فن المقامة في الأدب الجزائري الثوري

تصوير لواقع معاناة شعب

الأستاذان: عبد القادر بقادر

 سيبوكر إسماعيل

جامعة ورقلة ـ الجزائر ـ

مقدمة

     كثيرا ما يحتاج الكاتب إلى دافع ومحفز يثير فيه الفضول وملكة الإبداع من أجل أن يصوغ عملا فنيا؛ فقد كانت الثورة الجزائرية بؤرة صراع وإبداع، حيث جعلت الكاتب يتفاعل والواقع، لينسج ببعض ذلك أدبا ثوري الصفة، وواقعي المحل، وفني الصياغة.

     لقد كانت الثورة الجزائرية ملهمة الشعراء والمبدعين في مختلف الفنون، وبشتى الألوان حتى أن الأدب الذي أنتج في هذه المرحلة سمي باسمها وكذا الشعراء والأدباء؛ فهذا أدب الثورة، وذاك شاعر الثورة...، فكان أدب هذه المرحلة وعاء تصب فيه مشاهد، ووقائع هذه الفترة.

     ومن الفنون الأدبية التي أنتجت خلال هذه الفترة التاريخية المهمة والملهمة من حياة الجزائر العميقة نجد فن المقامة الذي قلما نعثر عليه عند الجزائريين، وفي الأدب الجزائري، ولقد كان هذا الفن الأدبي وليد ظروف سياسية واجتماعية وثقافية في السجون الفرنسية تحت وطأة الحرمان والتعذيب.

المداخلة:

    شكّل الوطن بالنسبة للأديب الجزائري محورا رئيسا يستقطب وحدة الشعور والقلم، فأضحى الوطن بذلك بؤرة الاهتمام؛ فانطلق الأدباء يعانقون معطيات الحياة الجديدة، ويصورون قضايا الواقع ويعبرون عن تطلعات المجتمع، فكان العالم الذي يستولي على اهتماماتهم ويغلب على نتاجهم، إنما هو عالم الوطن، وعالم الأمة، وكل ما يتصل بهما ويتفرع عنهما من قيم ومقومات وقضايا واهتمامات، وكان صوت غيره في نفوسهم مما جعلهم يسخرون أعمالهم للنهوض بالواقع والتعبير عن قضاياه([1])، ويمكن تلخيص ذلك كله في هذه المحاور:

1 ـ الانصراف عن الغرض الذاتي، وتجاوز ذلك إلى الالتزام بالتعبير عن الوجدان الجماعي للأمة.

2 ـ الاندماج في الواقع الوطني، والسعي من أجل إصلاح وضعه؛ عقيدة وفكرا علما وعملا.

3 ـ الدعوة إلى الانفتاح على الحياة والعصر.

4 ـ الحث على ضرورة استمرارية حركة الجهاد من أجل دحض ممارسة التغريب ومصادرة الهوية الحضارية وطمسها، والمنافحة عن الحقوق الوطنية.

5 ـ دعوة الشعب من أجل احتضان الثورة والالتفاف حولها.

6 ـ مساندة قضايا الأمة العربية والإسلامية ومشكلاتها الإنسانية.([2])

والملاحظ من خلال هذه الاهتمامات أنها تنطوي على جملة من الأبعاد من بينها: البعد الديني، والبعد الوطني، والبعد الاجتماعي، والبعد الوجداني، والبعد الثوري، والبعد القومي، والبعد الإنساني.

وما يميز هذه المرحلة أن أدباءها استطاعوا أن يسهموا في تطوير وتحريك وتفعيل الحركة الأدبية، بما كانوا يبدعون من أعمال أدبية متنوعة؛ فالشعراء واصلوا عملهم في السمو بالتجربة الشعرية؛ مضامين، وطرق معالجة، ووجوه صياغة([3])

     أما عن الكتّاب المبدعين الجزائريين فقد: ازدهر على أيديهم فن القصة القصيرة، ووقف فن الرواية الحديثة على قدميه، وقد ساعدهم على تحقيق هذه النقلة في أعمالهم وفاؤهم لمنهجهم الأصيل القائم على المزاوجة الفنية ما بين النموذج التراثي العربي القديم، وبين الإفادة من التجارب الأدبية الحديثة عربية وأجنبية([4])، ومن أبرز من يمثل هذه الفترة أعلام مشاهير، وجملة أدباء من بينهم: صالح خرفي([5])، حنفي بن عيسى، مولود قاسم([6])، أحمد شقار الثعالبي([7])، عثمان سعدي([8])، محمد عبد القادر السائحي([9])، أبو القاسم خمار([10])، صالح خباشة([11]).

    إن الأدب الجزائري عموما تعاقبت عليه اتجاهات عديدة كان لها الفضل في ازدهاره ووصوله إلى المكانة التي وصل إليها، ومن أبرز الاتجاهات التي تناولت هذا الأدب هي:

1 ـ الاتجاه الإحيائي المحافظ: وتعد مرحلة إرهاص، وتبدأ من مطالع القرن العشرين.

2 ـ الاتجاه الإحيائي المجدِّد: وتقع ما بين الحربين.

3 ـ الاتجاه المجدد: وهي مرحلة التفاعل الفني؛ وقعت في جيل الخمسينيات حيث كانت مزاوجة ما بين التراث الفني وبين التجارب الفنية الحديثة.

4 ـ الاتجاه الحر: وهي مرحلة انطلاق تميز بها جيل السبعينيات([12]) وما يمكن تسجيله من ملاحظات أن أكثر الاتجاهات وسطية واعتدالا، وأغزرها نتاجا، وأجودها فنيا، وأكثرها حرصا على المزاوجة؛ ما بين النموذج الفني التراثي وبين التجارب الفنية الحديثة هما اتجاهان اثنان؛ الاتجاه الإحيائي المجدد، والاتجاه المجدد "مرحلة الخمسينيات"([13])؛ فقد كانت أعمال أدباء الاتجاه الإحيائي الانطلاقة الرائدة للحركة الأدبية الحديثة بالجزائر، أما أعمال أدباء الاتجاه المجدد فتأتي تطويرا، وحسن استثمار لما زرعه الأعلام الرواد في حقل الحركة الأدبية؛ شعرا ونثرا؛ فنونا وموضوعات؛ أساليب وسمات([14])؛ فإنهم ساروا بهذا الأدب «أشواطا على طريق النضج والتحرر والتطور، وكان الأدباء الروّاد منهم بخاصة قد ورثوا نتاجا ضخما عن أدباء (العصر العثماني) الذي كان يرسف في أغلال الصنعة والتقليد، ولا يكاد يلتفت في موضوعاته إلى قضايا العامة من الأمة، أو يعبّر عن مشاعر جماهيرها المختلفة، وإنما كان يدور في فلك العواطف الشخصية الضيقة بتحبير التعازي والتهاني، وتدبيج المساجلات والإخوانيات، وتصنيف التقاريظ والشروح »([15])، كما أن إنتاجهم كان يقوم في صياغته على «التكلف والزخرف والصنعة فكان أدباء النهضة أمام هذا الموروث الهزيل أن يسهروا على نقل الأدب الجزائري الحديث من هذه الدروب الهابطة، وهذه الاهتمامات المحدودة إلى آفاق أرحب وانشغالات أعمق»([16])

     ومقارنة ذاك الأدب بهذا نجد أن أثر أدباء الجزائر وخصوصا في مرحلة الثورة كان أجلّ وأعظم إذ خدم الحركة الأدبية في الجزائر بإخراجها من ربق ما كانت تقبع فيه إلى توسيع آفاق الاهتمام والانغماس في المأساة الجزائرية والتوغل في الشعور بهذه المعاناة.

وقد استطاع الشعراء القيام بدورهم وبتصوير الأزمة الجزائرية كما استطاع «الكتّاب من جهتهم أن يصوغوا تجاربهم المختلفة في ألوان عديدة من النثر كان أهمها النثر الديني والاجتماعي والسياسي وغيرها، وقد عالجوا في هذه الألوان معظم ما عرفه النثر العربي من أطر فنية فكتبوا في المقالة والمسرحية والقصة والرواية من الفنون الحديثة»([17])، والمقامة.

ومن أولائك الرواد في الفن القصصي من كتاب جيل الخمسينيات أمثال:«أحمد رضا حوحو([18])، عبد المجيد الشافعي، عبد الوهاب بن منصور، بن عاشور، وغيرهم، فأتيحت لهم الإفادة من الثقافة الغربية بطريق مباشر فواصلوا الإبداع على طريق جيل النهضة فنما على أيديهم ما كان قد غرس بذوره هؤلاء الأدباء الرواد في حقول النثر من فنون حديثة "المقالة، والمسرحية، والرواية"»([19])

     تعد الدراسة التي قدمها الأستاذ عبد الله الركيبي عن "القصة القصيرة في الأدب الجزائري (الحديث) المعاصر" والتي نشرت سنة 1969م، قد رسمت الإطار التاريخي لبدايات القصة الجزائرية واستوعبت معظم القضايا التي عرضت لها هذه القصة.

     وما ميز هذه الدراسة هو إلمامها بالتطور الفني لأول أعمال الرواد، ودراسة كيف أن هذه الأعمال انعكست على المحاولات القصصية اللاحقة.

     ولعل النتاج القصصي في هذه الفترة يعد محدودا قياسا إلى كل كاتب على حدة؛ فإنه في مجموعه يشكل تراثا قصصيا هاما، ويصور مرحلة من أدق المراحل التي عاشتها الجزائر قبل وإبان اندلاع الثورة، وعاشها الجزائري خارج حدود وطنه؛ متطلعا على يوم التحرير مساهما بقلمه وفكره ووجدانه في الدعوة للثورة والتعبير عن آمالها ومطامحها.([20]، قال عنهم الدكتور عبد الله الركيبي: «وهناك من كتب القصة للتجربة أو بدافع الحماس بسبب الثورة؛ فأراد أن يسجل أحداثها أو يصور بعض أبطالها مما يفسر النغمة الخطابية التي سادت بعض القصص، وقلة إنتاج بعض الكتّاب في هذا المضمار، حتى أن منهم من كتب قصة واحدة أو قصصا لم تتجاوز عدد الأصابع»([21]).

     ومما يلاحظ في هذا الإنتاج القصصي هو أن القصد منه لم يكن إفراز المواهب، والتعبير عن الصفة الأدبية للكاتب، بقدر ما كانت الغاية المنشودة منه الإفصاح عن مرحلة الثورة بصورة خاصة، والتعريف بها، والدفاع عنها([22])،فقد وهب الكاتب الجزائري نفسه وقلمه لخدمة الثورة الجزائرية التي كانت محل اهتمام الجميع؛ مما جعل الفن القصصي في الجزائر يخطو خطوات عملاقة نحو التطور حيث «تميّز كتّاب جيل الثورة بأنهم ذوو فضل كبير على تطوير الفن القصصي الجزائري، فقد تجاوزوا بفنهم مرحلة الثلاثينات والأربعينات وقدّموا جهوداً إبداعية عبّرت عن ظروف الحرب وصورت نضال الإنسان الجزائري لطرد المستدمر الفرنسي، خصوصاً في أثناء الحرب التحريرية (1954-1962) وبذلك أسهم الأدب في دعم الثورة»([23])

     ومعنى هذا أن الكاتب الجزائري كان ملتزما بقضية الوطن، ولم يحاول أن يخلق أدبا من أجل التنافس أو من أجل العمل الفني، أو التلويح بالموهبة والمُكنة الأدبية، بقدر ما كان أدبا من أجل الوطن، إذ كانت الثورة هي محل اهتمامه فكانت هي المنهل الذي ينهل منه الروائي والقاص والشاعر موضوعات أعمالهم وشخصياتهم الورقية، تقول آمنة بلعلى: «لقد شكّلت الثورة نقطة تحول أساسية في مسار التجربة الروائية الجزائرية حيث أصبح الحديث عن الثورة والنهل منها اعتبارا ضروريا في الكتابة الروائية، سواء بسرد بطولاتها أم بتشكيلها، وحتى إن شكلت توجهات تنتقد منطقها ونتائجها وتطعن في إنجازات بعض القائمين بها، فإنها تجسد تصور البطل النموذجي وصناعة الوعي على الرغم من أن التعامل مع الثورة وُصِفَ بالسطحية أحيانا والمثالية والاحتفالية التي لم تتجاوز حدود الانعكاس»([24]).

     ولقد كان للثورة فضل كبير في تطور الفن القصصي والروائي من الناحية الجمالية والفنية وكأنها ألقت عليها بردا سندسيا فقد منحت الثورة حالة جمالية للرواية الجزائرية([25]).

     ومن الملاحظ أن معظم الذين كتبوا هذه القصص في هذه المرحلة بالذات كانوا من طلبة جامع الزيتونة بتونس، وكان ارتباطهم بالدراسة والتعليم يمنعهم من الالتحاق بالثورة، بل إن الثورة نفسها منعت جلهم من ترك مقاعد الدراسة والالتحاق بالجبال، ولهذا السبب كانت الكتابة هي البديل المتاح، إذ لا فرق بين الكفاح بالقلم، وبين الكفاح بالسلاح، فكلاهما يشكل الخطر الحاسم على المستعمر.

    ولتجسيم أبعاد الثورة، والتنديد بالمستعمر وتصوير الواقع الجزائري المؤلم وإبراز الكفاح الجماعي للشعب الجزائري في مدنه وقراه، نسائه ورجاله اختار الجزائريون الفن القصصي فما كان ذلك إلا دليل على ما كانت تتمتع به الثورة الجزائرية من تأييد، وما حفلت به من اهتمام، وما أحدثته من المفاجأة العارمة في النفوس([26]).

     لقد كشفت ظروف النضال للكاتب الجزائري عن إمكانيات وتجارب ضخمة وتجارب جديدة دفعتهم للبحث عن الجديد، سواء أكان في الموضوع،أو في المضمون، أو في الشكل؛ فما إن اندلعت الثورة حتى أحس الكاتب الجزائري بأن الوقت حان لتوعية قراء الصحف والرأي العام المحلي بأسره، وتجسيم معنى أن يكافح شعب بأسره سلطة استعمارية باغية، وقوة عسكرية لا تقاتل من أجل تحقيق التفوق فقط، ولكنّها تقاتل من أجل محق شعب كامل ومحوه من الخريطة السياسية والقضاء على كيانه، وانتماءاته الحضارية، فلم يجد هذا الكاتب أسلوبا أكثر شرحا وإبانة وتوسعا سوى الأسلوب القصصي الذي أتاح له أن يصور عمق المأساة([27]).

     ومع تقدم الثورة الجزائرية تاريخيا، فقد صاحب ذلك تعددٌ في الإنتاج القصصي بداية من سنة 1957م مما يعني تعدد أساليب الطرح، كما تميّز فيها بعض الكتاب الذين كان إنتاجهم يشير إلى أهمية خاصة، وإلى مواهب كامنة وإلى طاقات واعدة، مما جعل الصحف وعلى الخصوص مجلة "الفكر" التونسية تفتح لهم صفحاتها مرحبة بإنتاجهم معتزة بنشره([28]).

    ولا غرو في أن من يقرأ عناوين هذه الكتابات القصصية، يلحظ أن مؤلفيها كانت تحكمهم لهجة التحدي والتصدي وقوة الجماهير والفتوة والنخوة، وكانت الأحداث الآتية في الصحف ووكالات الأنباء وعابري الحدود تزيد في ضرامهم وانفعالهم، فتقوى اللهجة التي نطالعها على كل عنوان من هذه العناوين، من قصة لأخرى تصلهم أخبار من الشهداء وعن ضحايا وعن قرى تتهدم وعن اعتقالات ومداهمات مروِّعة فيحولون هذه الأخبار إلى عناوين([29]).

فن المقامة في الأدب الجزائري:

     إذا كان فن المقامة من الفنون التي تناولها الأدب العربي منذ القدم (القرن الرابع الهجري)، فإن الأدب الجزائري لم يعرف هذا الفن إلا مع القرن السادس الهجري، فجاءت المقامة في الأدب الجزائري متعددة نماذجها، فاختلفت أحجامها، وأساليبها، ولغتها، وكذا مضامينها([30]).

     كان للجزائريين حظ في هذا اللون الأدبي النثري بداية مع ابن محرز الوهراني في كتابه "منامات الوهراني ومقاماته ورسائله"([31])، بحيث "استطاع أن يعالج جوانب مختلفة على أيامه: سياسية، ودينية، وثقافية، واجتماعية، واقتصادية بلغة رفيعة جدا، وبأسلوب أخاذ حافل بالسخرية، وروح الكدية التي تجاوزت مقاماته، إلى رسائله، ومناماته التي تتضمن أشكالا من صيغ المقامة"([32]).

     ويصعب علينا تناول الأدباء الجزائريين الذين تناولوا هذا الفن في أدبهم في هذا المقام ونكتفي بذكر أسماء بعضهم فقط على سبيل المثال لا الحصر: ابن ميمون، وابن حمادوش، الديسي، محمد البشير الإبراهيمي...

     يقول الدكتور عمر بن قينة عن المقامة في الأدب العربي الجزائري: "تكشف عن حيوية الكلمة الأدبية في الجزائر، ورغم ظروف الانحطاط والضعف ثم الهوان الذي لحق الوطن والأفراد...فلم تمت الكلمة الأدبية ولا اندثر النص الأدبي المتوهج في أكثر من حُلّة...فكانت الوظيفة عموما تاريخية فكرية سياسية ثقافية اجتماعية ترفيهية تراوح فيها البناء الفني بين التقليد والتجديد...([33]).

فن المقامة في الثورة:

     إن جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر قد كان لها دور في تعميق ضرورة الإيمان بالوحدة الوطنية وتعزيز جانبها، وقد تجلت تلك الوحدة في الشعور المشترك بالبؤس والإحساس الكبير بالذل والهوان الذي يلقاه المناضلون في حياتهم اليومية([34])، وقد عبر عن هذه الحقيقة جملة من الأدباء إبداعاتهم الأدبية من بينها فن المقامة حيث اتخذوا من هذا الفن الأدبي وسائل للترفيه والتسلية والدعابة من جهة، وإلى تصوير حالهم ومعاناتهم من جهة أخرى، وأكاد اعتقد أن الأدب الثوري الذي انتجته سجون العدو ومعتقلاته هو أدب غزير المادة لأنه نتاج ظروف سياسية اتسمت بالعطاء السخي من أجل تحرير الجزائر، ومن ذلك الأدب كما قلنا المقامة التي صورها فيها الشيخ بن عتيق حالة أصحابه وما كانوا يعانون من بؤس وحرمان في المعتقلات الفرنسية، وكما هي عادة المقامة تجمع بين المتعة الأدبية، والتسلية والدعابة والفكاهة، والفائدة اللغوية؛ فيه تحتوي على جد القول وهزله، ورقيق اللفظ وجزله، وغرر البيان ودرره، وملح الأدب ونوادره...

     وهذه الآن مقتطفات من بعض النماذج للمقامة الثورية التي رأت النور في معتقلات العدو الفرنسي، وهي كلها للشيخ محمد الصالح بن عتيق.

 حديث الدلاعة لمحمد الصالح بن عتيق:

     ومما كان يقع من الدعابات وأنواع التسليات وهي كثيرة نذكر منها على سبيل المثال: "حديث الدلاعة" التي كتبت في 19/09/1956م: "لمّا انتظم جمعنا وكمل عددنا ولم يبق منا إلا من شذ وند، إذا بالأستاذ مصباح بطل الكفاح والإصلاح، يدخل وعلى شفتيه ابتسامة، وفوق رأسه منشفة وعمامة، يجيل بصره في الجماعة، يحمل نصف دلاعة يسترها تحت جناح البرنوس ويزفها كما تزف العروس، فاشرأبت إليها الأعناق وتطاولت إليها أنظار العشاق والتفّت الساق بالساق، فكان منهم قيس المجنون، وصاحب ولادة ابن زيدون، فأسرع إليها الأستاذ المجاجي([35]) وأخذها بين ذراعيه؛ وهو يناجي: أيتها الزائرة يا ابنة الكرام، كم لي من مثيلاتك ببلدة الأصنام، هجمتُ عليها تحت جناح الظلام، وهتكتُ سترها والناس نيام، ولثمت ثغرها وكتمت سرها، هل رأيتم أيها القوم بربكم أسعد من هذا اليوم؟ "دلاعة فتانة بدر الدجى منها خجل "آنسة من الأوانس، لا ترد أبدا يد لامس؛ توشحتْ بوشاح من الزبرجد وتكشفتْ عن جسد من العسجد، وافترت عن مثل العقيق، فسال لذلك لعاب ابن عتيق، ألم تروا إليها كيف عبق ريحها، وأحمر من الخفر وجهها، أشهدكم أني لمستهام بها طروب بقربها هي حق سيدة الفاكهة ونكتة السادة فيها تمنّع ودلال ولكنها حريصة على القرب والوصال، فيها شراسة وصدود وهي لطيفة الودود، فيها إعراض وجفاء وفيها إقبال ووفاء، ثم أخذ يشقها ويعانقها...»([36]).

حديث السردين لمحمد الصالح بن عتيق:

     كتبها الشيخ محمد الصالح بن عتيق حيث يقول:  كنت ذات يوم بمعتقل البرواقية سنة 16/05/1956م، انتظر الغداء، وقد لسعني الجوع لسعا، وانشق لهوله عقلي وفكري أعد له الثواني وأتطلع إلى الأواني، فإذا بها مملوءة مكرونة فلما رأيتها قلت: مالي ولهذه الملعونة المجنونة، فإني أكرهها، ولا أكاد أسيغها، ونهضت في الحين وهرعت إلى الكنتينة لعي أجد فيها من السردينة، ولما وصلت إليها وجدت جمعا من الشباب يقفون بالباب ثم دخلت ورميت ببصري وحدقت فلم أر فيها إلا حبات من الزيتون مبعثرة على الأخشاب كأنها خنافيس علاها التراب أو عتاريس بعثرتها الذئاب أو أحابش تراكم عليها الذباب، فعدت إلى البيت بخفي حنين لعلي أدرك من تلك بقية الآكلين، وأتناول منها لقمة أو لقمتين فما راعني إلا أنّ الأواني قد رُفعت وقُضي عليها وانتهت."([37])

 

 

مقامة حديث الشاي ونكهته والشراب وطعمه وذوقه:

     بعدما التأم الجمع في الحجرة رقم 3 بمعتقل بوسوى سنة 1958م حول شيخ الإصلاح الأستاذ مصباح، نهض كعادته يهيئ للأصحاب ما لذ وطاب، والشيخ من أكرم القوم جودا وأصلبهم عودا يمتاز بالكرم والسخاء، وبلعن البخل والبخلاء، فهو إذا آنس من نفسه القدرة، بادر إلى وضع القِدرة وجمع الإخوان على الخوان، واستقبلهم بالبشر والانبساط، ووضع لهم أفخر السماط، وجلسوا حوله محملقين، وإلى ما عليه مرنقين، وفي هذع المرن كان عليه إبريق من الشاه، تتلمظ له الأفواه والشفاه، وقد وضع عليه خرقة تستره... وبعد طول انتظار أحضر الكؤوس الكبار يصب فيها بإعزاز واستكبار، والقوم في طرب وانشراح...فما راعهم إلا اعتراض يصدر من الشيخ الياجوري ضد استعمال هذه الكؤوس الكبيرة التي لا يقرها النظام الاقتصادي الحديث فمما قرأناه في كتاب سارتر مثلا وفلسفة ماركس يجعل هذا من السرف، ويندرج في قائمة الترف وهذا كما تعلمون ينافي التعاليم الإسلامية، فتململ الشيخ مصباح، وتحرك لسانه وقال: بل إن هذا مباح ألم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: اسقني بالكبير والصغير ودع الماء وشربه للحمير..."([38])

الخاتمة

ختاما من خلال ما تقدم نجمل ما جاء في البحث من نتائج عامة تخص الأدب عموما بما فيها المقامة، فيما يلي:

ـ اهتمامات الأديب الجزائري كانت هي عالم الوطن وثورته، وعالم الأمة.

ـ تجاوز الأديب حدود الذاتية إلى عوالم الجماعة والانصهار في بوتقتها والتعبير عن حالها.

ـ جعل الأدب أدبا موجها توجيها توعويا، فكريا،محكوما بالتعاليم الإسلامية.

ـ إسهام الأدباء الجزائريين في إثراء الحركة الأدبية الجزائرية والعربية خلال فترة الثورة.

ـ استطاع الأديب الجزائري المزاوجة والتفاعل الفني بوساطة الإفادة من اللاحقين، وإفادة الجيل الذي لحق بهم.

ـ لم يكن الأدب في فترته هاته أدبا متعلقا بفنية الأديب، بقدر ما هو لصيق بمرحلة معينة.

ـ أدب الثورة مشحون بالمضمون النضالي، والتجربة الوطنية هكذا بدأ مسيرته، ولكنه لم يخلُ من ملامح قصصية وفنيات سردية.

ـ وبناء على ذلك نستطيع القول أن الأديب الجزائري في تلك الفترة استطاع أن يقيم شيئا من التوازن بين احتضان الثورة والتفاف الأدب حولها، ومساندة القضية الوطنية، وبين الملامح الفنية أو بعض ذلك.

ـ استطاع أدباء هذه المرحلة أن يؤسسوا للنثر الجزائري في مرحلة الثورة، بما في هذا النثر من فنون، فأقاموا الدعامات والركائز الأساسية للقصة القصيرة والرواية والمقامة مثلا.

ـ كانت الثورة المنهل الذي استقى منه الأديب الجزائري مادة أدبه بكل مقوماتها.

ـ استطاعت المقامة الثورية أن تأخذ بحقها في هذا الأدب الثوري على قلتها؛ فقد استطاعت أن تصور المعاناة والحرمان الذي عاشه الثوار داخل المعتقلات الاستدمارية.

الإحالات والهوامش:



[1] ــ ينظر: في الأدب الجزائري الحديث (النهضة الأدبية في الجزائر مؤثراتها ـ بداياتها ـ مراحلها)، محمد بن سمينة، الجزائر، 2003م، ص: 92.

[2] ــ نفسه، ص: 92.

[3] ــ ينظر: في الأدب الجزائري الحديث...، ص: 95.

[4] ــ ينظر: نفسه، ص: 95.

[5] ــ (1932م ـ 1999م) تقلد عدة منصب في الدولة الجزائرية المستقلة، من مؤلفاته: الشعر الجزائري الحديث، شعراء من الجزائر... (ينظر: قاموس الأدباء والعلماء المعاصرين، محمد بوزواوي، دار مدني للطباعة والنشر والتوزيع، د ط، د ت، ص: 128 ــ 129.)

[6] ــ هو مولود قاسم نايت بلقاسم من مواليد 1927م، ناضل في الأحزاب السياسية الوطنية قبل الثورة، كما شغل مناصب كبيرة في الدولة بعد الاستقلال كالسفارة والوزارة، له خمس مؤلفات أحدها بالألمانية والبقية بالعربية في مختلف المجالات اللغوية والثقافية وغيرهما.(ينظر: أعلام من المغرب العربي، محمد الصالح الصديق، موفم للنشر والتوزيع، الجزائر، د ط، 2000م، 3/1035 ـ 1068.)

[7] ــ من موليد سنة 1927م، من مؤلفاته: شخصيات ومواقف، بين الإفراط والتفريط... (ينظر: قاموس الأدباء والعلماء المعاصرين، ص: 82.)

[8] ــ من مواليد سنة 1930م من مؤلفاته: تحت الجسر المعلق، عروبة الجزائر عبر التاريخ... عُرِف عنه مناهضته لدعاة البربرية والفرنكوفونية (ينظر: قاموس الأدباء والعلماء المعاصرين، ص: 175.)

[9] ــ من مواليد 1933م، من مؤلفاته: ألوان، ألحان من قلبي، الكهوف المضيئة... يكتب شعرا يتراوح بين الجودة والضعف، تنقّل بين مناصب عدة من الصحافة والتعليم والتنشيط الثقافي...(ينظر: قاموس الأدباء والعلماء المعاصرين، ص: 173.)

[10]ــ من مواليد سنة 1931م، من مؤلفاته: ربيعي الجريح، ألوان من الجزائر... ويعد من أوائل ناظمي الشعر الحر بالجزائر (ينظر: قاموس الأدباء والعلماء المعاصرين، ص: 130.)

[11] ــ من مواليد 1930م، من مؤلفاته: الروابي الحمر... وهو عضو في اتحاد الكتاب الجزائريين. (قاموس الأدباء والعلماء المعاصرين، ص: 129.)

[12] ــ ينظر: في الأدب الجزائري الحديث، ص: 97.

[13] ــ نفسه، ص: 97.

[14] ــ ينظر: نفسه، ص: 97.

[15] ــ نفسه، ص: 98.

[16] ــ في الأدب الجزائري الحديث، ص: 98.

[17] ــ نفسه، ص: 99.

[18] ــ هو أحمد رضا حوحو(1911م ـ 1956م)، له أعمال قصصية كثيرة منها: غادة أم القرى، مع حمار الحكيم، صاحبة الوحي، وقصص أخرى... (معجم مشاهير المغاربة، بو عمران الشيخ وآخرون، منشورات جامعة الجزائر، 1995م، ص: 179 ــ183.)

[19] ــ نفسه، ص: 99.

[20] ــ ينظر: الأدب الجزائري المعاصر، محمد صالح الجابري، دار الجيل، ط: 01، 1426هـ ــ 2005م، ص:131 ــ 133.

[21] ــ القصة القصيرة في الأدب الجزائري المعاصر، عبد الله الركيبي، ص: 16.

[22] ــ نفسه، ص: 133.

[23] ــ تطور البنية الفنية في القصة الجزائرية المعاصرة، شريبط أحمد شريبط، من منشورات إتحاد الكتاب العرب، دمشق، د ط، 1998م، ص: 128.

[24] ــ المتخيل في الرواية الجزائرية من المتماثل إلى المختلف، آمنة بلعلى، دار الأمل للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، د ط، د ت، ص: 52.

[25] ــ ينظر: المتخيل في الرواية الجزائرية...، ص: 57.

[26] ــ ينظر: الأدب الجزائري المعاصر، ص: 133 ـ 134.

[27] ــ ينظر: نفسه، ص: 135.

[28] ــ نفسه، ص: 150.

[29] ــ نفسه، ص: 151.

[30]  ــ ينظر: فن المقامة في الأدب العربي الجزائري، عمر بن قينة، دار المعرفة الجزائر، د ط، د ت، ص: 11.

[31]  ــ منامات الوهراني ومقاماته ورسائله، ابن محرز الوهراني، تح: إبراهيم شعلان، ومحمد نغش، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، د ط، 1968م.

[32]  ــ فن المقامة في الأدب العربي الجزائري، ص: 20 ــ 21.

[33]  ــ نفسه، ص: 197 ــ 198.

[34] ــ الحياة الروحية في الثورة الجزائرية، محمد زروال، منشورات المتحف الوطني للمجاهد، د ط، 1994م، ص: 220.

[35] ــ هو الشيخ الطيب المجاجي دفين وهران.

[36] ــ بقية المقامة في: الحياة الروحية في الثورة الجزائرية، ص: 223 ــ 224.

[37]  ــ نفسه، ص: 224 ــ 225.

[38]  ــ المقامة بأكملها في: الحياة الروحية في الثورة الجزائرية، ص: 225 ــ 227.