النص السردي الجزائري بين سلطة المرجع ومجازية اللغة

 قراءة في رواية الأمير لواسيني الأعرج

حياة ذيبون

فرحات عباس سطيف

 

جدل الرواية / التاريخ : تفاعل الواقع والخيال

     تعتبر الرواية أرضية خصبة للمبدع ، لأنها تحتضن أفكاره ، وتبوح بمكنوناته ، وقد ساعد حجم الرواية الذي يتسع ليصل عشرات بل مئات الأوراق على توافد المبدعين على هذا الجنس من الكتابة يؤلفون فيه ، ويعرضون من خلاله رؤاهم . ولهذه الميزة التي حازتها الرواية عدها البعض بديلا للشعر وخليفا له ، ذلك أن الشعر يلزم قائله الالتزام بتقاليد الكتابة الشعرية ؛ من التزام بالوزن والقافية - وهو ما قد يرهق كاهل المبدع -  أما الرواية – بعدها جنسا أدبيا نثريا – فإنها تترك للمبدع مسافة من الحرية ، كما أن الرواية من جهة أخرى لون أدبي مناسب لطرح المواضيع الفضفاضة كونها تتسم بطول حجمها ، فما قصر عنه الشعر ، كلفت به الرواية وها هي الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي  تذهب هذا المذهب في معنى قولها : إذا أحببت رجلا كتبت قصيدة ، وإذا أحببت وطنا كتبت رواية .

     ومع التطور الذي عرفته البشرية وصيحات الانفتاح المفاجئ على الآخر ، ظهرت الحاجة ملحة لجنس الرواية " وبهذه السيرة أصبحت الرواية أعمق مدلولا ، وأنفع وظيفة اجتماعية وسياسية وثقافية  إذ غدت وسيلة من وسائل التربية والتثقيف والترفيه وتهذيب الطباع ، وترقيق العواطف وصقلها ( دون أن تكون بالضرورة مما يندرج ضمن الأدب التعليمي ) وذلك بجكم شموليتها الثقافية المتميزة في الغالب بالعمق والأصالة الفكرية [i] "

       وقد كانت الرواية في بداياتها الأولى مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمجتمع ؛ إذ عكف كتاب هذا الجنس على التعبير عن وقائع المجتمع السياسية والتاريخية والاجتماعية بكل صدق ، مما حمل بالزاك على عد الرواية حليفا للتاريخ [ii] وإذا كان هذا الحكم قد صدر نتيجة معاينة واقع الرواية في بدايات تشكلها وإذا كان يحمل نسبة من الصحة آنذاك فهل سيبقى محافظا على هذه الصحة في وقتنا الراهن ؟ هل ترضى الرواية بأن تكون الناطق الرسمي للمجتمع ؟ وهل تبقى تابعة للتاريخ ؟ أين تلتقي الرواية مع التاريخ وأين تختلف عنه ؟

     تدلنا كلمة تاريخ بالمفهوم العلمي على " مجموعة كاملة من الحقائق المؤكدة التي تكون متوافرة للمؤرخ من خلال الوثائق والنقوش [iii] " " والروايات التي يقدمها الشهود أو الذين شاركوا في صناعة التاريخ وما إلى ذلك . ونحن نعرف – من خلال الثقافة الشائعة – أن التاريخ هو مجموعة من الأحداث المتحققة – وليس المتخيلة – التي حدثت في زمن ما، وكان لها دور كبير في تغيير جوانب من الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية والمؤسسات التي تعمل على حمايتها وضمان تواصلها [iv] " وعليه فالنص التاريخي نص مكتمل يروم الموضوعية والدقة في تحري الحقائق ما استطاع المؤرخ إلى ذلك سبيلا ، وسبيله إلى الدقة والموضوعية طبيعة اللغة التي يعتمدها نص التاريخالتي لا تعدو أنتكون لغة تواصلية غرضها التبليغبأيسر السبل عن وقائع حصلت فيما مضى ، فعمل المؤرخ هو توثيق وتدوين الوقائع التاريخية بلغة بسيطة خالية من المجاز والخيال ، لأن الخيال يؤدي حتما إلى تضليل الأحداث والابتعاد عن الحقيقة الموضوعية التي ينشدها التاريخ .

          إذا كان هذا حال كتابة التاريخ ، فإن العملية الإبداعية تعد ظاهرة معقدة أثارت اهتمام النقاد ماضيا وحاضرا ، " نظرا لوجود عناصر متشابكة ومتفاعلة فيما بينها تدخل في صناعة نسيج النص مما يجعل تقديم تعريف يستوفي كل مكونات النص في غاية الصعوبة [v] " لهذا لم يعد النص ذلك النسيج من الكلمات التي تحكمها علاقات نحوية وتركيبية ودلالية فقط . فقد تبين من خلال فحص النصوص الأدبية أنها لا تتشكل من العدم ، وأن المبدع لا تأتيه آلهة الشعر أو شيطان الشعر بما شاء من المعاني ، فالمبدع حسبه أنه ابن نسق ثقافي وفكري يتأثر به ويؤثر فيه ويمتح من معينه كلما دعت الضرورة إلى ذلك . وعليه فالمبدع أثناء عملية الكتابة ، يفيد من نصوص الثقافة المحلية المختلفة ويوظفها في نصه الجديد ، لهذا فالعملية الإبداعية قائمة في مرحلتها الأولى على عنصر التلقي ؛ الذي يعني تفاعل المبدع مع نصوص الثقافة في إنتاج نصه الجديد. وقد أطلق على هذه الظاهرة في الدراسات النقدية المعاصرة ( التناص ). أما الكتابة الإبداعية بتعريف وجيز ما هي إلا تناص .

      يعرف التناص بأنه تفاعل بين نصوص الثقافة، من هنا يعكس التناص مفهوم " التواصل النصوصي في المنظومة الثقافية ، حيث يطل النص في راهنه على الماضي النصوصي ، تفاعلا وانصهارا وتحولا، وفي الوقت نفسه يهيئ ذاته للدخول في تفاعلات مرتقبة مع نصوص برسم الانبثاق في فضاء المستقبل . وهكذا تتلوث العلامة اللغوية بالعلامات والآثار السابقة عليها ، واللاحقة بها ، لتغدو عصية على التحديد دلاليا [vi] " لكن إلى أي مدى يتسلط المرجع على المبدع ؟ وكيف يتم صهر لغة الإبداع و لغة التاريخ في نص واحد ؟

      تعد اللغة في  النص الأدبي المادة الخام التي يتشكل منها هذا الأخير وإن كانت الطروحات السابقة لفكر الحداثة تعتبر اللغة مجرد وعاء حامل للدلالة ، فإن النظرة إليها مع الفكر الحداثي تغيرت وقلبت الموازين وثارت على الأعراف " لقد حول النص الجديد اللغة من مجرد وعاء حامل للدلالة إلى فضاء مفتوح [vii] " يؤهلها أن " تتحرك وتنهض من ركام الذاكرة وفوضى الأشياء في عالم فاجع لتؤسس كيانها وخصوصية ذاتها التي تنبع من خصوصية قولها وتقدم تشكيلا جديدا للعالم والأشياء ينفصل عن الواقع ويذهب في اتجاه أفق يبقي على احتمالات القراءة وكثرتها [viii] " وبهذا الوصف تخلت اللغة عن الوظيفة التفسيرية إلى وظيفة أخرى هي الوظيفة الترميزية ، الإيحائية . لقد أضحت اللغة في رحاب الأدب لغة مجازية تضمر أكثر مما تصرح ؛ تجاوزت غرض الإيصال والتبليغ إلى فعل التلميح والترميز  لا تعنى بإيصال المعنى بوضوح ، بل تكتفي فقط بالإيحاء والتلميح . إذن لا عجب أن العالم في رحاب اللغة يبين غير العالم لأنها تعيد خلقه على غير مثال .إنها سلطة اللغة  التي تعيد تشكيل العالم من حولها فيبدو عالما مختلفا عما هو في الواقع .

      لا جرم إذن أن لغة الكتابة الأدبية لغة جريئة ، مستفزة ، تشكل ردة على مؤسسة اللغة التواصلية لأنها تساهم في" " تحرير الدال / العلامة من عبودية الوظيفة التواصلية بتكريسها لطبقات متراكمة من الإيديولوجيا ؛ لتغدو العلامات اللغوية مرهقة ، رثة ، مستعبدة ؛ فيأتي تمرد الكتابة ليعيد لها الحرية والنصاعة [ix] " وبهذا " تتكشف اللغة عن كينونة جديدة .... وفي إشراقة هذه الكينونة يتجلى العالم منيرا ، مختلفا ، مغايرا وغريبا إذ تعمل الكتابة على نزعة الألفة عن العالم وتدميرها [x] "

      لا غرابة إذن أن تبدأ مغامرة الكتابة الإبداعية تاريخا ، وتنتهي إبداعا ، وهو ما يصدق على   الرواية التي تثور على الوظيفة التبليغية للغة التاريخ لصالح الوظيفة الجمالية للغة الأدب .فيغدو التنصل من سلطة التاريخ تنصلا لغرض جمالي صرف .والمبدع في تعامله مع الموروث التاريخي والديني والثقافي..." ينتقل من قمع الذاكرة وضغطها إلى وهج القول الذاتي وإعادة بنائه لنصوص الذاكرة ، لكن من موقعية المتحكم فيها ، المسيطر عليها ، لا من موقعية الانبهار والتمجيد الاحتفالي لها [xi] "       على هذا الأساس تكون الكتابة الإبداعية تحطيما لأصنام الذاكرة لصنع الفرادة .

2 – في القراءة النصية

أ - الأمير بين التاريخ ومتخيل النص

      إذا كان الكلام صعبا فإن الكلام على الكلام أصعب خاصة إذا كان الكلام في شقه الأول من  جنس الأدب، وهو ما يزيد من مغامرة الكتابة .

      إن أول ما يستوقفنا في لغة نص الأدب هو العنوان - أول عتبة نلج عبرها صرح نص الأدب –الذي يعد في تقدير خطاب الحداثة ركنا ركينا في النص و" أحد المداخل المشروعة لفك إسار مجاهيل النص ؛ إذ هو المفتاح الذي نلج به إلى فضاء النص ومناطقه المحرمة ، مناطق الغياب ، أو قل هو أول ما يبوح به النص لقارئه [xii] " فكان أول ما باح به نص واسيني عبارة ( كتاب الأمير مسالك أبواب الحديد ) ويتضح من اللقاء الأول مع عتبة النص أن السارد يستعيد قصة شخصية تاريخية - كان لها وجود مادي ماضيا ومعنوي حاضرا ، وأنها ذات حضور عاطفي في الذاكرة الجماعية الجزائرية والعالمية على حد سواء – استعادة أدبية. وإن اختلفت كتب التاريخ – إن قليلا أو كثيرا - في سرد حكاية الأمير عبد القادر بن محي الدين فإن أغلبها أشاد بسياسته الرشيدة في إرساء دعائم الدولة الجزائرية الحديثة وببطولاته وانتصاراته في حربه ضد الاستدمار الفرنسي الغاشم. فهو القائد المغوار والسياسي المحنك ، ظل مؤمنا بقضيته مخلصا لشعبه ووطنه، يقدره العدو قبل الصديق... وليس المقام مناسبا لنرصد كل شاردة وواردة عن الأمير لأننا أمام عمل إبداعي له قانونه في وصف هذه الشخصية يختلف عن قانون المؤرخ لا لشيء إلا لأن " الغاية الجمالية لعمليات التداخل النصي تختلف من أثر إلى آخر ومن كاتب إلى آخر ، إذ لا يتحدد الاتصال بالمرجع كعلاقة وفاق ، بل غالبا ما يطرح علاقات أخرى تعيد بناء المعنى الراسخ في الذاكرة الجماعية [xiii] " " فعندما نقرأ كلمة مثل الشيطان فإن علاقات الغياب التي تفجرها هذه الكلمة تطرح في أذهاننا تصورا راسخا في الوعي الجمعي يتمثل في أنه مذنب ، مكروه مطرود من رحمة الله ، وقد تأتي علاقات الحضور في النص لتقوم بدور مشوش على هذه الدلالة ... وفي مثل هذه الحالة تكون علاقات الغياب محددة ... وعلاقات الحضور مشوشة على غير ما هو مألوف [xiv] " فهل سنشهد في رواية الأمير قلبا للأدوار تطمس فيه علاقات الغياب لصالح متلفظ سردي متخيل ؟

      أول ما يطالعنا في رواية الأمير صورة الأمير القائد والأمير السجين ، وهما صورتان تتعاقبان بشكل مطرد ولافت للانتباه ، لا تختلفان إلا بمقدار ما تتفقان . أما الأمير القائد فلم يكن يميل لشؤون الإمارة بل" تمنى أن يتفرغ لكتبه ومعارفه [xv] " لكن الحياة ساقته إلى قدر آخر هو قيادة الجيش وتحرير البلاد ، غير أنه " لم يكن يعرف أن هذه السنوات ستسرق منه كتبه وأشواقه وتدخله في بطولة لم يحضر نفسه لها [xvi] " وهو ما جعله يظهر بمظهر المتأزم ، الخائف ، المنهزم ، المسلوب الإرادة.....ويظهر هذا في رده على شيخ القاعة قائلا: " يا شيخي الفاضل ، في الوقت الحاضر العصف المأكول هو نحن . أتمنى أن يكون جنرال النصارى صادقا وأن لا يفاجئنا بخيانة جديدة [xvii] " فالأمير في رواية الأمير أمير ضاقت به السبل ولم يجد إلا التمني وسيلة يمني بها نفسه وجيشه ، يعلق آماله على جنرال فرنسا ، ويحاول أن يتشبث بخيط رفيع قد ينقطع بين لحظة وأخرى . حتى لحظة الانتصار على العدو لا تبعث فيه كبير أمل ، ولا تشحذ عزيمته، بل تزيد من خوفه وفاجعته يقول: " هذا الانتصار سيدفعهم نحو حقد أكثر . لم نكن البادئين . دافعنا عن أنفسنا فقط .....يا السي مصطفى ، الحرب مع تريزل كسرت القشة التي ارتبطت بها للحفاظ على السلم ... صحيح أننا سنقاوم باستماتة ولكننا سنخسر الحرب إن آجلا أو عاجلا ... ربحنا الحرب ولكنهم أجبرونا على خسران معركة السلم [xviii] "

            كل هذه الخطابات جعلت الأمير يظهر بمظهر المنكسر والمغلوب على أمره كيف لا وقد أضحى البحث عن السلم ضالة الأمير في مسالك أبواب الحديد، أما أمر الحرب فقد حسم سلفا فالأمير تنبأ أن الفشل سيكون خاتمتها .

       هكذا جردت لغة السرد الأمير من كل مزاياه ، وجعلت منه أميرا متنصلا من انتماءاته التاريخية لصالح متخيل سردي لا يعبأ بحقائق التاريخ ، وكأني بالروائي قد تحرر من سلطة المرجع التاريخي ليجد نفسه أسير سلطة مرجع السرد . مما أفضى إلى ابتداع أمير مكبل ، عاجز ، مستسلم " لقد كان الأمير /تاريخيا فاعلا ، فلا ندري كيف تحول في الرواية إلى مفعول به يناشد الخلاص من خلال ذوبانه وحلوله إلى تلك المراسلات الاستجدائية [xix] " ولنا بعد هذا أن نتوقع نهاية  الأمير التي لا شك ستكون نهاية مفارقة لكل ما عهدناه في مدونات التاريخ  . فكان السجن والأسر مآل الأمير قانعا بزاوية مظلمة وداكنة - لا تعكس بأي شكل من الأشكال مرتبة الأمير ولا تحفظ ماء وجهه - جعلت الأمير محط شفقة المونسينيور ديبوش الذي " شعر بامتعاض كبير قبل أن يدخل إلى الدهليز الضيق المؤدي إلى الحجرات التي يحتجز فيها الأمير وعائلته ، المليئة برائحة الرطوبة والعفن الذي يشبه الرائحة التي تخلفها الفئران عندما تعبر مكانا تاركة وراءها شعرها ورائحة بولها القوية التي تجرح خياشيم الأنف بحدة [xx] "

            إنها النهاية الفاجعة التي سلخت الأمير من كرامته ، وفوق هذا تفاجئنا لغة الأمير أن السرد يفضل هذا المآل على أن يفاجأ خارجا بواقع أسوأ مما هو فيه يقول محاورا المونسينيور ديبوش " أفضل أن أبقى أنا وذوي في هذه الدائرة لكي لا نشعر بأن هناك خارجا هو أحيانا أسوأ مما نحن فيه [xxi] " الحياة وكأني بالأمير قد تحول من كائن يعشق الحرية ولا يرضى عنها بديلا إلى مستكين قانع بقفص صغير في زاوية مظلمة وداكنة وهو ما يتعارض مع نزعة الأمير التصوفية وما تقتضيه من نزوع إلى الحرية والمطلقية ، وهنا يقع السرد في مأزق جديد ، يدفع ثمنه الأمير الذي راح ضحية سرد تلفيقي مغشوش كانت نتيجته أميرا ورقيا من وضع اللغة التي لا قانون تمتثل له إلا قانون المفارقة والتنكر للمرجع وبتنوع أساليب السرد وتعدده ، يتعدد التاريخ  ومعه يتعدد الأمير ، فلا وجود في رواية الأمير         " للتاريخ ، وإنما تواريخ ولا هوية بل هويات ولا أمير بل أمراء [xxii] " فهل تكون الرواية خليفة  التاريخ ؟     

      وبالمقابل لا يأتي ذكر المونسينيور ديبوش - في أغلب الأحيان – إلا وهو يخط الحرف ويمارس فعل الكتابة ، مع ما تحمله الكتابة من معاني الوجود والكينونة ؛ أنا أكتب إذن أنا موجود ، فبالكتابة يثبت الإنسان وجوده ويبرهن على حضوره، المتمثل في ذلك الأثر الذي تخلفه الكتابة ، والكتابة حياة جديدة ، أبدية ، سرمدية " الكتابة تتعدى الزمن ، لذلك فهي أشمل من أن تحيط بها الذاكرة أو يحدد لها مكان في الزمن ، هي المكان والزمان معا ، هي المعنى بعد موت صاحبه   ( الكاتب ) [xxiii] " والكتابة هي الممارسة الحقيقية للحياة أو هي الحياة في أسمى تجلياتها والكتابة " متعة لذلك يمتهنها القديسون والمفكرون / الكاتب يبتكر حياة جديدة في الفراغ / ينقر على الصمت لكي يصنع صوتا [xxiv] "

      وبهذا التوصيف ، جعلت الرواية من القس المسيحي وصيا على شخص الأمير  وهو يتداول على  غرفة الشعب بباريس المرة بعد الأخرى دفاعا عن الأمير، ولا يهدأ له بال حتى يرى الأمير يركب سفينة لابرادور متجها إلى القسطنطينية بتركيا. فهل كان الصوت المسيحي في رواية الأمير سليل الصوت المسيحي على عهد الكنيسة الذي تولى تخليص الناس من عذاباتهم ؟

 

     

ب -  الأمير مفرد بصيغة الجمع :    

      الواضح أن شخصية الأمير عبد القادر في رواية الأمير لواسيني الأعرج قد غادرت فضاء نص التاريخ لتندمج في رحاب نص مغاير ، مختلف ، مفارق هو نص الأدب والسرد الأدبي ،  نص السرد ووسائط السرد الأدبية فأضحت شخصية ورقية متحررة من إرثها التاريخي وسلطة هذا المرجع .

      أمير رواية الأمير أمير جديد ، أمير مختلف ، متنصل من إرثه ومجده التاريخيين، ليولد ويستحيل في أحضان السرد هامشا لا حول له ولا قوة ، أراده السارد أن يغادر فضاءه التاريخي لينخرط في إشكاليات الراهن ، هذا الراهن الذي يشهد تراجع واستقالة الصوت العربي في مقابل مركزية الصوت المسيحي . وإذا سلمنا بهذه القراءة ، أمكننا أن نستوعب ذلك الخرق والكسر الذي مورس على شخص الأمير التاريخي ، ليظهر في فضاء السرد أميرا مغلوبا على أمره ، مسلوب الإرادة ، وعليه نتوصل إلى نتيجة مفادها أن الأمير في فضاء السرد أمير غير مولع بسرد حكايته ، إنما فضل أن يسرد حكاية هذا العربي المنهزم ، الانهزامي الذي تنكر لمجد أجداده وبطولاتهم . فواسيني الأعرج لم يرد من الأمير أن يقول حكايته ، بل أراده أن يقول حكاية العربي المتخبط في راهن مخز ، ولعل ما عكس حالة الانهزام هذه تخلي الأمير عن فعل السرد وضمور صوته في مقابل مركزية الصوت المسيحي ممثلا في شخص القس مونسينيور ديبوش . في نص أوهمنا عنوانه ( كتاب الأمير مسالك أبواب الحديد ) أنه لم ينتج إلا ليقول حكاية الأمير . لنستيقظ بعدها على مفارقة مفادها أن الأمير " تحول في الرواية إلى مفعول به يناشد الخلاص من خلال ذوبانه وحلوله إلى تلك المراسلات الاستجدائية ... ونجد على النقيض قسيسا / متلفظا ترامت جثته رمادا اختلطت بالماء عنصر الحياة وبالحكي عنصر الذاكرة ؛ الحياة المفضية إلى الخلود السردي فالتذكر عنصر الحياة [xxv] " ونحن نرى أن هذا الكسر كان من ورائه هدف أسمى هو تشخيص الراهن الانهزامي .

      بل أكثر من هذا أراد المبدع أن يجعل من الأمير مفردا  بصيغة الجمع ، فجعل منه رمزا لهذا العربي المنهزم ، المستسلم ،  المسلوب الإرادة الذي لا يضيره أن يترك الآخر يفكر بدلا عنه ويقرر مصيره ، وما عليه أخيرا إلا أن يرضى بذلك المصير . وعليه نجد مبررا ومسوغا لتنكر الأمير في فضاء السرد لإرث ولمجد الأمير / الشخصية التاريخية . لقد كانت الخلخلة على مستوى التراكب الداخلي/ النصي نتيجة حتمية للخلخلة على مستوى التراكب الخارجي ممثلا في الراهن المعيش. وإلا فما حاجتنا بنص مكرور يطابق المرجع ويماثل الذاكرة الجماعية .

      لقد ارتأى السارد في محاورة النص المرجعي تشويش الصورة / المركز التي أسست لها  سلطة المرجع ، ولعل جدة النص السردي تكمن في هذا التشويش ، خاصة إذا علمنا أن " الجدة ترتبط مباشرة بفعل الإلغاء والتميز، إلغاء عناصر التشابه وتثبيت عناصر الاختلاف [xxvi] " ليولد النص الجديد / المعنى الجديد . فكل كتابة هي استدعاء ثم تحويل لكتابة سابقة حتى تصنع فرادتها وتميزها ومن ثم إبداعيتها ف " تتحول العملية الإبداعية إثر ذلك إلى فضاء علائقي : علاقة النص الجديد – أو الذي في طور التشكل أو التخلق – بالنصوص المستدعاة ، التي لا تني تهاجم بشراسة ، لتذوب ؛ أو تتمزق على عتبات اللغة النصية الجديدة . تتوغل في جغرافيا النص الجديد ، فيمنحها الأخير دلالات مغايرة في فضاءاتها الأصلية [xxvii] " "  وقد عمل نص واسيني على تحقيق هذه الغاية فجاء نصه جريئا ، مستفزا ، متمردا على المرجع وسلطتة .

      وكخلاصة لمغامرة القراءة ، نقول : إن النص الأدبي هو مجموع نصوص تتناسل من حقول متباينة  لتنصهر على جسد النص الجديد . وما إن تستدعى حتى يعاد تشكيلها فتفقد سلطانها الذي مارسته على الذاكرة الجماعية . وكأن النص الأدبي لا يمتح من معين نصوص الثقافة إلا ليحدث المفارقة مع الجاهز منها والمكتمل. ولا يستدعي الأصل إلا ليخونه وفي هذه الخيانة تكمن إبداعيته وفرادته  وكلما كانت الخيانة جريئة ومستفزة كلما حقق النص أقصى ممكنات الإبداع . لهذا لا ينبغي أن نجعل من  نص الأدب وثيقة تاريخية خادمة للتاريخ ، لأن في هذا الفعل قضاء على خصوصية الأدب الذي ينبغي أن ينتج ويقرأ بعيدا عن رقابة المرجع وسلطة الذاكرة الجماعية ، لأنه ببساطة خلخلة لمعنى سابق ، قار  ثابت وإنتاج دائم لمعنى جديد ، خلاق ونشير في هذا المقام إلى أن " الأعمال الروائية والسردية بوجه عام لا تتناقض مع الحقيقة التاريخية ، وإنما العيب كل العيب أن نتكلف نشدان التاريخ في الرواية بشكل يزدجي بعض الروائيين والنقاد التقليديين معا ، أن يعدوا الرواية وثيقة من وثائق التاريخ وشاهدا صادقا من شهود العصر ؛ وهو موقف ساذج لتمثل وظيفة الأدب بالاجتهاد في ربطها بالتاريخ ، فكما أن المؤرخ لا يستطيع في أطوار معينة الإفلات من تهمة الانحياز ، أو النسيان  أو الغلط ، أو التعصب ، أو الجهل ، أو من كل ذلك جميعا ؛ فإن كتاباته التاريخية قد لا تمثل شيئا من الحقيقة إلا بمقدار حقيقة ما يفكر ، وما يرى هو شخصيا ، ؛ فكذلك الروائي الذي يتخذ من شخصياته التي هي في حقيقتها كائنات من ورق [xxviii] " وقد اقتبسنا هذا القول اقتباسا حرفيا لأنه يعبر عن موقفنا إزاء قضية الرواية والتاريخ فمن غير الإنصاف أن نختزل الأدب أو نختصره في وثيقة تاريخية  شاهدة على العصر فإذا كان التاريخ عينه لا يقول الحقيقة التاريخية بل حسبه أنه يحاكي التاريخ فكيف نطالب الأدب بقولها ؟ لهذا نتصور ههنا أن الأدب بدوره محاكاة للمحاكاة ، وأنه أدب حقيقته اللغة ولا شيء غيرها . لغة أخص خصائصها الخيال والمبالغة والمجاز ، لغة تعيد تنظيم أشياء العالم وفق ما ترتضيه هي في عالم ( عالم الأدب ) لا يؤمن إلا بالجمال قانونا أبديا . وعليه، فالشخصيات في العمل السردي ما هي إلا شخصيات ورقية من بنات اللغة ، قد تولد من رحم التاريخ ، لكنها ما تفتأ تنفصل عنه لتندمج في فضاء اللغة فتكون بذلك لحظة الاتصال هي عينها لحظة الانفصال فتتخلق الشخصية من بعد خلق خلقا جديدا ، وعليه فالشخصية الروائية " لا شيء غير ما تقول ، أو لا شيء غير ما يكتب عنها في النص الإبداعي السردي [xxix] "

       أما المعنى فهو تكرار أبدي لفعل القراءة في " محاولة لاستنطاق بعض ما في شقوق النص  هذا إذا ما لان وانفتح وأبدى موافقته ، وليس مع أي قارئ كان ، بل يشترط فيه أن يكون قارئا عاشقا صبورا ، حتى يحدث ذلك التفاعل والوصال الذي يثمر المعنى ، والذي يبقى بدوره آنيا ، لا نهائيا مؤجلا ، لأن قارئا آخر ينتظر هو وغيره من القراء العشاق [xxx] " فالنص الأدبي ليس منجزا إلا في مستواه الملفوظ . وأما القراءة فاحتفاء دائم بالنص ومعاشرة أبدية له .

      وهي دعوة صريحة للإبحار في عوالم نص رواية الأمير التي لا شك ما تزال تحمل في شقوقها أسرارا دفينة خفيت علينا لا تجليها إلا القراءات المتداعية. وحسب هذه القراءة أنها حاولت مراودة النص عن نفسه ومساءلته عله يبوح ببعض أسراره ، ولا تدعي امتلاك المعنى النهائي ، فهي قراءة آنية لفظتها أنساق ثقافية وأخرى نفسية ساهمت في تشكيل وعي قرائي زمكاني . ولا نشك في أن تغير هذه الأنساق كفيل بميلاد قراءات جديدة فالقارئ " يباشر قراءته وهو منطو سلفا على أنساق معرفية قبلية ، سابقة على حدث القراءة ، تسهم في تكييف فهمه لمعنى المقروء أو أدائه له . والمقروء-بدوره- له حضوره الممتد في شبكة مقابلة ، وينتمي إلى نسق معرفي من أنساق تاريخ صنعه ، ويشير إلى علاقته بهذا النسق كما يشير المدلول إلى داله .[xxxi] "

            وحسبنا أن نقر أن الإبحار في عوالم النص الأدبي مغامرة فريدة ، تحمل المقبل عليها إلى عوالم المتعة والغرابة  بحيث يكفي القارئ شرفا أنه حاول سبر أغوار النص دون الادعاء بأنه أمسك حقيقته أو قبض على مدلولاته واستنفدها ، فحسب النص أنه يمني قارئه بالقليل ليستأنس به ، وتكون فاتحة متعته . وبهذا نخلص إلى نتيجة مفادها أن النص الأدبي لا تستنفده قراءة بعينها ومن ثم  قارئ بعينه حتى وإن توفرت فيه عنصرا الدربة والمران . حيث " تصبح كل قراءة للنص الأساس النص المبتدع تعني إنتاجا خاصا لنص جديد ذي معان خاصة ، ولكنها مستوحاة من ذلك النص الأساس [xxxii] " وهو ما يترتب عليه عددا لا متناهيا من القراءات للنص الواحد . بحيث تغدو كل قراءة خطابا فوق الخطاب الأساس ( النص الأساس ) ، وتصبح كل قراءة بعثا جديدا  .

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



[i] - عبد الملك مرتاض : في نظرية الرواية بحث في تقنيات السرد ، عالم المعرفة ، الكويت ، 1988 ص 38

[ii] - le roman. In littéraires.p88،M. Zéraffa نقلا عن : المرجع نفسه ، ص 31

[iii] - إدوار كار : ما هو التاريخ ؟ ت : ماهر كيالي وبيار عقل ، المؤسسة العربية للدراسات ، ط2  بيروت ، 1980 ، ص8

[iv] - حسين خمري : نظرية النص من بنية المعنى إلى سيميائية الدال ، منشورات الاختلاف / الدار العربية للعلوم ناشرون، الجزائر/ لبنان ، ط1 ، 1428 ه – 2007 م، ص 460 .

[v] - عبد الناصر مباركية : التفاعل بين النص الإبداعي والمتلقي  ، مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية   ع 4 ، كلية الآداب والعلوم الاجتماعية ، 2006، ص 159

[vi] - خالد حسين : شؤون العلامات من التشفير إلى التأويل ، دراسات أدبية ، دمشق ، ط 1 ، 2008 ، ص179

[vii] - مالك بوذيبة : الكتابة إلى بياض ما بعد الحداثة والنص الأخير، مجلة الكتابة ، مديرية الثقافة لولاية سكيكدة ، ع 1 ، 1998 ، ص 34

[viii] - المرجع نفسه ، الصفحة نفسها .

[ix] - خالد حسين : شؤون العلامات من التشفير إلى التأويل ، ص15

[x] - المرجع نفسه ، ص ص 15 ، 16

[xi] - فتيحة كحلوش : الخطاب الشعري العربي المعاصر من استبدادية السلطة إلى حركية الابداع  أطروحة مقدمة لنيل درجة دكتوراه علوم ، جامعة منتوري قسنطينة، إشراف الأستاذ الدكتور يحيى الشيخ صالح، 2005-2006، ص 200

[xii] - عبد الغني باره : التأويل ومتخيل النص ، مجلة الموقف الأدبي ، إتحاد الكتاب العرب ، دمشق   ع 392 ، 2003 ، ص 195 .

 

[xiii] - فتيحة كحلوش : الخطاب الشعري العربي المعاصر من استبدادية السلطة إلى حركية الابداع   ص 200

[xiv] - أحمد مجاهد : أشكال التناص الشعري ، الهيئة المصرية العامة القاهرة ، مصر ، 1998        ص 389

[xv] - كتاب في جريدة ، بول ناسيميان ، بيروت ، ع 80 ، 2005 ، ص  14

[xvi] - المرجع نفسه ، ص 13

[xvii] - المرجع نفسه، ص 22

[xviii] - المرجع نفسه ، ص 27

[xix] - اليامين بن تومي : السرد الامبراطوري قراءة في رواية الأمير لواسيني الأعرج ، مجلة القدس العربي ، ع 7083 ، 2012 ، ص 10

[xx] - كتاب في جريدة ، ، ص 11

[xxi] - المرجع نفسه ، ص 24

[xxii] - اليامين بن تومي : السرد الامبراطوري قراءة في رواية الأمير لواسيني الأعرج ، ص 10

[xxiii] - عبد الغني بارة : إشكالية تأصيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر مقاربة حوارية في الأصول المعرفية ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، مصر ، د.ط ،2005 ، ص 167

[xxiv] - خالد حسين : شؤون العلامات من التشفير إلى التأويل ، ص12

[xxv] - اليامين بن تومي : السرد الامبراطوري قراءة في رواية الأمير لواسيني الأعرج ، ص 10

[xxvi] - فتيحة كحلوش : الخطاب الشعري العربي المعاصر من استبدادية السلطة إلى حركية الابداع  ص 201

[xxvii] - خالد حسين : شؤون العلامات من التشفير إلى التأويل ، ص ص180 ، 181

[xxviii] -du langage. P 286  sciences .dictionnaire encyclopédique des O. Ducrot et T. Todorov         نقلا عن عبد الملك مرتاض : في نظرية الرواية بحث في تقنيات السرد ، ص 31

[xxix] - lècriture. P25 et suiv   IE degré zéro de،R. Barthes نقلا عن عبد الملك مرتاض : في نظرية الرواية بحث في تقنيات السرد ، ص 37

[xxx] - عبد الغني بارة : إشكالية تأصيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر مقاربة حوارية في الأصول المعرفية ، ص 163

[xxxi] - جابر عصفور : قراءة التراث النقدي ، عين للدراسات ، الهرم ، ط1 ، 1994 ، ص 63

[xxxii] - عبد القادر الرباعي : جماليات المعنى الشعري ( التشكيل والتأويل ) ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، ط1 ، 1999 ، ص10

 

 Télécharger l'article