الجزائر و ثورتها في شعر محمود درويش

عبد الرحمن زايد قيوش

جامعة عنابة

  مما لا شك فيه أن للجزائر مكانة خاصة في وجدان الأحرار و المثقفين و بخاصة الأدباء . فقد ألهمت ثورتها التحريرية الكبرى التي انطلقت في ليلة الفاتح من نوفمبر 1954 معلنة نهاية عهد الاحتلال الفرنسي الغاشم ، و مبشرة بعهد الحرية و البناء و التشييد الكثير منهم ، اذ كتبوا عنها الكثير من القصائد و القصص و الروايات و المسرحيات ، باعتبارها قبلة الأحرار و ملاذ الثوار و ما لعبته من دور حضاري   و انساني كبير من أجل ارساء قيم الحرية و العدالة و الكرامة الانسانية .             وقد يسأل سائل : ما مدى استقطاب هذه الثورة للشعراء العرب و تحديدا للشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش ؟ و ما مدى اسهاماته في التعريف بثورة الجزائر الكبرى ؟ وماهي رؤيته لها ؟ ما علاقة درويش بالجزائر؟ و هل للجزائر مكانة في وجدانه ؟ وهل تفاعل مع ثورتها الكبرى ؟ و هل تركت آثارا في نفسيته ؟ و ماهي تجلياتها و انعكاساتها في شعره ؟

مما لا يختلف عليه اثنان على أن الثورة الجزائرية هي أكثر الثورات العربية استقطابا للشعراء العرب ، بحيث لا يكاد يخلو أي ديوان شعري عربي حديث و معاصر من قصيدة قيلت فيها ، تشهد على مشاركتهم الوجدانية فيها .

واذا ما رجعنا الى دواوين الشعراء العرب المعاصرين لوجدنا كما هائلا من قصائدهم الشعرية قيلت في ثورة الجزائر(1) ، و لعل ذلك يعود الى جملة من العوامل أهمها :

- قوة ارادة أبناء و أبطال الثورة الجزائرية في التصدي للاستعمار الفرنسي و دحره.

 - بعثها المجد العربي من جديد .

- اعتبارها ثورة كل العرب ، فانتصارها هو انتصارهم  . و أن هزيمة المستعمر الفرنسي في الجزائر تحمل له الهزيمة في كل بلدان العالم العربي. وقد استطاع شعراء العرب أمثال : سليمان العيسى ، فدوى طوقان ، ابراهيم طوقان ، سميح القاسم ، توفيق زياد ، محمد الفيتوري ، السياب ، نازك الملائكة  ، يوسف الخال ، عبد المعطي حجازي ، عبد الوهاب البياتي ، مصطفي الحبيب ، محمود درويش وغيرهم استطاعوا من خلال قصائدهم الكثيرة أن ينقلوا صدى الثورة الجزائرية العربية الى الشعب العربي من محيطه الى خليجه ، و راح هذا الشعب العربي يدعم ثورة الجزائر بكل الوسائل ( التبرعات المالية ، القيام بالمظاهرات احتجاجا على جرائم فرنسا المرتكبة في حق المدنيين الجزائريين العزل ...) و قد انضم الى تأييد هذه الثورة جميع أحرار العالم .

و لا شك أن اصرار الجزائريين على مواصلة الكفاح حتى نيل استقلالهم   وحريتهم ، مهما كان الثمن ، قد شحن الشاعر العربي بمشاعر الافتخار،التي  افتقدها خلال النكسات التي توالت على وطننا العربي ، و بخاصة بعد اغتصاب الصهاينة لفلسطين "ولم يدخل الى الشعر الحديث نغمة الفرح الواثق إلا ثورة الجزائر الباهرة ، التي شهدت انتصار الانسان العربي في الجزائر على قوى أشد منه بطشا ، و أعتى منه في قواها العلمية و التكنولوجية (2) " .

و كما أدخلت هذه الثورة مشاعر الفرح و الفخر و الاعتزاز و التفاؤل في الشعر العربي ، فإنها كثفت أيضا من الغضب و الحقد في الشعر العربي على أعضاء الوطن العربي نتيجة هيمنة الاستعمار الفرنسي في الجزائر(3)   و لا نبالغ اذا قلنا ، ان الشعر العربي قد حفل بتناول كفاح الشعب الجزائري المرير و ثورته الكبرى ، بكل الأشكال الشعرية . و ذلك ما عبر عنه شاعر الثورة الجزائرية "مفدي زكريا"  حين اعترف بوقوف البلدان العربية جميعها مع ثورة الجزائر ، حيث قال :

نسب بدنيا العرب .. زكى غرسه ألم .. فأورق دوحه و تفرع

سبب بأوتار القلوب .. عروقه .. ان رن هذا .. رن ذاك ورجعا ! 

إما تنهد بالجزائر موجع أسى .. "الشام" جراجه ، و توجعا  !

واهتز في أرض "الكنانة" خافق .. و أقض في أرض "العراق" المضجعا

وارتج في "الخضراء" شعب ماجد .. لم تثنه أرزاؤه أن يفزعا

وهوت "مراكش" حوله و تألمت .. "لبنان" واستعدى جديس و تبعا

تلك العروبة.. إن تثر أعصابها .. و هن الزمان حيالها ، و تضعضعا (4) !

واضح إذن ، اهتمام الشعر العربي بالثورة الجزائرية من بغداد الى مراكش ومن الشام  الى القاهرة فإلى تونس الخضراء  .

ولعل سر هذا الاهتمام الكبير بها يرجع الى عظمتها في زمانها ومكانها ولحجم تضحيات الشعب الجزائري ، و تنامي الحس القومي لدى الانسان العربي و تطلعه الى الحرية ، و لإيمان الشعراء العرب بأهمية الكلمة و دورها في تقرير مصير الشعوب . فها هو شاعر المقاومة الفلسطينية الكبير و الراحل محمود درويش (13مارس 1941 – 9 أوت 2008 ) – الذي يعد رقما شعريا مميزا ، و قامة شعرية عالية لا تحتمل الانكار ، و لا التقليل من شأنها سواء في فلسطين أو خارجها ، بل حتى في العالم . فالكل معجب بإنجازه الشعري و بدفاعه القوي و الثابت غن قداسة و مشروعية قضيته الوطنية و شعبه ، بل عن القضايا العادلة في العالم ... ينطلق درويش  من منطلق الشاعر الثوري الذي يرى في الشعر أداة من أدوات المقاومة لتحقيق التغيير المرغوب فيه حسب  الرؤية الثورية ن التي ترى أن مهمة الشعر في تحرير الأرض و الانسان ، باعتبار أن الأرض و الانسان اسمان متلازمان لوجود وهوية و انتماء . يقول درويش :

نحن لا نكتب أشعارا

لكنا نقاتل (5)   

و يقول أيضا :

أمنت بالحرق نارا .. لا يضير إذا

كنت الرماد أنا أو كان طاغيتي (6)  

فقد تحولت الكلمة لديه الى نار تقضي على عدوه .                                                  و الثورة عند محمود درويش لغة مشتركة بين جميع مناضلي العالم ، و انتصارها في أي بلد منه يعده درويش انتصارا لقضية فلسطين ، فيقول :

فكلام الثورة نور يقرأ في كل لغات الناس

و عيون الثورة شمس تمطر في كل الأعراس

و نشيج الثورة لحن تعرفه كل الأجراس (7) .

إنه الموقف الانساني لدرويش ، فرغم تعلقه بأرضه و عدم قدرته على تحمل فراقها رغم إحساسه بالغربة و الضياع بعيدا عنها .

رغم كل ذلك يبدو منفتحا على كل العالم – بمعنى أخر أن قضية فلسطين لم تكن وحدها محل اهتمامه ، بل إنه أصبح معنيا بشؤون كل شعب مضطهد يسعى الى التحرر و التقدم ، لأنه يرى في انكساره انكسار شعبه ، و لعل ذلك ما يفسره تأثره بأي انتصار  ثوري في أي مكان في العالم . يقول في قصيدته

"نشيد الرجال" :

فكل تمرد في الأرض

يزلزلنا

و كل جميلة في الأرض

تقبلنا

وكل حديقة في الأرض

نأكل حبة منها

و كل قصيدة في الأرض إذا رقصت نخاصرها       

وكل يتيمة في الأرض إذا نادت نناصرها (8) .

لقد أعطى درويش للأرض في شعره مضمونها الانساني ، و ذلك بوقوفه بجانب كل الشعوب المضطهدة و الساعية الى التحرر .                                                            فانتصار الثورة في أي بلم من العالم يعده درويش انتصارا لقضيته . لأجل ذلك تفاعل درويش و تجاوب كثيرا مع أحداث و قضايا الشعب الجزائري العربي ،      و على رأسها كفاحه و نضاله الوطني و ثورته التحريرية الكبرى التي تحولت الى رمز للكفاح و النضال من أدل الحرية .

انه يرى في الجزائر موطنه ، وشعبها هو شعبه ، بل أقربائه ، إذ يقول :

أصدقائي

أقربائي

في حقول النفط و الزيتون في أرض الدماء

سفوحها بسخاء

لتروي غرسه الفجر التي تنبت في ليل الدماء (9) .                                              فأرض الجزائر غنية بالموارد الطبيعية المتمثلة في وفرة حقول النفط و أشجار الزيتون المقدسة ، و هي أرض طاهرة لأنها سقيت بدماء الشهداء الزكية .                         انها العلاقة القوية بين درويش و الجزائر ، و قد استمدها درويش من العلاقة الروحية التي تربط بين الشعبين الجزائري و الفلسطيني ، بدليل أنه كان لا يرفض أية دعوة تأتيه من الجزائر التي زارها أكثر من مرة ، أبرزها زيارته التاريخية في نوفمبر 1988 حيث كتب و قرأ وثيقة إعلان قيام دولة فلسطين بالجزائر أرض الثورة و الشهداء ، انطلاقا  من إيمانه بأن ثورة الجزائر مدرسة يستلهم منها الفلسطينيون نموذج النضال الوطني . لب صار يتمنى أن يكون بائع خبز في الجزائر يقول :

لا تقل لي : ليتني بائع خبز في الجزائر

لأغني مع ثائر (10) .

لقد أصبحت الجزائر ملاذا لثوار العالم و أحراره .                                                             وتعد جبال الأوراس الشامخة رموز ومعالم مفخرة الثورة الجزائرية الكبرى ، لذلك نجد العديد من شعراء الجزائر و العرب قد تغنوا بها في أشعارهم ، باعتبارها معهد الثورة و ميلادها و معقلها ، و شموخها و عظمتها . فالأوراس تمثل رائحة التراب الجزائري و أصالة الوطن . يقول درويش :

بيتي على الأوراس كان مباحا

يستصرخ الدنيا مساء صباحا

...فالوحش يقتل ثائرا

و الأرض تنبت ألف ثائر

أوراس يا " أولمبنا " العربي

يا رب المآثر

إنا صنعنا الأنبياء على سفوحك

و المصائر

أوراس! يا خبزي و ديني

يا عبادة كل ثائر (11) .

إنها الثورة التحريرية الجزائرية التي تفجرت قوية بقوة أبطالها الذين لم يرضخوا لنير الاستعمار الفرنسي على مر سنوات طويلة من الزمن ، صارت نموذجا يحتدى به لكل أشكال الصمود و التحدي ، الأمر الذي جعلها محفزا للشعوب المتطلعة للإنعتاق و التحرر .                                                                          فأرض الجزائر كبيرة بتضحيات أبنائها و أبطالها ، و لذلك يفتخر درويش بالدور الكبير الذي لعبته جبال الأوراس أيام الثورة في نجاح ثورة 1 نوفمبر المجيدة ، فيقول :

في بلاد كل ما فيها كبير الأبرياء

شمس افريقيا على أوراسها قرص إباء

و على زيتونها مشنقة للدخلاء (12) .

فدرويش هنا يعتز بثورة الجزائر ، و هذا تأكيد لإيمانه بعروبة الجزائر أولا ، و تقديسه للحرية ثانيا ، و إيمانه بالقيم الانسانية ثالثا . و لكون الثورة جسدت رغبة الانسان في التحرر ، بالإضافة إلى تجسيدها لصفات النبل و الكبرياء و الصمود و الشموخ ، فكلما ذكر "الأوراس" تبادر الى الهن معنى البطولة و التضحية و الفداء ، و لذلك قرن درويش "الأوراس بالبطولة و الاباء و الشموخ (13)" .

بل يذهب درويش إلى أبعد من ذلك حينما يتحدث عن شموخ و كبرياء الجزائريين المستمد  من شموخ جبال الأوراس فيقول:

الوحش يقتل ثائرا ، و الأرض تنبث ألف ثائر فيا كبرياء الجرح لو متنا لحاربت المقابر (14) .

فالبيتان يحثان على النضال ، فكلما قتل الوحش – وهو هنا رمز للعدو الفرنسي – ثائرا جزائريا ، فإن أرض الجزائر الخصبة تلد أف ثائر ، و لو مات جميع المناضلين الجزائريين لحاربت المقابر ، أي لحارب الموتى الذين هم في القبور العدو الفرنسي .                                                                                      والخلاصة أن الجزائر و ثورتها التحريرية الكبرى قد احتلتا مساحة في شعر محمود درويش الثوري ، إذ عبر درويش عن شعره القومي و اعتزازه ببطولات أبناء و أبطال الجزائر أمام جحافل العدو الفرنسي ، و أعلن صراحة في وجه قوى القهر و البغي و الاستبداد ، أن النصر حليف الشعوب المقهورة و الثائرة دائما ، حيث قال:

كل أرض و لها ميلادها

كل فجر ، و له موعد ثائر (15)  .

فالشعر موقف و الكتابة مواجهة ، و القصيدة رفض للشروط غير الانسانية التي يعانيها أي شعب واقع تحت نير الاستعمار ، ساعيا بكل جهد إلى التحرر منها .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش :

1- أحسن مزدور ، الثورة الجزائرية في الشعر المصري الحديث ، مكتبة الآداب ، القاهرة ، ط1 ،  2005 – ص 7 ، 8 .

2- سلمى خضراء الجيوسي ، مجلة اعلم الفكر ، م4 ، ع2 ، سبتمبر ، الكويت ، 1973 ص 13 .

3- انظر : مصطفى الحبيب بحري ، مجلة الشهر ، عدد 16 ، يونيو ، القاهرة ، 1959 ص 25 .

4- مفدي زكريا ، الديوان (اللهب المقدس) ، ص 57 .

5- محمود درويش ، الديوان ، المجلد 1 ، دار العودة ، بيروت ، ط 14 ، 1994 ص 342 .

6- المصدر السابق ، ص 9 .

7- يوسف الخطيب ، ديوان الوطن المحتل ، دار فلسطين ، دمشق 1986 ، قصيدة  محمود درويش " عن الثورة الكردية و الثورة الكوبية " ص 63 ، 76 و 78 .

8- محمود درويش ، الديوان ، المجلد 1 دار العودة ، بيروت ، لبنان ، ط 14 ، 1994 ص 150.

9- محمود درويش ، الديوان ، المجلد 1 ص 165 .

10- محمود درويش ، الديوان ، المجلد 1 ص 175 .

11- محمود درويش ، قصيدة " عناقيد الضياء " ، الديوان ، المجلد 1 ص 227 .

12- عبد الله ركيبي ، الأوراس في الشعر العربي ، الشركة الةطنية للنشر و التوزيع الجزائر ، 1982 ص 15 ، 16 .

13- محمود درويش ، الديوان ، المجلد 1 ص 182.

14- محمود درويش ، الديوان ، المجلد 1 ص 185 .

15- محمود درويش ، الديوان ، المجلد 1 ص 165 .