الثورة الجزائرية في نظر المثقفين الفرنسيين

جان بول سارتر نموذجا

الدكتور حسين رئيس

باريس

 

إن المهتم بتاريخ الجزائر بشكل عام، وتاريخ الثورة الجزائرية بشكل خاص، مدعو أكثر من ذي قبل إلى تركيز النظر وفحص الوثائق وتتبع الأحداث الجارية على الساحة الدولية والإقليمية والمحلية لعله يحظى بقدر من المعلومات والاستنتاجات الإضافية لفهم طبيعة وملامح هذه الثورة العارمة التي أثرت في مسيرة القرن العشرين، وتركت بصماتها في سجل عملية التحرر والانعتاق في العالم، سيما في القارتين الإفريقية ،والأسيوية اللتين ما فتئتا تكابدان ويلات الاستعمار الغربي ومخلفاته، وذلك على عدة أصعدة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا وسياسيا، وكأن عجلة التاريخ هاته لا يديرها الإنسان بإرادته فقط، بل هناك عوامل أخرى تتدخل وتوجه الدفة التي لا يتحكم فيها ولا في مصيرها إلا ذو حظ عظيم؟,

إن الانتصار الذي حققه الشعب الجزائري بفضل تضحياته الجسام قد استفادت منه ونعمت بثماره حركات تحرر أخرى في جهات من العالم، وهو انتصار للبشرية جمعاء، إذ اهتزت قلوب وعقول في كل مكان لما كان يقع على أرض الجزائر من صراع بين قوتين، الأولى قوة الشر والدمار، والثانية قوة الخير والبناء، نزاع بين قوات عسكرية فرنسية مدججة بأحدث الأسلحة يدعمها الحلف الأطلسي للإبقاء على وجود محتل غاشم، وقوة أخرى مقابلة تستند إلى الشرعية الدولية والأخلاقية والإرادة والإيمان القوي, فازت الثانية بالتحرر من العبودية والانعتاق وتراجعت الأولى ساحبة ذيول العار , واللافت للنظر في هذا الخضم مترامي الأطراف أن قوة ثالثة لا يستهان بها تتدخل وتؤدي بدورها إن كان إيجابا ذكر، وإن كان سلبيا أنكر، تتمثل هذه القوة في الضمير الإنساني الذي لا يخلو منه مكان ولا زمان، وللتدليل على ما نقول عرض تلك النخبة المثقفة الفرنسية التي تضاربت آراؤها ومواقفها حيال الثورة الجزائرية، فمنهم من انجاز إلى صف الظالم ومنهم من فضل الوقوف إلى جانب المظلوم، وكل من الفريقين له ما يبرر موقفه، أما الفريق الذي اختار قول الحق فهو قليل، وقد انتصر على نفسه في مقاومة نوازع الشر الدفينة فيه وإعلان مبدأ التعبير عن فطرة الخير الكامنة في ذاته فانبرى كل واحد من الفريقين إلى مقاومة الطرف المغاير بأساليب متنوعة في القول والعمل، وأن وخز الضمير حرك ثلة في هذا الشأن وأن وعيه العقلي عندها قد استفاق من سبات الغفلة وروح التسلط على المستضعفين في الأرض,

وما جان بول ساتر إلا صورة حية لشخص اقتدى به من بعد من فهم وتفهم موقفه، وهم معروفون لدى المؤرخين, والثلة المثقفة من الناس سواء ف فرنسا أو الجزائر، بل في بقاع أخرى، ومنهم من تغاضى عن الحق وطغى وتجبر ميالا للحيف والبغي, وإني أكتفي في هذه العجالة بإيراد بعض المحطات لهذا الفيلسوف وهو يقارع الأحداث بالقلم  في كتب وصحافة، وبالخطب في ملتقيات ومناسبات عديدة، سواء كان ذلك في بلده أو خارجها مدعما في كل هذا وذاك ثورة المليون ونصف المليون شهيد، داعيا الرأي العام والخاص إلى بلورة رؤية عن هذه الثورة ومفهومها انطلاقا من مبادئه الذاتية، ألا وهي الدفاع عن حرية وكرامة الإنسان واختيار مصيره، وهو ما يدعو إليه الشعب الجزائري برمته للخروج من مأزق تاريخي ديست من خلاله فيه حقوقه في عقر داره واستبيحت عزته وجرح في كيانه، فبات يعاني ماديا ومعنويا من سيطرة هذا الوجود الدخيل الذي لا يرعوي، الذي انتزع منه ممتلكاته وأزاحه عنها بشكل شبه كلي مما جعله يتحول إلى طيف غريب في وطنه، ملتجئا إلى حيز جغرافي ونفسي يضيق به ذرعا, فلا الأرض المسلوبة منه بمعوضة، ولا تراثه الاجتماعي الروحي المشوه المقهور فيه والمخاتلة والتهميش في بنيته الاجتماعية بمقبولة، والمستعمر سادر في غيه لا يريد من هؤلاء المستضعفين المستغلين إلا يدا عاملة رخيصة ورعاعا منصاعا لحكمه، ملبيا لطلبه، والكل من أفراد وجماعات هذه الأمة في فقر مدقع وجهل شامل ومرض زاحف يندى له الجبين,

ماذا بقي لهذا التابع المقهور أمام محتل ظلوم غير التمرد والكفاح؟ لذا كانت نخبة مثقفة من الفرنسيين متأثرة ومتجاوبة لمطالب الثورة الجزائرية ولو إلى حين,

لا أتعرض لكل من تعامل مع الثورة الجزائرية ومن ساند نضالها وملامحه وأفكاره بالتفصيل فالمقام ضيق، ولكن أكتفي بالتركيز على ثلة من اليساريين ورجال الفكر الحر الذين تباينوا في أرائهم ومواقفهم ولغتهم تجاه القضية الجزائرية والذين لهم صلات عمل وصداقة أو تواصل مع جان بول سارتر من قريب أو بعيد.

ألبيرت كامو  Albert CAMUS، فرانسيس جانسون Francis Janson  وفرانتز فانون Frantz FANON  ، إن هؤلاء المفكرين الملتزمين باستثناء على الأول على مثاليته وأخلاقيته ، فهو حسب سيمون دي بوفوار رجل متردد انتهى به الحال إلى الوقوف بجانب الجالية الفرنسية والأقدام السود في الجزائر وظل بين طرفي نقيض، هل يدافع عن مسألة الجزائر أم ينحاز إلى شعبه غير المسلم، فهو يندد بما قامت به جبهة التحرير من كفاح وعمليات ميدانية داعيا إلى خلق فيدرالية جزائرية تضم الجزائريين مسلمين وأوروبيين خاضعين جميعا إلى قانون فرنسي يحمي هذا البلد، ويمكن القول أن هذا الأخير تجاهل أهداف ومطالب جبهة التحرير المتمثلة في الاستقلال. ومن خلال ما كتب وصرح عن الجزائر فإنه لا ينظر إلى مسألة الحرية والاستقلال للشعب الجزائري على الإطلاق، بل يقر بأن الأقدام السود هم السكان الأصليون الحقيقيون للجزائر1,

وقد كتب قائلا : "لقد حاولت في هذا الإطار تحديد موقفي بوضوح. أن جزائر مكونة من شعوب فدرالية موحدة ومرتبطة بفرنسا، تبدو لي أفضل بدون مقارنة ممكنة في نظر العدالة البسيطة، من جزائر مرتبطة بالإمبراطورية الإسلامية..." 2, إذ يحاول تبرير موقفه في موضع آخر قائلا: " في حالة قيام إرهابي برمي قنبلة في سوق بلكور، حيث تقوم أمي بقضاء حاجياتها، ويترتب عن هذا الرمي وفاة أمي سأكون مسئولا في هذه الحالة للدفاع عن العدالة، وأكون قد دافعت أيضا عن هذا الإرهاب، وإني أحب العدالة كما أحب أمي أيضا..."3. وكأن هناك تناقضا بين العدالة مجملا وحب أمه خاصة، فمن هذا كان تعبير كامو عن موقف سلبي بالنسبة للثورة الجزائرية فرفض الاعتراف بتاريخ وشرعية وأصالة كان الشعب الجزائري المسلم، وكن من مؤيدي ومشجعي الجيش الفرنسي على استعمال شتى طرق التعذيب في حق الجزائريين راميا في مقصده إلى حماية مليون ومائتي أوروبي ضاربا عرض الحائط بتسعة ملايين من الجزائريين، وقد أسر لأحد أصدقائه سنة 1959 قائلا : " عندما يعلن عن استقلال الجزائر سأقوم بنشاطات ودعاية ضد تقرير المصير للشعب الجزائري"4,

2_ المفكر الثاني الشرعي الأخلاقي العملي الذي يعتبر في نظرنا مناضلا كبيرا شريف النفس فهو فرانتز فانون يليه بنفس القيمة وشرف النفس فرانسيس جانسون وهما يختلفان كليا عن ألبرت كامو، أما جانسون فهو مفكر سياسي وكاتب وفيلسوف له باع في هذا الحقل، ومن سيرته أنه عانى القهر والظلم من خلال المحتشدات الموجودة في إسبانيا حيث عاش فيها أثناء الحرب الثانية فارا بجلده من الوحشية والهمجية التي حملتها هذه الحرب، وبعد مدة معينة وتجربة قاسية عاد إلى الجزائر فتعرف على شخصيات جزائرية في الحركة السياسية الموجودة على الساحة مع اطلاعه الكامل على سلوك الاستعمار وسياسته المتبعة في هذه البلاد بما تتميز به من سلب ونهب في حق الشعب الجزائري، وهو الذي عبر عن إحساسه بأن الجزائر بمثابة بركان مستعد للانفجار في أية لحظة، وفي 1955 أصدر كتابه بالاشتراك مع زوجته كولي تجانسون  Colette Janson   بعنوان: "الجزائر خارجة عن القانون  L’Algérie hors la loi" . ينتقد فيه سياسة الاستعمار بجرأة نادرة ويدافع عن حقوق وحرية الشعب الجزائري، ولعل هذا الكتاب من حيث الأهمية يعتبر نداء يساريا واضحا ومنبها حيويا إلى قضية الثورة الجزائرية حيث يعرض مبادئ هذه الثورة التي اندلعت 1954 ويدافع فيه كذلك عن أسباب وأسس قيام جبهة عملية تدافع وتساند الشعب الجزائري في تطلعه إلى الانعتاق والتحرر، فكان سباقا لجان بول سارتر من حيث المرحلة التاريخية، ولأن هذا الأخير لم يتسرع في تأييد القضية الجزائرية بل تريث ولعله كان يستكشف الطريق الذي أدى به لاحقا إلى وضع جيد لصالح هذه الثورة. ويرى جانسون كمناضل بان اليسار الفرنسي مطالب بالفوز مستقبلا في سياسته رابطا ذلك بمساندة ودعم نضال هذا الشعب، وقد ظهرت هذه المنظمة التي كونها المفكر جانسون كشبكة سرية تقف إلى جانب الحركة الثورية المتمثلة في لجبهة التحرير الوطني على التراب الفرنسي، وقد شاركت هذه الشبكة السرية منذ 1956 بشكل مادي وبطريقة مباشرة في تدعيم نشاطات مختلفة لصالح مقاتلي ومناضلي جبهة التحرير الوطني من توفير إيواء للمناضلين فوق التراب الفرنسي وتكوين شبكات للاتصال بالخارج ومن مهامها الأولية تقديم العون لتهريب الفدائيين ونقلهم من فرنسا إلى الخارج وتسليحهم، فكان جانسون ينشط لصالح الثورة الجزائرية بدون كلل ولا مقابل، والأمثلة على ذلك أنه حول عشرة ملايين فرنك وتهريب ستة جزائريين إلى سويسرا، وكل ما قدمه هذا الرجل لا يعد ولا يذكر إذا قورن بما يحمل في نفسه من قرار وقناعة وإصرار بغية تحقيق الاستقلال والحرية. وكان مبدأه خدمة الثورة في تعامله في مساندة ومساعدة جبهة التحرير الوطني، بل اندمج مع أعضائها وتنظيمها واشترك في كثير من العمليات، على أساس أنه عمل مشترك موجه ضد الاستعمار والامبريالية.

فلما اكتشفت الحكومة الفرنسية الشبكة المذكورة ألقت القبض على جل أعضائها دون العثور على مؤسسها وقائدها جانسون، وذلك في شهر فيفري 1960 وقد شرعت في محاكمة أعضاء الشبكة السرية 15 سبتمبر 1960 المتكونة من 19 فرنسيا رجلا ونساء و 6 جزائريين وكان في صلب موضوع الاتهام أن هذه الشبكة تقوم بإخفاء الجزائريين وتهريبهم عن أعين الشرطة.

ومما يجدر ذكره أن المحامين الذين تولوا الدفاع عن أعضاء هذه الشبكة هم جاك فيرجاس Jacques VERGAS  ، ورولان ديماس Roland DUMAS  ، وأن هذه المحكمة قد تحولت أثناء أداء مهامها إلى قضية سياسية بالنسبة للمثقفين الفرنسيين, مما جعل من جان بول سارتر يرفع صوته عاليا " التضامن مع الجزائريين المقاتلين لم يأت بإملاء هذه الشبكة السرية في مبادئ أو في إرادة عامة لمحاربة الظلم والطغيان، أنما ما حدث ينبثق من التحليل السياسي للوضعية في فرنسا.."5.

ومن المفيد أيضا أن نشير بإيجاز إلى المثقف الفرنسي الشهير الذي نال شرف الاستشهاد في سبيل القضية الجزائرية فرانتز فانون، الذي انظم إلى الثورة الجزائرية مبكرا وهو من الفرنسيين من الدرجة الثانية أي المارتنيك، فأصبح جزائريا بالإرادة والاختيار، وقد حمّلته الأقدار إلى الجزائر سنة1953 فقضى ردحا من الزمن يعمل طبيبا للأمراض العقلية  في مستشفى البليدة  ثم التحق بالحدود التونسية حيث كلف بالإعلام في جريدة المجاهد الناطق الرسمي بلسان حال جبهة التحرير، كما ارتحل أيضا إلى الحدود الجزائرية المغربية حيث عمل هناك بنشاط دائب من خلال الثورة, فهو يختلف كثيرا عن جونسون المناضل الكبير من أجل مهمة كبيرة، وقد وافاه الأجل إثر مرض عضال 6 ديسمبر 1961 فدخل اسمه التاريخ من باب عريض، فأعطي اسمه لشارع في الجزائر. يمكن أن نقول بأنه رجل أدرك منذ الوهلة الأولى أن الفرنسيين الذين يسيرون دفة الأمور لم يكن في قاموسهم ما يسمى بالمساواة بين الأسود والأبيض، تربى حرا وهو يدرس الطب في مدينة ليون التي تخرج منها، أما مجيئه إلى الجزائر فجعله يتكشف المعاناة التي يعيشها الشعب الجزائري من خلال عمله كطبيب وقد قدم له خدمة جليلة اعترف له بها الجميع، وكان صادقا في أداء مهمته وفق الأخلاق الطبية المعهودة، كأنه يشهد على منظر سيء آلمه كإنسان وكطبيب " لقد رأيت أطباء عسكريين طلبوا سريرا لجندي جزائري جرح في المعركة حيث رفضوا معالجته، وكانت الحجة الرسمية لديهم أنه لم يكن هناك حظ كاف لإنقاذ حياة المجاهد..." 6, أما عمله في تونس ضمن جبهة التحرير في الصحافة 1957_ 1961 كمحرر وهو يحلم في وجدانه بالوحدة الإفريقية المتحررة من الاستغلال الأجنبي، كما  كلفته الثورة بمهام أخرى يستحقها بجدارة وقد عبر  بأفكاره عن الثورة الجزائرية قائلا: " إن الثورة في عمقها وحقيقتها هي التي تحول الإنسان وتجدد المجتمع، وهي متطورة جدا ، هذا الأوكسجين الذي يبدع فينتظم الأفراد وتلكم هي الثورة الجزائرية" 7, وكان يدعو في طموحه إلى توحيد شعوب المغرب العربي، واتحاد هذا الأخير مع أفريقيا ويؤكد على أن الثورة الجزائرية ذات أثر مباشر في حركات التحرر الإفريقية.

إن الرجلين جانسون وفانون يتشابهان كثيرا في جديتهما وصدقهما نظريا وتطبيقيا، وكلاهما قدما دفعا قويا وعملا في الشبكة الثورية وصفوف جبهة التحرير آخذين في نظر الاعتبار أولويات النضال ومن أجل أولى الأوليات النضال من أجل عدالة وحرية الشعب الجزائري.

أما المفكر الرابع في هذه العجالة وهو بيت القصيد، أي جان بول سارتر فهو يختلف في فلسفته عن جميع المثقفين الفرنسيين حيال الثورة الجزائرية، وقد التزم بخط ما كان ينادي به  قبل الحرب العالمية الثانية وبعدها، وقد عايش أحداثا عديدة ومناسبات وملتقيات وندوات في بلجيكا وموسكو وبرلين وبكين صحبة زوجته سيموت دي بوفوار، ومن هذه الملتقيات، مؤتمر السلام الذي عقد في هلسنكي عاصمة فنلندا 1955 وقد بدا واثقا ومصمما في هذا المؤتمر الذي عقد تحت عنوان السلام وهو يتجاوز أوروبا في مراميه وأفكاره أثناء محاضرته قاصدا السلام بما فيه الشعوب المستعمرة، وقد قابل الوفد الجزائري في هذه الندوة فناقشه الوضعية المأساوية في الجزائر، ولم يكن من قبل قد تجاوز هذه الأحداث في إقتناعه، فجعله الوفد الجزائري يدرك حقيقة هذه الانتفاضة الشاملة التي تحولت إلى صراع دموي مثل ما ذكر أنديره موندروز André Mondrouz   أستاذ الأدب بجامعة الجزائر وهو يبلغ الناس تحية الثورة الجزائرية عند رجوعه إلى باريس داعيا إلى الحل السلمي في الجزائر، وقد أثار هذا الأستاذ انتباه جان بول سارتر فبدأ يفكر في كيفية تحديد موقفه من الثورة الجزائرية، فكتب بعدها في مجلته الشهيرة الأزمنة الحديثة «  Les temps moderne » مقالة جريئة بعنوان "الاستعمار هو نظام"  « Le colonialisme est un système »   سنة 1956 حاثا على الاعتراف بالجزائر كدولة لأول مرة مشجعا وداعيا إلى العمل على المفاوضات مع جبهة التحرير الوطني الممثل الشرعي للشعب الجزائري، وهو يقول في هذا الصدد: " علينا نحن فرنسيي المتربول استيعاب الدرس الوحيد الذي نستنتجه من المعطيات السابقة أن الاستعمار في حالة تحطيم نفسه بنفسه... ودورنا هو مساعدة الاستعمار على الانتحار، ليس في الجزائر فقط، ولكن أين ما كان، وأن أولئك الذين يفكرون في التخلي هم أغبياء، لا يمكن التخلي عن شيء لا نملكه أصلا، بل بالعكس يجب إنشاء علاقات جديدة مع الجزائر بين فرنسا حرة وجزائر متحررة" 8.

اكتشف جان بول سارتر أن المشكلة الجزائرية ليست سياسية أو اقتصادية فقط، بل هي استغلال كلي شكلا ومضمونا، واكتشف بالتحديد أساليب وطرق التعذيب التي تبناها الجيش الفرنسي وأنها محرمة في جميع المبادئ الإنسانية والقوانين الوضعية والأديان السماوية، ويذهب بعض المفكرين إلى أن التعذيب هو الفعل الذي يسبب لإنسان الشعور بالألم القاسي الذي يقارن بالفعل الوحشي اللا إنساني كعقوبة، ويرى سارتر أن التعذيب "وباء أصاب العصر كله" 9، فصله وعرفه في حديثه عن كتاب الاستجواب لهنري علاق la question de Henri Alleg  وأطلق عليه مفهوم الانتصار « une victoire »  على لسان هنري أليغ ذي الأصل اليهودي المنضوي كعضو في الحزب الشيوعي الجزائري ( 1950_ 1955) حتى ألقي عليه القبض من طرف جلادي الجنرال ماسو Massu  سنة 1957 . برز جان بول سارتر مشجعا هؤلاء المعذبين على المقاومة لعملية التعذيب والاستنطاق لمفروضة عليهم من طرف الاستعمار والذي عانى هو نفسه من قبل التعذيب على يد الغيستابو الألمان "gestapo »   أثناء الحرب العالمية الثانية ، وتعرض لأبشع أنواع التعذيب في كلمته " ...إنهم يعتقلون هنا وهناك بالمصادفة كل مسلم قابل للاستجواب طوعا،...فلا موريس أودان ولا غلاق ولا غاروق قد فتحوا أفواههم. ولا شك أن جلادي الأبيار أو سع وأبشع في هذا الصدد" 10.

يمكن القول بعد هذا العرض السريع لهذه النخبة من المثقفين على علاتهم بأن كامو كان يؤيد وجود الأقدام السود في الجزائر، والمعمرين تماشيا مع السياسة الفرنسية في الجزائر، بينما فرانس جانسون وفرانس فانون قاما بالمشاركة الفعالة تميزا بالنضال من أجل الاستقلال وحرية الجزائر، أما جان بول سارتر فقد اعتنى منذ البداية بكتاباته السياسية منددا بالأعمال الوحشية منبّها بإعلان الهجوم القاسي على الاستعمار وسياسته بدون هوادة  وهو يقول " لا أظن أنه يوجد في هذا المجال مهام شريفة  ومهام دونية أو نشاطات مخصصة للمثقفين غير جديرة بهم، فإن أساتذة السربون أثناء المقاومة لم يترددوا في نقل المراسلات وإقامة الاتصالات. ولهذا إذا طلب جانسون مني حمل حقائب أو إيواء مناضلين جزائريين بحيث أ، قوم بهذه المهمة بغير أن أعرض حياتهم للخطر فسأقوم بذلك بدون تردد، ولهذا أعتقد أن هذه الأشياء يجب أن تقال، ذلك أن الوقت حان، إذ يجب على كل شخص منا أن يتحمل مسؤوليته" 11.

وقد ساهم جان بول سارتر في مظاهرة ضد القمع الجماعي في الجزائر في 17 أكتوبر 1961 التي حققت نجاحا كبيرا للثورة الجزائرية، كما أنه بهذا ساهم في تظاهرات أخرى بهذا الصدد، ونظرا لكتاباته ونشاطاته الثقافية حول القضية الجزائرية منحت له جائزة أوميغا سنة 1962 بمدينة ميلانو، حيث م هذا الأخير بإعطاء أدلة دامغة في قضية الدفاع عن القسيس روبير دافيزيس Robert Daveziez   الذي اتهم فيها بمساعدة أعضاء جبهة التحرير الوطني أثناء عملياتهم السياسية، ولأنه شارك في مسيرة ضد العمليات الإجرامية التي تقوم بها المنظمة العسكرية السرية الإرهابية ( OAS)  في كل من الجزائر وفرنسا، وقد أبدى في كتابه "السرنمة Les somnambules المشاة النائمين شارحا فيه قساوة التعذيب  والبحث عن السلام،  مع عقد مقارنة بين ما يجري في الجزائر وما حدث في فرنسا 1945 عندما تنفس الفرنسيون نسيم الحرية ضد ويلات الحرب المدمرة،  وأن بعض المثقفين الفرنسيين وهم قلة أيدوا جان بول سارتر وكانت لهم نتائج إيجابية في موقفه تجاه الثورة الجزائرية، ففي بداية سبتمبر 1961 اتفق 121 مثقفا فرنسيا على إمضاء بيان رسمي أطلق عليه لاحقا بيان 121، وفيه يدافعون عن الحقوق الشرعية للشعب الجزائري حيث أكدوا فيه ما يأتي:

_ إننا نحترم ونحكم مبررين رفضا لحمل السلاح ضد الشعب الجزائري

_ إننا نحترم ونحكم مبررين سلوك أو تصرفات الفرنسيين الذين يرغبون أو يرون أن من واجبهم مد يد العون وحماية الجزائريين المقهورين باسم الشعب الفرنسي

_ إن قضية الشعب الجزائري التي تساهم بطريقة حاسمة في تدمير النظام الاستعمار هي قضية كل الأفراد الأحرار" 12,

ومن الملاحظ أن جل الممضين على هذا  البيان التاريخي هم من المثقفين العاملين في مجلة الأزمنة الحديثة التي يديرها جان بول سارتر وزوجته سيمون دي وفوار، وعلى سبيل المثال ميشيل بوتور Michel Boutor ، والمستشرق مكسيم رودانسونmaxime Rodanon  , وابنته فلورنس florence  والزوجة السابقة  كلارا Clara لوزير الثقافة آنذاك    أندريه مالرو، بهذا العمل الجبار تكون مجموعة المثقفين الفرنسيين التي وقعت على هذا الميثاق قد أظهرت للعالم أن الإنسان الحر النبيل موجود في كل مكان وأن مواقف الأشخاص الثابتة لا تنقطع، معبرين عن ذلك بوقوفهم إلى صف المنادين بتقرير المصر للشعب الجزائري رافضين سياسة بلادهم التي كان يقودها الجنرال ديغول تجاه الجزائر، مما أثار زوبعة السلطات الفرنسية المتمثلة في  لهجة الوزير الأول يومها مشال دوبريه Michel DUBRE الذي اتخذ إجراءات صارمة ضد الشبكة السرية هاته والتي تدعو إلى التمرد والعصيان ومساعدة الرافضين للخدمة العسكرية والهاربين منها، فأصدر بينا يمنع فيه المثقفين الظهور في التلفزة والإذاعة والمسرح، وقد سجن أحد الصحفيين المساندين والمتعاطفين مع الثورة الجزائرية لمدة أسبوعين إثر عثور الشرطة على 170 نسخة من هذا البيان في حوزته، وكثفت الشرطة البحث والتفتيش والتمشيط لمقرات الصحافة من مجلات وجرائد التي كانت تندد بالحرب في هذا البلد نكر منها ليكبريس،  l’express الأزمنة les temps  ، الحقيقة   la vérité   الحرية la liberté   esprit , moderne, France observateur  . مما أحرج الحكومة الفرنسية .

يقول جان بول سارتر " والواقع أننا لسنا سليمي الضمائر، إننا قذرون، إن ضمائرنا لم تعكر وهي مع ذلك مبلبلة وحكامنا يعرفون ذلك حق المعرفة، وهم يريدوننا على هذا النحو، إن كل الذين يريدون أن يتاح لهم بهذه الرعاية والعناية والتحفظ هو اشتراكنا في الجريمة تحت ستار من الجهل الزائف، فالناس جميعا قد سمعوا بأساليب التعذيب..." 13.

يبدأ هذا المفكر بعرض وتحليل الحالة النفسية عند الإنسان وعلى وجه الخصوص عند الفرنسيين في صمتهم عما يحدث من تعذيب قد تعرضوا له هم أنفسهم من قبل في فرنسا من قبل الجيش الألماني مؤكدا مقولته فيما يأتي " وهذا ما أسميناه عام 1948 بالمسؤولية الجماعية، إذ ما كان للشعب الألماني في تلك الفترة يجهل وجود معسكرات تعذيب" 14، واصفا ما يقع في الجزائر بأنه لا يمكن إخفاؤه فالشعب الفرنسي هو يخادع نفسه وكأنه لا يعرف حقيقة التردي الأخلاقي والحضاري الذي ينجم عن سلوكيات الجنود الفرنسيين في إسامة الناس سوء العذاب من رجال ونساء وأطفال، وذلك على وجه العموم، ويعتبر المشرفين على آلة التعذيب وما يسببه من بشاعة للمعذبين بأنهم دأبوا على هتك شرف الأمة الفرنسية وتلويث سمعتها، ويرى أن "مدة قصيرة 15 سنة كانت كافية لتحويل الإنسان من ضحية إلى جلاد، أي من أولئك الذين عانوا من البطش الألماني إلى هؤلاء الذين يبطشون بغيرهم ويلحقون بهم الإهانة والإذلال باسم الحضارة والتقدم، ويصل في محصلته إلى أن "الضحية والجلاد معا ليسا إلا صورة واحدة هي صورتنا نحن" 15.

ويقول أيضا "إن الفرنسي ألقى بنفسه بين مخالب الضعة والتردي في الحيوانية وأن الحيوانية هي حقيقتنا" 16، وينصح الناس بقراءة كتاب الاستجواب لمؤلفه هنري علاق، حيث يسرد صاحبه الحقائق التي يشمئز منها الإنسان من أنواع التعذيب التي تمارس بشكل جنوني لا متناهي وقد عانى منها هذا السجين نفسه، رغم أن الجلادين لم ينتزعوا منه أية معلومة رغم القهر والتمثيل به جسدا ونفسا. وعليه نستخلص من هذه الأحاديث التي يلقي بها إلينا "أنهم يودون أن يقنعوا أنفسهم ويقنعوا الضحية بجبروتهم وقدرتهم على الظلم" 17.  ويصف ما تقوم به هذه المجموعة من الجلادين ضد الضحية، ويصفهم بأنهم جنس من الساديين بل أنهم عينة غريبة أخرى ليس لها صفات الإنسان المتزن، فهم يتقنون عملهم في التلذذ والتفنن في إذاقة الآخر شر عذاب " ليس في هؤلاء جميعا من هو موجود بذاته، وليس فيهم من سيبقى كما هو،إنهم يمثلون لحظات تحول لا معرفة" 18، ويقول إن التعذيب في صفوف المدنيين كما هو موجود في الجيش والمسئول ليس الجنرال أ ولا الجنرال  م، بل هو السيد لاكوست أي صاحب السلطة المطلقة فكل شيء يتم بعد مشورته وإملائه سواء كان ذلك في وهران أو عنابة أو في مبنى الأبيار أو في مقصورة س. وهذه الوصفة يقدمها هنري أليغ متحدثا عن التعذيب بأن "مرض يسود العصر كله،" ويذكر بأن أليغ لم يكن إرهابيا وأن موريس أودان لم يكن إرهابيا، ويرى سارتر أن انتزاع سر الجميع من الخلف يمر بالصراخ ونزيف الدم، وأن الضحية سواء أجبرت على الكلام، أو أنتزع منها الصمت أو لقيت مصرعها بين جحيم العذاب فإن السر الذي لا حصر لعدده موجود في مكان آخر، ويقدم شهادة الضحية هنري أليغ من خلال نصوص دقيقة أدلى بها هذا الأخير تصف ضعف القوي وهو يعذب وقوة الضعيف وهو يقاوم، وأن العنف هو الذي بصدر الجلاد في حقده وساديته وانتفاء إنسانيته. ولا يكتفي الكاتب في تحليل نفسية المعذب وشناعته، والتعذب بل بغوص في إنسان الجلاد والحالة التي يوجد عليها المعذب مفصلا ذلك كله في كتابه "عارنا في الجزائر" ويقول بأن الجلاد يجبر الضحية على الكلام وهو دين نفسه محسا بأنه أدنى درجة من الإنسان، وفي مكان آخر " ولقد اغتصبنا من المسلمين كل شيء حتى لغتهم" 19، ويختم كتابه المذكور بعرض شهادة المناضل الكبير والشهيد الجدير بالتقدير الذي هو من بني جلدتهم " وإذا كنا نريد أن نوقف هذه الأعمال الإجرامية التي تنفر منها الإنسانية وأن ننشل فرنسا من وصمة عار، وأن ننقذ الجزائريين من هذا العمل الوحشي ليس هناك إلا سبيل واحد هو أن نفتح باب المفاوضات على مصراعيه وأن ندخل إلى السلام من أوسع أبوابه" 20.

نخلص إلى القول من مواقف الفئة المثقفة الفرنسية المناصرة للثورة الجزائرية ومنهم على وجه لخصوص أولئك الذين انتقلوا من النظرية إلى التطبيق مقل أوان، واليغ، وفرانس جانسون الذين عانوا الكثير ما عانى منه الشعب الجزائري، أو مثل جان بول سارتر الذي استطاع تشريح صورة الاستعمار البغيض في أشكاله البشعة وأهدافه الدنيئة ووسائل تعامله المخزية مع المواطنين الجزائريين، وما نصبه هو من أحابيل وأبدى حيالهم من سلوكيات ، إنه إنسان في دأبه يتحول إلى غول  خال من الضمير الشريف وإلا كيف ينكل ويقتل ويهدم ويبيح كلما حرم، حتى الدين السماوي والأخلاق الفاضلة ديست هي أيضا تحت أقدامه، وبذلك استحق أن يعامل بالمثل من العنف والقوة كرد فعل طبيعي وشرعي فيطرد من بلاد ليست له. وأن موقف جان ول سارتر في النهاية كان واضحا فقد أدان الاستعمار في شكليه القديم والجديد، وانتقد محاولاته الرامية إلى تنويم الناس سواء كان ذلك في الأرض المحتلة أو في بلاده لأصلية، داعيا في الأخير المعمرين كمنظومة قائمة على امتصاص دماء الآخرين في لبوس سادي يستحق القمع والمواجهة معتبرا جبهة التحرير الوطني في كفاحها بأنها على صواب ويحق لها أن تقاوم هذه المنظومة الشريرة فتنتصر عليها في الأخير بنيل الاستقلال والحرية.

فعلى الجيل الصاعد أن يعي الدرس بالحفاظ على أرض الوطن وبما تزخر به من ثروات مادية ومقومات حضارية وعقيدة سمجاء  وتجربة نضالية فريدة من نوعها شهد لها القاصي والداني.

 

 

المراجع

1_ النخبة الفرنسية المثقفة والثورة الجزائرية للدكتور عبد المجيد عمراني,_ الجزائر: الشهاب,_ د,ت، ص,75

2_ نفس المصدر ص,76

3_ نفس المرجع ص,77

4_ نفس المرجع ص,78

5_ نفس المرجع ص,89

6_ نفس المرجع ص, 92

7_ نفس المرجع ص,94

8- Le monde diplomatique novembre 2004

9  Ide  nove ;bre 2004

10_ النخبة الفرنسية المثقفة والثورة الجزائرية,_ ص, 190

11_ نفس المرجع, ص, 190

12_ نفس المرجع, ص, 193

13_ عارنا في الجزائر، لجان بول سارتر، ترجمة سهيل وعائدة إدريس,_ بيروت: دار الآداب,- 1958، ص, 32

14- نفس المرجع ص, 42

15- نفس المرجع ص, 38

16- نفس المرجع ص, 38

17- نفس المرجع ص, 43

18- نفس المرجع ص, 46

19- نفس المرجع ص, 54

20- نفس المرجع ص, 55

 

Télécharger l'article