزء الثاني، الطبعة الثانية، مكتبة مدبولي، 1999، ص.1097.[3]

- رونالد أورنسون،  سارتر وكامي، ترجمة شوقي جلال، سلسلة عالم المعرفة، عدد    334، 2006.   ص.29.[4]

[5] - WEI YU. Wei Yu ,Le système des personnages dans L’Exil et le Royaume,Montréal,Quebec.1999.P2

[6] - Olivia Bianchi, Penser l'exil pour penser l'ëtre,,Le Portique:Revue de philosophie et de sciences humaines,1-2005.

[7] - Ibid.

[8] - Wikipédia,l'encyclopédie libre.

[9] -Maki Ando, Les figures de l’exil chez Camus p.54.

[10] - Wei Yu , op.cit.Préface.

[11] - ibid.préface.

[12] -- Herbrt R Lottman,Albert Camus,Ed.Seuil.Points.1978.p.601.

[13] - Ibid.p602.

 

Télécharger l'article