رؤية العالم الثوري الجزائري من منظور روايات ألبير كامو

الطاعون انمودجا

     سعيدة خلوفي

      جامعة 20 أوت 55 الحدائق

سكيكدة

 

لقد سعت فرنسا إلى تحويل الجزائر إلى مقاطعة فرنسية. أولا اغتصبت الأرض واحتلت مبانيهم ثم اغتصب المستوطنون الفرنسيون الأملاك الطبيعية ثم طردوا الجزائريين من أماكنهم واحلوا محلهم اروبيين في مدن عديدة من الجزائر. ففرنسا أعادت إنتاج نفسها في الجزائر. وأقصى الجزائريون إلى مرتبة دنيا من الهامش والفقر. وغيرها من المعاناة. فمند سبع سنوات وفرنسا كلب مسعور على ممتلكات البلاد خربت بلدا. وجوعت شعبا. بائسا لإجباره على الركوع.لقد بقي دلك الشعب واقفا. ولكن بأي ثمن. وفي هده الأرض الزكية ولد فيلسوف الوجودية ألبير كامو أو وليد الجزائر الذي كان اقرب إلى عصابات الكولون منه إلى مثل الحق والعدل والحرية .فقد انحاز طيلة حياته إلى الظلم والباطل.

 إن الجزائريون في نظر كامو هم مستوطنون. أما أهل الجزائر الحقيقيون فإنهم يسميهم العرب. فكان ألبير كامو يؤمن بجزائر الاستعمار. ولا يتصور مستقبل الجزائر إلا في لطار الحضارة الفرنسية. وعليه فقد كان يعارض الحركة الوطنية الجزائرية الداعية إلى التحرر من الهيمنة الفرنسية. والعودة إلى إطار الحضارة العربية الإسلامية.

لم يكن ألبير كامو جزائريا ولم يبد الرغبة في أن يكون جزائريا " فرنسي عن قناعة واختيار إرادي. وسأظل فرنسيا مادام الألماني ألماني.والروسي روسي.وعليه سأتحدث بما أنا عليه فرنسي".   1

ومن هدا المنطلق أثار موقف ألبير كامو من موطنه الأصلي الجزائر الكثير من النقاش. فقد هوجم هجوما شديدا لقوله بان الجزائر ليست فقط بلدا مسلما. بل أكد ضرورة عدم الاستسلام أمام المتعصبين. وفي نهاية الأمر كان ضروريا بالنسبة للجزائريين والفرنسيين العيش معا بسلام. أو الموت معا في الحرب. تأكيدا من كامو على وحدة الشعبيين في السراء والضراء.

ولكن تجاوز التاريخ المليء يفرض طرح نفس السؤال على الاسرائليين والفلسطنين.مادامت فرص التعايش والتفاهم. والتخلي عن الكراهية والعنف هي خيارات ثابتة للتاريخ. والدي أوضح من خلالها بان الإنسان لم يولد من اجل التاريخ. ولكن التاريخ يفرض علينا واجبات لا تستطيع رفضا .واحد هده الواجبات هو معارضتنا للدين يعتقدون أنهم يمتلكون مطلق العقل اى للمتعصبين فكريا. الدين يحاولون فرض هدا العقل باسم الحقيقة. غير أن كامو يتساءل أليست الحقيقة غامضة ومنفلتة ويجب استعادتها دائما.

ينبهنا كامو إلى أن هناك توترا مستمرا بين الذي لا يمكن تجنبه والدي لا يمكن تبريره. فمن الممكن أن تبرر الغاية الوسيلة. لكن من الذي يبرر الغاية نفسها. هده المسالة لم يستطع حلها.فقد طرحها انطلاقا من موقعه ككاتب ومفكر وروائي. وقد كان حائرا بين إرادته في أن يكون أخلاقيا. وبين كل ما يمنعه من أن يصبح كذلك.

فنحن نحاول أن نتناول التجربة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر من خلال تسليط الضوء على الاستيطان العسكري والسياسي والثقافي والدي سعى إلى طمس كل اثر للهوية الجزائرية لتحقيق هدف سام بالنسبة إليه. هو توسيع امتدادات الإمبراطورية الفرنسية. وهناك من جسد دلك وهو ألبير كامو. فكيف هي رؤية ألبير كامو لتجربة الاستعمارية في الجزائر الذي يصفه ادوارد سعيد " شخصية امبريالية متأخرة جدا. لم يبقى بعد انقضاء أوج الإمبراطورية فحسب. بل ما يزال باقيا اليوم بوصفه كاتبا كوني النزوع تضرب جذوره في عملية استعمارية صارت الآن نسيا منسيا"  2

ودلك من خلال التفكيك للإطار المشهدي الجغرافي لأشهر روايات كامو كالطاعون. حيث يسرد كامو الفضاء الجزائري بكل خصوصياته المختلفة على انه فضاء فرنسي. فاختيارات كامو المعلنة على صفحات رواياته ليست بريئة كما يراها كونر كروز اوبراين. فكامو يقوم بتسويغ مضمر وغير واع للاحتلال الفرنسي للجزائر في محاولة لتجميله. وهي عقيدة رافقت كامو في مختلف كتاباته. من خلال إصراره على إعادة إنتاج نفس النموذج الثقافي الفرنسي في الجزائر رغم عدم تعبيره عن الهوية الجزائرية.

لقد مثل كامو الوعي الغربي الفرنسي العميق لحركة التاريخ. بتصلبه  تجاه حق الشعب الجزائري في نيل حريته. وبقي على موقفه حتى وفاته.

لقد تغاضى عن التاريخ محاولا جعل الجزائر فرنسية والإبقاء عليها فرنسية واحتواء التاريخ الجزائري في إطار تاريخ فرنسا الأم.

وهناك قيمة منهجية حاسمة حسب ادوارد سعيد تكمن في عدم قدرة القارئ العادي على كشف الخبايا والدهاليز المعتمة كما يصفها دير يدا في كتابات كامو فمثلا اختياره لإطار مكاني جزائري يبدو عارضا مقارنا بالقضايا الأخلاقية والإنسانية التي يتناولها كما أن شخوص الجزائرية في روايات كامو تحتل مكانة ثانوية. ومقارنة بنظيرتها الفرنسية. فالعربي عند كامو قد يذكر دون اسم أو تاريخ. كما أن العرب يموتون بالطاعون في وهران لكنهم دون أسماء. " فالتاريخ الفرنسي لدى كامو هو وحده الجدير بالسرد كتاريخ".3

 

ويتحدث ادوارد سعيد بصراحة عن الحرب الاستعمارية بوصفها نتيجة لوجود مجتمعين اثنين في حالة من الصراع4 .فكامو كان يكتب ضمنيا للوعي الفرنسي. وليس إحساسا لما يعانيه الجزائري لقد اشترك كامو ونقاده وأجيال من الكتاب الفرنسيين كألكسي دو توكفيل. في تكوين تراث طويل من الكتابة الاستعمارية عن الجزائر. كتابة لطالما جاءت مبطنة ومستترة لا يظهر منها للوهلة الأولى إلا دلك الوصف والتصوير لتلك  المعاناة والماسي التي يتخبط فيها الاصلانيون الجزائريون دونما تحديد المتسبب فيها. هدا التراث الاستعماري من الكتابة حسب ادوارد سعيد لم يعد معترفا به اليوم.

يخلص ادوارد سعيد إلى أن الطريقة التي يكتب بها كامو  هي نفسها التي صورت بها الحقائق  المزيفة عن الجزائري في الكتب المدرسية الفرنسية إلى درجة التطابق الآسر. انه تأكيد وتعزيز للأولوية الفرنسية على كل شيء. حتى على حق شعب في أرضه. فكامو يشارك في حملة من اجل السيادة الفرنسية ضد مسلمي الجزائر لما يزيد عن مائة عام. فرواياته تحمل معضلة استعمارية متمثلة في دلك الارتباط التاريخي بهدا الفضاء الموجود في الضفة الأخرى من المتوسط.

هدا الارتباط الذي لا فكاك منه. فكامو أضاع وعيه كمثقف عضوي مستقل بتعبير غرامشي. فسردياته يقابلها الأدب المفكك للاستعمار الذي أنتج في زمنها لكتاب كجون بول سارتر. فرانس فانون....الخ.

لقد كان موقف كامو في أواخر حياته حيب ادوارد سعيد بمثابة تعرية لكل جماليات كتاباته السابقة. حين جهر علنا انه ضد المطالب التي رفعها الوطنيون الجزائريون بالاستقلال. لقد فعل دلك بالطريقة ذاتها التي كان قد مثل بها الجزائر مند بداية حياته الفنية. لقد جسد فعلا مقولة ادوارد سعيد " رجل أخلاقي في موقف غير أخلاقي".

وعندما تتعرض مؤلفاته بوضوح للجزائر المعاصرة. فان كامو يهتم بصفة عامة بالعلاقات الفرنسية الجزائري.كما هي وليس بالتقلبات التاريخية المثيرة التي تشكل مصيرها في الزمن. فانه يجهل أو يهمل التاريخ. الشيء الذي لا يمكن أن يفعله جزائري يحس بالحضور الفرنسي كشطط يومي في استخدام السلطة. فالبنسبة لجزائري من المحتمل أن تمثل سنة 1962 نهاية مرحلة طويلة ومأسوية دشنها قدوم الفرنسي عام 1830. والبداية الحاسمة لعهد جديد. " ولكن تأويل روايات كامو من نفس وجهة النظر. قد يكون هو أن ترى فيها ليس نصوصا تجبرنا عن الحالات النفسية للمؤلف. وإنما عناصر من تاريخ الجهد الفرنسي للمحافظة على الجزائر الفرنسية. وادن فانه يجب أن نقارن تأكيدات كامو ومفترضاته حول التاريخ الجزائري مع التواريخ التي كتبها جزائريون بعد الاستقلال حتى نضبط كليا دلالات الخلاف والجدال بين الوطنية الجزائرية والاستعمار الفرنسي. وقد يكون من الصائب ربط آثاره بظاهرتيين تاريخيتين. المغامرة الاستعمارية الفرنسية والكفاح المستميت ضد استقلال الجزائر "4.

ولان نصوص كامو شديدة الكثافة إلى التفاصيل والصبر والإلحاح. أمور أساسية منهجيا. فالقراء يربطون من أول وهلة رواياته بالروايات الفرنسية حول فرنسا. ليس بسبب لغتها والأشكال التي تبدو أنها ورثتها عن روايات سابقة كبيرة ومشهورة.5

وإنما لان إطارها الجزائري يظهر عرضيا. بدون علاقة مع المشكلات الأخلاقية الخطيرة التي تطرحها. فبعد نصف قرن على نشرها فإنها لا زالت تقرا كأمثال ورموز عن الوضع البشري.كعدم تسمية العربي وعدم تدوينه تاريخيا فالإنسان يموت ولكن لا يسمى. إن كتابة كامو تحركها حساسية استعمارية متأخرة جدا.

إن روايات وقصص كامو تشبع بدقة التقليد واللغات والاستراتجيات الخطابية لتملك الفرنسي للجزائر. وهي تمنح تعبيرها النهائي والارهف لهده البنية من العواطف الكثيفة. ولكن لتبين هده الأخيرة فانه ينبغي اعتبار أثار كامو كتجميل للمعضلة الاستعمارية. انه المعمر الذي يكتب لجمهور فرنسي. يرتبط تاريخه الشخصي حتما بهدا الإقليم الفرنسي للجنوب. وفي كل إطار أخر فان ما يجري غير قابل للفهم مطلقا. فان مجمل رواياته التي تحدث وقائعها في الجزائر لا يظهر فيها شيء عن الجزائر. فهدا البلد مجرد ساحة أو امتداد للمتربول الفرنسي. وقد ختم مساره بمقولة شوفية أخرجته من التيار الإنساني " أفضل أمي على العدالة". فكتابات ألبير تندرج في إطار هدا التزيف التاريخي والممجد لدور الاحتلال الحضاري .

كان واضحا إن كتاباته تسير في اتجاه كتابات لويس برتران وروبير روندو. بل أكثر من دلك كانت لديه الرغبة في التفوق عليهم في رسم صورة لجزائر خيالية " جزائر تحمل عبق نوستالجيا الاباء".

 نظرة كامو لثورة الجزائرية على أنها إرهابا

دفاع الجزائريون عن وطنهم الأم يوسم بالعنف الإرهابي عند كامو  فكامو كان يضع نفسه على الدوام في موقع أخلاقي بحث. بل عاطفي فعلى القاتل اللطيف أن يقبل الموت مقابل الجريمة المرتكبة لان موته – إن كان سيحول الجريمة إلى فعل عادل سيثبت قانون القصاص". ولكن الكاتب الذي لم يكن على توافق تام مع هده النظرة من وجهة نظر لم تتغير كثيرا.ونقلها سيناك حيث أدان بصفة قاطعة ولكن وحيدة الجانب. العنف الإرهابي الذي يعني به ضمنيا دلك الذي يمارسه العرب.

أما بالنسبة لسيناك فهدا الإرهاب يمثل حقيقة تاريخية جديدة. لأنه دو طبيعة ثورية. فادا كان يرفض العنف الأعمى من الجانبين. فإننا نجده يتفهم دلك المرتكب من قبل المكافحين الجزائريين الدين عليهم مع دلك أن يتجنبوا تمييزا عنصريا مقلوبا بالحفاظ على حياة الآخرين ويحرضهم على استهداف الرؤوس فقط. كما يعارض سيناك قانون كامو لقصاص حياة بحياة وفي ظل انسجامه مع نفسه. ويتساءل إن كانت ساعة الحياة والموت قد حانت من اجل وطنه الجسدي. دلك انه حلم بما يشبه " فرقة دولية". من اجل الكفاح إلى جانب إرهابي شمال إفريقيا وتسريع تحرير الشعوب. ولكنه لم يكن يدري حينها كيف ولا أين يمكنه أن يعمل. وما الذي سيكتبه في هدا الاتجاه6.

كامو اختار الجزائر الفرنسية وسمانا عربا واعتبر الثورة الجزائرية ارهابا.

توضح كتابات كامو حسب طيب بوقرة انه رجل "ممزق" بين "نعم" أو "لا" مثلما شدد على دلك مرارا أصدقاؤه أو نقاده. ولكن أيضا نصير لفكرة الجزائر الفرنسية. التي تبقى هواجس الخوف من تضيعها مبررة بقدر ماهي مشروعة. هدا ما تؤكده بشكل كاف أفكاره الأخرى. وهكذا يبدي كامو بمناسبة استقباله عالمة الاثنولوجيا جيرمان تيايون. خيبة أمله من المستقبل. هده الخيبة ستزداد مع عودة الجينرال ديغول إلى الحكم. وبعد أحداث 13 ماي 1958. جاء رد فعل كامو " حرفتي هي أن أقوم بتأليف كتبي والكفاح حينما تتعرض حرية بني جلدتي وشعبي للتهديد. وعلى عكس أغلبية الفرنسيين القاطنين بالجزائر الدين رأوا في شخص ديغول الضامن للجزائر الفرنسية.فان كامو المستبد به الاضطراب قدر اتسامه بالوضوح.كان يبدي يوما أسفه على بلدي المفقود"7.

سيناك يؤمن بأنه لا مخرج للمأساة الجزائرية إلا بالثورة وإراقة الدماء عكس اعتقادات كامو. علينا أن نتقبل الحقيقة بصدق. والحقيقة هي أن هدا البلد عربي امازيغي مسلم. وأننا نمثل مع اليهود وغيرهم أقلية يمكن وبما هي عليه. على أن تحظى بمكانة الأقليات الحقيقية هي أن على مليون أوروبي على هده الأرض المستقلة. أن يتخلوا عن امتيازاتهم ليشاركوا في بناء نظام قائم على المساواة الحقيقية هي أننا سنفقد قدرا زهيدا من نعيم الأسياد الذي ترفل فيه ومن أملاكنا الواسعة.

الفيلسوف جانسون اعتبر كامو مشوه للوقائع الجزائرية وخائن لشرف فرنسا.

علينا أن نذكر مرة ثانية ونقول ليس فقط الشاعر جان سيناك هو الذي انتقد ألبير كامو بخصوص موقفه من الجزائر. بل وبخاصة المناضل والفيلسوف جانسون الذي اعتبر كتابات كامو بالمشوهة للوقائع الجزائرية ووصفه بالخائن لشرف فرنسا لأنه شوه سمعة فرنسا الأخرى. فرنسا الحريات والديمقراطية. لقد تمكن جانسون بفضل شبكته أن يجلب لمناصرة القضية الجزائرية أهم واكبر أسماء المثقفين والفنانين والمناضلين الفرنسيين من بينهم. شاربي وأرنو وكومبانيو والأب دافيزي...الخ. إلا انه أي جانسون لم يتمكن من إقناع ألبير كامو بعدالة القضية الجزائرية. تجرا هدا الفيلسوف على معارضة أطروحة ألبير كامو وعندما تدخل جون بول سارتر في النقاش رد جانسون على كامو الذي فضل أن تبقى يداه نظيفة بقوله الشهير " من أراد أن تبقى يداه نظيفة لا يد له". ورد كامو على جانسون وانتقده قائلا " عوض الاهتمام بحمل الفكر والفلسفة اهتم بحمل الحقائب للإرهاب" 8.

إن الإرهاب هو طريقة متطرفة في إعطاء الموت وتبريره. وهو ما يؤدي إلى عرس دموي من الرعب والقمع. فباسم العقل يتخلى الإرهاب عن العقل ويضع القوة في خدمة الاستعمال السيئ باتجاه الآخرين ويمثل طاقة منحرفة وقاسية. إن الإرهاب يقتل الذي يقوم به. وأيضا الضحية التي تعاني منه. ولدلك فان كامو لم يكن بجانب الحقيقة حين ميز بين الإرهاب الفردي والإرهاب الإيديولوجي والديني وإرهاب الدولة. ومن أخطاء كامو القاتلة انه سوى بين بطش الجلاد ودفاع الضحية حين وضع عنف الاستدمار الفرنسي المعتدي على الجزائر. وعنف المدافعين عن كرامتهم وسيادة أرضهم  في كفة واحدة. ثم اعتبر الثورة الجزائرية إرهابا. فكيف نفسر دلك .

رواية الطاعون وأسئلة الوجود والعبث عند كامو.

تعد هده الرواية رواية فكرية ذات طابع رمزي له دلالاته المتعددة من اجتماعية وسياسية وأخلاقية مع أسلوبها التوضيحي البسيط. وما تحمله من أفكار مناسبة لوضع الإنساني الاروبي ومواقفها للعديد من جوانب حياته المضطربة في تلك المرحلة الحاسمة من التاريخ البشري. ثم إن الموضوعات المطروحة بها. هي موضوعات مازالت إلى يومنا هدا مصدر قلق الإنسان وفزعه ورعبه الناجم عن التطور الحضاري والعسكري الذي أصبح يهدده الموت في كل لحظة. وبالرغم من ظروف الحرب العالمية القاسية.

وقد اختلف الدارسون حول أهداف هده الرواية. ووجد نقاد اليمين فيها عملا إنسانيا يدخل في إطار الموضوع الأكاديمي. أما اليساريون فقد وقفوا منها هم الآخرون موقفا ايجابيا. إلا أنهم احدوا عليه جانب الحدة في تجسيد الألم وجسارة تبيانه بصراحة تعذب الانسان9.

فهل يمكن فصل تقيمنا للإبداع الجمالي والفني لكاتب ما عن مواقفه الإيديولوجية أو السياسية. وبعبارة أكثر شمولية هل يشفع أدب الكاتب وإبداعه وشهرته في خياناته الثقافية والإيديولوجية. هل علينا كمثقفين أن ننتصر للأديب ظالما أو مظلوما. وهل يجوز للأديب أن يخترق كل القيم والثوابت بدعوى الحداثة وما بعد الحداثة.

بإمكاننا أن نقارب الإجابة عن هته الأسئلة. من خلال قراءة استكشافية تأويلية تبتغي تفكيك شفرات الخطاب الكاموي للايديولوجية انطلاقا من التسليم بفكرة استحالة حياد اى خطاب .مع ضرورة شرح وتوضيح مالم بفصح عنه كامو إزاء القضية الجزائرية بوصفه فرنسيا مقيما بالجزائر.

لقد أضحت روايات ألبير كامو تفترض خطابا فرنسيا كثيفا حول الجزائر ينتمي إلى لغة المواقف والمرجعيات الجغرافية للإمبراطورية الفرنسية. ولعل المعضلات الأخلاقية المقلقة التي يفصح عنها . والمصائر المؤلمة لشخصياته التي يعالجها بكثير من الرقة والسخرية المراقبة. كل هدا إنما يتعدى من تاريخ السيطرة الفرنسية في الجزائر ويعيد إحياءها بدقة عالية مرهفة. وغياب لافت للنظر. تشير الدراسات إلى أن أدب ألبير كامو ينتمي إلى الأدب اللبرالي. والتي تعبر عن أراء وأفكار مجموعة من الكتاب الفرنسيين المولودين بالجزائر. وحسب دراسة التي أنجزها محمد قاسمي. فان الخطاب الجزائر يعد امتدادا للرواية الاستعمارية بشكل عام.والتي طالما أطرتها المركزية الاستعمارية المتطرفة في ظروف متفاوتة سياسيا وتاريخيا واجتماعيا"10.

ورواية الطاعون تمثل الفترة الحالكة من حياة الكاتب بالجزائر ثم فرنسا والجزائر في سنوات " 1939-1942". فالطاعون هو الرعب والموت والمرض الذي وجب محاربته.وبدون وعي استسلموا للقدر راحوا يسترقون الفرص للاغتراف من اللذات متناسين واقعهم المرير ومصيرهم التعيس بموتهم المحتوم. ولكن من بين هؤلاء وقف رجل أصابه الوعي فجأة والدي أصبح يحمل أفكارا غريبة لا يتقاسمها مع بني جنسه وبهده الأفكار يتميز كامو عن الآخرين ليصبح غريبا بوعيه وتمرده على فكرة الوجود الإنساني التعيس.

فالطاعون بدورها تمثل انتقال هدا التمرد من الفرد الوحيد إلى الجماعة المتحدة والمشتركة جميعها في محاربة الشر11. ويؤكد دلك كامو بقوله " أن الطاعون بدون أي ملابسات هو انتقال من مرحلة انفرادية الى الاعتراف بتحالف بين الناس يشتركون به في مقاومتهم"12.

ويقول أيضا " أن الطاعون يكشف عن اتفاق عميق بين وجهات النظر الفردية تجاه عبث واحد"13.

وعندما اختار كامو الطاعون رمزا لهدا الموت. فان هدفه من دلك هو تقريب هده الفترات وإجلاء حقيقة الإنسان المؤلمة يجعلهم جميعا وفي وقت واحد أمام الحقيقة. حتى يدرك كل واحد منا أن وجوده من العدم ونهايته إلى العدم. تتخللهما حياة جديرة بان تعاش. وان النسيان العبثي هو من يعيش متشبثا بهده الحياة ويناضل جاهدا من اجل بقائه.

والطاعون والموت كلاهما رمز لقدر الإنسان. وأبطال الرواية بدون تمييز يمثلون " صراع البشر مع القدر".الصراع اللانهائي مع عدو مبهم يتنبأ الإنسان فيه مسبقا بنهايته الفاشلة. غير أن الصراع عند كامو يظل بعيدا عن الاستسلام لان بطله  متلبس بالتحدي المفعم بالأمل.لهدا ريو هو الدفاع عن الإنسان بقدر استطاعته. لدلك عندما سأله تارو ضد من يجيبه بأنه لا يعرف هدا العدو14.

ويفسر هدا الصراع ما جاء على لسان الراوي " أن شهور الهزيمة المتعددة هي التي علمته قيمة الصراع. وهدفه الوحيد في الحقيقة. هو اغتنام الفرص من اجل تحدي هدا القدر الذي غالبا ما نقلقه بالتحدي كان لا بد من إقلاق هدا القدر"15.

أما العادة والتعود في هده الرواية فلها علاقتها المباشرة بألم الإنسان. اد أن حقيقة آلام تفقد وجودها باستغراقه مدة من الزمن بقول الراوي " والدين منهم من لم يطق الصمت...هناك أيضا نجد أعمق الآلام تدخل في باب التعود لتترجم إلى عبارات تافهة في أحاديثهم"16. ولهدا كان الصمت أحسن تعبيرا عن آلام الإنسان يدل الحديث عنها في ألفاظ قد لا تترجم حقيقتها عجزا عن التعبير .أو إننا بالحديث عنها سنفقدها حقيقتها كآلام بالتعود.وقد يلجا أبطاله إلى الصمت لأنه وجه من وجوه المبالاة. فيفضل حينئذ أن يظل كل منهم صامتا. ربما لان شكوى الألم لا تفيد أو أن هده اللغة في حد ذاتها هي عاجزة عن ترجمة الآلام الإنسانية. وفي نظر ألبير كامو هته الأسباب التي تجعل من شخصيات رواياته أبطالا لا يخيم عليهم الصمت. ولا يتكلمون إلا عند الضرورة أو الإفادة.

أما عن موقفه من الديانة المسيحية بالرواية فيتجلى مرة أخرى من خلال تعارض خطب الأب بانلو. مع حقيقة الطفل البرئ الذي مات بعذاب الطاعون. حاول كامو أن يثبت به العدالة الإله ويدحض من جهة أخرى تفسيرات الأب القائلة بان الطاعون هو جزء من ذنوب الإنسان. وهو موقف متعارض مع فلسفة التمرد الداعية الى المقاومة المستمرة التي تحد لهدا القدر ويرفضه أيضا لإيجاده في الدين المسيحي ورجاله أناسا يهبون أنفسهم للقدر وبستسلمون له في خضوع في عالم معقد يبيح فيه الإله السالم ويقذف بهم في سريالية من فقدان الامل17.

وقد يتساءل القارئ عن خلو الرواية من مظاهر المتع الحسية التي ألف كامو تضمينها في معظم كتاباته. وربما يعود سبب ابتعاده عنها الى كونه مؤثرا لتجسيد الألم في صورته المفجعة.ومقاومته أكثر من اهتمامه بالانصراف الى هده الملذات التي لم يحن بعد أوانها. وخير من يمثل هدا الاتجاه هو رامبير الصحفي المبعوث من باريس. والمحاصر بالطاعون بين أسوار المدينة. وكان الكاتب يريد تقديم إدراك الوباء ومحاربته قبل انصراف الإنسان الى متعه الحسية. ودلك هو ماحدث لرامبير بعد أن تلاشى الطاعون عن المدينة. يقول كامو " إن الألم المتواجد بالعالم.ناتج في الغالب عن الجهل والإرادة المقصودة ادا هي لم تكن مضاءة لها من المساوئ مالا يختلف به عن الشر(...).ويبيح لنفسه أن يقتل الآخرين إن روح القاتل بدون كل الوضوح المشرق والدي بدونه تنعدم الحرية الحقة والحب الجميل هي عمياء"18.

يرى كامو في الطاعون آلام البشرية القديمة منه والحاضرة وكل منهم يعيش بهدا الشعور في أعماقه. إلا أن مواقفهم تختلف تجاه هده الآلام لتبدو سلبية في معظمها. ويستثني منهم كامو فقط. هؤلاء الدين يريدون الخلاص منه بعد معاينته لأنهم لا يتقبلون أوضاعهم المزرية ويحبون دائما على الأمل. وهم اد يطمحون الى الخلاص يتمردون على أوضاعهم. من واجبهم أن تجبر الإنسان المتمرد على التضحية بأعز لذاته الأرضية. ومن الباحثين من وجد في الرواية دعوة الى الاتحاد الشامل للبشرية في مواجهة الموت. وهو الطاعون .

وننتهي أخيرا إلى أن هدف كامو من توظيف الطاعون هو صدمة القارئ ومفاجأته بداء بالموت قصد تعميق أثرها في نفسه. كما حاول من خلالها تبيان عبثية حياة الإنسان. وبعيدا عن أي تشاؤم دعا الإنسان إلى الاتحاد من اجل حريته وسعادته وانتصارا له على ألامه وواقعه التعيس.فكانت فلسفته التمردية صرخة في وجه الإله ورفضا مصححا للديانة المسيحية.

كانت الجزائر حاضرة في نصوصه بصفتها موضوعا حقيقيا وكذلك موضوعا مجازيا. عمل مرتبط بالحياة والذاكرة.

بدت الطبيعة الجزائرية والديكورات الواردة في كتابات ألبير كامو منبعا للراحة والتأمل. مثلما هو الحال مع الريف. المدن الآثار. كان الفضاء الجزائري لكامو فضاء للراحة. قلما تكون فضاء للمواجهة والنزاع. يعبر كامو عن اكتشاف جمالي بلد ينظر له على انه الأرض الموعودة. ويظل العربي مبهم الملامح. لا يتكلم لايتفاعل. ولا يعبر عن نفسه. بالكاد يمكن التعرف عليه من خلال الزي. فالجزائر التي يصفها ليست مجرد ديكور خيالي. هي جزائر الجمهورية المحتضرة. والتي لم تنجح في بلوغ الديمقراطية وترقية نفسها.

إن الملاحظة الشاخصة الواعية والمتبصرة بالمحتكمات الخفية التي يمثلها الخطاب الكاموي. تهدي إلى أن كامو قد جنح في كثير من كتاباته بوصفها تيمة مركزية لتعيين العنصر العربي الجزائري. ولعل في هدا الوصف ما يجعل الخطاب مبعدا إلى توظيف العبارة المرجعية عن العادات اللغوية اللصيقة بالفئة الأوروبية المقيمة بالجزائر.

هده التيمة يوظفها كامو في مستوى التجزئة الانثروبولوجية للعربي الجزائري. من حيث تعمل على إقصائه  من فضائه – الجزائر- وإبداله بتيمة – الجزائري- التي يرى كامو أنها تشمل الأهالي باعتبار المولد. وسكان البلد على نحو يكون فيه كامو جزائريا باعتبار المولد والإقامة.وهكذا يكون الخطاب الكاموي قد طبق إستراتجية تجزئة الفضاء التي بلورها الخطاب الكاموي.دلك من خلال توظيفه السلبي للعنصر الانثروبولوجي ضمن لغة تسعى الى اختزال مقولة الآخر – العربي- على أساس إقصاء ونفي السكان الأصليين من أبناء الجزائر.

ولا يفوتنا أن نشير إلى أن كامو لم يستغن عن توظيف العبارة المرجعية المتعلقة بهويته الأصلية- أوروبي- ويظهر دلك جليا من خلال الرسالة التي بعث بها إلى صديق ألماني. على نحو تكون فيه ثنائية أوروبي- عربي في الخطاب الكاموي ذات بعدين دلالين مختلفين. إقرار بالغيرية في مستوى الحضور. وإقصاء الأخر من اجل جزارة العنصر الأوروبي وتمكينه ارض الجزائر في مستوى الغياب. بإمكاننا أن نخلص في الأخير إلى أن التمرد في المنظومة الفلسفية الكاموية هو عبارة عن احتجاج دهني غامض تجاه الثورة الجزائرية. يعكس عكسا تغريبيا قضية الجزائر.والأرض الجزائرية19.ودلك ضمن خطاب مشفر يسعى إلى قولبة الخطاب الاستعماري عن طريق إبدال لغة السلاح والعنف بلغة الإقناع ومطارحة مشروع الإدماج .أو بالأحرى فرنسة الجزائر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهوامش

  1ألبير كامو والجزائر. حكم التاريخ. بقلم محمد الأخضر موقال. ترجمة سامية بلقاضي. مجلة الجزائر نيوز. سبتمبر 2011.

2-  ادوارد سعيد الثقافة والامبريالية. ترجمة كمال ابوديب.ط1 دار الآداب بيروت 1998. ص.230.

3- لمرجع نفسه.ص.236.

4- المرجع نفسه.ص.239.

5- Conner cruise obrien .Albert camus.vicking.newyord.1971.page 100.

Herbert lottman.camus.seuil.pariss.1985.page.250.             

6- محمد يحياتن .مفهوم التمرد عند ألبير كامو وموقفه من ثورة الجزائرية التحريرية.ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر 1984.ص 75.

7- Tayeb bouguerra.le dit et le non dit dans l’œuvre de camus.ed o.p.v.alger.1989.page.4.

8- Mostepha lachèraf.l’algèrie.nation et societè.naspèro.paris .1965.page.150.

9- Pierre Henri simon.prèsence de camus. La renaissance du livre.1968.belgique. page.144.

10- CF dagran et M.kacini.arabe vous avez dit arabe. Ed.balland. paris.19990.page.15.

 

11- Albert camus.la peste. Jallimard. Paris 1982.page. 279.

12- المصدر نفسه ص 258.

13- المصدر نفسه .ص. 78.

14- المصدر نفسه .ص. 78.

15- المصدر نفسه.ص.100.

16- Pierre henrt simon.histoire de » la littérature française.t2.acollin 1968.paris.page.164.

 

17- Albert camus.La peste.page.124.

18-المصدر نفسه. الصفحة نفسها.

19- محمد يحياتن. مفهوم التمرد عند ألبير كامو.ص.78.