صورة الجزائر في الشعر العربي الحديث

الشاعر سليمان العيسى  أ نموذجا :

د. بن علي  ڤريش  

جامعة سيدي بلعباس

 

سعى المستعمر الفرنسي, و ظل يسعى منذ أن احتلت جيوشه أرض الجزائر سنة 1830م إلى عزلها عن محيطها العربي و الإسلامي, كما سعى إلى النأي بها إلى كل ما به تتحقق هويتها الحضارية, وعن كل ما به تعيش منسجمة مع ذاتها و تاريخها و محيطها الطبيعي, كشعب و ثقافة و لغة و انتماء و جغرافية , و غيرها من المكونات الأساس التي ترسم صورتها الحقيقية في أذهان الناس, و لذلك حرص المستعمر الفرنسي كل الحرص طيلة وجوده في الجزائر على تشويه تلك المكونات حتى يستطيع أن يرسم صورة مزيفة في مخيلة الناس وفي وجدانهم,  في الجزائر و في العالم العربي, وفي العالم كله. و قد صنعت دوائره الاستخبارية و الإعلامية هذه الصورة المزيفة , و سوقها كثير من المؤرخين و علماء الانتروبولوجيا و الكتاب ممن  ناصبوا الجزائر العداء بكتاباتهم, و لما كانت الثورة الجزائرية المباركة انفجارا عظيما هز العالم سنة 1954م و بلغ صداها كل الأمصار،

فقد نبهت هذه الثورة المجيدة المستعمر الفرنسي إلى أن الجزائر وجدت منذ الأزل, و لذلك فهي موجودة وستبقى موجودة إلى أن تقوم الساعة.

 فقد هزت هذه الثورة المباركة النفوس هزا عنيفا , و زعزعت كثيرا من القيم العتيقة التي رسختها النظرية الكولونيالية , فبدأت الصورة النمطية التي رسمها المستعمر الفرنسي عن الجزائر تتلاشى في أذهان كثير من الباحثين و الكتاب و الشعراء. فلم يستطع الشعراء العرب الذين عاصروا الثورة الجزائرية أن يكتموا إعجابهم الشديد بهذه الثورة , و دهشتهم بعنفوانها , كما لم يستطيعوا أن يكتموا حبهم الجارف لنبل أهداف هذه الثورة و سمو قيمه

و بطولة من صنع هذه الثورة من الشهداء و المجاهدين, فقد كانت بداية هذه الثورة إيمانا و رصاصة فجرت قرائح الشعراء, شعرا رصاصة.

و الشعراء هم من أقدر الناس على توصيل المفاهيم و الأفكار إلى القارئ من خلال الصورة الفنية الجميلة التي تتشكل من وجدان الشاعر , و هو بذلك يمدنا بخبرة جديدة , تجعلنا أكثر استعدادا للانسجام الشعوري مع تلك الصورة، كما تجعلنا على أهبة للارتحال من زمن الثورة , فتتعطر بعطر الشهيد الذي سكن الجنة , و سليمان العيسى أحد الشعراء العرب المحدثين الذين عاصروا الثورة الجزائرية , و هز عنفوان هذه الثورة وجدانه , فجاء شعره تجربة صادقة , رسمها في صورة جميلة, التقط مشاهدها من مشاهد البطولة التي صنعها رجال و نساء الجزائر , من الشهداء و المجاهدين , و لئن ارتبطت صورة البطولة 

في أذهان كثير من الناس ببطولات الرجال الذين صنعوا الثورة التحريرية المباركة مثل الشهيد زيغود يوسف و مصطفى بن بولعيد و العقيد عميروش و الحواس و العقيد لطفي و الرائد فراج و الشهيد العربي بن مهيدي و غيرهم من الشهداء و المجاهدين الذين رسموا صورة الجزائر من خلال بطولاتهم , فقد انطبعت في ذهن كثير من الشعراء العرب المحدثين صورة الجزائر الثائرة من خلال صورة المرأة الجزائرية الثائرة التي أبت إلا أن تقف مع أخيها الرجل في مقارعة المستعمر الفرنسي ، و تقدم للمستعمر نفسه و للعالم كله صورة جميلة و بطولية عن بلد اسمه الجزائر ، كل أبنائه ثائرون ، و قد يكون الشعراء السوريون أكثر الشعراء العرب استحضارا لصورة الجزائر من خلال صور نسائها الثائرات مثل جمبلة بوحيرد و جميلة بوعزة و جميلة بوباشا، و من هؤلاء الشعراء الذين استوقفتهم الجميلات الثائرات الثلاث ، الشاعر حنا الطباع و عبد الرحمن الحصنى و نزار قباني و محمد الحريري و الشاعرة هند هارون و غيرها ، و كم تكون الثورة عظيمة و طاهرة اذا احتضنتها النساء الجميلات و رسمت صورتها القصائد الجميلة ، و لا شك في ان الصورة في القصيدة (( ذات رنين و نغم ينتشرنحو الخارج في دوائر ، فتعم ما حولها ، و تلهمه من قوتها ..... يستمليها القارئ ،و يأخذ منها ما قدر عليه ، و يقرأها في مساقها فيرى آثارها  بادية على وجهه ))(1) ، و الشاعر سليمان العيسى حين يقدم شعره الذي قال في بطولات الجميلات الثلاث جمبلة بوحيرد و جميلة بوعزة و جميلة بوباشا، لا يريد أن يطربنا ببراعة تصويره للبطلات الجميلات الثلاث، و لكنه يريد من القارىء أن يتدبر هذه التجربة البطولية التي عاشها نسوة من المدينة  (2) ، و هن في ربيع عمرهن ، و ليس غرابة أن يضحي هؤلاء الجميلات الثلاث بحياتهن ، و هن جميلات ، لو لم يكن في قلوبهن إيمان عميق بأن الأرض و العرض أغلى من الزرع و الضرع و الشباب الغض.

و سأحاول أن أنظر إلى شعر سليمان العيسى الذي قاله في الجميلات الثلاث من خلال بعض الأبيات التي صور فيها الجزائر عبر بناتها البارات الثلاث ، فقد تدفق في قلب هذا الشاعر الكبير عشق جارف لهؤلاء الجميلات اللواتي آثرت الثورة على المستعمر، فوجدت أنفسهن وجها لوجه مع السجان في قلب الزنزانة، وحشة و اغتراب و ظلمة، أنهن في شعر سلميان العيسى قصيدة جميلة لشعب ولد ثائرا :

فقد رسم الشاعر سليمان العيسى صورة جميلة بوحيرد و هي تواجه السجان في سجنها، بشموخ و كبرياء و اعتداد بالنفس و عشق للموت،  تفتدي به الوطن، و به تؤرخ للثورة المجيدة ، و به تؤرخ- أيضا- لوحشية المستعمر الفرنسي الذي ادعى يوما أنه جاء ليمدنا شعبا ، فكذب و صدقت جميلة.

يقول سليمان العيسى في بعض الأبيات قصيدة قالها في جميلة سنة 1958م :  

أين مني عينان ، خلف جدار       *       السجن،مكحولتان بالكبريــــــــاء

 و جبين ، و ألف نجمة صبح       *      لألأت فوق جرحه الوضـــاء

أين مني جميلة؟ تزأر الســــا      *       حات من صمتها بألف حـداء

أي سر هزت به الشفـــــــــة      *     ا لسمراء قلب الدنـــيا بغير نداء

هي فينا سحر القصـــــيد اذا       *      غنى، ووهج النارية البتــــراء

هي في غضبة تهــــــــــوى      *      فوق جــلادها سيـــــاط ازدراء

لا شك في أن قارئ هذه الأبيات يستحضر في مخيلته صورة جميلة بوحيرد ، و سياط السجان تنهال على جسدها الغض، و هي صورة لكل جميلات الجزائر اللواتي زج بهن المستعمر الفرنسي في   السجون لأنه أراد أن ينال من ثباتها على المبادأ الذي آمنت به ، فجعلها  تصفع السجان بكبريائها، كما أراد المستعمر أن يكون في عقل القارئ صورة عن جميلة التي ستستسلم للسجان لمجرد أن تتوالى على جسدها السياط، و لكن جميلة اكتحلت عيناها بكبرياء الثورة، و أقسمت أن تغلب عوامل الحياة على الموت، و قالت مع رفاقها

و رفيقاتها الجميلات، في الوهاد و في الروابي و في الجبال و في الشعاب، و في غياهب السجون: " نحن ثرنا فحياة أو ممات ،و عقدنا العزم أن تحيا الجزائر"، فارتسمت بذلك صورة ناصعة للجزائر، و صورة الجزائر من صورة أبنائها و بناتها، في الحرب و في السلم، فقد تلقف العالم هذه الصورة، و أصغى لنداء جميلة.

 و لو تأملنا لوحة هذه الصورة لدى الشاعر سليمان العيسى لوجدناها تعج بالاستفهام. و الاستفهام ينير النص، و يفتح مغاليقه، و يكشف الطاقة الإيحائية من خلال الاستفهام، و تتداعى المعاني، و لذلك وردت ثلاث استفهامات في هذه الأبيات من مجموع ست أبيات، لعل أكثرها تعبيرا عن قدرة الاستفهام عن الارتحال بالمعاني و الصور قول سليمان العيسى:

أي سر هزت به الشـــــفة        **         السمراء قلب الدينا بغير نداء ؟

و صورة جميلة، السجينة الثائرة الجريحة الصابرة، تخترق جدران السجن و ظلمته

 و وحشته، فيتعشق العالم الجزائر من خلال جميلة: 

هي فينا سحر القصيدة إذا       **         غنى، و وهج الناربة الثراء

إن الشاعر سليمان العيسى يستمد قدرته في التعبير عن صورة جميلة بوحيرد السجينة الجريحة من قدرته على الانتقال الفجائي من الصورة المرئية أو المتصورة أو المتخيلة(4)  : ل :جميلة بوحيرد إلى الصورة السمعية التي تتلقفها الإسماع عبئ نص القصيدة وهو بذالك أقام للقارئ جسرا بالألفاظ يعبر به إلى تشكيل صورة سمعية عن جميلة نقلها هذا البيت :

هي فينا سحر القصيدة إذا      **               غنى ووهج النارية البتراء

 وهدا الانتقال المفاجئ من الصورة المرئية أو المتصورة أو المتخيلة إلى الصورة السمعية في دالك السياق التاريخي من حياة الجزائر المحتلة انتقال في الدرجة لان القارئ في تلك الفترة كان اكتر استعدادا وتأهبا لالتقاط الصورة السمعية .(( ومن هنا يمكن للشعر إن يؤثر في القوة المتخيلة عند المتلقي فتحدث الإثارة المقصودة مما يفرض على المتلقي حالة نفسية هي بمثابة الاستجابة التخيلية بين الشاعر والمستمع )) (5) ، ولأن للصورة السمعية أثرا بالغا في تشكل الصورة فتمثلة له صورة جميلة بوحيرد  نفسها في صورة أجمل من صورة جميلة بوحيرد نفسها التي تؤرخ للبطولة والشجاعة والثبات يتبقى صورتها عالقة في أذهان الناس ، ولذلك جاء المجاز في قول الشاعر: (( هي فينا سحر قصيدة ليرتفع بقيمة الصورة ويجعلها أكثر تألقا ، وحتى لا ينتزع عنها جمالها وسحرها الذين لا تكون بهما الأنثى أنثى إلا بهما،

((و المجاز اجتياز دلالي من الشاهد إلى الغائب ومن الواقعي إلى الرمزى  ومن الدال إلى المدلول))(6)  

فقد اختزن البيت السابق طاقة هائلة على الإيحاء, توفرت لتشكيل صورة جميلة من الجزائر, المراة في الجزائر عنفوان و جمال.  (( والشاعر نفسه حين يقدم إلينا قصيدته, لا يستهدف مجرد إطرابنا ببراعته الفنية, و إنما يتوقع منا إن نشاركه تجربته كاملة, وان نتدبر الموقف الذي تعبر عنه هذه التجربة...))(8)

و من أهم الأهداف التي اشتغل عليها المستعمر الفرنسي في كل مراحل وجوده في الجزائر, إن يرسل صورة مزيفة عن الجزائر, فيحدث بذلك اللانسجام بين المرأة و الرجلة ولكن الشاعر سليمان العيسى أراد أن يرسم في الأبيات السابقة , من خلال جميلة بوحيرد السجينة التي لم يثنها القيد الذي وضعه المستعمر على يديها أن تبقى منسجمة مع ذاتها و مع مجتمعها  حى يحدث التكامل التام بين المرأة و الرجل و بين كل أفراد المجتمع الجزائري .

 (( فالانسجام الفكري و الشعوري بين أفراد المجتمع  هو الجدوى الحقيقية للشعر))(9) ,

و ((  الهدف البعيد للشاعر هو تحقيق الانسجام بينه و بين الحياة فانه  انما يعبر بذلك عن الهدف الذي تسعى الجماعة نفسها إلى تحقيقه, و هو أن تكون منسجمة مع ذاتها و مع الحياة ولا يتحقق الانسجام بين الجماعة و الحياة إلا من خلال الموقف أو العقيدة المشتركة))(10) ،  ف : جميلة بوحيرد, لم تكن وهي في السجن تبحث عن ذاتها, لأنها انسجمت, منذ أن آمنت بعقيدة الثورة التحريرية, مع ذاتها و مع قيم  ثورتها و مع تاريخها و وطنها, وتأهبت لإعادة بناء كيانها حتى تصمد لمواجهة السجان , فانتصرت على السجان بكبريائها و الازدراء من السياط التي كانت ترسم أخاديد على جسدها ، بشرت بميلاد جيل من النساء ، يكبر بكبريائه ، و ينتصر على المستعمر بالازدراء:

هي في غضبة تــــهـــوى           **            فوق جلادها بســــاط ازدراء

إن جميلة بوحيرد نموذج السجين الذي قهر الاستعمار بثورة نفسه . و الثورة أية ثورة أولها ثورة نفس ، فانبلج بعد جميلة بوحيرد فجر الجميلات .

ففي أبيات من قصيدة للشاعر سليمان العيسى ، عنوانها (( الرسالة السادسة عشر )) يرتسم وجه جميلات الجزائر، ووجه هاته الجميلات هو وجه الجزائر، هي جميلة بوباشا التي اعتقلها المستعمر سنة 1960م، و كان هدف المستعمر، كما فعل مع جميالة بوحيرد ، أن يقتل في قلبها المبدأ و العنفوان و الثبات على الموقف ، بالتعذيب و التنكيل ، و سوء المعاملة ن فاكتشف المستعمر -هذه المرة- جميلة أخرى قديسة ، في أرض الفداء :

قديسة جديدة في قبصة العــــــــــذاب

يزهو بها لواؤك المركز في الســحاب

قديسة جديدة.... للسجن للعـــــــــذاب

تطعم نار الساحة الحياة و الشــــــباب

ناديت يا أرض الفداء.... فالدم الجواب ،

و يرسم الشاعر سليمان العيسى صورة من صور العذاب الذي تعرضت له هذه الجميلة القديسة ، فيقول :

و يقذف الأثير لي بقية الــــــــخبــــر

للنار " بوبــاشا " ، جزاء صمت ، للشرر

لـــلمسات السلك ... حتى يشهق الـــحجر

للموت ... ان ظلت تحدى الموت و القدر

يا للصمود .... فوق ما تعود الـــــظفـــر

إن قدرة جميلة بوباشا القديسة ، تنشأ من ثباتها على الموقف و إيمانها العتيق بقدسية الوطن ، الجغرافية ، و الثقافة ، و التاريخ ، و تكرار الشاعر سليمان العيسى ل : كلمة

 (( قديسة جديدة )) يدرج بقية الجميلات الثلاث (جميلة بوحيرد و جميلة بوعزة و جميلة بوباشا) ضمن قائمة طويلة من الجميلات القديسات ، و هن كثيرات في أرض ولود لا تلد

إلا القديسات :

تباركت أرض البطولات التي لا تتعب

تلهث من ورائها الدروب ن هي تضرب

تبارك الشـــــعب العظيم للحياة يغضب

لـــلـــنور ، للــجذور من دمائها اعشوشب

لك السنا  و المجد ، يا أرض التي تلغب

لك السنا ، و المجد ، يا جزائر العرب

يا بقعة بالمعجزات تربها اختضبت

لك السـنا ، لك الغد المقدود من لهب

ينـــصر الدنيا إذا ما صبحها اغترب

يــــعلم التاريخ ... للحرية الغـــــلب ،

واضح من الأبيات السابقة أن الشاعر سليمان العيسى يسترسل في الحديث عن جميلة بوباشا و الجزائر ، في أن معا ، لأن صورة الإنسان الجزائري الفرد صورة للجزائر نفسها ، فتكون هذه الصورة رسالة ايجابية و فاعلة، إلى المستعمر الفرنسي نفسه و إلى العالم كله ، و لذلك حرص الشاعر سليمان العيسى، في كل شعره الذي قاله في الجزائر، ثورة و صراعا مستمرا من أجل الحرية، و الانعتاق ، على إبراز الصورة الحقيقية ، للانسان الجزائري المكابد الذي يرفض الاضطهاد، من خلال صورة الجميلات الثلاث ، و(( الفن..بؤرة ينضوي في ثناياها الصراع الإنساني الداخلي و الخارجي...و هذا الصراع يسمو كلما قدمه الفنان في تشكيلات جمالية عالية...و اشتداد قبضة القهر و القمع وأشكال الاضطهاد ضد الإنسان المعاصر زاد من ضرورة التعبير الفني الذي يدين ذلك القهر و يحاكم الاضطهاد)) (11) الذي رسمه المستعمر، منهجا في الحياة، و سلوكا شرسا لخنق كل صوت حر، يعزز كبرياء الوطن،

و يسعى بالمكابدة إلى تحقيق الوجود الحقيقي الجميل لهذا الوطن، أمس و اليوم، و غدا،

 و قد كان الشاعر سليمان  العيسىمن طلائع الأصوات الشعرية العربية التي دأبت على صياغة صورة الجزائر الثائرة بأبنائها و بناتها، فلم يقتصر هذا الصوت الشعري

على تصوير عذابات جميلة بوحيرد و جميلة بوعزة و جميلة بوباشا في السجن، و ثباتهن على الموقف، و لكنه أراد أن يقدم الجزائر للأخر من خلال المرأة الجزائرية، فذكر الجزائر، و ذكر كفاح الجميلات الثلاث، و أترابهن، فقال عن جميلة بوباشا في هذه الأبيات:

يابسمــــة جديدة في شــقــة الخـــلود

لكل ما في الغد من يغــمى ، و من وعود

لــــكــل ما نصــبو لـــه، و ماصبا الجدود

لأمـــتي أن أشرقت يوما على الوجود

أنــــت، و أتــرابك، و الجزائر الوقود

فالخلود، في النهاية، للجميلات الثلاث، و لأترابهن و للجزائر، فقد خرج الشاعر سليمان العيسى من دائرة الوجود المحدد الذي تجسده جميلة بوحيرد، و جميلة بوعزة، و جميلة بوباشا إلى دائرة الوجود الرحب للمكان و الزمان بأبعاده الثلاثة،و لأن خلاص الجزائر من المستعمر الفرنسي هو الجدوة التي تتوقد من بطولة الجميلات الثلاثة، و أترابهن بالكبرياء إلى تكسر شوكة المستعمر, و تقهر جبروته، فقد استغرق الشاعر سليمان العيسي في تأمل تلك البطولة، و احتضن التجربة في وجدانه و في كل كيانه، و جاءت هذه التجربة صدي للرعبة في احتضان تلك التجربة لأنها تمثل نموذجا فريدا في مقارعة الظلم و الاستكبار

و الطغيان في القرن العشرين، فبالثورة الجزائرية التحريرية المباركة و لها و من أجلها تفجرت قرائح  الشعراء، و بتلك التجربة الثورية المجيدة، امتلكت الجزائر مناعة في صد كل معتد آثيم يريد أن يسرق النصر المؤزر من الجميلات الثلاث ومن أترابهن و من كل شهيد تضمخت وهاد الجزائر و شعابها و وديانها بدمه الطاهر.

 قد تكبو الجزائر و لكنها لا تنكسر لأن من بيده مناعة ثورة عظيمة لا يخبو لهبها, لا  ينكسر. فقد أصبحت الجزائر مثلا، و هذا ما أقتنع به الشاعر سليمان العيسي، و دفع بشعره ليوصل هذه القناعة إلى وجدان و أذهان كل العرب، ووجدان و أذهان كل الشرفاء في العالم، و كانت له القدرة التعبيرية على توصيل هذه القناعة التي احتضنت قيما إنسانية نبيلة، ظلت ترافق الشاعر طيلة حياته.   ((و لعل القدرة على إيصال هذا الجانب المدهش هو جوهر النشاط الشعري ))(12) و استطاع الشاعر سليمان العيسى ، بذلك، أن يلتقط في شعره جانبا من تلك التجربة النضالية المتفردة التي خاضتها المرأة الجزائرية ، بصبر و ثبات و نكران للذات ، فهزت هذه التجربة كيانه كله ، فأنشد يقول:                                            

أن يحطم اليأس المـرير زهرة الأمل.

أن أطفئت على الطريق الحالك الشعل.

أن يتمزق موكب ، و تكسر القلل من جيلنا الجريح...

أن شعبي البطل.يضرب للتاريخ في جزائري المثل .

 فقد اختزن الشاعر سليمان العيسي تجربة ثورية رائدة، خاضها الشعب الجزائري باقتدار ، و انتصر للقيم الأخلاقية الإنسانية ، و ارتفع بوطنه إلى حركة التاريخ ، و تأهب لمواجهة تحديات جديدة خطيرة في عالم ، لا مكان فيه للسكون.   

 هوامش:

 

1- مصطفى ناصق ، الصور الأدبية ، دار الأندلس للطباعة و النشر ، بيروت ،لبنان،د.ت.ص236.

2- جميلة بوحيرد ، من مواليد الجزائر العاصمة سنة 1935م.

- جميلة بوعزة من مواليد العفروب و جميلة بوباشا من مواليد الجزائر العاصمة سنة 1938م.

3-  من ديوان سليمان العيسى ، نقلا عن كتاب (الثورة الجزائرية في الشعر السوري) .

لـ: عثمان سعدى ، الجزء الأول ، ص225.

4- للتوسع، ينظر، صاحب خليل إبراهيم، الصورة السمعية في الشعر العربي الجاهلي، من منشورات اتحاد الكتاب العرب ، 2000م ، ص110 وما بعدها.

5- المرجع نفسه ، ص 113.

6- على الحرب، الحقيقة و المجاز، نظرة لغوية في العقل و الدولة، دراسات عربية، العدد6، السنة التاسعة عشر، أبريل 1983، ص26.

7- المرجع نفسه ، ص26.

8- عز الدين إسماعيل، الشعر في إطار العصر ثوري، الطبعة الأولى، 1974م بيروت لبنان ص40.

9- المرجع نفسه ، ص40.

10- المرجع نفسه ، ص40.

11- بشرى البستاني، قراءات في النص الشعري الحديث, دار الكتاب العربي للطباعة و النشر و التوزيع 2000م ص 145.

12- محمد لطفي اليوسفي، في بنية الشعر العربي المعاصرة ، دار سراش للنشر, تونس ، 1985م ص148.