ثورة التحرير الجزائرية

بوينو كريستيان مسار رجل ووقفة عز !

الطيب ولد العروسي

باريس

 

هناك مسارات إنسانية تبحث عن الحق والعدل وتدافع عنهما مهما كلفها الأمر، حتى وإن تطلب ذلك منها أن تضحي بنفسها من أجل القضايا العادلة ! وهناك مسارات غريبة جدا تسير في الاتجاه المعاكس للحق والعدالة !! ذلك كله  نراه مجسدا في الواقع الإنساني المأساوي الذي يمر بالعنف والدمار والخراب مثلما حدث في ثورة التحرير الجزائرية، التي ذهب ضحيتها مليون ونصف مليون شهيد من أبنائها الخيّرين البررة، الذين أحبوها لأنهم عاشوا فيها والتمسوا وقائعها وحللوها ففهموا الحقيقة بموضوعية ، وتلك حقيقة تجسّدت عند الكثير من الأوروبيين  الذين تعاطفوا مع الثورة ومع قيم التحرير ورفضوا المستعمر إيمانا بإنسانيتهم النبيلة المشبعة بمبادئ الأخوة والتسامح والحرية ومساندة الحركات التحررية في العالم .

ذلك ما نلمسه ونكتشفه لدى قراءتنا لكتاب السيد كريستيان بوونو* « Christian BUONO" ، الصادر في الجزائر، عن منشورات "أرك أونج  (Arkange في طبعته الثانية  (صدرت الطبعة الأولى في باريس)  وهو بعنوان : " زيتونة مكودة : جزائري من أصل أوروبي في حرب الجزائر « l’Olivier de Makouda : Un algérien de souche européenne dans la guerre d’Algérie »  ، تقع هذه الرواية- الشهادة في 123 صفحة، وقد كتب لها مقدمة  المناضل والمحلل السياسي "جيل بيرو Gilles Perrault "  المعروف بكتاباته ضد الاستعمار والاستغلال وبمواقفه الشجاعة، متبوعة بتقديم  للمناضل  السياسي المعروف "هنري أليغ Henri Alleg" الذي كان رئيس تحرير جريدة "الجزائر الجمهورية" الناطقة بلسان الحزب الشيوعي" وكلاهما يؤكد على إخلاص كريستيان في نضاله وحبه للجزائر، وعلى مواقفه الثابتة ضد الاستعمار الغاشم. ويلتقيان في تقييم واحد لهذه الشخصية الاستثنائية ويشددان  على "تواضعه الشديد وصدقه الكبير".  1.

والجدير بالذكر أن  "كريستيان كان صهرا للمناضل المعروف موريس أودان  ( Maurice AUDIN) متزوجا بأخته، وكان كريستيان يحارب على عدة جهات كفرنسي يساعد ويعمل كل ما في وسعه لتعيش الجزائر حرة مستقلة، وكان شيوعيا ،  فلم يكن محبوبا أو مقبولا من قبل الاستعمار الذي كان يرى في أمثاله رجال موسكو، وأن كل ما يقومون به هو من أجل موسكو  وليس من أجل فرنسا. مات صهره  موريس أودان  في ريعان شبابه تحت التعذيب و لم يتعد عمره  اثنين وعشرين  ربيعا.

أراد كريستيان من خلال هذه الشهادة أن يعيد الاعتبار لموريس أودان الذي كان السبب في إدخاله للحزب الشيوعي، وكان يمثل بالنسبة له "أخا ورفيقا وصهرا عزيزا" 2. عاش كريستيان المولود سنة 1923  جزءا من  طفولته وشبابه في الجزائر وتخرج من جامعة الجزائر  ثم اختار أن يكون معلما فتتقل في عدة مدن جزائرية. غير أن أحداث روايته هذه تبدأ من سنة 1955 من "مدينة مكودة" بالقرب من  تيزي وزو، منذ البداية يوضح بأن أصله الفرنسي الأوروبي لم يمنعه من أن يقف مع ثورة عادلة، مقتنعا بالانضمام إليها ومدافعا عن أهدافها، وهو يروي قناعته هذه عبر نص أدبي قسمه إلى 36 لوحة أو نصا يتراوح كل نص بين صفحة وأربع صفحات، إذ أن كل فصل يتمم الذي قبله. وتبدأ هذه النصوص بشهادة حول  وضع المدرسة التعيس و بؤس التلاميذ وفقرهم المدقع، وفقدان أبسط الأشياء التي يحتاجها المدرس والتلميذ من أجل سير الحياة الدراسية بشكل سليم.

كما تطرق في  النص الثاني  إلى  المفتش الذي زار المدرسة والقسم الذي كان يدرس فيه كريستيان دون أن يحرك إنسانيته وضع المدرسة ولا وضع التلاميذ، الذين كانوا يلقنوهم "التاريخ الرسمي بحكم أنه كان يخاطبهم بأنهم أولاد الغولوا"3. واضعا كلمة "غولوا" بين قوسين، وقد جاء هذا  المفتش وهو يعرف مسبقا نشاط  المدرس، بالتالي  لم يعره أي اهتمام مما آثار تساؤل التلاميذ حول هذا الشخص العجيب الغريب، أما النص الذي يليه فكان بعنوان " زيتونة مكودة" وهي شجرة بيع زيتونها وأنفقت  الفلوس لتهيئة قطعة أرض يستطيع التلاميذ أن يقوموا بتمارين رياضية وعلى رأسها كرة القدم.

 ويواصل المؤلف رسم  الصورة التي كانت تتجسد يوما بعد آخر عن الاستعمار، فكانت ثورة التحرير ما تزال في السنة الأولى من انطلاقها، وقد أخذ  الشيوعيون ينتظمون على مسمع ومرأى من السلطة الحاكمة، إذ جرت انتخابات في البلدة وحصل الشيوعيون على سبعة أصوات، مما يدل على وجود نواة شيوعية من الفرنسيين والجزائريين،  وأن هذه النواة جندت في الخفاء لخدمة الثورة في البداية، غير أن السلطة كانت ترصد تحركات كل فرد من أفرادها. ويروي الكاتب، أي البطل كريستيان، أنه ذات مرة  كان أمام المدرسة وإذ بشاحنة عسكرية  تتوقف ويترجل  منها عسكري شديد العطش ، اتجه نحو الحنفية التي كانت موجودة بالقرب من كريستيان، فطلب من العسكري أن لا يشرب منها، غير أنه لم يبال بهذا التنبيه وقال:

 "لعن الله هذه الحروب القذرة التي نخوضها من أجل الاستعمار..جيش البؤس..ماذا نفعل ونحن نمر من هنا عدة مرات في اليوم ، إنهم يأخذون المجاهدين كأوغاد" ثم صعد إلى  الشاحنة حين ناداه مسئوله بصوت عال". 4.

هذه الأحداث وغيرها قوت عزيمة كريستيان في الاستمرار في نضاله، فهو يحدثنا مثلا عن صهره موريس أودان الذي كان أستاذا للرياضيات ويعالج المشكلات التي تتعرض  لها الجامعة آنذاك، إذ يلاحظ أن هناك انقسامات بين الطلبة والأساتذة الذين كانوا في أغلبهم يساندون الاستعمار. ورغم ذلك فهناك من كان ضد هذا الوجود الفرنسي الاستعماري وعلى رأسهم موسى ودليلة ، وكان  موريس أودان يوصيه دائما  بأن يكون حذرا ، لأن كريستيان راح يواصل عمله كمناضل و يتصل بالرفاق ويحمل لهم الرسائل ويؤويهم في بيته ويوصل لهم الأمانات.

يروي كريستيان  تصاعد الأعمال التخريبية التي كان يقوم بها من أتى  "لتحضير الشعوب" بالرصاص والاستغلال البشع، هذا العمل الذي يندى  له الجبين ويحار له العقل البشري، حتى أن زميلا له في العمل كان يحييه على عمله، لكنه لم يكن يتفق معه عندما كان يتكلم عن "القضية الجزائرية "5. الذي يعتبر أنه غير مطروح أساسا، يقول الكاتب إن هذا الزميل "عرف مع الأيام ما كنت أتكلم عنه وعن موريس أودان الذي كنت دائم التحدث عنه" وعن التنظيم الشيوعي المحاصر من طرف الاستعماريين ومنظماتهم الرهيبة، والتي كانت تتبع خطواتهم وتعاملهم "مثلما تعامل المجاهدين الجزائريين"6 ، بل ربما بطريقة أفظع لأن هؤلاء الأوروبيين المناضلين في الحزب الشيوعي "أحسوا بواجبهم " وبالدفاع عن آرائهم ومعتقداتهم على الحق، وهنا بدأ كريستيان تنقله بين الجزائر العاصمة وبعض المدن الجزائرية، ويروي أنه بعد أن غير مكان سكنه  مع زوجته وأولاده في الجزائر، جاءته الشرطة في الهزيع الأخير من الليل، بعد أن كتب منشورا بعنوان "...لا نذهب ولا نكون أجانب" 7. حث فيه الشيوعيين على أداء واجبهم وعلى  الدفاع على  الجزائر والجزائريين، وراح  يكشف فيه ألاعيب الاستعمار وبطشه، ويرى  بأن الحل الوحيد هو عودة الأرض لأصحابها ورحيل هؤلاء المعمرين منها، لأن لا مكان لهم في أرض يحرمون أصحابها منها، وطالب "الحرية واستقلال الجزائر" وأن الشيوعية هي ضد الظلم والاستغلال الطبقي  ومع  المساواة والعدالة والحق.

بعد هذه الزيارة الليلية بدأت رحلة أخرى، إذ اقتيد إلى سجن "بربروس" بالجزائر العاصمة، وأن الملازم الذي أوقفه ويدعى "فالبيرغValberg" "كان قد أصيب في حرب الهند الصينية وكان يقول وهو يقتاد كريستيان نحو السيارة "7. إن العرب وأصدقاءهم سيدفعون الثمن غاليا مكان الهند الصينية"8 . وعندما فتشوا البيت عثروا على وثائق مهمة فصرخ العسكري قائلا  "عثرت على كنز موسكو"9.  كما قبض على الزوجة وبحوزتها مبلغ من المال، اعتبره  العسكري "مال الفرنسيين" لكن  الزوجة دافعت عن نفسها ببسالة قائلة بأن هذا المبلغ هو من ثمرة عملها هي وزوجها،  مما فاجأ العسكري الذي قال لكريستيان " أنت وغد، كيف، عندك امرأة.معلمة، وسيارة وثلاجة وتعمل مع العرب ؟"10.

 طلب السجين السماح له بأن يقبل أولاده النائمين، وإذ بالشرطي يقول له  "ودعهم لن تراهم بعد اليوم" لكن زوجته "شارلي" 11. صاحت فيه وقالت له لا تهتم أنا أتكفل بالأولاد إلى اللقاء. وهنا دفع به الشرطي داخل السيارة وعصب  عينيه، و راح كريستيان يفكر في من وراء هذه العملية ومن أعطى للشرطة إمكانية القبض عليه. " إذ ربما كان هناك رفيق  لم يستطع تحمل العذاب قد دلهم على  مكان وجوده" 12.  ثم يتكلم عن موريس أودان الذي توفي تحت التعذيب ولم يعثر  على جسده ، وكان ذلك في شهر حزيران/ جوان 1957 بالقرب من الجامعة المركزية.

يمر السجين بمراحل عذاب فردية  وجماعية رهيبة، إذ راح مثلا بعض الشرطة يخترعون قصصا حول تعذيب أسرته وأولاده لكي يحطموا معنوياته، كما كان يمر بفترات تعذيب جسدية رهيبة وغير إنسانية ليرغمه جلادوه على  أن يدلهم على أماكن وجود الرفاق والاعتراف، كما كانوا يقومون بقتل بعض السجناء المحكوم عليهم بالإعدام على مسمع ومرأى من رفاقهم ، وكان السجناء من كل مكان يرفعون أصواتهم بأناشيد النصر باللغة العربية أو الفرنسية، ليرفعوا  معنويات الذين كانوا يساقون إلى  الإعدام، وضع كريستيان  في حجرة وسخة صغيرة لا يوجد فيها أبسط مراعاة روح  الإنسانية ، التحق به في شهر أغسطس/  أوت 1957 رفيقاه هنري أليغ وموريس، في الزنزانة نفسها، حيث عكف هنري أليغ على الكتابة  في السجن، واستطاع أن يهرب مخطوطته بعدما انتهى منها عن طريق بعض الرفاق ونشرت في باريس عن منشورات "لوساي" تحت عنوان "المسألة  أو القضية " إذ حركت ضمير بعض المثقفين الفرنسيين ولاقت انتشارا كبيرا مما جعل  بعض المحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان يهتمون أكثر بسجناء الحرب وبالسجناء السياسيين في الجزائر.

كان كريستيان في الزنزانة رقم 72 ويحمل رقم السجين 1248، شجاعته وثباته وقد لفتت انتباه الحراس وبعض السجانين، إذ اقترب منه أحدهم وقال له 'إنني ضد الشيوعية، ولكنني أحترمك"  13، وتوالت الأيام وظل كريستيان صامدا حتى أتى شهر نوفمبر 1957 إذ نقل مع بعض السجناء إلى سجن الحراش الكبير. وكان التعذيب قد سبب له تعبا في عينيه، حتى غدا لا يبصر بوضوح  . وفي الحراش وجد نفسه في مكان أهدأ نبسيا،  فكان بوسعه أن يخرج إلى ساحة السجن ويحكي مع السجناء، وقدم نقدا لاذعا للحزب الاشتراكي الذي كان في الحكم وزكى بصمته ما يجري في الجزائر من تعذيب وقتل، وعندما وصل  الجنرال ديغول إلى سدة الحكم غير من بعض المعاملات في السجون، مما أعاد الثقة لبعض السجناء في إمكانية الدفاع عن أنفسهم وبحلمهم بأن تصبح "الجزائر حرة مستقلة فعلا ".

تدهورت صحة كريستيان فنقل إلى مخيم "لودي" القريب من مدينة المدية الذي يقول عنه بأنه كان تقريبا وهو  بمثابة مجمّع للشيوعيين الذين عذبوا في السجون، وكان منهم العالم والمؤرخ وعالم الاجتماع، لكن وضع كريستيان الصحي زاد سوءا مما دفع بالمسئولين عن المخيم لتحريره ولكن بشروط كثيرة من بينها لزوم بيته وعدم الخروج من العاصمة، طلب منه التوقيع على هذه الشروط ففعل  بعد أن وافق رفاقه، ويقول حينما عاد إلى بيته ذات يوم من أيام شهر نوفمبر 1959 "كان يوما رائعا من أيام الخريف. تركتني الشرطة في المدية..وكنت مترددا بين أن آخذ  القطار أو سيارة أجرة..كنت لا أملك أي سنتيم ، لم يكن عندي حل  آخر إلا تأدية ثمن السفر عند وصولي البيت"15،  كما وصف وصوله إلى البيت وسعادة زوجته وأولاده الذين كبروا، كما استقبلا بالترحاب من قبل جيرانه و تلاميذه الذين بدؤوا ينادونه "بالمجاهد" وكانت هذه الوقائع تختلط عنده بذكرياته في السجون وفي النضال. ورغم أن بعض زملائه شجعوه على الفرار لأن الحكم القضائي الذي ينتظره سيكون قاسيا عليه، فأنه قرر البقاء مع أهله وأولاده خاصة وأنه كان في "عطلة" مرضية، كما طالب أن يرجع إلى عمله وذلك ما تحقق له، غير أن الرياح جرت بما لا تشتهيه السفن، إذ استدعته المحكمة وحكمت عليه بخمس سنوات سجن خفضت  إلى ثلاث سنوات بعد تدخل المحامي.

أثناء المحاكمة سأله رئيس المحكمة إن كان لديه ما يقول فأجاب بصوت عال: "تحيى الجزائر حرة مستقلة" 16.  فاضطربت القاعة وواصل يهتف:  "تحيى الجزائر حرة مستقلة" ثم طلب المحامي من كريستيان أن يوقع على الاستئناف مما ترك له بعض الوقت، وكانت تلك خدعة قانونية وجدها المحامي. وحينما خرج من المحكمة اتصل ببعض رفاقه في العاصمة فأخذوه إلى مكان ما بالجزائر ليدخل حياة السرية، حيث كان يساعد رفاقه في كتابة أدبيات الحزب ووضع العناوين على الأغلفة المرسلة  للمناضلين ، ويعيش إما وحيدا أو مع رفيق أو رفيقين . عاش كريستيان في ظروف عصيبة مفعمة  بالبؤس والأمل، وما كان يهمه  هو "الحرية للجزائر" والحرية للسجناء" وللذين يعيشون في السر والخفاء مثله.

ومع مرور الأيام وتفاني المجاهدين في الجبال والمدن والأرياف في الدفاع عن الحرية والاستقلال، راح الاستعمار يتبدد يوما بعد آخر، وبدأت بوادر الأمل تبزغ في أرض الجزائر وأصبح الاستقلال الذي لا مفر منه قريبا، غير أن "المنظمة السرية"  ( OAS)التي كونها بعض الجنرالات والعسكر الفرنسيين  بدأت تقوم بأعمال قتل وتدافع عن "الجزائر فرنسية" فوقعت الكثير من التجاوزات، وتم قتل الكثير من الجزائريين ومن مسانديهم،  فقد أظهر أعضاء المنظمة "حقدهم الدفين تجاه الشيوعيين" وزرعوا الرعب سواء في الأحياء الأوروبية أو الأحياء العربية ، فعم الخوف وأقفرت الشوارع .

كان كريستيان يخرج  من حين لآخر إلى الشارع إما لإيصال بعض الأشياء أو لقضاء بعض الأمور، وكان سائرا  بالقرب من البريد المركزي ذات يوم، عندما رأى  والد زوجته فوصف في كتابه مشاعره في تلك اللحظة الإنسانية الفياضة:

"ذات يوم جميل من شهر أيار/ مايو 1962 حوالي الساعة الواحدة، حينما كان القليل من الناس يمشون في الشارع، رأيت لويس أبو زوجتي "حماي" يمشي بتؤدة باتجاه البريد المركزي حيث يشتغل، يسير وهو متعب بعد ثلاثين عاما من العمل المضني، ويمشي بصعوبة،  مسكين لويس لم تكن الحياة سهلة معه..فبعد أن عرف اليتم وطفولة شاقة وصعبة ، ها أنتذا تضيع ولدين عند نشأتهم وبعد ذلك موريس الذي توفي معذبا بأيدي المظلين ..كما أنك ترى ابنتك في كآبة مستمرة مع أولادها، هذا الصهر  الذي يحبك كثيرا ولكنه لا يعمل أي شيء مثل الآخرين" إنه إحساس بالغ الإنسانية، وأن الحياة في الظل أو السر في كل لحظة يتقلب "عنها الأمل وتصبح ثروة". 17.

بزغ فجر الاستقلال يوم  5 يوليو / تموز وخرج  كريستيان من هذه الحياة ليلتحق بأهله، ويصف عودة الأمل والحرية للشارع الجزائري، وهو يصف فرحة الجزائريين بالاستقلال، وعن مجيء بن بلة إلى حيهم، وكيف استقبلته حشود الجزائريين،  وأنه أعلن السير في طريق الاشتراكية والتسيير الذاتي مما دفع بكريستيان ورفاقه لمواصلة كفاحكم وأعادوا إحياء جريدة "الجزائر الجمهورية" التي راح يشرف على توزيعها في عدة أماكن من الجزائر العاصمة، كما صدرت جريدة الشعب بعدها بشهور، وذات يوم زار بن بلة المدرسة التي كان يعمل فيها كريستيان رأى بأنه لا يوجد بها مطعم مدرسي فأمر ببنائه ووعد بأنه سيعود لافتتاحه وفي موعد  التدشين كان بن بلة على موعد مع "سفير أمريكا فألغى موعده معه وأتي  ليشاركنا  الفرحة "18.  وعرفت الجزائر عودة الهدوء وحل الفرح محل الألم، كما تطرق كريستيان إلى لقاءاته مع بعض رفاقه ومع مجموعة من السجناء ، إضافة إلى ثلة من  تلاميذه الذين أصبحوا مسئولين في العديد من  القطاعات. كما عرف بعد الاستقلال بأن الكثير منهم  استشهدوا في سبيل أن تعيش الجزائر حرة مستقلة.  علاوة على وصفه لفرح الناس بمجيء الاستقلال واندفاعهم لخدمة بلدهم، أكد على إعطاء اللغة العربية مكانتها ، حيث جيء بمجموعة من الأساتذة "من بين معلمي اللغة العربية الوافدين من المشرق، استقبلت مدرسة البنات منصور الفلسطيني. هو رجل نحيف طويل القامة، ذو نظر ثاقب وكلام مسعور، وكان لدى الجميع رمزا لمأساة شعب حرم من أرضه..." 19.

هذه اللقاءات المختلفة كانت تزيده فخرا واطمئنانا، لأنه وصل إلى نتيجة مفادها أن الكفاح كان هو الحل، فواصل نضاله في الحزب الشيوعي متصرفا كجزائري ، اختار البقاء في الجزائر بعد استقلالها  ، لكن انقلاب 1965 غير مساره، إذ داهمته  الشرطة  بعد اليوم الثاني من الانقلاب بتهمه  مشاركة أولاده في مظاهرات ضد النظام الجديد مما دفع به إلى التفكير في مغادرة بلده الجزائر التي دفع من أجلها الكثير سواء بوفاة أناس من أسرته أو رفاقه أو هدر صحته، فانتقل إلى مدينة أرجونتاي Argenteuil  في ضواحي باريس حيث عاش مع أولاده حتى وفاته ، وكان هذا الانتقال صعبا عليه وعلى أولاده الذين راحوا يتساءلون عن سبب تركهم لبلدهم، كما واصل كريستيان الاهتمام بكل الأحداث التي عرفتها الجزائر وراح  يعيش على أمل  العودة إليها مع وأولاده.

يصف السيد بوينو هذه الأوامر بترك البلد الذي ضحى من أجله قائلا:

 "على الساعة الثانية صباحا، وفي جو أقل أخوية، فوجئت بزيارة ثلاثة رجال للدرك ومعهم ضابطهم " 20.

وجد نفسه متهما بأشياء لا علاقة  له بها، وأعطيت له الأوامر بترك البلد في أسرع وقت لأنه يعمل ضد مصلحة الجزائر .

فراح يتساءل مرددا " من أنت بالضبط؟ جزائري أم فرنسي؟ (بقيت في حيرة: فرنسي معناه الطرد وجزائري معناه السجن، ما العمل؟)

- تعرفون جيدا أني جزائري.

- طيب...

- أنت تحت أعيننا. سنعود مرة أخرى. إذا واصلت التحرك، ستدفع الثمن؛ تعرف ماذا ينتظرك. سنعود.." 21.

بقي كريستيان على علاقة برفاقه الذين بقوا في الجزائر أو الذين أجبروا على مغادرتها، وظل يراسل جيرانه وأحبابه وتلامذته الذين لا يتوانون عن زيارته عندما يمرون بباريس وهو يسألهم عن البلد وأهلها وعن زملائهم، كما ظل محافظا على أوراقه كجزائري حتى سنة 1967، ثم أخذ الجنسية الفرنسية ، لكنه بقي  محتفظا بالجنسية الجزائرية التي تعتبر بالنسبة إليه مصدر  افتخار وسعادة، فهو ليس نادما  على ما قام به، بل كان يشعر  بأنه قام بواجبه ضد الفاشية والاستعمار .، في حلقة من حلقات الكفاح المتمثلة في ثورة التحرير الجزائرية، وهو الأوروبي الذي اختار مع عائلته الانضمام إلى الجانب الجزائري، فهو صاحب مسار استثنائي يكشف في كتابه هذا الذي يقول عنه هنري أليغ في تقديمه : " إن كريستيان وزوجته شارلي كانا مقتنعين بانضمامهما إلى ثورة التحرير، وكان اختيارهما طبيعيا وتلقائيا كاختيارهما لمهنة التدريس. ليس من أجل تعليم الأطفال القراءة والكتابة فحسب بل حتى يصبحوا رجالا ونساء أحرارا في جزائر جديدة." 21.

أما جيل بيرو فيقول في مقدمته إن السيد كريستيان " لا يحب أن يمجد تاريخه ، هل يمكن أن نقول له أننا نحبه لأنه لم يتغير من أجل الحاضر والمستقبل؟  أنني أشكر الكاتب الذي أتاح لي أن أضع هذه المقدمة المتواضعة. إنه لشرف كبير لي أن أضع اسمي بجانبي اسمه واسم هنري أليغ على نفس غلاف الكتاب، وكأنه يستقبلني في زنزانته رقم 72 في سجن بربروس في الجزائر العاصمة وفي فضاء "لا تتجاوز مساحته نلك المخصصة لركاب في قطار قديم حيث كان شرف فرنسا مسجونا". 22.

إن شهادتي هذين الرجلين المهمين تبينان  أن السيد بوينو كريستيان قد أدى جزءا من واجبه نحو الجزائر التي  عاش فيها وأحبها كثيرا، وانطلاقا من مبادئ تؤمن بسعادة وحرية الإنسان أينما كان. رغم أنه لم ينعم بالاستقلال كما كان يريد لأنه اضطر إلى مغادرة بلده وكان هذه المرة يكتوي بظلم ذوي القربى "الأشد مضاضة *** على النفس من وقع الحسام المهنّد " كما قال طرفة بن العبد في معلقته المشهورة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المراجع :

 

 

*- توفي المناضل كريستيان بوينو يوم الأحد 20 مايو بمنزله بضواحي باريس، عن عمر يناهز 88 سنة، الكل يشهد له بالاعتدال والنزاهة والتواضع الشديد. ويجمع على أنه كان يحمل كرها شديدا للقمع الأوروبي، ولد عام 1923 بمدينة سكيكدة، حيث كانت تسكن  أسرته ، تزوج بالسيدة شارليي، أخت المناضل الشهيد موريس أوان عام 1947، كان أبا لستة أولاد وبنات، تفتخر ابنته جانفياف بجزائريتها وبأنها نالت الشهادة الابتدائية باللغة العربية قبل التحاقها مع عائلتها مجبرين لا أبطالا بفرنسا،  تخرج المناضل بوينو من مدرسة المعلمين ببوزريعة، ثم عين مدرسا في منطقة  القبائل، كما نقل  إلى عدة بلديات جزائرية، عرف أيضا بإسهاماته المتميزة  في ميدان التربية والتعليم، وكان منذ البداية من المدافعين عن استقلال الجزائر.

 

1-    l’Olivier de Makouda ( Un algérien de souche européenne dans la guerre d’Algérie » / de Christian BUONO.- Paris : Tirésias Livres en français.- 1991. page c.

 

2-   Idem, page 19.

 

3-   Idem, page 4

 

4-   Idem, page 16

 

5-   Idem, page c.

 

6-   Idem, page 17

 

7-   Idem, page 18

 

8-   Idem, page 31

 

9-   Idem, page 32

 

10-              idem, page 32

 

11-              idem, page 33

 

12-              idem, page 34

 

13-              idem, page 34

 

14-              idem, page 44

 

15-              idem, page 51

 

16-              idem, page 61

 

17-              idem, page 76

 

18-              idem, page 87

 

19-              idem, page 88

 

20-              idem, page 89

 

21-              idem, page 99

 

22-              idem, page 99

 

23-              idem, page c

 

24-              idem, page 8