من التعالق المعرفي التاريخي إلى الرؤيا الإستشرافية

         رؤيا تخييلية لرواية ( كتاب الأمير مسالك أبواب الحديد ) لواسيني الأعرج

لحسن عــزوز

جامعة وادي سوف

      إن المثير للإنتباه في النص السردي التاريخي ( كتاب الأمير مسالك أبواب الحديد ) ،للروائي واسيني الأعرج أنه استطاع الكتابة  عن حالة نفسية ، تتمثل في صورة التمزق والتجاذب ، بين الهجرة والبقاء ،الأنا و الآخر التعايش و التنافر   مستغلا الروح التاريخية الدينية ، مجسدة في موضوع الأمير عبد القادر الجزائري و قد شغل مخيلة الروائي واسيني الأعرج فالأمير كان مؤسس الدولة الجزائرية بكل زواياها باحثا عن تجربة إبداعية خلقية إنتاجية استشرافية رؤياوية جديدة  .

وقد قال سارتر في كتابه ما الأدب: (إن أي فن لا يمكن أن يكون فناً ما لم يرد الى الحادثة طراوتها الشرسة وغموضها واستحالة التنبؤ بها و نص الأمير نجد فيه النسيج القصصي الدرامي التاريخي وإن تميز بغلبة النص الدرامي الحاد ،الذي يجعل من الخط الأفقي القصصي تقطيعات ووثبات وانتقالات مفاجئة في المكان والزمان والدلالة ، كما يتسم هذا النص كذلك ببروز الفكر التخييلي الإستشرافي الذي يندمج في عملية بناء الروح السردية على أنه يتخذ أحيانا أخرى شكل عملية استدلالية أو قياسية تجريبية ، بل تقريرية ، تفجر روح الادانة والشك  والتعصب والغضب والتساؤلات الحادة ،والإصرار المتمرد الثائر ، دون أن يفقد النص توتره الدرامي وغنائيته . ونستشعر أيضا الطابع الحكائي القصصي الحواري ،التواصلي الأفقي لبناء الصورة السيميائية البارزة المجسدة ،لا تسقط في فراغات أو انتقالات مفاجئة ،بل تتحرك حركة تكاد منطقية الخطوات في تشكيل بنية النص الروائي دون أن تسقط في تجريد أو شكلية ؛ النص عنده ملأ متماسك متصل وجدانيا ودلاليا وشاعريا ، بل لعل إيقاع سرده أن يكون عنصرا أساسيا من عناصره الدلالية على أننا نحس إحساسا شبه لمسي بأشياء العالم ، لا أقول معطياته ،وإنما أشياءه ،ملموساته إنه سرد التاريخ و الواقع المباشر الحي، متجسدا متشكلا ، مصاغا في واقع الرواية الحكائية ، إنه سرد لا يستنسخ التاريخ وإنما يكتشف فيه شعريته  وواقع الإشاري المباشر هو واقعنا العربي ، همومنا  وجراح حياتنا اليومية ، مفاخرنا وأمجاد تراثنا إلا انه في سرده و تاريخيته يرتفع إلى رمز إنساني روحي شامل ،وإن لم يفقد خصوصيته الحارة ، ذلك أنه في أعماقه و في أعماق سرده بقايا البطل الأسطوري الرومنطيقي ..مازال الضياع بين الموت التي غابت ولم تغب والركون الذي يغيب و يغرب ، حلما فروسيا من أجل الحرية والحق والجمال والسعادة وإنسانية الإنسان ولكنه حلم –على فروسيته- حزين حزين، السارد واسيني مخضب بالنبوءة ، بالرؤيا ، بالتفرد والوحدة ، هكذا يبدع لنا واسيني عن ماهيات مجهولة غامضة ، وهكذا حلم الروائي ممزوج بالأسى مشرب بالموت في نسج قصصي يقاطعه ويتعامد عليه نبض درامي حاد وغنائية عالية .

1-                 رؤيا التعالق التاريخي و النص الروائي:

     إن للرواية أبعاد ومفاهيم كثيرة تختلف باختلاف النقّاد حيث  << يُعرّف بعض النقّاد الرواية بأنها قصّة خيالية ذات طابع تاريخي عميق، مما يدل على العلاقة الوطيدة التي تربط بين التاريخ والرواية >> ، ([1]) فالعلاقة بين الرواية والتاريخ وثيقة إذْ ظهرت الرواية كنوع أدبي علامة على بزوغ عصر جديد وفئات اجتماعيّة صانعة للتاريخ فكانت من ثمّ النوع الأدبي الذي يدل على حسب جورج لوكاتش على صعود البورجوازية الأوروبية ومختبراً لفحص تطلعاتها ، إضافة إلى هذه الصلة الوثيقة بحقبة تاريخية محددة من تاريخ البشرية فالتاريخ هو موضوع الرواية ، تاريخ البشر والمجتمعات والفئات الاجتماعية الطالعة وكذلك الهامشية المقيمة على أطراف المجتمع، والأهم من ذلك أن تاريخ الفرد يعدّ موضوع الرواية بوصفها نوعاً أدبيّاً حديثاً لتشخيص أنواع الأفراد وعالمهم الداخلي والفجوة العميقة القائمة بين سير هؤلاء الأفراد ومحيطهم الاجتماعي.

    انطلاقاً مما سبق يصعب فض الاشتباك الحاصل بين الرواية والتاريخ ، وإقامة جدار فاصل سميك بين الرواية وما يسمى في حقل المعرفة التاريخية بالتسجيل التاريخي      لأن قطاعاً من الكتابة الروائية، في ماضي النوع الأدبي وحاضره ، يشتغل على المادة التاريخية نفسها التي يعيد المؤرّخ تركيبها وتأويل معناها ، يقوم الروائي مستخدما التخييل وإعادة بناء المرحلة التاريخية التي يتّخذها موضوعاً له بعملية تركيب جديدة للوقائع والأحداث والظرف التاريخي والشخصيات المذكورة في حوليات تلك المرحلة مضيفا   إليها شخصيّات في مخيّلة الإنسانية والأزمنة الراحلة للشخصيات الحقيقية والمتخيّلة     ولا يختلف عمل المؤرخ بهذا الخصوص عن عمل الروائي . فالكتابة التاريخية كما يؤكد عدد من المؤرخين المعاصرين ، تنطوي على الكثير من إعادة بناء الوقائع وتركيب   الأحداث و التخييل كذلك لكي تستطيع تأويل المادة التاريخية التي تعمل عليها ، وهي بذلك تتقاطع مع الكتابة الروائية وتستعير بعض أدواتها وأساليبها في رسم الشخصيات وتحديد معالم الأمكنة و تأطير المراحل الزمنية التي تدور فيها أحداثها .

فهل يتبادل الروائي والمؤرّخ الأدوار في ما يطلق عليه " الرواية التاريخية " التي يقيم  منها معماره البنائي؟([2])  

   2-  إرهاص المؤرخ و توثب الروائي:

    لا يستطيع المؤرّخ - على الرغم من أنّه يسرد أحداثاً- أن يكون روائيّاً  كما أن الروائي لا يستطيع أن يكون مؤرّخا ، فكل واحد منهما يستقلّ بمهنته عن الآخر ويختلفان في طريقة سرد الأحداث ، فإذا كان المؤرّخ يلتزم الحقيقة ، فيسرد الأحداث كما شاهدها أو كما رُويت له فإن الروائي يعتمد التخييل في سرد الأحداث ، فيحذف      ويضيف ، ويقدّم ، ويؤخّر.

      حتى الروائي الذي يكتب الرواية التاريخية ليس مؤرخاً ، ولو أراد ذلك لالتفت  إلى كتابة التاريخ عن طريق المؤرّخين ، إنّ ما يفعله الروائي الذي يكتب الرّواية التاريخية هو تقديم أحداث التاريخ في قالب قصصي ، أي أنه لا يؤرّخ ، بل يتّخذ التاريخ موضوعاً للسرد ، ويُخضع المادة التاريخية لطبيعة الفن الروائي ، كالتخييل والحبكة Plot والتشويق.

    إنّ طريقة جرجي زيدان في سرد أحداث التاريخ - على سبيل المثال  لا الحصر- تتمثل في اتخاذ التاريخ مادة للسرد ، وإعمال الخيال في تقديم المادة التاريخية بهدف خلق المتعة والتشويق ، وشد القارئ إلى متابعة الرواية ، ولعلّ خروج الروائيين الأوائل عن التمسّك بالحقائق التاريخية في بعض الأحيان دليل على الفرق بين الروائي والمؤرّخ من جهة ، والرواية التاريخية والتاريخ من جهة أخرى . ([3]) 

 

 

3- خيمياء الرواية التاريخية:

     الرواية التاريخية تندرج ضمن سياق تاريخي يعكس فترة حياتية محدّدة ، فالعودة   إلى الماضي لا تنتج دائما رواية تاريخية ، إنها عودة مشروطة بمحدّدات ترسم ملامح هذا اللون السردي من الروايات ومن هنا << يصف لنا جورج لوكاتش الرواية التاريخية    بأنها : " رواية تثير الحاضر، ويعيشها المعاصرون بوصفها تاريخهم السابق بالذات     كما أكد  لنا أن المهم في الرواية التاريخية ليس إعادة سرد الأحداث التاريخية الكبيرة  بل الإيقاظ الشعري للناس الذين برزوا في تلك الأحداث، وما يهم هو أن نعيش مرة أخرى الدوافع الاجتماعية والإنسانية التي أدت بهم إلى أن يفكروا  ويشعروا ويتصرفوا كما فعلوا ذلك تماماً في الواقع التاريخي"،ومن هنا نقول: إنّ الرواية التاريخية في محصلتها الختامية لدى لوكاتش هي تفاعل بين الروح التاريخية والأنواع الأدبية ، تفاعلا يعكس ما خفي سابقاً وما غمض لاحقاً.

    أمّا ألفرد شيبا رد  Alfred Sheppard فيعرّف الرواية التاريخية بقوله:" تتناول القصة التاريخية الماضي بصورة خيالية، يتمتع الروائي بقدرات واسعة يستطيع معها تجاوز حدود التاريخ ، لكن على شرط أن لا يستقر هناك لفترة طويلة إلا إذا كان الخيال يمثل جزءاً من البناء الذي سيستقر فيه التاريخ" >>. ([4])

    كما يرى جوناثان فيلد J.Field أن الرواية التاريخية تعتبر تاريخية عندما تقدم تواريخ وأشخاصاً وأحداثاً يمكن التعرّض إليهم ، أما ستودارد Stoddard فيقدّم  لنا تعريفاً مغايراً لما قدّمه Field مفاده أن الرواية التاريخية تمثل سجلاّ لحياة الأشخاص  أو لعواطفهم تحت بعض الظروف التاريخية؛ أي أنه يركز على فنية العمل            أكثر من تاريخه ، فالرواية سجل لحياة الأشخاص تحفّها الحوادث التاريخية من هنا ومن هناك. ([5]) 

        وتجدر الإشارة أيضا إلى مفهوم الرواية عند بيوكن  Buchauفالرواية التّاريخيّة لديه" هي كل رواية تحاول إعادة تركيب الحياة في فترة من فترات التاريخ" وهذا تحديد جيّد من بيوكن يبرز فيه أن الرواية التاريخية لابدّ من أن تختصّ بفترة تاريخية محدّدة يُعمل فيها الكاتب أدواته الفنيّة لإعادة إظهار هذه الفترة إظهاراً فنيّاً موحيا بعيدا عن سطوة الوثائقية. ([6]) 

    وبناء على ما سبق ذكره فإن الرواية التاريخية من هذا المنطلق: << خطاب أدبي ينشغل على خطاب تاريخي مثبت سابق عليه، انشغالا أفقياً يحاول إعادة إنتاجه روائياً ضمن معطيات آنية، لا تتعارض مع المعطيات الأساسية للخطاب التاريخي، وانشغالا رأسيّاً عند ما تحاول إتمام المشهد التاريخي من وجهة نظر المؤلف إتماماً تفسيريّاً       أو تعليليّاً أو تصحيحيّاً، لغايات إسقاطيه أو استذكارية أو استشرافية. ([7]) 

 

 

1-        الرواية التاريخية التأصيل و التكون:

    قد يمتزج التـّاريخ بالـسرد في عمـل ما يمـكن أن يظهر في شكل سـيرة  أو ملحـمة أو خرافة، لكن ذلك لا يسوّغ اعتبار الأعمال القصصية القديمة المعتمدة  على التاريخ جذوراً للرواية التاريخية ، فالرغبة في سرد الماضي الموثق رغبة تلازم البشرية منذ الأزل طرأت عليها رغبة سرد ماضٍِ مفترضْ سمي بالرواية الأدبية وحقـيقـة أننا لا يمكننـا بأي حال من الأحوال تسمية بعض الأعمال السردية التراثية كالسير الشعبية والمقامات وغيرها نقطة انطلاقة للرواية التاريخية، فالرواية التاريخية جنس تالٍ للرواية الأدبية وتابع لها.

    تنسب الرواية التاريخية الحديثة في الغالب للكاتب الأمريكي ستيفن كرينSTEPHEN CRANE صاحب رواية"شارة الشجاعة الحمراء"،إلاّ أن ظهورها بشكل متكامل بدأ لدى بعض النقاد الغربيين على يد كتّاب من أمثال ولتر سكوت   (1771-1832) في روايته "ويفرلي" وهو ما يرفضه كتّاب آخرون، يرون أن الرواية التاريخية الغربية بدأت على يد الكاتب الروسي ليوتو لستوي(1828-1910)  ولم يعرفها العالم قبل كتابته لروايته الشهيرة"الحرب والسلام" ([8])  (1865-1869)   والآن تعيش الرواية التاريخية عصراً ذهبيّاً عند الغرب كما يظهر ذلك على أيدي كتّاب معاصرين من أمثال:"خوسيه سارا ماجو" و"ماركيز وماريو فاراجاس لوسا" و"مارجيت اتوود".

    أما على الصعيد العربي فللحديث مساره الخاص، إذ نشأت الرواية العربية         عند انطلاقتها الأولى في مهد التاريخ، ونرصد ذلك عند كتّاب مثل: سليم البستاني     في روايته"زنوبيا"(1871) و جورجي زيدان(1861-1914) الذي غذّى هذا اللون الأدبي بسلسلة من الحكايات التاريخية الإسلامية حتى أن بعضهم يصفه برائد هذا الفن النثري في أدبنا العربي([9]) ولقد كانت تاريخيات "زيدان" قد بدأت بالظهور في الحقبة التي ازدهر الاهتمام فيها بتأليف الروايات التاريخية وتعريبها([10]).

    ولقد تابعه في ذلك علي الجارم(1881-1949)،ومحمد فريد أبو حديد   (1893-1966) الذي قدّم"الملك الظليل"و"المهلهل ســيد ربيعة" ، ومحمد سعــيد العريــان (1905-1964) الذي اقتصر على تاريخ مصر الإسلامي خاصة عهد الأيوبيين والمماليك في روايته "قطر الندى" و"شجر الدر" و"علي بابا رويلة".([11])

<< وبعد ذلك ظهرت روايات نجيب محفوظ التاريخية التي جسّدت لمحات من التاريخ الفرعوني في ثلاثة من أعماله"عبث الأقدار"(1939) و"راد وبيس"(1943) و"كفاح طيبة"(1944)وقد شكلت هذه الروايات الثلاث تقدّما ملحوظا في نهضة الرواية التاريخية     فبعد أن كانت الرواية التاريخية عند كتّاب الجيل الأول إعادة كتابة التاريخ بصورة شائقة تهدف إلى تثبيت أحداثه من خلال تمحورها حول قصة مبتدعة تبث التشويق في أرجاء الرواية، ونمثّل لهم بجرجي زيدان الذي كان يتحسس في أعماله شقوق التاريخ في حقبة ما فيملأها بحكاية غرامية تكون محوراً للأحداث حتّى يتجمّع حولها ولا تمضي إلى أبعد مما يطفو على السطوح أصبحت الرواية عند كتّاب الجيل الثاني أقل تبعيّة للتاريخ      فما عاد الحرص في كتابة الرواية التاريخية يقتصر على إبداع نص تاريخي يحمل مسمّى العصر التاريخي وأداءه وصوره وعبقه فقط، بل يتجاوز هذا الأمر إلى توظيف المادة التاريخية توظيفًا فنّيّاً بالدرجة الأولى".([12])

2-        فضاء استحضار التاريخ في الرواية التاريخية:

للرواية التاريخية عدة طرق يمكن إدراجها على النحو التالي :

  1. استدعاء الوقائع و الشخصيات التاريخية وفي هذه الطريقة تتوسّلُ الرواية بالتاريخ لاستكناه الحاضر فيه.

2. إيجاد مناخ تاريخي تضطلع فيه شخصيات غير تاريخية لم يخصّصها التاريخ بالدقة التي خُصّص بها الشخصيّات التاريخية المثبتة نصًّا بأعمال متخيّلة ، وفي هذه الطريقة يكون الهدف هو مناقشة فترة زمنية لاستخلاص العبر والغايات.

  1. استحضار نوع سردي قديم بوصفه شكلاً ، واعتماده منطلقا لإنجاز مادّة روائية وتتدخل بعض قواعد النوع القديم في الخطاب ، فتبرز من خلال أشكال السرد أو أنماطه أو لغاته أو طرائقه.

    ومن أبرز الطرق التي يلجأ إليها الروائيون للتغلّب على نمطية السرد التاريخ ، قراءة                      الأحداث من خلال انعكاسها على النّاس الذين عاشوا في تلك الفترة.([13])

   6- روح الرواية التاريخية:

    هناك خصائص جوهرية تتميز بها الرواية التاريخية عن باقي الروايات الأخرى   ويمكننا أن ندرجها على النحو التالي:

    أ- الرواية التاريخية هي سرد لأحداث تاريخية مثبتة، بقصد إعادة استيعابها وتجديد طريقة عرضها.

 ب- الرواية التاريخية آليتها الأولية التاريخ ، أما أهدافها فمتعددة الأبعاد عصيّ  على الحصر.

 ج- الرواية التاريخية تعتمد فترة تاريخية محدّدة تسلط الضوء عليها ، فمن منطلق تاريخي ليس لمادة الرواية التاريخية بداية ولا نهاية لأن التاريخ هو زمنها ، ومن منطلق روائي البداية هي أقدم نقطة مبدوء بها والنهاية هي آخر نقطة منتهية عندها .

 د- الرواية التاريخية اختيارها حقبة محددة مثبتة تعدّ( تبئيراً) كبيراً واسع الأبعاد وتخلص إلى أهداف محدّدة يصنعها المتلقي مع المرسل.

 ه- الرواية التاريخية عودة إلى الماضي برؤية آنية، فالماضي هو زمن الحكاية والحاضر هو زمن الكتابة.

 و- كتابة الرواية التاريخية هي تعبير عن مواقف ورؤى للعالم بشكل مختلف لا يمتّ بصلة إلى الكتابة بطريقة يفهمها القارئ مباشرة.([14])

 ز- أما عن اللغة التي يوظّفها الروائي في الرواية التاريخية فلا يفترض أن تبتعـد كثيراً عن اللغة المعاصرة حتى لو كـانت تعـالج فـترة زمنية ضاربة في القدم ، وهذا لن يؤثر على المصداقية الفنية التي يرجوها الروائي،لأن استلهام لغة الحكاية من زمنها   قد يقطع الوصل بين المتلقي"الجاهل بها"والمرسل"المتعالم بها"، وهذا يفقد اللغة وظيفـتها التواصلية والتفاعلية لـذا نجد بعض الروائيين ينهجون غير نهج في تقريـب الرواية التـاريخـية من زمنـهـا الحقـيقـي فبعضهم يلجأ إلى سبك روايته ضمن شكل تراثي قديم يوحـي لنا بأن نتعـامل مع مادة تاريخيّة صدفة ، ومنه من يغذّي روايته بجملة     من التعابـير التراثيـة التي لا تزيــد على اللغة المعاصرة الشائعة فيوهمنا أننا أمام عمل نُفّذ في زمانه ، ومع امتداد الرواية التاريخية في أدبنا العربي وازدهارها تطورت تقنية الإيحاء اللغوي إلى الحد الذي حدا ببعضـهم أن يلجـأ إلى العامية  في الحوار؛ لأن العامية في الحوار"عامية المرحلة التاريخية" تعيدنا إلى زمن الحكاية فنعيشها بحقيقتـها من خلال محمولهـا الثقـافي والاجتمـاعي الذي تؤديه ومن هنا يمكننـا القول : << على كل كاتب في الرواية التاريخية أن يستغل اللغة بوصفها تقنية فاعلة تخـدم العمـل الروائي بأكثر من طريقة،ولا يكتفي بسلامتها التركيبية بل يجب  أن يدرك أن لها سلامة إيجابية لابد من تحقيقها >>([15]).

    ومن هنا فالرواية التاريخية تحقق مبدأ الصدق إذا أعادت تكوين التاريخ بصورة ذاتية وليس بصورة موضوعية ، أي أنها تمتاز عن غيرها من الأعمال القصصية بارتباطها بصدقية العمل.([16])

                     أولاً –الرواية ... رحلة السرد و المتخيل:

    تناول المضمون السردي لرواية كتاب الأمير مراحل من حياة الأمير عبد القادر ومقاومته من حيث :

الأمير وذاته في الفترة مابين 26\09\1807 ـــ 24\05\1883.

الأمير والمقاومة 1832 ـــ 1847.

الأمير والآخر 1847 ـــ 1853. ونلاحظ في الرواية أن علاقة الأمير بالفرنسي     أو (الآخر) نوعان : الأول علاقة اشتباك مع الاحتلال الفرنسيي والثاني علاقة صداقة حميمية مع شخصية دينية مسيحية فرنسية هي الأسـقف (القس) أنـطوان أدولف ديبوش (Antoine Adolphe Dupuch) ؛ وهو الأسـقف الأول في الجـزائر       ما بين (1838 – 1846) .

   ولقد  قسم الكاتب واسيني الأعرج روايته إلى ثلاثة أبواب كبرى هي :

(باب المحن الأولى) - ( باب أقواس الحكمة )- (باب المسالك والمهالك) ، وهذه الأبواب الثلاثة مثلت المراحل الكبرى في حياة الأمير ومقاومته ضد الاحتلال الفرنسي وصداقته مع القس مونيسيور ديبوش ، وتتضمن هذه الأبواب مجموعة من الوقفات عددها اثنا عشرة وقفة ، كما اتخذ من مكان تاريخي هام هو ( الأميرالية ) ؛ بناية قديمة على مقربة من ميناء الجزائر العاصمة ، منطلقا لتوزيع السرد على أميراليات أربعة منها ينطلق واليها يعود ليوزع من جديد السرد حتى الأميرالية الرابعة الأخيرة.

   - القسم الأول من الرواية المعنون بـ ( باب المحن الأولى ) يتضمن الأميرالية الأولى ووقفات خمسة هي*منزلة الابتلاء الكبير* ، *مدارات اليقين* ، *مسالك الخيبة* *منزلة التدوين* ويتلخص هذا الباب في :

    توصيف الروائي واسيني للأميرالية وذكر كل ما يحيط بها من بحر وجبال وغيرها من المناظر فيذكر موجات البحر والسفن والسماء ، ليعرج إلى الحديث عن انطلاقة                                                                                                                                                   جون موبي مع الصياد المالطي في زورقه الصغير الذي كان على حافة الأميرالية  بـتاريخ 28/7/1864 فجراً .

    وفي أثناء ذلك يروي الحوار الذي دار بينهما (جون موبي والصياد) وفحوى الحوار تنفيذ وصية (مونيسيور ديبوش) المتمثلة في رمي الأكاليل والأتربة في عمق بحر الجزائر التي طالما حلم أن يعيش ويموت فيها وخلال هذه الرحلة يبدأ جون موبي بالتحدث عن علاقة *الأمير* و*مونيسيور ديبوش* فهنا يتغير الراوي من واسيني الأعرج إلى الراوي الشخصية جون موبي .

    كما نجده في هذا الباب يتحدث عن سجن *الأمير* في قصر أمبواز الواقع في فرنسا من خلال كتاب بعنوان (الأمير في قصر أمبواز) بقلم مونيسيور أنطوان- أدولف ديبوش  حيث يصف الوضع المزري * للأمير* وعائلته  في السجن ، ومحاولة مونيسيور ديبوش إنقاذ الأمير من هذا السجن بشتى الطرق من بينها كتابة رسالة إلى *نابليون بونابرت* يلخص فيها محاسن الأمير وأخلاقه الحميدة .

    بالإضافة إلى استعداد سكان الغرب الجزائري للحرب بعد احتلال فرنسا للجزائر واختيار محي الدين الحسيني أميرا عليهم ورفضه بسبب كبر سنه مقترحا ابنه عبد القادر والذي بايعته القبائل وسعيه إلى لمْ شمل القبائل من خلال الخطب ورفع الهمم وقيادة المقاومة بالعديد من المعارك والمعاهدات.

    فقد تحدث عن معاهدة دي ميشال التي عقدها الأمير معه ، ومعاهدة الجنرال بيجو  كما قام بعرض مجموعة من الأحداث والأوضاع التي كانت سائدة في الجزائر من بينها   فساد المحصول الزراعي بسب الجراد الذي هجم على الجزائر في عام 1832م. 

   - أما القسم الثاني من الرواية فهو بعنوان : (باب أقواس الحكمة)، تضمن بالإضافة إلى الأميرالية الثانية أربعة وقفات هي : *مواجع الشقيقين* - *مرايا المهاوي الكبرى*  *ضيق المعابر*- *انطفاء الرؤيا وضيق السبل* ويتلخص هذا الباب في :

    أن واسيني الأعرج يرجع إلى نقطة الانطلاقة ألا وهي (الأميرالية الثانية ) حيث يصف فيها رحلة جون موبي والصياد المالطي ، واستقبال جثمان مونيسيور ديبوش     إلى الجزائر.

    ثم يستعرض واسيني الأعرج تطور مقاومة الأمير ضد الاحتلال من جهة وضد القبائل المرتدة من جهة أخرى ، واشتدادها مع وصول بيجو إلى الحكم وتدميره  لكل عواصم  دولة الأمير من مليانة إلى معسكر إلى تكدامت ما أجبر الأمير على تحريك دولته على الجمال انتقالا من منطقة إلى أخرى ، ليستقر نسبيا بدولة الزمالة التي اجتاحها الدوق دومال ودمرها كلياً وبداية المأساة الحقيقية للمقاومة ، مع استنفاذ كل المسالك  خاصة بعد انقلاب السلطان المغربي ضده بمحاربته وتسيير جيشه للقضاء عليه،وأمام كل هذه التحديات وقعت دائرة * الأمير عبد القادر* تحت قبضة لاموسيير بعد قطعها لواد الملوية في أوج الشتاء واستسلامها بشروط و إدراك الأمير استحالة المواصلة مما دفعه هو وحلفاؤه إلى الاستسلام بتاريخ 1947م.

  -  أما القسم الثالث( باب المسالك والمهالك) فقد ضمّ هذا الباب إضافة    إلى (الأميرالية الثالثة) و(الأميرالية الرابعة) وثلاثة وقفات هي *سلطان المجاهدة*   *فتنة الأحوال الزائلة* - * وقاب قوسين وأدنى*.

    ففي (الأميرالية الثالثة) عودة جون موبي والصياد المالطي من الرحلة التي تمّ فيها تنفيذ وصية ديبوش ، وإقامة مراسيم دفن مونيسيور ديبوش وقيام جون موبي بإتمام سرد حياة ديبوش للصياد المالطي ، حيث ذكر استقالة القس ديبوش من منصبه وذلك بسب الديون المتراكمة عليه بتاريخ (9 ديسمبر 1845م) ، أما (الأميرالية الثانية) فقد تضمنت أحداث وصول الباخرة الطاميز التي نُقل فيها جثمان القس مونيسيور ديبوش وأخذه     إلى الكنيسة وإتمام مراسيم دفنه .

    وفي هذا الباب يروي واسيني الأعرج ما تلا استسلام الأمير من إعلان رسمي لوقفْ الحرب ، وانتقال الأمير وحاشيته ومن اختاروا البقاء معه إلى طولون على متن سفينة الأصمودي لاستيفاء الترتيبات التي تمكنهم من الذهاب إلى بلد إسلامي ، إلى غاية نقله    إلى قصر هنري الرابع الذي تحول فجأة إلى سجن من ثم نقله إلى قصر أمبواز في خِضم الأوضاع السياسية التي كانت تعرفها فرنسا آنذاك التي أدت إلى تنحية الملك عن الحكم  ما دفع المسؤولين الجدد إلى التنكر لكل التعهدات المقدمة للأمير.

   وبعد مكوثه في فرنسا لخمسة أعوام كاملة شهدت خلالها العديد من التطورات السياسية ، والتي كان أهمها اعتلاء نابليون الثالث للحكم ، و إصدار قراراته بوجوب تنفيذ كل العهود المقطوعة للأمير عبد القادر وهو ما حدث فعلاً بعد زيارته للأمير في قصر أمبواز و إشرافه الشخصي لإطلاق سراح الأمير والوفاء بالعهود المقدمة له. 

           إن رواية "كتاب الأمير" أنموذج لهذا التضايف الذي يعطي الأولوية لجمالية النص الأدبي لتترك للقراءة و التأويل فتح النص على دلالاته بداية من العنوان، إن جمالية العنوان يختزل مقصديه الرواية، فالعنوان الأساسي بصيغة الجملة الاسمية "كتاب الأمير" بحضور رمزية الكتاب و إضافته إلى الأمير بما يشكل تقاطب لفظي يتمازج فيه عالم الأفكار "الكتاب" بعالم الأشخاص"الأمير" بما يمثله الأمير من رمز حضاري و اجتماعي في الذاكرة الجماعية للمقاومة و الدولة و التصوف… و العنوان يشبه علامة إشارية تقودنا إلى الاتجاهات المؤدية إلى عمق النص"مسالك أبواب الحديد"وهي جملة اسمية أخــرى   بإضافة المسالك إلى الأبواب بما يشكل خريطة الطريق: مسالك /أبواب الحديد "فتح المغلق" بما يغوي القارئ دخول بوابة العنوان إلى معمار النص نحو فتوحات المحكي  ودروب المسكوت عنه في الرواية.

أ‌-        العتبة النصية ... البعد المختلف:

    وبعد الومضة الخاطفة لما سبق ذكره يمكننا الآن الوقوف على عتبة النص   إذْ أنّ هذه الرواية تتكون من عنوان رئيسي وآخر فرعي ، فالرئيسي كتاب الأمير والفرعي مسالك أبواب الحديد ولعل العنوان الأساسي يدخلنا في أعماق أخرى تأخذنا     إلى عالم مليء بالتساؤلات تتطلب منا البحث والإجابة ، فبما أن هذا النص عبارة       عن رواية فلماذا اعتمد واسيني في تسمية روايته بـ (كتاب) ولم يسميه رواية ؟ ومن هذا المقترح يمكننا أن نعود للإجابة على التساؤل إلى الزمن الميكيافلي وبالضبط في عام 1513م وهي السنة التي ألف فيها نيكولا ميكيافلي كتابه الشهير( كتاب الأمير) متضمناً أفكاره وتجاربه السياسية ولعل واسيني الأعرج يكون قد تأثر بهذه التسمية لأننا نجده تعمّد فيها على ذكر مقتطفات من حياة الأمير عبد القادر الاجتماعية والسياسية ،أو ربما ما أدى به إلى تسمية روايته بهذا الاسم أيضاًُ هو تعلق الأمير بالكتاب الذي اعتبره رفيق دربه يعبر فيه عن أفكاره وعن ما في قلبه من شجون وآلام التي لحقت به طوال حكمه  وحتى منفاه، وفـي الحقيقة أن الكتاب يحمل دور كبير في حياة الناس لما فيه من أفكار وحتى في القرآن الكريم كان لهذه اللفظة مكانة كبيرة ومهمة نجدها متعددة الذكر والدلالة                  إذْ جاء في قوله تعالى بعد بسم الله الرحمان الرحيم ﴿ ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدََى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ (17) حيث يتصف الكتاب في هذه الآية باليقين و الهداية ومن ثمّ يقبل القارئ على مادة     لا يأتيها الريب من بين يديها ولا من خلفها ، كما أن لصفة الأمير واقع آخر في وجدان العربي عامة والجزائري خاصة ، ارتبط بالجهاد ومحاربة العدو منذ سنوات الاحتلال الأولى فهو رمز الرفض ، والمقاومة والحضارة والذاكرة الجماعية والدولة والتصوف

    وما إذا ربطنا اللفظتين - كتاب الأمير- مع بعضهما البعض نجدها تفتح في النفس آفاق الترقب المطل على صيغ يتجاوز الرواية التي تطمح إلى التسلية والترفيه ، لعمل يضاف لمآثر الأمير ، فيجدد صورته في الوجدان الشعبي على غرار ما صنع التاريخ   في الذاكرة الرسمية.

    أما إذا رجعنا إلى المعجم فنجد كلمة كتاب وهي من << مادة كَتب ، كَتب الكتاب  معروف : والجمع كُتُبٌ و كُتْبْ . كتب الشيء يَكْتُبهُ كتْباًََََ وكِتَابَاَ وكِتابةٌ وكتبهُ: خطّه  والكتاب أيضاً : الاسم عند اللحياني الأزهري : الكِتاب اسم لما كُتب مجموعاً والكتاب مصدر ، والكتابة لمن تكون له صناعة مثل : الصياغة والخياطة ، والكتاب ما كُتب فيه>>.(1) والكتاب يحمل في طياته معارف متعددة ، بأساليب مختلفة باختلاف الكتّاب

    وقد جاءت كلمة كتاب في العنوان معرّفه بالإضافة " كتاب الأمير" ولعل في هذا شيءٌ من الحكمة إذْ أنها لو جاءت لفظة كتاب لوحدها لكانت لجميع الناس وعندها أضيفت للفظة الأمير منحتها شيء من الخصوصية لتكون خاصة بالأمير فقط  "فلولا الإضافة لوردت عامة لا خاصة " .

    أما بالنسبة للفظة الأمير فنجدها في المعجم تعني << الأمير : ذو الأمر . والأميرُ الآمرُ، والأمير في عُرفنا هو من يختاره الناس سلطاناً وحاكماً عليهم يتولى أمورهم ويسيرها ، يستشيرهم ويستشيرونه >>.(18)

    وما إذا عدنا إلى العنوان الرئيسي فنجده عبارة عن جملة اسمية مكوّنة من مضاف ومضاف إليه ، وهو يشبه علامة إشارية تقودنا إلى الاتجاهات المؤدية إلى عمق النص  "مسالك أبواب الحديد" وهي جملة اسمية أيضاً. بإضافة المسالك إلى الأبواب بما يشكل خريطة الطريق: مسالك / أبواب الحديد فتح المغلق. بما يغوي القارئ إلى دخول النص ويشوقه إلى معرفة فتوحات المحكي ودروب المسكوت عنه في الرواية.

    وإذا فككنا هذه الجملة كلمة كلمة وشرحناها كما هو في المعجم فنجد لفظة    مسالك من << مادة سلكَ ، مسالكٌ . من سلكَ، السلوكُ.مصدر سلكَ طريقاً ، وسلكَ المكان يسلكهُ وسلوكاً وسلكهَ غيره ، والمسلك الطريق>>.(19)

    أما أبواب قد جاء من مادة << بوأَ ، بوبْ : البوباة : الفلاة ،عند ابن جني    وهي الموماة والباب معروف ، والفعل منه التبويب ، والجمع أبوابٌ ، وبيبانٌ >>. (20)   هذا يعني أن الباب هو الفتحة ، الخروج ، و إذا ما ربطناه بمضمون الرواية لعله يقصد    به المخرج أو المفلت الذي ينقذ الأمير من سجنه.

    وعن الحديد جاء في المعجم أنه << هو جوهر المعروف لأنه منيع ، القطعة  منه حديدة والجمع حدائد وحدائدات ، جمع الجمع أو يقال ضربه بحديده في يده>>. (21)  هذا دليل على صلابته وقوته.

    مسالك أبواب الحديد إذا ما تمعنّا في هذه الجملة الاسمية نجدها قد ينصرف فيها الذهن إلى المعانات التي كابدها الأمير في سجن أمبواز أسير في المنفى غريباً ، فالمسالك وما تحمله من دلالات تعني كما ذكرنا طريق ، و المتطلع على الرواية يجد أن مونيسيور هو أحد الشخصيات البارزة في الرواية إذْ كان يستخدم كل الطرق لإخراج           الأمير عبد القادر من سجن أمبواز . أما أبواب الحديد فهي توحي إلى السجن الذي قضى فيه الأمير أيامه بكل حزن ولوعة والسجن كما عُرف عنه محاط بأسوار من حديد واختياره للحديد لما تحمله الكلمة من دلالة على الصلابة والقوة.

   إلى جانب هذا التعالق بين العنوان الرئيسي والعنوان الفرعي ، يؤسس كل منهما فضاءه الدلالي عن طريق توضيح العلاقة في كتاب الأمير وبين مسالك أبواب الحديد   فكل واحد من هذين العنوانين له دلالة خاصة يمكن إدراجها في الشكل التالي :

العنوان الرئيسي :

 

كتـــاب الأمــير

ركن رسمي

 

 

كتاب                                      الـ                                أمير

مضاف                                 أداة تعريف                        مضاف إليه

اسم                                                                           اسم

مجرد                                                                         إنسان

معبر عن الأفكار                                                              حي

أسلوب كاتب                                                                  رجل

تحرير                                                                        عاقل

انفتاح                                                                  من يتولى الأمور

ذاتي                                                                         المشاور

إبداع                                                                     الآمر والحاكم

صديق                                                                       المقاوم

معرفة                                                                       المجاهد

آراء كاتب                                                                   المدبر

معلومات                                                                   القائد

 

العنوان الفرعي :

مسالك أبواب الحديد

 
   

 

 

مسالك                               أبواب                                  الحديد

اسم                                   اسم                                     اسم

جمع                                  جمع                                    معدن

الطريق                               فتحة                                    صلب

الوجهة                                مخرج                                  قوة

المخرج                               سلاك                                   شديد

المنفذ                                  فرار                                   سجن

إنقاذ                                  هروب                                  القيد

حرية

الفلاة

    وبعد تحديدنا لبعض التداعيات الدلالية للعنوانين الرئيسي والفرعي يمكن فهم العلاقة بينهما وفهم علاقتهما بالنص الروائي. فعلاقتهما قائمة على علاقة التبادل الدلالي  إن مسالك أبواب الحديد لا يتحدد معناها الدقيق الذي يقصده الروائي إلا من خلال ربطها بالأمير فالعنوان الفرعي إذا أسقطناه على العنوان الرئيسي نستطيع تحديد معناه  وهو كما سبق ذكره الخلاص من السجن ، و المجهودات المبذولة للخلاص  وإذا ما ربطنا هذين العنوانين بالنص الروائي نجد النص يتحدث عن حياة الأمير   من البيعة إلى المنفى ، وعن سجنه والحلول التي سعى من أجلها أسقف الجزائر وصديق الأمير الحميم لإخراج و إنقاذ الأمير من أسوار الحديد المحكمة.

 

ثالثا- بنية الأزمنة التاريخية.. استشراف مأسور

    يعد الزمن من أهم عناصر التشويق التي تقوم عليها الرواية فهو المحرك الأساسي لشخوصها وأحداثها وأسلوب بنائها. فالزمن بالنسبة للرواية قاعدة أساسية تقوم عليها     من خلال القضايا المركزية التي تدور فيها كسرعة الحركة والاستمرار ,     وإذا ما وقفنا على الرواية التي نحن بصدد دراستها نلاحظ أن الزمن فيها هو الأساس وذلك لطبيعتها التاريخية ، فهي تستمد من الزمن الماضي لتسرده في قالب رواية     ومن هنا يمكننا حصر الأزمنة الموجودة في الرواية على الشكل التالي :

1-    المفارقات الزمنية :

هو انحراف زمن السرد أي القفز إلى الأمام أو الرجوع إلى الوراء أو ما يعرف بالسوابق واللواحق ويمكن لنا إدراجها على النحو الآتي :

أ‌-  اللواحق : أو ما يعرف بالاستذكار وهذا النوع من المفارقات نجده بكثرة في رواية كتاب الأمير وذلك لأنهما تاريخية حيث اعتمد واسيني الأعرج  فيها على الأزمنة الماضية وجعلها مركز الرواية ، وينقسم هذا النوع بدوره إلى أزمنة خارجية وأخرى  داخلية ويمكننا الآن ذكر أهمها :

أ\1-اللواحق الخارجية : يعتبر هذا النوع مهم جداً في الرواية لأنه يحاول الكشف  عن ماضي الشخصيات وهذا ما فعله واسيني في روايته ، إذْ نجد هذا النمط من اللواحق مذكور بشكل مكثف في الرواية حيث حاول الراوي رصد أهم ما مرّ به الأمير من أحداث ومواقف عن طريق الاستذكار، وقد نجد هذا الأخير بضمير المتكلم لأن شخصية الأمير تتكلم عن ماضيها ، وأحيانا يكون من طرف الراوي جون موبي أو الراوي الثاني مونيسيور ديبوش ومن هنا يمكننا رصد أهم ما جاءت به الرواية من لواحق خارجية :

- « عندما وضع يده على جبهته لكي يقي عينه من حدة النور ، رأى البحر وقد مال لونه نحو خضرة زيتية باردة هي نفسها التي رآها عندما دخل هذه الأرض لأول مرة بصحبة مونيسيور ديبوش في سنة 1838م وأثار وقتها انتباه مونيسيور ديبوش ». (22)

    فهنا تذكّر جون موبي الجزائر عندما زارها لأول مرة مع ديبوش في سنة 1838م وذلك من خلال لون البحر، وهو اللون نفسه الذي رآه عندما دخل الجزائر . ومن هنا يمكننا القول أن هذه اللاحقة تحمل وصف للمكان وهو وصف جون موبي للبحر بقوله "...مال لونه نحو خضرة زيتية باردة ..."

- «... فجأة شعر ببرودة تعبر جسده بقوة ذكّرته ببرودة تنام بين تجاويف الذاكرة .... حاول أن يغمض عينه . بانت له ليلة 21 مايو 1841م أكثر قرباً من كأس الماء ...امرأة لم تكن كسائر النساء كأنها خرجت من مغارة بدائية ».(23)

    يسترجع مونيسيور ديبوش ذاكرته في حادثة حصلت له ولعلها أهم حادثة في حياته كانت السبب في تعرّفه على الأمير عبد القادر وهي حادثة المرأة التي جاءت تستنجده   في زوجها المسجون عند الأمير كي ينقضه .

أ\2-اللواحق الداخلية : إنّ هذا النمط من اللواحق خاص بالزمن الذي يدور حوله موضوع الرواية فإذا ما أسقطناه على الرواية التي ندرسها نجده بصورة كثيرة نوعاً ما وسنحاول هنا ذكر البعض منها :

- « تمتم الأمير وهو يحاول أن يفتح عينه بصعوبة كبيرة ويتفادى ذلك اليوم الذي صار بعيداً ولكنه قريب دوماً كالجرح 10 مايو 1843م ».(24)

    وفي هذا التاريخ سقطت الزمالة وهي دولة الأمير المتنقلة فهنا يتذكر الأمير ذلك اليوم المروّع الذي لا ينساه الشخص العادي وما بالك بصاحب هذه الدولة .

- « 25 ديسمبر ... بدت السفينة وكأنها سجن كبير عوام على سطح البحر لم يكن بالأصمودي شيء يثير الرأفة ، حتى عواءها لم يذكر الأمير إلاّ بالذئاب التي كثيراً   ما اقتفت خطواتهم في انتظار موقعة يسقط فيها الناس لتنقض على الجثث  كالكواسر ...».(25)

- «...نحتاج لذلك إلى زمن طويل لكي ننسى ولكي تلتئم جراحنا نحن ولكي نصدق   ما حدث ...».(26)

     وفي هذا يتذكر الأمير وهو في سجن أمبواز حادثة نقله من ميناء وهران   هو وعائلته إلى ميناء فرنسا عبر سفينة الأصمودي وقد تمّ هذا الاستذكار على لسان جون موبي حيث نجده استغرق بعض السطور .

- « 22 جويلية 1846م عندما غادرت تلك الأرض كنت منكسراً بعد إقامة شبه سريرة عند صديقي البارون دو فيالار ».(27)

    نجد ديبوش في هذا المقام يسترجع ذاكرته حول خروجه من الجزائر  البلد الذي احتضنه لطالما أراد أن يعيش ويلتقط أنفاسه فيها إلاّ أنه خرج منها خائفاً مذعوراً وكأنه خائن فقد هرب منها في منتصف الليل بسبب الديون المتراكمة عليه .

-« سنة 1856م لم تكن فاتحة خير على مونيسيور ديبوش ، فقد صار مرضه   الذي حمله طويلاً في جسده حتى لا يزعج الآخرين واضحاً ».(28)

    يستذّكر جون موبي الوضع المأساوي لديبوش وهو المرض الذي عان منه كثيراً     أو الذي أودى بحياته ، واستذكار جون لهذه الحادثة تعبيراً عن الأسى والحسرة الموجودة في قلبه على موت صديقه وسيده مونيسيور ديبوش.

    وما سبق ذكره مجرد مقتطفات لأن الرواية في حد ذاتها عبارة  عن استذكار لأنها سرد لأحداث حدثت في زمن مضى.

ب‌-  السوابق: إذا كانت مهمة الاسترجاع تزويد القارئ بمعلومات ماضية حول الشخصية أو الحدث فإنّ الاستباق يظل أقل من الاسترجاع وخاصة في دراستنا لهذه الرواية   لأنها تاريخية وتعتمد على أزمنة مضتْ والاستباق عبارة عن مفارقة زمنية سردية تتجه إلى الأمام أي تسرد حدث لم يأت بعد وقد يتحقق هذا الحدث وقد لا يتحقق وتنقسم بدورها إلى تمهيدية وإعلانية .

ب\1- السوابق التمهيدية:

« السفينة التي تقل مونيسيور ديبوش ستصل بعد الظهر أنا متأكد اليوم أن مونيسيور ديبوش سيكون أسعد إنسان حتى وهو في تابوته ».(29)

    في هذا المثال سبق للحدث وهو تمهيدي إذْ يقوم الراوي بتمهيد حدث وصول تابوت ديبوش إذْ يمكن أنْ يصل ويمكن أنْ لا يصل وسيكون ديبوش سعيد جداً بدخوله البلاد   التي طالما أحبها والتي كان يحلم أن يقطن فيها حياً أو ميتاً .

- « سيكون انتقامنا كبيرا ولن نرحم أحداً من هؤلاء الخونة عسكرنا مرابط هناك     منذ أيام وستكون غنيمتنا كبيرة إنْ شاء الله ».(30)

    وهنا فيها تمهيد لحدث الانتقام والانتصار على الأعداء والخائنين وهنا بالتحديد يقصد الانتصار على المرتد مصطفى بن إسماعيل وبالفعل تمّ القبض عليه والإتيان بجثته .

- « الزمن القادم سيكون عنيفاً وقاسياً وسنكون فيه بعيدين ، الشقة بيننا وبينهم صارت هوة . لقد طاروا وانكسرت أجنحتنا الصغيرة ».(31)

     هنا يستشرف الأمير بعد استسلامه وأثناء أخذه إلى فرنسا وهو في سفينة الأصمودي عن الزمن القادم الذي سيعيشه في السجن من القسوة والقهر بالفعل كما توقّع حدث وأكثر.

ب\2-السوابق الإعلانية :

- « اليوم ستتم مبايعة هذا السلطان الذي سيحارب فلول الغزاة الذين سرقوا البلاد وكرامة العباد والكفار المرتدين في السهول حتى حدود وهران ، سنذهب كلنا إلى مقام سيدي عبد القادر. انصروه ينصركم الله ».(32)

    في هذا النموذج سبقْ لحدث يعلن فيه مبايعة الأمير الذي لم يعين في هذا المثال سلطان بعد ، كما أن هنالك استباق لحدث محاربتهم للعدو وللمرتدين عنه من القبائل العميلة التي تعمل في صفوف الاحتلال ، وذلك عندما يكون سلطاناً ، وقد جاء الاستباق في هذا المقام مقروناً بسين المستقبل.

-« سيرتاح الجند قليلاً مع البدايات الأولى للفجر ، سنهجم على قبيلة الغرابة ».(33)   وفي هذا المثال إعلان هجوم سيتم فيما بعد لا محال.

-« اليوم في الليلة الفاصلة بين 14 و15 مارس سأضع اللمسات الأخيرة على الرسالة الموجهة إلى فخامة رئيس الجمهورية الفرنسية لويس نابليون بونابرت...».(34)

    أما هنا فإنّ ديبوش يعلن عن إتمام كتابة رسالته التي سيقدمها إلى نابليون يقنعه فيها بإطلاق سراح الأمير وبالفعل تمّ ذلك وكانت السبب الأساسي في إطلاق سراحه .

    عموماً فإن أغلبية الاستباقات الواردة في الرواية كانت بمثابة تنبؤات واحتمالات   يمكن أنْ تتحقق ويمكن لا .

     ومن الملاحظ أن الرواية تحتوي على عدد لا بأس به من الاستباقات باختلاف أنواعها.

       النسق الزمني نوعان أولهما تسريع السرد والمتمثل   في الخلاصة والحذف . إذْ أنّ كل مقطع صغير من الخطاب يعطي فترة زمنية طويلة    من الحكاية وهذا ما نجده في الخلاصة والحذف . وثانيهما إبطاء السرد وهي بدورها تحتوي على تقنيتي المشهد والوقفة إذْ أن كل مقطع طويل من الخطاب يعطي فترة زمنية معينة من الحكاية ومن هنا يمكننا إسقاط هذه التقنيات على الرواية التي بين أيدينا .

 -2تسريع السرد :

أ- الخلاصة : رواية كتاب الأمير مسالك أبواب الحديد استغرق زمن السرد فيها من الفجر إلى طلوع الشمس ومن أمثلة الخلاصات التي ظهرت في هذه الرواية نذكر:

- « ثلاثة أيام كانت كافية لقلب سلطانه ، هذه الأرض... خادعة تأكدت أن لا سلطان على هذه الأرض إلا سلطان الله ». (35)

    فعبارة ثلاثة أيام تعد اختزال لانتهاء حكم الأمير عبد القادر وسقوط الزمالة   في يد الاحتلال .

- « يومان كانا كافيين لقطع هذه المسافة البحرية التي تبدو طويلة كالقيامة ».(36)

    يومان هنا كانت إيجاز للفترة التي تمّ فيها نقل جثمان ديبوش من بوردو باتجاه مرسيليا فهنا بدلاً من تفصيل المدة التي استغرقها التابوت حتى يصل إلى مرسيليا تمّ تلخيصها في يومين.

- « القصاصات الصغيرة التي كتبها طوال هذه المدة سمحت له بالتعرف على الأمير بعمق » .(37)

    وهذا النموذج يعتبر خلاصة للمدة التي كتب فيها  ديبوش الرسالة الخاصة بحياة الأمير ومقاومته التي سيقدمها إلى نابليون لتحريره من السجن.

    إذنْ فالروائي بهذا الشكل الذي قدّمه بخصوص الأزمنة التي يختزل من خلالها الماضي ويتم ترهينه في الحاضر فيأخذ حيزاً زمنياً ومكانياً في صفحات السرد   لذلك تعمل على إبطاء زمن السرد نسبياً أي بشكل قليل ولكن في المقابل نجدها في الوجه الآخر تعمل على تسريع الزمن الروائي لأن الحافز بدون مقدمات لا يمكن للقارئ        أن يستوعبه.

ب- الحذف: لتقنية الحذف ثلاث أنواع حذف تصريحي وحذف ضمني والآخر افتراضي ومن أمثلة المحذوفات الواردة في الرواية نذكر البعض منها كالآتي :

-« تأخرت كثيراً في نقل رفاته ثماني سنوات بعد موته ».(38)

    وهذه محذوفة تصريحيه لأن السارد صرّح بالمدة التي أسقطها وهي المدة    التي استغرقت قبل نقل جثمان ديبوش بعد وفاته " ثماني سنوات" ، إذن لم يعلن  عن ما حدث قبل هذه المدة .

-« بعد أسبوعين من السير والركض وصلت خيّالة الأمير محملة بالغنائم   والانكسارات ». (39)

    يقفز الراوي هنا مدة أسبوعين كاملين ، ويصرح بذلك من خلال كلمة " بعد أسبوعين"  وبهذه القفزة يحذف أحداث لا أهمية لها أو بمعنى آخر أحداث ميتة لا تنفع الرواية  في شيء ، وبهذا الحذف يتم تسريع الزمن.

- « خمس سنوات مثل الريح وكأن شيئًا لم يكن ؟ خمس سنوات فقط ؟ 8760 يوماً 43800 ساعة ، 2628000 دقيقة ،15768000 ثانية فقط ؟ هل يعلمون  أن في كل ثانية حياة بكاملها تنشأ وأخرى تندثر ».(40)

    نجد هنا أيضاً محذوفة تصريحيه ، إذْ صرّح الراوي عن الزمن المحذوف بدقة تامة . المدة التي سجن فيها الأمير دون أن يتطرق إلى ما قبلها ، إذْ أنّ الحذف لا يضيف شيئًا لدلالة الحدث التاريخي هذا لأنه تفادى تكرار الأحداث .

- « منذ المساء وحتى ساعة متأخرة من الليل لم يهدأ النقاش إلاّ عندما بدأ الصباح ديك هامل ، يأتي من بعيد وصل الجميع إلى النتيجة الحتمية وهي ضرورة الاتصال بسلطان المغرب ».(41)

    هذه محذوفة ضمنية إذْ أنّ فترة المساء يمكن استنتاجها ، وهذا البتر يستدعي   منا البحث عن مدة المرحلة الزمنية المتخطاة.

- « في حدود 1833م أو بعدها بقليل عقد دوميشال معاهدة مع الأمير » .(42)

    هذه محذوفة ضمنية إذْ أنّ الراوي لم يسرح بها مباشرة في نصه وإنّما يقوم القارئ باستنتاجها في عبارة " في حدود 1833م أو بعدها بقليل" أي لم يعطينا المدة بالتحديد.

- « السنوات القاسية لم تعلمه إلا الصبر مثل عظماء الشهداء المسيحيين الذين تلقوا آلام الموت مقابل إنقاذ الذين يحبونهم ».(43)

    يتبين لنا أنّ المحذوفة افتراضية إذْ يتعسر علينا تحديد الزمن وحتى المكان لأن البتر هنا لم يذكر شيء من ذلك .

- « وهو يتحضر في تلك الليلة ساعات قبل موته طلب أن أدخل عليه لوحده وأوصاني بما كان في قلبه .». (44)

    وهنا أيضاً لا نستطيع تحديد الزمان و لا حتى المكان فلم يحدد لنا أية ليلة يحتضر فيها ديبوش أو على أي ساعة طلب منه أن يدخل إليه ، وحتى المكان الذي توفي   فيه لم يذكره .

    ومن هنا يتبين لنا أن الحذف هو تجاوز الأحداث الثانوية الغير مهمة  في السرد حيث يقوم الراوي بإسقاطها والقفز  عليها .

3- إبطاء السرد:

أ‌-  تقنية المشهد: وهي تقنية مهمة في النص الروائي مما يجعله نص درامي   أو مسرحية تمثل أمامنا ويكون المشهد غالباً ذو طابع حواري ويلجأ الكاتب للحوار   << لأنه أكثر حيوية من الأسلوب السردي فمن خلاله يصور شخصياته تصويراً دقيقاً ويبرز تطور الأحداث ويثير اهتمام القارئ ويشعرنا الحوار بأن الشخصيات             هي من صلب الرواية ، وأنّ نصغ الحياة فيها مستمر ، فيعرض أفكارها ومبادئها ويظهر انفعالاتها وأحاسيسها ومشاعرها الباطنية تجاه الأحداث والشخصيات الأخرى....>>. (45)

    والمشهد الحواري كما أسلفنا الذكر ينقسم إلى حوار خارجي وحوار داخلي ومشهد حواري موصوف والمشاهد الحوارية تتراوح بين الطول والقصر. ومن هنا يمكننا    في دراستنا لهذه الرواية أن نستحضر بعض النماذج:

- مشهد حواري بين الأمير عبد القادر ومونيسيور ديبوش حول قضية الصلاة في السجن وهو حوار خارجي إذْ يعتبر هذا الأخير مباشر بين الطرفين :

«- مونيسيور، جيد أنهم يتركوننا نصلي على الأقل وإلا لتحول هذا القصر إلى محشره.  أعتقد أن الصلاة لا تؤذي أحداً. فهي ليست بيننا وبينهم ولكنها بيننا وبين خالقنا.

- لا أعتقد أننا وصلنا إلى هذا الحد أيها السلطان الكريم وإلا لن نتحدث عن كائن اسمه الإنسان . الإنسانية يا سيدي عبد القادر، استحقاق وليست إرثاً سهلا.

- معك حق . الاستحقاق يحتاج إلى مجهودات دائمة للوصول إلى تحقيقه. دينيا يقول ذلك كذلك . يقضي الإنسان العمر كله بحثاً على تأكيد إنسانيته لأن كل ما يحيطه  هو عبارة عن مزالق متعددة ، عليه تفاديها بشهامة وعزة نفس.» .(46)

-حوار بين مونيسيور ديبوش ونفسه حيث يحدث نفسه عن تحمل الباريسيين المدينة الباريسية وشوارعها التي تتعبه وهو حوار داخلي مرتبط بذات ديبوش.

« تمتم موسنيور ديبوش وهو يرتّب قليلاً من هندامه الأسود ويمسح لحيته الكثة  من المياه التي علقت بها:

- أتعجب من هؤلاء الباريسيين كيف يتحملون هذه المدينة المتعبة . أقمت بها سنوات ولم أتعود عليها . ضخامتها تخيفني . ناسها ينفلتون من كل منطق وينقلبون بسرعة. من الصعب أن تثق في مزاج الباريسي ».(47)

- حوار بين الأمير عبد القادر ووالده عن القاضي أحمد بن طاهر وحزن الأمير  على إعدامه وهذا مشهد حواري موصوف إذْ يتدخل طرف ثالث في الحوار وهو الراوي:

« - ما يدهشني في هذه المرأة هو قطعها لكل هذا القفر لإنقاذ زوجها فعادت بجثة.

-       كانت تريد أن تتقرب منك لإقناعك ولكنها لم تستطع الوصول إليك.

-       الله يغفر لنا جميعاً ويسدد خطانا إذْ زاغت أرجلنا عن المسلك القويم.

ثم التفت الشيخ محي الدين نحو ابنه الذي ظلّ مستمراً فوق حصانه على مشهد المرأة وهي تدفع بدابتها في سهل اغريس.

رفع عبد القادر لحاف برنسه ومسح عينيه.

-       تبكي يا ابني؟

-       لا ، امسح الغبار من على وجهي . كان الله يرحمه ، أستاذي ومرجعي  في الفقه ».(48)

    وهذه النماذج التي سبق ذكرها ما هي إلا غيض من فيض فنلاحظ الحوار المشهدي   في الرواية بشكل ملفت للنظر وهذه التقنية تسمح بعرض أشخاص كثيرين سواء كانوا أساسيين أو قانونيين.

ب- تقنية الوقفة: إنّ الغرض من هذه التقنية هو الذهاب بالقارئ إلى آفاق أخرى تفتح    له مجال الخيال وذلك حتى لا يمل وتجعله متشوق إلى ما في النص وهذه الظاهرة تقوم بإبطاء وتيرة السرد أو حتى تعطيله كلياً ويكون عادة بوصف مكان أو شخص، ونظراً

لكثرة الوقفات في رواياتنا هذه يمكننا أن نقتصر على ذكر البعض منها :

*وقفة وصفية : « الرطوبة ثقيلة والحرارة التي تبدأ في وقت مبكر . الساعة تحاذي الخامسة لا شيء إلا الصمت والظلمة ورائحة القهوة القادمة من الجهة الأخر  من الميناء ممزوجة بهبات آخر موجة تكسرت على حافة الأميرالية التي كانت تبدوا كضلال داكنة هاربة نحو ساحل البحر ليغيب جزؤها الأمامي تحت كتل الضباب        التي بدأت تلف المكان شيئا فشيئا» .(49)

    وهذا مقطع وصفي جميل افتتح به واسيني الأعرج روايته ليفسح المجال أمام القراء كي يدخلوا في أغوار النص بنفسية مفتوحة مليئة بالتشويق وهذه الوقفة يصف فيها الروائي الأجواء العامة التي تحيط بالأميرالية.

*مقطع وصفي آخر :« لقد انتظر الناس طويلا في الميناء على الرغم من البرد القارص وسيول الأمطار التي بدأت تسقط منذ شهر فبراير على مدينة الجزائر الملفوفة داخل كتلة بيضاء من الغيوم محت كل الطرقات ومعالم المدينة لا تسمع على حافة البحر،إلا وقوقات الطيور البحرية التي كانت تبحث لها عن أمكنة وعن شيء تأكله . من حين لآخر تنقر الماء و تغوص في الأعماق بحثا عن الأسماك ، عيونها الحادة تسمح   لها بالدخول بمناقيرها عميقا ».(50)

    إنّ المتطلع على هذه الوقفة يكتشف مدى جمال هذا الوصف وبراعته والدقة   التي يتمتع بها، فهنا تخرج من مشاكل الحرب والقتل والدمار إلى جمال الحياة وجمال ما خلق الله.

*وقفة وصفية تقطع المشهد الحواري : الذي كان بين لالا الزهراء والدة  الأمير عبد القادر وقدور بن محمد برويلة:

« جلس قدور بن محمد برويلة كعادته القرفصاء ، طاوياً رجليه تحته ورافعا ظهره قليلاً إلى الأمام في هيأة من ينتظر أمرا ليقوم بسرعة وبدون تثاقل ».(51)

     وفي هذا المقطع وصف لحالة قدور بن محمد برويلة أثناء جلوسه.

*وقفة وصفية أخرى :« ...ثم صمت الأمير قليلا . التفت نحو أمه التي ظلت تتكئ  على كتفه الأيمن فتح الستارة الخفيفة أكثر. تتبع بعينين صافيتين مفتوحتين  على آخرهما الغيوم التي قطعت السماء نصفها ، بدأت صغيرة لتتكتل وتسودّ وتتحول إلى ظل كبير على أمبواز بكاملها بينما ظلت أطراف السماء الأخرى على حالها ، وسط بياض يشبه رغوة حليبية فائضة ...» .(52)

    وفي هذه الرواية نجد الكثير من الوقفات إلاّ أننا اقتصرنا على أربعة نماذج فقط ولعل من محاسن هذه الرواية كثرة الوقفات التي تجعلنا ننصرف عن جو الحروب والمشاكل  والجدير بالذكر هنا بأن ليس كل وصف وقفة ولكن بعض الوقفات هي من جهة أخرى وقفات استطرادية بل خارج القصة ... ولها طابع التعليق والتأمل أكثر مما لها طابع السرد .

4- التواتر:

    تعتبر هذه التقنية مهمة بالنسبة للعمل الروائي السردي ، إذّ أنّ هنالك تكرارات   بين الحدث والأحداث المتعددة ، فالحدث في الرواية قابل للتكرار أكثر من مرة في إطار موجز وفعلي ومن هنا يمكننا القول أنّ لهذه التقنية أو بالأحرى الحركة أربعة أنماط نذكر بعض النماذج الموجودة في الرواية :

أ‌-        التواتر المفرد:

*النص يروي أكثر من مرة ما حدث أكثر من مرة ، أي أنّ هذه الحادثة وقعت   في الحقيقة أكثر من مرة ونجده يرويها أكثر من مرة ومن أمثلة ذلك :

- « كلما رمى جون موبي حفنة تراب تجمعت بقوة ثم غطست بمناقيرها الدقيقة    في سطح البحر محدثة صوتا ناعما وحادا....». (53) 

    وهنا يتكرر نفس الفعل ويتضح ذلك فيما يلي:« أخذ حفنة أخرى من التربة وطوّح بها بعيدا حيث ذابت في بياض الضباب ثم استرق السمع إليها وهي تتساقط الواحدة    تلو الأخرى على سطح البحر مثل رشاش المطر الربيعي ... ».(54)

    كما نجد نفس الفعل مكرر في موضع آخر في قول الراوي :« ...أخرج جون موبي كفه للمرة الثالثة من البوقال الرخامي ممتلئة بالتربة.... ».(55)

ب-التواتر المكرر:

*النص يروي أكثر من ما حدث مرة واحدة ، ومن أمثلة هذا النوع نجد في الرواية     ما يلي :« ...المرأة التي جاءته في ليلة عاصفة تطلب منه أن يتدخل لإنقاذ  زوجها ...». (56)

    إذْ نجد أنّ هذه الحادثة في الأصل وقعت مرة واحدة إلاّ أن الراوي بقي يكررها     في أكثر من موضع نظراً لأهميتها لأن هذا الحدث هو السبب الأساس لصداقته  مع الأمير.

     كما وردت هذه الواقعة في صفحات أخرى نذكر منها: « وتلك المرأة التي لمعت كرأس سيف اصطدم بشيء حاد في عمق الظلمة القاسية . رآها وهي ترجوه أن ينقض زوجها وتضع بين يديه رضيعها وهي ترتعد من شدة البرد ومن الخوف  على زوجها ».(57)

    نلاحظ هنا أنّ الراوي لم يكتفي بإعادة ذكر هذه الحادثة مرة أو مرتين بل أعاد تكرارها مرات كثيرة وفي مواضع مختلفة إذْ تستوقفنا هذه المرأة من جديد في الصفحة أربع مئة وتسع وتسعون في قوله: »...لقد حددها الله سلفاً وهو الذي أهداني نحو المسالك التي قادتني إليك عندما استمعتُ إلى نداءات قلب تلك المرأة ...وسط العاصفة لا نصير لها إلا الله وأنا وأنت ».(58)

 وهذا التكرار الأخير يثبت مدى أهمية الحادثة في قلب ديبوش.

ج- التواتر المؤلف:

*النص يروي مرة واحدة ما حدث أكثر من مرة ، ومن أمثلة ذلك:«أيام الجمعة والسبت والأحد ينشغل الناس بالسوق في باب علي ».(59)

ونجد مثال آخر« عندما صفر القطار للمرة الأخيرة قبل الإقلاع ».(60)

     وفي هذا المثال صفر القطار عدة مرات إلاّ أنّ الراوي اكتفى بذكر المرة الأخيرة فقط والقرينة التي تثبت التكرار هنا هو عدة مرات، ومن هذا فإن للتكرار أهمية كبيرة   في العمل الأدبي عامة والعمل الروائي خاصة، إذْ أنّ كثرة التكرار دليل على أهميتها وعلى تأكيدها وثباتها . 

إن ميراث إنسانية الأمير عبد القادر ومونسيينور دي بيش في ليل الاستعمار تبين متطلبات التجديد الثقافي والحضاري بوصفها الضرورة اللازمة لكل انفتاح إنساني على مكاسب لا مفر من استيعابها، خاصة وأن تاريخ الأنا والآخر – الأمير ودي بوش- ليس من صنعهما في تقطعاته المختلفة، وهو يقدم شهادة القسري في تاريخهما، ثم أن علاقتهما بالعالم لا يمكن أن تتطور دون بلوغ عتبة الإدراك الجديد للعالم – ما بعد الكولونيالية- بوصفه عالما محكوما برؤيا جديدة، ومحددة للتاريخ، للزمان والفكر والطبيعة الإنسانية داخ لا لتاريخ الجديد والزمن الثقافي الجديد وبالتالي فالرواية عند واسيني الأعرج ليست "تعبيرا عن وعي شخص واحد، بل إضاءة لوعي مختلف لشخص ثان وتثمينا لهذا الوعي من خلال عيني الأول الذي يرى فيه آخرا" .

الهوامــــــــــــــش :

([1]) محمد رياض وتار، توظيف التراث في الرواية العربية المعاصرة- دراسة - اتحاد كتاب العرب ، دمشق ، 2002 .، ص104.

(2) فخري صالح ، قبل نجيب محفوظ وبعده ، دراسات في الرواية العربية ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، القاهرة    ط1 ، 2010 ، ص 57   .  

(3) محمد رياض وتار ،  توظيف التراث في الرواية العربية المعاصرة – دراسة - ، ص105.

(4) نضال الشمالي ، الرواية والتاريخ ، بحث في مستويات الخطاب في الرواية التاريخية العربية ، عالم الكتب الحديث للنشر والتوزيع ، الأردن ،  ط1 ، 2006   ،  ص111 ،112.

(5) المرجع نفسه ،  ص113.

(6) المرجع نفسه ، ص113 ، 114.

(7) المرجع نفسه ، ص117.

(8) المرجع نفسه ، ص118،119.

(9) المرجع نفسه ، ص120.

(10) عبد الله إبراهيم ، السردية العربية الحديثة (تفكيك الخطاب الاستعماري وإعادة تفسير النشأة) ، المركز الثقافي العربي ، لبنان ، ط1 ، 2003 ، ص238.

(1[1]) نضال الشمالي ، الرواية والتاريخ ، ص120.

(2[1]) المرجع نفسه ، ص121.

(3[1]) نضال الشمالي، الرواية والتاريخ ، ص128،129.

(4[1]) المرجع نفسه ، ص 110،111

(5[1]) المرجع نفسه ، ص132،133.

(6[1]) المرجع نفسه ، ص126.

(17) سورة البقرة ، الأية2.

(18) محمد الهادي المطوي، شعرية عنوان الكتاب ، السياق على السياق فيما هو الفرياق، مجلة علم الفكر،مج28،عدد1 يوليو1999،المجلس الوطني للثقافة والفنون ،الكويت،ص76.

(19) ابن منظور، لسان العرب المحيط ، إعداد وتصنيف يوسف خياط ن دار العرب ن بيروت،ج1 ، ص96.

(20 ابن منظور، لسان العرب المحيط،ج..،ص111

(21) المصدر نفسه ،ج1، ص284.

(22) المصدر نفسه ،ج1، ص584.

(23) واسيني الأعرج ، كتاب الأمير- مسالك أبواب الحديد ،  منشورات الفضاء الحر , 2005 , ص15.

(24) المصدر نفسه ، ص47.

(25) المصدر نفسه ، ص274.

(26) المصدر نفسه ، ص417.

(27) المصدرنفسه ، ص418.

(28) المصدر نفسه ، ص315.

(29) المصدر نفسه ، ص191.

(30) المصدر نفسه ، ص13.

(31) المصدر نفسه ، ص286.

(32) المصدر نفسه ، ص421.

(33) المصدر نفسه ، ص70.

(34) المصدر نفسه ، ص93.

(35) المصدر نفسه ، ص449.

(36) المصدر نفسه ، ص45.

(37) المصدر نفسه ، ص190.

(38) المصدر نفسه ، ص35.

(39) المصدر انفسه ، ص12.

(40) المصدر نفسه ، ص335.

(41) المصدر نفسه ، ص489.

(42) المصدر نفسه ، ص290.

(43) المصدر نفسه ، ص85.

(44) المصدر نفسه ، ص129.

 (45) محبة حاج معتوق ، اثر الرواية الواقعية الغربية في الرواية العربية ، دار الفكر اللبناني ، لبنان ، ط1 ، 1994 ص324.

(46) المرجع نفسه ، ص191.

 (47) واسيني الأعرج ، كتاب الأمير – مسالك أبواب الحديد ، ص122،123.

(48) واسيني الأعرج ، كتاب الأمير – مسالك أبواب الحديد ، ص24،25.

(49) المصدر نفسه ، ص61.

(50) المصدر نفسه ، ص11. 

(51) المصدر نفسه ، ص249.

(52) المصدر نفسه ، ص232.

(53 المصدر نفسه ، ص491.

(54) المصدر نفسه ، ص14. 

(55) المصدرنفسه ، ص14.   

(56) المصدر نفسه ، ص15. 

(57) المصدر نفسه ، ص16. 

(58) المصدر نفسه ، ص37. 

(59) المصدر نفسه ، ص499.

(60) المصدر نفسه ، ص66. 

 Télécharger l'article