الخطاب ومقاصده

في كتاب "عشت مع ثوار الجزائر"

سعد زغلول فؤاد

زردومـــي اسماعيل

    جامعة باتنة

استقطبت الثورة الجزائرية العالم في حينها لما لها من دور في إذكاء روح التحرر من ربقة الاستعمار القديم وقد شمل هذا الاستقطاب الشقيق والصديق والقريب والبعيد وكل مناصري الحق والعدل في العالم  ومن بين هؤلاء الكاتب المناضل   سعد زغلول فؤاد

1- تعريف بالكاتب :صحفي مصري ومناضل جوال حارب في صفوف الفدائيين المصريين ضد الوجود البريطاني في مصر وشارك الفلسطينيين في محنهم ،عرفته معظم المعتقلات المصرية والعربية الأخرى،تخرج من الجامعة الأميركية في الصحافة .

  أثناء الثورة الجزائرية الكبرى كان يعمل صحفيا في " روز اليوسف"أرسل إلى الجزائر للتغطية الإعلامية فالتقى بمندوب الثورة في ليبيا ومن خلاله التحق بالمنطقة الشرقية في سوق أهراس زار الجزائر مرتين : الأولى في 1956،والثانية في 1957.وحين يرجع إلى مصر يتحدث عن المعارك التي رآها وشارك فيها ،ويسرد وثائق حضر تحريرها وروى وقائع و استمع إلى شهادة أبطالها وهم يحكونها ،له كتب كثيرة منها كتاب " عشت مع ثوار الجزائر " توفي يوم الاثنين 7/9/2009م عن عمر يناهز 85سنة

2-تعريف بالكتاب :قع الكتاب في "320" صفحة من الحجم المتوسط طبع بدار العلم للملايين بيروت سنة 1960.وهو مقسم ثلاثة أقسام،تناول في الأول معاناة الشعب الجزائري تحت نير الاستعمار زمن المقاومة الشعبية و ميلاد الحركة السياسية قبل الثورة.فأشار إلى ما كانت تقوم به فرنسا من تجهيل وإفقار ومصادرات الأملاك  وإبادة جماعية للشعب ألجزائري وقدم صورا بالغة التأثير حول معاناة الأبرياء في بلادهم التي حرموا من خيراتها كما أشار إلى مقاومة الشعب الباسلة المستمرة والتضحيات الثمينة المقدمة منذ بدء الاحتلال حتى توجت الجهود  بالثروة التحريرية المباركة 1954م

وفي القسم الثاني تناول مشاهداته المباشرة للثورة والثوار وقد حضر عن قرب مؤتمر الصومام وذكر ما انبثق عنه من لوائح وتنظيمات ولم يفته أن يظهر للعالم أن الثورة الجزائرية على مستوى عال من التنظيم في المجال السياسي والعسكري والقضائي والصحي والمالي فضلا عن جهود التعبئة العامة والاستعلامات خلافا لما تدعيه فرنسا ووسائل إعلامها ،كما فضح جرائم المستعمر وإدعاءاته فروى كثيرا من أخبار الإعدام العشوائي وفضائح العرض والشرف وتخريب القرى وإبادة أهلها إلى جانب التعذيب الوحشي الممارس على الأبرياء والأسرى على حد سواء.

أما القسم الثالث فخصصه لمشروع ديغول وسقوط الجمهورية الرابعة ،وما قام به الثوار على المستوى السياسي والعسكري لإحباط مخططات المستعمر ومؤامراته الداخلية والخارجية.

3-بنية الكتاب:

  يشتمل الكتاب على مقدمة بقلم أحمد بهاء الدين متبوعة بكلمة مركزة للمؤلف ثم شهادة من جيش التحرير الجزائري موقعة من قبل قائد منطقة سوق اهراس مؤرخة في : 02 نوفمبر 1956.ومختومة بختم جيش وجبهة التحرير الوطني الجزائري.

القسم الأول: وعنونه بخرافة: الجزائر قسم من فرنسا

ويمكن أن نقرأ فيه الوحدات التالية

  • مزاعم فرنسا حول رسالتها الحضارية في البلاد المستعمرة.
  • أوضاع الشعب الجزائري المزرية نتيجة الاستعمار.
  • مقاومة الشعب الجزائري للمغتصبين.
  • معاناتهم للفقر والعري والجوع والجهل
  • طبيعة الحكم الفرنسي في الجزائر
  • "السلب والنهب ومصادرة الأملاك"
  • المقاومة المسلحة مستمرة على مدى 58عاما
  • المقاومة السياسية.

القسم الثاني: وعنونه بـ: قصة الثورة الحاضرة

ويمكن أن نقرأ فيه الوحدات اتالية :

  • أحداث 8 ماي 1945.
  • الجيش السري
  • الجمعية الثورية للكفاح الوطني "لوس ".
  • مولد جبهة التحرير.
  • ساعة الصفر من أول نوفمبر 54.
  • دستور الثورة
  • مؤتمر الصومام.
  • الجبهة ومؤامرات أمريكا.

 

 

نظرية الثورة الشاملة:

  • جيش الثورة – جيش نظامي -.
  • فدائيون ونظاميون.
  • أبطال الكومندوس.
  • محاكم عسكرية.
  • مخابرات وبوليس حربي.
  • مستشقيات سرية.الاعدام للخونة
  • اعتقال ا بن بله ومن معه.
  • أثر العدوان الثلاثي على مصر في الجزائر.
  • معارك عيد الثورة.غنائم في ثلث الساعة.

فضائع الفرنسيين:

  • التشريد وهدم القرى والمداشر
  • التعذيب بالكهرباء والنار
  • الإعدام العشوائي للأسرى والمدنيين
  • السلب والنهب والاعتداءات اللا أخلاقية
  • الغازات الخانقة والضمير الانساني

القسم الثالث:" سقوط الجمهورية الرابعة،

  • إعلان الحكومة الجزائرية المؤقتة "
  • التجاوب العالمي مع الثورة الجزائرية.
  • قيام الحكومة المؤقتة.

أعمال ديغول:

  • أعمال شال.
  • تقرير المصير.
  • مؤامرات ديغول وفشلها.
  • جرائم الحرب.

بقراءة سريعة للخطاب المقدم في كتاب " عشت مع ثوار الجزائر" يتبين لنا صراع بين إرادتين وقوتين غير متكافئتين، يجري الصراع على مستويات مختلفة اقتصادية بالدرجة الأولى،ثم على المستوى العسكري الذي يحقق المصالح الاقتصادية،ثم على المستوى الثقافي لإيجاد مبررات واهية لتخدير الشعوب كعادة المستعمر في كل مكان.

 يمكننا أن نقرأ خطاب كتاب " عشت مع ثوار الجزائر" باعتباره ردا على أسئلة وأجوبة يروج لها المستعمر

 القسم الأول: هل هناك هوية جزائرية وشخصية متميزة؟

القسم الثاني: ماذا يجري في الجزائر إبان الثورة التحريرية، وبأي نظام يواحه الشعب الجزائري عدوه؟ماهي جرائم فرنسا في الجزائر

أما القسم الثالث: فهو إجابة عن سؤال ماهي المؤامرات السياسية التي يحيكها ديغول وكيف واجهتها الثورة التحريرية؟.

4ا- مقاصد الخطاب: القصد هو النية

والمقاصد بوجه عام تدور "على بلورة المعنى كما هو عند المرسلي إذ يستلزم منه مراعاة التعبير عن قصده وانتخاب الاستراتيجية التي تتكفل بنقله مع مراعاة العناصر السياقية " [1] وحينما يرسل الكاتب خطابا مثل "عشت مع ثوار الجزائر" فإنه لا يقصد تاريخ الجزائر بقدر مايقصد وظائف إعلامية تنبيهية حججية تبني خطابا بديلا للخطاب الاستعماري .

ويصعب أن نتعرض لكل مقاصد الكتاب لكثرتها وتنوعها وسنكتفي ببعض ماله دلالات عميقة حسب رؤيتنا للموضوع وحسب ما يتناسب وأهداف هذا الملتقى

أ/مزاعم المستعمر والهوية الوطنية

    يعرف الاستعمار بأنه: " غزو أراض شعب آخر والسيطرة على ممتلكاته "[2]

ومن طبيعة المستعمر حين يضم بلاد غيره ويبسط عليها يديه،أن يبدأ في اخترق جملة من الأساطير والخرافات قصد تنويم الأهالي ولو إلى حين..من ذلك الادعاء بتنظيم البلاد بعد ان كانت تعيش نوعا من الفوضى البدائية،وجعل السكان يعيشون في حرية وينعمون بالعدل،و في المقابل يبرر الثنائيات الزائفة التي تزعم أن المستعمر أرفع مقاما وحضارة من المستعمرين –ومن هذه التصريحات الفرنسية قول ميتران في باتنة يوم 5 نوفمبر 1954 حين كان يشغل وزير الداخلية " الجزائر هي فرنسا "، وتصريح شمبيكس وزير الدولة للشؤون الجزائرية في أول ماي 1956 "لا يمكن الاعتراف بالقومية الجزائرية المزعومة،فالجزائر فرنسية وستظل كذلك "لم تكن هناك حقيقة قومية بالجزائر عام 1830،وإنما كان الركود السياسي والاقتصادي والثقافي.."[3]

   إن الاستعمار حين يتمكن من أرض ما يعيد تشكيل التاريخ وطبيعة السكان والعمران والاقتصاد والثقافة وفق أهدافه الاستعمارية ووفق ما يخدم رؤاه السياسية بحيث تصبح المجموعات البشرية والموارد الطبيعية معينا لا ينضب في خدمة الاستعمار ومن وراءه من الرأسماليين والاحتكاريين.

وفي هذا الاطار وجد المؤلف نفسه في أمس الحاجة إلى تقديم القسم الأول للتذكير بأن الجزائر ليست وليدة الاستعمار بل هي ضاربة في أعماق التاريخ قبل فرنسا نفسها ذلك " أن الشخصية الجزائرية قد وجدت قبل شخصيات كثير من الدول التي كانت تنعت هذا الشعب بأنه لم تكن له شخصية مدى التاريخ،وفي مقدمة هذه الدول فرنسا الاستعمارية"[4]

إن الفرنسيين حين يختلقون الخرافات يعلمون يقينا أن ذلك كذب ولكنهم يصرحون به بلا خجل.

إن فرنسا وبمجرد استيلائها على الجزائر بذلت ما في وسعها لمحو الثقافة،ومعالم الهوية الجزائرية المتميزة،ومن ذلك ما كتبه الكومندان "رين " في مذكراته المنشورة بباريس عقب الغزو الفرنسي " لقد جاء الغزو الفرنسي للجزائر نكبة قاضية على أهل البلاد... فلم يبق الغزاة على شيء من أماكن التعليم والعبادة فقد استولوا على تلك الأماكن وعاثوا فيها فسادا"[5]. ولم يكتف الغزاة بذلك فأحرقوا الكتب العلمية أو غيبوها،وشردوا الأهالي،وصادروا الأملاك وأبادوا الجماعات إثر الجماعات،ومن أهم المكتبات التي اعترف الغزاة بحرقها مكتبة الأمير عبد القادر قال"آزان":" لقد استولينا على قصر الأمير عبد القادر وأشعل الجنود النار في مكتبته التي كانت تحتوي على مئات الآلاف من المجلدات العلمية الثمينة وجعلوها أثرا بعد عين"[6]

والواقع أن المستعمرين الأوروبيين متفقون على أكذوبتهم الأولى التي مفادها "الاستعمار ذاته هو انتصار للعلم والعقل على الخرافة"،وعلم الشعوب والأمم الخاضعة للاستعمار،علم غير عقلي مبني على الخرافات وبلا منهج مسطر "والعلم الأوربي وحده هو المؤدي إلى التقدم " ولكن الشعب الجزائري الذي كانت نسبة الأمية عام 1830 حين دخلت جيوش " أصحاب رسالة التقدم والتعليم " سوى 14 بالمائة وبعد قرن وربع من مجهودات فرنسا بالجزائر أصبحت الأمية بالجزائر 92 بالمائة  عام 1955...[7]

الاستعمار الفرنسي في الجزائر ينظر إلى الانسان باعتباره شيئا يوظف في خدمة الأوروبيين في الجزائر وفي فرنسا باعتباره عاملا يوميا في الأراضي المغتصبة من ملاكها،أو في المعامل الفرنسية بأجور زهيدة،وذلك أن الاستعمار "يجعل المال والسلع تحل محل العلاقات الانسانية ومحل الناس ويسلب الناس جوهرهم الانساني ويقيمهم كأشياء[8] في خدمته فقط،بل إن النظرة العنصرية واضحة من خلال ما ينفق على مدارس أبناء الأوروبيين ومدارس أبناء الأهالي.

" ومن ذلك نرى أن حكومة فرنسا قد خصصت من ميزانية الجزائر مبلغا ضخما ينفق على أعمال القهر والقمع والإرهاب البوليسي للوطنيين،وقد فاق بثلاثة أضعاف ما أنفق على تعليم أبناء البلاد..على أن هذا المبلغ قد اختفى تماما من ميزانيات 55-1956.حيث أغلق الاستعمار جميع المدارس الجزائرية،وحولها إلى ثكنات عسكرية تنشر الموت على الشعب الجزائري بينما استمرت النفقات تدرج في ميزانيته للتعليم الفرنسي..."[9]

ولم يكتف الفرنسي بتجهيل الشعب الجزائري وتفقيره وإنما نظر إليه نظرة عرقية فحينما تكون جزائريا يعني أنك في منظور المستعمر في مرتبة أدنى بكثير من" الأسياد الفرنسيين"،ولكن الفرد الجزائري يعلو درجة حين يكون من الموالين للمستعمر. ومن هنا فالعلم والعقل والسلوك الأخلاقية قيم غير كافية لرفع قيمة الإنسان مما يعني أن الاستعمار كإيديولوجية تعمي الفكر والعقل وتشيد بالعنصرية وتحيي أسطورة الرجل الأبيض وتشوه الثقافات والعلاقات الانسانية بين الشعوب،وتخلق أكاذيب تروج لها بالمال والإعلام والسلاح وبكل القوى المدمرة للهويات المختلفة عنها.

ومن هنا يشير الكاتب إلى الهوية الجزائرية عبر التاريخ ويذكر تميز الفرد الجزائري عن غيره في القيادة حين تتاح له القيادة وفي المقاومة حين يقتضي الوضع للمقاومة،ومقاومة الأمير عبد القادر والمقاومات الشعبية التي حدثت طوال 58 سنة،ثم المقاومة السياسية بأشكالها المختلفة ما ذلك إلا لبنات في نمو الهوية الجزائرية التي استكمل بناؤها في المدارس العربية التي أنشأتها جمعية العلماء المسلمين وبلغت الشخصية الجزائرية  أوجه اكتمالها في 8 ماي 1945 حيث عم النضج السياسي الوطني كل القرى والمدن والأرياف واقتنع الجميع أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. " فالشعب الجزائري المشهور بمقاومة الأعداء منذ عهد الرومان قد وقف في وجه المستعمر وقفة الأبطال الشرفاء،فأصلى العدو بنيران الحرب الطاحنة طيلة قرن وثلث قرن،إذا الثورة الجزائرية بدأت بالأمير عبد القادر وتسلسلت حتى بلغت قمتها بثورة أول نوفمبر 1954"[10]

وقد قتلت فرنسا من الشعب الجزائري عبر ثوراته نحو تسعة ملايين جزائري وفق معطيات التاريخ[11]     إن أفعال الإبادة التي قامت بها فرنسا في 8 ماي 1945 وارتكابها لتلك المجازر الرهيبة ساهمت بشكل وافر في تأجيج روح المقاومة والثورة ضد المستعمر على مستويات متعددة. المستوى السياسي المحلي والعالمي،وعلى مستوى الوعي الوطني حيث تناغمت القوى المختلفة واقتنعت جميعها على وجوب الثورة وإن اختلفت وجهات نظرها في زمن الانطلاقة.

من مأساة 8 ماي 1945 صيغت في الجزائر قصص أخرى للجريمة الفرنسية أضيفت إلى مرويات شفوية قديمة تراكم كلها همجية الفرنسيين على أرض الجزائر أضيفت هذه المرويات الجديدة إلى القبائل التي أبيدت بأكملها مع حيواناتها،وأضيفت إلى بطولات المقاومة الجزائرية في نجاحها وفشلها مما شكل سردا شعبيا كبيرا تحتفظ به الذاكرة الشعبية التي سعى المستعمر إلى محوها ورغم أن تصورات نجم شمال افريقيا أوجدت قاعدة جيدة لمعالم المغرب الكبير،إلا أن أحداث القرن العشرين وبخاصة أحداث ماي 1945 أفرزت تصورا واضحا لجزائر ذات مميزات خاصة تجلت فيما بعد أثناء الثورة التحريرية.

يقرر الخطاب الاستعماري على مستويات أكاديمية وعسكرية وإعلامية أن الجزائر قطعة من فرنسا ما يقال من أفواه منظري الاستعمار والاحتكار العالمي وما يحكى عن الجزائر من خرافات،وما يرتكب من جرائم الإبادة والتجهيل والاغتصاب وانتهاك من حرمات كل ذلك ساهم بطريقة أو بأخرى في نماء الوعي الوطني والثوري في الجزائر. يقول آيت احمد في مذكراته:" وهكذا كنا نتعلم أن لنا أجدادا هم "الغوليون"[الافرنجة]،ولم يكن ذلك يزعجنا كثيرا،لأنه ليس من النادر أن يكون من بيننا طفل أشقر وعيون زرقاء،وكان هيرودوت يصنف هؤلاء بالنوميديين،ولما وصلنا إلى الثانوية أصبح هذا التخريف في نسبنا يثير ضحكنا،كما كان يثير –دون شك- ضحك رفاقنا في افريقيا السوداء."[12]

 يبشر الكتاب بوجود أمة الجزائر التي لها كيان مستقل ونظام دقيق محكم،وثورة رائدة،وقضاء عادل،ونظام مالي يشارك في وارداته كل الشعب الجزائري،ويشرف على تسيره ناس مخلصون.

الهيمنة الفرنسية / المقاومة الوطنية

والهيمنة الفرنسية قد اتخذت أشكالا عبر تاريخ الاستعمار في الجزائر " والهيمنة سلطة يتم إنجازها عبر الجمع بين الإكراه والقبول"[13]، ويتم الإكراه والقبول بالاحتيال على المواطنين البسطاء السذج وعلى أصحاب الحاجة المعاشية بالخصوص،وبذلك تسلب إرادة الأفراد ويخضعون لإرادة المستعمر وينفذون مخططاته.

وفي هذا الاطار تثير الثورة الهيمنة المضادة بمنظور مماثل في الخطة ومضاد في الهدف،إذ تعمل بكل قواها لنشر الوعي الثوري والوطني بين المواطنين،وكما تعمل الثورة على بسط هيمنتها بالإقناع تعمل بوسائل القوة.

" فالثورة تمد يدها بالمحبة والسلام لكل من لم يقف ضدها،ولكن من ثبتت إدانته من الذين يحاربون الثورة من المستوطنين يتعرضون لعمليات الفدائيين ونشاطهم،فدمهم مباح كأعداء للثورة.."[14]، كما يعدم من ثبت تورطه مع المستعمر من المواطنين الجزائريين بعد أن يخضع لمحاكمة عادلة يتولاها قاض الثورة ومن معه[15]

إن الخونة يخضعون لمحاكمات عسكرية مع الحرص على توفير الإجراءات القانونية المعروفة من سماع الشهود،ومناقشة المتهم والاستماع إلى الادعاء والدفاع،وبثبوت الإدانة يصدر الحكم بالإعدام لينفذ فور النطق به أو بعده بقليل حسبما يرى مسئول التنفيذ ووسيلة الإعدام واحدة في جميع الولايات وهي القتل رميا بالرصاص،بعد أن كانت ذبحا في معظم المناطق خلال الشهور الأولى من الثورة[16]

إن مقولات الاستعمار أوجدت فئة من الجزائريين تكون لديهم نوع من القناعة الساذجة على أن التقدم والرفاه لن يتم خارج السير في خط الاستعمار ورايته. وإلى جانب هؤلاء فئة أخرى يمكن اعتبارها من ضحايا الاستعمار لجهلها وفقرها وسوء أوضاعها المعيشية،وداخل هذه الفئة تكون ما يمكن أن نسميه ازدواج الانتماء إذا لفرد قد يكون منتميا إلى طابور خدمة المستعمر ولكنه في الكثير من الأحيان تتكون لديه قناعات وطنية فيتعامل مع الثورة في سرية،وهذا النوع من الأفراد أفاد الثورة إفادات لا حصر لها،في الاستعلامات وفي التمويل وفي الذخيرة...

ففي الوقت الذي يبدو أن عددا من الجزائريين يخدمون مصالح المستعمر فإذا بهم فجأة يتحولون إلى سند قوي للثورة، ويربكون المستعمر ويعملون ضد مصالحه فكم من مجموعات قتالية عاملة في صفوف العدو انضمت إلى الثورة وأحدثت ثغرات حقيقية في صفوفه وأفشلت خططه.

إن الثورة بقدراتها الفذة أوجدت مقولات مضادة تقول إن التقدم والحرية الإنسانية والرفاه لن يتحقق إلا بإخراج المستعمر من الأرض واسترداد خيرات الوطن واستعادة الحقوق المسلوبة.

" المعركة الوطنية للدائرة الرحى اليوم هي في مضمونها الرئيسي معركة تحرير الأرض من ملاكها المستعمرين...معركة الفلاحين لاسترداد أراضيهم المغتصبة...معركة جماهير الشعب للتحرر من الفقر والعوز باقتلاع جذور الاستعمار من أرض الجرائر تقود هذه المعركة جبهة التحرير الوطني منذ تكوينها في أكتوبر 1954[17].

في الوقت الذي استعملت فيه فرنسا كل أجهزة الدولة القمعية من جيش وشرطة ومؤسسات أخرى كالصحة والكنيسة والأنظمة السرية في خدمتها،فإن الثورة واجهت ذلك بوسائلها الخاصة فأحبطت كل مقولات الهيمنة الاستعمارية،بواسطة تجنيد الشعب الجزائري المسلح بالإيمان والعزم القوي على أن تحيا الجزائر.

إن الشعب الجزائري الذي يعيد خلق ذاته ويؤسس لحريته من خلال فعل ثوري منظم وخطاب جديد مناهض لخطاب الاستسلام والخضوع يعلن عن موت مرحلة وبدء أخرى،يعلن عن موت خطاب فكري مهيمن بناه المستعمر وينشئ خطابا آخر مناهض لكل هيمنة.

  وطبيعي أن يكون لهذا الخطاب المؤسس امتدادات في التراث وتاريخ المقاومة بأشكالها المسلحة والفكرية والسياسية المعروفة عبر الفترة الزمنية التي اغتصبت فيه الأراضي والأعراض.

" لقد وضع الحكم الفرنسي بالجزائر كل أجهزته الإدارية والمالية والتشريعية والعسكرية في خدمة سارقي الأرض من الإقطاعيين الفرنسيين...ومنحهم سلطات ديكتاتورية على الفلاحين العرب،جعلهم شيئا أشبه بأقنان الأرض في العصور الوسطى،ويبلغ عدد هؤلاء الكادحين في الأرض أربعة ملايين يعمل كل منهم احدى عشرة ساعة يوميا مقابل فرنك واحد للساعة وهو الأجر الرسمي الذي حددته الحكومة."[18]

  إن هذا الاستغلال الفاحش هو الذي حول الشعب الكادح إلى مناضلين يتقدون حماسا وثورية،وقد  قرروا أن يقتلعوا جذور الاستعمار ويطهروا الأرض من أوزاره.

  و هذه الثورة تعي مناورات المستعمر وتفهم الاسماء التي تحتفظ بها وزارة الدفاع الخارجية الفرنسية للاستقلال الصوري،أو الحكم الذاتي أو الأحلاف العسكرية أو الدفاع المشترك أو الاستقلال ضمن التكافل أو المواطنة أو غيرها .."[19]

فالثورة الجزائرية مصرة على الكفاح من أجل الاستقلال الكامل والخالي من كل نفوذ أجنبي مهما يكن،لأنها ثورة وطنية تجمع كل طبقات الشعب،وهذه الشعبية التي قام على أساسها جيش التحرير الجزائري هي التي جعلته جيشا لا يقهر"[20]

ب/ التعذيب و حقوق الإنسان

   يتحدث مفكرو فرنسا عن السلطة المنتجة مقابل السلطة القمعية ويقصدون بذلك أساليب الحد من حريات الأشخاص والتأديب عن طريق السجن والمصحات العقلية،وسلطة فرنسا في الجزائر قمعية عنصرية أفعالها لا تتناسب مع الدولة الحديثة كما يزعمون بل عنفها تجاوز كل التصورات وتعدى الاعتداءات المادية فأصبح  ينطوي على مظهر معرفي أي أنه هجوم على الأنظمة الثقافية والفكرية والقيمية لدى الشعوب المستعمرة"[21]

 الاستعمار يخلخل الشعوب التي يستعمرها ويوظف العلم والمعرفة من أجل ذلك،يوظف نظريات التطور العرقية والتحليل النفسي والبحوث اللغوية والتاريخية ليخدم أغراضه،ويتناسى أن هناك ثقافات أخرى تستطيع أن تنشئ بديلا لنظرياته،وهذا ما وقع في الجزائر،حيث حاولت فرنسا أن تجعله شعبا تابعا خاضعا قابعا تفترسه كما تشاء.لكن في اللحظة المناسبة خرج عن الطوق وتفوق في التكتيك الحربي وسخر بأساليب التحليل النفسي الممارسة على الأسرى المعذبين  والمساجين المقهورين ، ففشلت خططه وجن جنونه ففقد صوابه وتصرف بوحشية وهمجية يندر مثيلها.

لقد أورد سعد زغلول فؤاد نموذجا عما يفعله المستعمر بأسرى الحرب،حيث يعذب الجرحى أنواعا شتى من العذاب،وقد يرميهم بالرصاص حين ييأس من استنطاقهم.-أو يلقي عليهم بكلابه المدربة أو يعذبهم بالكهرباء حيث يغرس القلم الكهربائي في المناطق الحساسة من الجسم ثم يطلق التيار الكهربائي لينتشر في الجسم كله، وقد يغطس الأسير في الماء ويسلط عليه التيار الكهربائي. وقد يكوى بالنار في مناطق عدة من جسم.

هذا التعذيب الوحشي كله مورس على أسرى الحرب[22]، بل هناك أوامر من السلطات الفرنسية زودتهم فيها بقوائم المجاهدين الذين يجب أن يعدموا بمجرد التمكن منهم[23]، بينما أعطت جبهة التحرير أوامر بالاحتفاظ بكل أسرى الحرب الفرنسيين،وهذا هو الفارق بين ثورة الجزائر الأبية،وأوامر فرنسا المتحضرة " لقد جعلت فرنسا من تعذيب الأسرى وإعدامهم دستورا لقتالهم في الجزائر ..في الوقت الذي يحتفظ فيه جيش التحرير بعديد من الأسرى الفرنسيين الذين ينعمون بالمعاملة الطيبة والاحترام الإنساني بما يتفق وقواعد الإنسانية والقوانين الدولية والتقاليد العربية..."[24]

 حين يشعر الاستعمار بالفناء لا يحترم عرفا ولا قانونا ولا شريعة،وكل ماهو محرم دوليا يصبح مباحا في عرفه،ذلك وضع فرنسا في الجزائر،لقد أحرقت فرنسا معظم قرى الجزائر وقتلت الكثير من سكانها ورحلت من بقي حيا إلى المحتشدات ،وبعد كل انتصار للمجاهدين يلجأ العدو إلى حرق القرى وقتل أهاليها بكل وحشية وتهتك الأعراض ويشرد المئات من النساء والشيوخ في الجبال والشعاب بلا مأوى وقد بلغ هؤلاء حوالي مائتي ألف مشرد سنة 1956 يمثلون مأساة بشرية حقيقية[25]

وقد أجاد المؤلف في انتقاء جرائم العدو وتلذذ جنوده بارتكاب الرذائل من كل نوع وهذا وصف لأحد أفعاله المعتادة،فبعد كل معركة يهزم فيها العدو،تهجم قواه على أقرب قرية للمعركة فيخرج السكان من بيوتهم وينهب الجنود مابها،ويُصف السكان صفا واحدا وأيديهم مرفوعة إلى الأعلى ثم يفتشون وينهبون،ثم تقوم الطائرات بإلقاء قنابل الغاز الحارق على القرى وتبدأ المدفعية في إطلاق قنابل،وبعد لحظات تصبح القرية أثرا بعد عين،"وخلال ذلك يقوم الجنود بارتكاب مختلف صنوف التنكيل الرخيص بالأهالي،والذي كثيرا ما يصل إلى هتك أعراض النساء على مشهد من أهل القرية أجمعين،وقتل من يحاول أن يتململ أو يحتج،...ثم يقال للأهالي اهربوا كما يهرب الفلاقة،ويسارع الأهالي أمام تهديد الأسلحة المصوبة إلى صدورهم والنار المشتعلة في بيوتهم إلى الانصراف عدوا،حيث يتعلم جنود الاستعمار فيهم كيفية إصابة الأهداف البشرية المتحركة...ويروح ضحية هذا الاستهتار مئات من الضحايا،...بينما يصبح الباقون الذين نجوا من الموت بلا مأوى يعانون آلام التشرد والجوع..."[26]

 يقول سعد زغلول:" لقد لمست كيف يشعل الفرنسيون نيران الحقد في قلوب الجزائريين[27] إذ كلما عاث العدو فسادا زادت كراهية الأهالي له وانضموا إلى الثورة بإخلاص وصدق

ج/التنظيم والسير الحسن

حين ابتدأت الثورة لا يتجاوز الثوار عدة مئات،وبعد مضي عامين صار تعدادهم ستين ألف جندي، بدأوا ثورتهم عن طريق حرب العصابات شعارها "اضرب واهرب " وكانت أسلحتهم بسيطة جدا وأقل من عددهم،ولكن نشاط الثوار مكنهم من الاستيلاء على الكثير من السلاح المغنوم من عدوهم،وصار جيش التحرير الآن جيشا نظاميا بمعنى الكلمة ،وقد قسم الوطن إلى ست ولايات والولاية إلى مناطق والمنطقة إلى نواحي والناحية إلى قسمات. ومع القيادة العسكرية مجلس تنظيمي يشرف على الجوانب التنظيمية العسكرية والمدنية والتمويل والصحة والعدل،والأمن والدعاية وجمع الأموال والمواصلات والإدارة وعلى كل جهاز ضابط، فالنظام محكم غاية الإحكام.

" وكل عملية تدور في الميدان يحرر فيها تقرير يرفع إلى الجهات الأعلى، والكل نشيط في ميدانه، ومما ساعد الجزائريين على هذا النظام أن الكثير منهم عمل في الحرب العالمية الثانية في صفوف الجيش الفرنسي ويتقنون النظام، كما أن عددا من المجندين ضمن القوات الفرنسية قد فروا بسلاحهم وانظموا إلى جيش التحرير."[28]

بل إن الجيش له بوليس حربي، ومخابرات، وله سجون ومستشفيات وله كل ما للجيوش النظامية وزيادة. ويسجل الكاتب الإقبال الواسع للأهالي على محاكم الثورة لفض النزاعات[29]

كما يشير إلى جمع الاشتراكات والتبرعات وقسط من المحصول الفلاحي والنتاج الحيواني وأن ذلك كله يتم بدقة متناهية[30]، مما يساهم في ميزانية الثورة اعتمادا على إمكانياتها الشعبية.

  ويشير الكاتب إلى أثر اعتقال الأحرار الخمسة على الثوار حيث قام المجاهدون بشن هجمات عنيفة جدا إعلانا منهم لفرنسا أن الثورة ليست مرتبطة بالأشخاص،لكون إدارة المعارك تعتمد على لا مركزية القرار،فالقائد العام يأمر بالخطوط العامة ويترك التفاصيل لمن في الميدان ليتصرفوا وفق ما يقتضيه الوضع القتالي وإن غاب القائد تستمر المعارك بمن حضرها[31]

وهكذا يشيد الكاتب بنظام الثورة في أجهزتها السياسية والعسكرية ويصف ذلك النظام الذي يشرف على ربوع الجزائر كلها، بليرد على خبراء الاستعمار قائلا: "وإذا كان جوان جليبي في كتابه "ثورة الجزائر" يقول: لم تكن جبهة التحرير الوطني الجزائري في البداية إلا مجموعة عصابات تعمل في كثير من الأحيان على مسؤوليتها هنا وهناك. وهذا يعني حسب كلامه أن العملية العسكرية لم تكن منظمة"[32]

لكن الرئيس بن بلا يقول عن النظام السري حتى قبل الثورة  "وكان النظام معقدا من الرأس حتى القاعدة،ولم يكن أحد يعرف الآخر لأننا كنا مقنعين ولم يكن أحد يعرف وجه الآخر،فإذا قبض على خلية أو مجموعة لم يكن من السهل أن تعرف المجموعة الأخرى،لكن ذلك لم يكن يمنع وقوع عمليات اختراق.."[33]

ويصرح السيد الرئيس بأن نظام الثورة السري بعد اندلاع الثورة كان قويا جدا،"وأذكر أننا أثناء الحرب ضربنا الفرنسيين في عقر دارهم لأنه كان لدينا مليوني جزائري داخل فرنسا آنذاك،وكان لدينا نظام سري،داخل فرنسا،ضربنا "سوستال" هذا الذي كان حاكما فرنسيا على الجزائر ضربناه في الشانزلزيه وسط باريس.

لقد كان لدينا نظام خاص قوي داخل فرنسا،هددناهم في باريس في قلب فرنسا هددناهم كان نظامنا أقوي.."[34]

ولقد أثبت الفرد الجزائري أثناء الثورة  تفوقه على الفرنسي في مجالات التنظيم والتخطيط والمناورة والتضحية والصبر على الأذى والمواجهة الميدانية،وهذه أمور في حينها كانت كافية لقلب الموازين،بل انعكست النظرية الاستعمارية وبرهنت الثورة الجزائرية على أن المستعمر كان وحشيا،عنصريا حاقدا،مريضا نفسيا مصابا بجنون العظمة مزورا للتاريخ،مشوها للحقائق مهينا للكرامة الإنسانية.

د/ تعذيب النساء ونضالهن

ومن جرائم الاستعمار الفرنسي ما يفعله بالقرى بعد كل انتصار للمجاهدين فهاهم بعد احدى المعارك في أحد دواوير سوق اهراس يدعى" مسقى الحمراء" يخرجون الأهالي من بيوتهم ويقتلون الشهيد زراري السبتي أمام أهله وسائر مواطني قريته...وعقب ذلك جردوا النساء من ملابسهم (كذا) وأخذوا يخزونهم (كذا) بأطراف السناكي في الأماكن الحساسة من أجسامهم(كذا) وحين حاول أن يتململ بعض شيوخ القرية أعدموا في الحال بالرصاص،وزاد الجنود فهتكوا أعراض بعضهن جهرة وعلانية...ثم أضرموا النار في بيوت القرية،بينما راحت الطائرات تلقي عليها قنابل التدمير حيث تلاشت تماما من الوجود مثل كثير من القرى الأخرى"[35]

إن الصورة الجنسية التي يرتكبها العدو الفرنسي متماثلة تماما مع الفعل الاستعماري،كل ذلك يتم بعنف ووحشية قاسية تمثل فعل المعريدين السكارى الحاقدين الذين يفقدون السيطرة على عقولهم فيصبح الانتقام هو الغريزة الفعلية الغالبة على سلوكات الفرنسي والهدف هو إذلال الآخر بأعز شيء يفتخر به الجزائري المسلم،وهو الشرف والكرامة. وليست مثل هذه الأفعال معزولة بل صورة متكررة في كثير من ربوع الجزائر، وما يجري للمسجونات والأسيرات لا مثيل له في تاريخ الحروب.

يقول سعد زغلول فؤاد:" ولا تزال السيدات الآتية أسماؤهن من اهالي "الحمراء" يحملن آثار جراح السناكي الفرنسية في أماكن حساسة من أجسامهن،وهن حاضرات بين أيدي جنود التحرير على استعداد لتقديمهم(كذا) إلى هيئة دولية أو أي محقق محايد يريد أن يتحقق من جرائم ووحشية الاستعمار الفرنسي[36]

وهاهو أحد الأسرى الفارين يروي ماجرى في إحدى القرى بعد أن أحاط بها العدو من كل مكان: "ورأيتهم يخرجون جميع السكان من بيوتهم وجردوهم من ملابسهم تماما باسم التفتيش وهتكوا أعراض النساء على مرأى من أزواجهن وأمهاتهن وآبائهن، والذين أجبرهم الفرنسيون على الوقوف عراة كذلك،وبعد أن انتهوا من تفتيش ونهب جميع بيوت القربة أضرموا فيها النار..."[37]

لقد كان  المستعمر يتشدق بأنه حرر المرأة الجزائرية من سجنها الاجتماعي،وفي هذا الاطار شن الفرنسيون هجوما على الحجاب ورضخ الجزائريون للأمر وتساهلوا في القضية وكلفوا المرأة السافرة بأن تقوم بعمليات فدائية ضد الفرنسيين مما أربك المستعمر فاضطر إلى النداء إلى ارتداء الحجاب مرة أخرى،وتحولت النسوة السافرات إلى محتجبات يحملن بين ثيابهن وسائل الموت للأعداء،وقمن بعمليات فدائية  صارت مضرب المثل في البطولة فخابت آمال المستعمر في كل حال.

   وهكذا قررت المرأة الجزائرية أن الحجاب والسفور تابع لإرادتها وتستعملهما في خدمة قضية ثورتها كيفما تشاء وليس وفقا إرادة المستعمر[38].

و قصة جميلة بوحيدرد، وجميلة بوعزة، وفضيلة سعدان، ومليكة قايد وغيرهن كثيرات بلغت قمة المجد في البطولة وفوق ما يتصور من تضحيات جسام في سبيل الوطن ،وفي الوقت نفسه فضحت المستعمر في جرائمه ضد الإنسانية.

إن نضال المرأة الجزائرية أكثر من أن يقدم في مثل هذه العجالة،ولكن الاشارة إليها ضرورية لمعرفة خساسة المستعمر ونذالة افعاله المرتكبة في الجزائر.

ومن جرائم المستعمر– قنابل النابالم الحارقة- ومن ذلك قول المؤلف:" وفي صباح 22 أكتوبر الماضي ألقت الطائرات الفرنسية قنابل الغاز الحارق على قرى المراهنة،سوق الهمامة،فاستشهد الكثيرون من أهلها حرقا بينما لا يزال الباقون يعانون آلام الحريق ويعالجون بمستشفى جيش التحرير ولدىقائمة بأسماء بعض من استطعت أن أتحصل عليهم من الشهداء وبعض من زرت من المصابين.."[39]

يعلق الكاتب على ذلك قائلا:"ليتهم قنعوا بجرم دور الأبرياء ودكها فوق رؤوسهم بقنابل طائرات الأطلنطي ولكنهم ساروا بالجريمة إلى أبشع صورها.فألقوا على الشعب الجزائري قنابل الغاز الحارق والخانق"، القنابل التي يحرم استخدامها القانون الدولي والعرف الانساني في كل حرب،القنابل التي لم تستخدم في الحرب العالمية الثانية تستخدمها فرنسا اليوم ضد شعب الجزائر الحر،وكأننا تعيش في الغابات وكأن دستور الدنيا هو الفوضى والهمجية"[40]

هـ/ المؤامرات السياسية والخطط المبيدة ومواجهتها

بعد السنوات الأولى من الثورة انتقلت المعركة إلى مستوى المؤامرات السياسية التي كان يخطط لها ديغول وأعوانه مع الاستمرار في مخططات إبادة الشعب والقضاء على ثورته، وقد تصدت الثورة الجزائرية بمالها من فطنة وذكاء للمؤامرات الداخلية والخارجية، والصادرة عن الأعداء وبعض الأشقاء، تصدت لكل ذلك بعزم وذكاء فلم يغرها الاستقلال الذاتي الذي كان يدعو إليه الزعيم بورقيبة[41] ولا حلف البحر الأبيض كما تحلم أمريكا[42]، ولا تقرير المصير الأعرج كما يقترحه ديغول[43]، ولا البرامج الاقتصادية المنعشة كما هو معروف في سياسة الجمهورية الرابعة[44] ولا غيرها من المؤامرات (والخطط الجهنمية كخطة شال وغيرها مثل برنامج "كادرياج"، وعملية جوميل التي هي جزء من برنامج شال الإرهابي السفاح.

" ولقد جربت فرنسا في حربها بالجزائر مختلف ضروب القتال، وكل ما أسفرت عنه عقول جهابذة الحرب من استراتيجية الميدان،استخدمت فرنسا في حربها بالجزائر أحدث مبتكرات فنون القتال وتوالت تجاربها...وآخرها كانت هذه التي خاضها ديغول وجميعها باءت بالفشل. ولقد كانت الحكومة الجزائرية حكيمة في كل تصرفاتها.

إن كتاب "عشت مع ثوار الجزائر" هو بمنظور قومي تحرري ثوري فيه نبرة يسارية ، يصب كله في خانة مناصرة الثورة التحريرية،وهو خطاب موجه للإنسانية يخاطب فيها الضمير الصامت وإلى منظمات الصحة العالمية منظمات حقوق الانسان على أن تتحرك وتلتفت إلى ما يجري في الجزائر. وتقدم يد العون للمشردين ، والمرضى والجرحى وأن توقف جرائم الإبادة الجماعية والتعذيب الوحشي والاعتداء على أبسط حقوق الانسان.الصادرة من الدولة التي تدعي الحرية والعدل والمساواة وتجعلها شعارا لها.

 كتاب عشت مع ثوار الجزائر وثيقة من الوثائق التي سطرها الشعب الجزائري بتضحياته وكتبها قلم مناضل يحب الخير لكل العالم–وللجزائر خاصة-وهو وثيقة مسجلة ممن يعايش الطبقات الدنيا من عامة الشعب ومن الضحايا والمعذبين من المناضلين والمجاهدين المخلصين،إلا أن الجزائريين إلى ذلك الحين كلهم من الكادحين.

5- طبيعة السرد:

الخطاب في كتاب "عشت مع ثوار الجزائر"هو خطاب تحرري وثائقي إعلامي بالدرجة الأولى،يندرج في إطار الدعم الذي تقدمه الشقيقة مصر للثورة الجزائرية ولا يخفى ما للدور الإعلامي من أثر في تحريك السياسة العالمية نحو القضايا الساخنة  ،تتلاقى في هذا الخطاب الوقائع التاريخية المروية والمكتوية والبراهين الإحصائية والشهادات المرئية والمعاشة من قبل الفاعلين وهو متنوع تنوعا واسعا:

ويأتي الخطاب المباشر الذي يعرض الحال ويقرر ماهو كائن كقوله:"  والغريب أن الاستعمار يفرض على ضحاياه الجزائريين الخضوع والولاء لحكومة فرنسا،وأي تمرد على ذلك،أو مجرد التغني بحب الجزائر يقدم صاحبه إلى المحاكمة العسكرية بتهمة اإخلال بسلامة الوطن." (ص:86)

وقد يستشهد بأقوال الآخرين لتدعيم وجهة نظره في المتن وفي عناوين الفصول قول رولان فارجيه:" إن البؤس المطلق الذي يضم برعب ووحشية مجموع الشعب الجزائري ليس إلا نتيجة حتمية للواقع الاستعماري [45]

وقد يعود إلى التاريخ فيستخرج ما يؤيد وجهة نظره فيصبح الشاهد الاسترجاعي بمثابة شهادة حية لا تدفع كما فعل حين أثبت رسالة القنصل الفرنسي بألمانياالتي ورد فيها مايلثي: " إن الفوائد المادية التي تعود على فرنسا من غزو الجزائر بغض النظر عن ملايين الفرنكات الذهبية التي تزخر بها الخزانة الجزائرية أجدى وأنفع لفرنسا من كل عمليات الغزو الاقتصادي التي قامت بها حتى الآن،فهناك  سهول طيبة ذات خصب عجيب ومناجم غنية بالحديد والرصاص،وجبال من الأملاح المعدنية كلها تنتظر الأيدي التي نستغلها[46]

فالرسالة تثبت أن الاستغلال والاقتصاد وراء عملية الاستعمار إضافة إلى توسيع الأسواق والبحث عن المواد الأولية.

وقد يلجأ إلى تلخيص الأحداث فتمر سريعا لتضع أمام القارئ المشاهد المتعاقبة " فقد توالت ثورات الوطنيين،ولم يكن الاستعمار ليخمد ثورة الشعب في بحر من دماء أبنائه إلا وتعاود الجماهير تنظيم صفوفها واستجماع قواها لتثور من جديد،فتخمد ثورتها وتمر فترة وجيزة من الهدوء تندلع الثورة من بعدها. وهكذا ثمانية وخمسون عاما من المقاومة والثورة الوطنية.ثمانية وخمسون عاما من الكفاح المسلح، دمرت خلالها كثير من المدن والقرى وأغرقت البلاد في دماء مليوني شهيد من أبطال الكفاح الوطني [47]

وهكذا تحضر بطولات الجزائر ماثلة بسرعة أمام القارئ وتمثل أمامه تضحيات غالية يصعب إحصاؤها ولكنها تؤلف في عمومها بجرا من الدماء.

وقد يقوم بوصف الحال في تكثيف واضح ينم عن انفعال عميق كقوله متحدثا عن أول نوفمبر "حتى ما إذا كانت ليلة أول نوفمبر عام 1954 انفجر (الشعب) كالبركان في وجه الاستعمار،ولا يزال هذا البركان الشعبي يلقي حممه القاتلة أوكار الاستعمار وإلى اليوم وإلى أن يدمر قلاع الاستعمار ويأتي عليها جميعا" [48]

وهكذا تتعدد طبيعة النصوص وتتعدد وظائفها ولكنها تصب كلها في خانة عرض وقائع التاريخ وإحضار حججه لإقناع القارئ، أو الإدلاء بشهادة للتأثير فيه واستثارة وجدانه القومي الوطني.

السارد:

يقدم المتن سارد ويسند سرده إلى ضمير الغائب في أكثر الأحيان بل يكاد هذا السارد أن يختفي وكاد المتن يقدم نفسه كقوله:" وليست المذابح الجماعية التي دأب على إقامتها الحكم الفرنسي في الجزائر إلا إحدى محاولات فرض الفرنسة تمشيا مع سياسة إبادة الذين يأبون فرنسة أنفسهم...،إبادتهم جميعا،ولو كانوا الشعب الجزائري كله" [49]

وأثناء السرد التاريخي قد يتخلى عن الضمير الغائب الموغل في الابهام والتعميم إلى ضمير غائب مجسد في شخصية من الشخصيات مثلما فعل حين اسند الخطاب إلى ديغول،"وقد يسند الخبر إلى أحد الأشخاص مباشرة كقوله مسندا الخبر إلى رسالة وجهها الجنرال " برو" من الجزائر إلى شقيقه ببارس في رسالة بتارخ 18 فبراير 1834 منها: " تسألني أين صار استعمارنا؟ أقوله لك إنه اقتصر حتى الآن على امتلاك الأراضي...اننا نلعب هنا على الأراضي كما نلعب في البورصة على أسهم المداخيل والبن..." [50]

وفي المقابل تظهر الجزائر محل الفعل كل أفعال العدو مصوبة نحو الجزائر في بنيتها التحتية أو الفوقية وبخاصة في القسم الأول من الكتاب حيث نجد أن كل ما تقوم به البلاد ردود انفعالية مقاومة غير خاضعة،غير مستسلمة.ولكنها لم تمتلك زمام المبادرة المؤثرة وإن كانت مزعجة للعدو ولا تتركه ليطمئن ويهدأ باله

 وقد يسند الفعل إلى فرنسا أو إلى الحكم الفرنسي أو...وهو سرد بواسطة ضمير الغائب الدال على مجسد مادي هو العدو وما يمثله بصياغات متعددة كقوله:

"وقد اتبعت حكومة فرنسا في سبيل دعم دعواها وتثبيت أركانها سياسة إجرامية قوامها الإرهاب الوحشي و الإدراة الدموية التي تجردت من أية صفة من الصفات الانسانية.."[51] فالفاعل واحد ولكن ممثليه على مستوى الخطاب متعددون،قد تكون الدولة الفرنسية أو الحاكم الفرنسي أو الرئيس أو الاقطاعي أو الجنرال أو الجندي.فالشخصية المجردة واحدة ممثلة في العدو وبغض النظر عن لباسه ورتبته ووظيفته التي يؤديها،إن كل واحد من هؤلاء يصدر فعلا مؤذيا بل فعل مدمر لكيان اسمه الجزائر.

" شاءت السلطات الاستعمارية أن تشرع السرقة فأصدرت أغرب قوانين عرفها تاريخ القانون جعلت بموجبها نهب وسرقة ممتلكات الجزائريين أمرا مشروعا."[52]

وقد يغير الصورة فيسند الفعل إلى الحكم كقوله: لقد وضع الحكم الفرنسي بالجزائر كل أجهزته الادارية والمالية والتشريعية والعسكرية في خدمة سارقي الأراضي..."[53]

وهكذا يبدو الفاعل في الجمل الخطابية متعدد الصور اللغوية ولكنه عند التجريد،يدرك أن تمثيله هو المتعدد بينما حقيقته واحدة وانجازاته متكاملة تهدف لتحقيق غاية واحدة.

أنظر إلى قوله:" منذ أول ساعة للعدوان الفرنسي على أرض الجزائر في 5 جويلية 1830، والشعب الجزائري في مقاومة عنيفة وكفاح متصل." [54]

استقرت الأمور للغزاة بعد أن أصبحت البلاد خرابا واستشهد في مقاومتهم نحو نصف الشعب الجزائري"[55]

" لقد جعل الاستعمار الفرنسي الشعب الجزائري بأسره فريسة لللآلام والفقر والإملاق والإضطهاد...بعد قرن وربع من حياته في ظل فرنسا."[56]

ولكننا ما إن تصل إلى القسم الثاني من الكتاب حتى يتبدل الفاعل،رغم ثبات صيغة السرد

"إن قصة الثورة الجزائرية...قصة شعب باسل صغير يكافح في بطولة وينتصر في كفاحه من أجل الحرية والسلام والحق في الحياة..."[57]

صيغة السرد بضمير الغائب "هي" ولكن الأفعال الآن تستند إلى الشعب الجزائري بكيفيات مختلفة، فكأننا أمام تقابل بين القسم الأول والثانيفرنسا فاعلة في القسم الأول والجزائر فاعلة في الثاني

فالأحزاب فاعلة،والأشخاص فاعلون،والشعب والمناضلون،والمجاهدون..الكل انتقل إلى الفعل وحتى حين يمارس عليه فعل الاعتداء الجسدي فإنه له مبادرة في إدارة زمام الأمور فلنقرأ هذه الفقرات

" وأخذت "لوس" تنتشر وتتسع حتى شمل تنظيمها على كل أقاليم الجزائر وهي دائبة على تدريب أعضائها على السلاح..."[58]

وبعد أن يحث القواد السنة مختلف النواحي التي بلغها الإعداد للثورة،واستنادا إلى متانة وعمق ما تحت أيديهم من تنظيم ثوري مسلح،قرروا بدء المعركة..."[59]

بل إن الفاعل الفرنسي صار في موقع المنفعل الذي يكتفي بالاستجابة والردود الانفعالية كقوله:" والاجراءات السريعة الحازمة التي أعلن الحاكم العام أنه قد اتخذها لتهدئة الحال تلخصت في قيامه بحملة واسعة من الاعتقال..."[60]

ومن الاسناد إلى الثورة او إلى الجبهة قوله:" تسير الثورة الجزائرية في طريقها نحو أهدافها بنجاح رائع رغم القوى الجبارة التي سخرها الاستعمار لمحاولة قمعها ويرجع ذلك إلى عدة عوامل أهمها قوة الجبهة وسلامة تكوينها..."[61]

أو كقوله:" تنحصر مهمة الجبهة في تعبئة وإثارة الجماهير،وتوجيه مواردها لخدمة الثورة،وكذا إثارة وتعبئة الشعور العالمي في صف الثورة ضد المستعمرين"[62]

وقد يسند الفعل إلى أحد القادة الجزائريين كقوله:" عاد القائد واثنان من أركان حربه إلى مقر قيادته..وكان عليهم أن يقطعوا مسيرة طويلة بين غابات وجبال الجزائر الشاهقة وكنت معهم..."[63]

وكقوله:" استعرض المجتمعون الأمر من كل نواحيه داخل وخارج الجزائر،وعيونهم تلمع ببريق ثمانية وعشرين شهرا مضت..." [64]

وقد يستند الفعل إلى جيش التحرير او كتائبه أو أفراده وبصيغ متعددة من ذلك: "عصابات الثوار الوطنيين تهاجم جنود الاستعمار وتستولي على أسلحتهم"[65]

وفي هذا القسم من الكتاب قد يستند السرد إلى ضمير المتكلم –كقوله: "سعدت يوما بحضور اجتماع إحدى فرق هؤلاء الأبطال قبيل تسللهم إلى مدينة عنابة..."[66]

أو كقوله:" واستمعت إلى أحمد الطالب بجامعة الجزائر،وأصغر فرقته سنا وهو يروي قصة معركة عنابة"[67]

وقد يستند السرد إلى ضمير الجماعة كقوله راويا لقصة أحمد هذا " دخلنا المدينة في الثالثة صباحا وكان..."[68]

وفي هذا القسم يصبح الزمن آنيا بالنسبة للسرد، بعد أن كان ماضيا:"كنت بين الثوار في أحد مواقع ميدان سوق اهراس حين حملت اإذاعة أنباء اعتقال ابن بلاو وزملائه الأربعة...كل ما حدث أن تأسف الثوار وثارت مشاعرهم على الطريقة الغادرة التي اخترتها حكومة فرنسا لاعتقال قائدهم..."[69]

ويبين التفاعل الإيجابي جدا بين الثوار وما يجري حولهم من أحداث كقوله:" والحق أنني لم أر الثوار في حالة من الغضب والتوتر والحماس مثلما كانوا عليه عقب سماعهم أنباء العدوان الثلاثي الاستعماري على مصر.."[70]

وهكذا يتبين لنا أن السرد بضمير الغائب يديره خفي هو الكاتب نفسه. بسند الفعل إلى المستعمر في القسم الأول بينما يسنده إلى الجزائر وممثليها في بقية الكتاب على أن السرد غير مباشر إلا في القسم الثاني من الكتاب.حيث نجد ضمير المتكلم بارزا يكتفي أحيانا بالمشاهدة والسماع،ولكنه أحيانا يصبح فاعلا مع الفاعلين،أما التبئير الايديولوجي فهو منبث في كامل الكتاب لاتخاذه موقفا عدائيا من المستعمر وموقفا مناصرا مؤيدا ومساندا للثوار،وهذا أمر طبيعي من مناضل يعيش مع الثوار ضد الاستعمار،جعل القضية الجزائرية تسري في دمه في ماضيها وحاضرها ومستقبلها،بل تشعر أن أنفاسه الحارة نمازج الدماء الزكية التي تسقي الأرض الطاهرة،وتعانق آمال الشعب الجزائر في التطلع نحو استقلاله واسترجاع كرامته المسلوبة

إن اسم الجزائر يمثل الرفض للفعل الممارس عليها،وهذا الرفض  مصاغ على مراحل متعددة

1-    مرحلة رد الفعل والاستجابة للمؤثرات الخارجية المفروضة عليها.وفق القدرات المتاحة.

2-    مرحلة تنظيم الفعل بأشكال مختلفة ولكنها متقطعة وغير منسقة.

3-    مرحلة التكيف مع الآخر ومعرفته من الداخل للتمكن من مبارزته.

4-    مرحلة المبادرة لصنع الفعل،ومبارزة الأنداد وجعل الآخر متوترا منفعلا مكتفيا بالردود وإن كانت عنيفة وقاسية ولكنها غير معيقة عن الهدف.

هذه المراحل تبرز فيها الأفعال الفردية خاضعة للنوازع الذاتية أحيانا، وقد تخضع للأهداف الجماعية التي ينخرط فيها الفرد والانصياع للقوانين الداخلية والعرف العام الذي يحكم الجماعة وإن بدا أن الارادة الفردية مذابة في الارادة الجماعية،فإن رغبات الأفراد تتحقق مباشرة في تحقيق غايات الجماعة،والأفراد يشعرون بمتعة عالية حين يصلون إلى الغايات المرسومة،وفي حال الثورة الجزائرية فإن الغايات الفردية ذابت في الغايات الكبرى سواء في مرحلة المقاومة أو مرحلة الثورة،ذلك أن الفرد ينتمي إلى جماعة  تتماهى أهدافه مع أهداف جماعته وبخاصة حين يعتدى على الجماعة نفسها.

6/ البنية اللغوية ومستوياتها

البنية اللغوية في كتاب " عشت مع ثوار الجزائر" بنية فصيحة لا تهتم كثيرا بالمعجمية بقدر ما بالوظيفة التواصلية والتأثيرية  كما تهتم بالأساليب الجاهزة الموظفة في الواقع الاجتماعي والثقافي بالخصوص،إذ نجد المعجم متوفرا على " الاستعمار ،الرأي العام الدولي،السيطرة على العالم،المنظمات والمحافل الدولية،الفرنسية،الغزاة،الثواروالمقاومون والمواطنون الكادحون المذابح الحرية،السلامالعالمي،التحرر،التقدم،الازدهار،التعلم،خبرةالشعوب،الحركةالوطنية،الاستقلاالوطني،العمل لسياسي،النضال.."وهذا معجم يشتمل على ملفوظات متعددة تدور في فلك الحرب والسلام والاستقلال.

ومن هنا يمكن القول إن التشكيل اللغوي في كتاب "عشت مع ثوار الجزائر" يسعى فيه المؤلف إلى الكتابة بلغة عربية وسطى يفهمه كل المثقفين بلا تكلف ولا تنازل. ذلك أن الهدف الأول هو التواصل والإبلاغ ولن يتم ذلك إلا بمثل هذه اللغة الوسطى التي هي مطلب الكثير من الكتاب وبخاصة على مستوى الصحافة.والكاتب في الحقيقة يتمركز في خندق مع الثوار ولهذا يمكن القول إن لغته تحمل ايديولوجية معينة وتعبر عن روح المقاومة الوطنية، وفي الوقت نفسه يسرد لنا جملة من تصريحات الفرنسيين مما يعكس أيضا ايديولوجياتهم في الاستعمار وتحمل هذه الايديولوجية الكثير من العنف اللغوي بجانب أساليب اللطافة.

وبالمقابل يسعى الخطاب التحرري إلى مقابلة العنف بمثله وقد يلجأ إلى أساليب اللطافة حينما تقتضي الدبلوماسية ذلك.

لهذا يسمح تحليل الخطاب اللغوي بتتبع الصلات بين الظاهر والخفي من المقاصد كما يسمح بالإطلاع على المهيمن والمهمش- إنه يتيح لنا معرفة اشتغال السلطة من خلال اللغة وتشكيلها. وبخاصة " أن العنف الاستعماري ينطوي على مظهر معرفي أي أنه هجوم على الأنظمة الثقافية والفكرية والقيمية لدى الشعوب المستعمرة"[71]

فحينما يأتي خطاب استعماري ويقول:" إن فرنسا حققت للسكان الوطنيين في مستعمراتها السلم والرفاهية والتقدم والصحة والتعليم. وهذه الرسالة أدت إلى كسب صداقة وود السكان الأصليين وهو أشرف و أنبل جانب من جوانب سياسة فرنسا في مستعمراتها.""[72] فإننا نلمس الخطاب الأبوي المتعالي الشفوق، ويظن الساذج أن ما يقال حقيقة،ولكن الوطني الذي يرزح تحت وطأة الفقر والجهل والمرض والتعذيب يدرك زيف هذا الخطاب ومن هنا يستوجب قراءة الخطاب في الظاهر والباطن. ومن حيث المصداقية لن يتأتي استيعاب الخطاب الاستعماري إلا إذا تتبعنا تصريحات القائمين به،فهذا أحد الجنرالات يصرح في بداية الاحتلال بقولة" يجب أن تدخل في الحساب كل شيء حتى إبادة السكان المحليين،فربما كان الهدم والحرق وتخريب الزراعة هي الوسائل الوحيدة لتثبيت سيطرتنا في الجزائر"

إذن هناك قسمان من الخطاب الاستعماري أحدهما موجه إلى الدبلوماسية الفرنسية وتلميع صورة فرنسا في العالم،وثانيهما الخطاب الموجه للقائمين على تنفيذ السيطرة والاغتصاب.

ولعل الممارسة العنيفة التي مازالت قائمة هي تلك التي جعلت المثقفين بلغته غرباء عن لغتهم العربية رغم وطنيتهم العالية ونضالهم المستميت من أجل القضية الجزائرية. إن هذا الاغتراب العميق يمثل حالة الثقافة الجزائرية التي تعرضت للمسخ والإقصاء فلولا الممارسات الشعبية ومبادرة جمعية العلماء لانمحت الهوية اللغوية للشعب الجزائري.

فهاهو الكاتب يقول عن نداء 31 اكتوبر 1954" ولأهمية هذا النداء الذي كان أول منشورات الثورة نعرض ترجمته كاملا،ونقول ترجمته لأن الجبهة كانت تصدر منشوراتها في فجر الثورة باللغة الفرنسية التي يجيدها جميع الجزائريين بينما يقرأ منهم من يستطيع قراءة العربية،نتيجة سياسة فرنسا طوال قرن وربع،وبعد أن وقفت الثورة على قدميها أصبحت منشوراتها تصدر باللغتين العربية والفرنسية."[73]

وهذا فتحي ديب يقول عن أول لقاء بينه وبين بن بيلا الذي يتحرك باسم مزياني مسعود* يقول:"واستغرقت الجلسات الثنائية بيني وبين شابنا الثائر ثلاث ساعات مستمرة في شرح مستفيض وباللغة الفرنسية التي ألم بها إلماما لا بأس به لم يفوت علي أي كلمة أو معنى من حديثه"[74]

وهذا هو العنف اللغوي الذي كانت تمارسه فرنسا على الشعب الجزائري-وهذا هو التعليم الذي توفره لفئة قليلة من المحظوظين لا تتجاوز واحدا بالمائة.

ومن هنا يمكن القول إن صاحب كتاب "عشت مع ثوار الجزائر"بذل جهدا كبيرا في قراءة النصوص التوثيقية للثورة وترجمها أو ترجمت له. كما بذل جهدا واسعا في نقل الأحداث بالعربية الوسطى التي يفهمها الجمهور الواسع في البلاد العربية لكون الهدف إعلاميا تعبويا يقدم صورة  عن الثورة الجزائرية في جميع المستويات في التنظيم الاداري والتعبئة الشعبية والمناورة السياسية.

    إن الخطاب الوارد في كتاب عشت مع ثوار الجزائر،يحمل تحديا مباشرا لمقولات المستعمر عن الجزائر،و ينسفها ويفضح أساليبه الهمجية الممارسة على ربوع أرض الجزائر الثائرة.

ورغم ذلك فالكتاب متعدد المستويات اللغوية ففيه لغة القانون في تقديم الوثائق الأساسية للثورة كبيان أول نوفمبر (ص:148-154)، وفيه ميثاق الثورة الذي سماه دستور الثورة (162-164) وفيه قرارات الصومام (ص:177-178) الذي حضر فيه المؤلف شخصيا باعتباره صحفيا عربيا،وفيه أيضا لغة الأرقام والإحصاءات (ص:95-99)، (ص:70) وغيرها

وإلى جانب ذلك هناك لغة السرد الطيعة التي تشد القارئ شدا بما فيها من سلاسة وطلاقة وبما فيها من أحداث متوالية: فهاهو يصف رحلته مع المجاهدين من سوق اهراس إلى حيث انعقد مؤتمر الصومام""...وكان عليهم أن يقطعوا مسيرة طويلة بين غابات وجبال الجزائر الشاهقة الارتفاع...وكنت معهم.. ووصلنا إلى مكان الاجتماع بعد أن استغرق مسيرنا يومين،وبعض اليوم...استعنا خلالها على المسير بسيارات الجيش الوطني في بعض المسافات وبالبغال في البعض الآخر،وبأقدامنا في بقية الطريق..."[75]

وقد يتنازل عن لغة السرد إلى إحدى الشخصيات الفعلية ليحكي أفعالا ثورية في معركة داخل مدينة ما كعنابة " وكنت في الدار هذه مع عبد السلام ورابح...استشهد عبد السلام وفريت وخوي(أخي) حين جات عسكر فرنسا في الدار وقتلوا كل صحباتها وطفيلة صغيرة كانت تبكي والدم يجري...كيف كنا نهربوا صادفتنا كافيه (مقهى) يقعد فيه رجال فرنسا الكولون طيشنا عليهم القنابل وضربوا علينا الرصاص..."[76]

وقد يبهرنا الكاتب بلغة أدبية رفيعة بلا تكلف كقوله مقدما لأحداث 8 ماي 1945 " وبشروق شمس حياة جديدة قوامها الحرية وحق الشعوب في تقرير مصيرها...وفق ما كان قد أعلنه قادة الحلفاء أهدافا لقتالهم ضد دول المحور الفاشي...كان الشعب الجزائري يغرق في بحر من دماء أبنائه ودموع أطفاله ونسائه ،تئز في الفضاء طلقات الرصاص وتعوي في الطرقات أصوات الدبابات والمصفحات وقذائف مدافع الميدان...تنشر الموت على جماهير الشعب الجزائري الأعزل الذي أراد أن يحتفل بمشرق صبح كان يحسبه مضيئا بالحرية مليئا بالسلام..."[77] وهكذا تتعدد مستويات اللغة في كتاب " عشت مع ثوار الجزائر"

  إن للكاتب قدرة ممتازة على السرد واستنطاق النصوص للمحاجة والتنوع في ألأسلوب فقد يعتمد على السرد التاريخي المستمد من الكتب أو السرد المباشر الوثائقي،أو يروي ما رآه وسمعه أو عايشه،وقد يسند السرد إلى الشخصيات الفاعلة من المجاهدين والأسرى وكل من شارك في صناعة الأحداث بلغة فصيحة يتخللها بعض العامية الجزائرية.

وإلى جانب ذلك فهناك مقاطع وصفية ومشاهد درامية مثيرة ومواقف وجدانية مؤثرة ومستفزة تساهم في تنمية الولاء للثورة الجزائرية-مما يولد شعورا عميقا بعظمة الثورة وعظمة صانعيها بهممهم العالية وتضحياتهم النادرة.

 

 

 

 

 

 

الــــمراجــــع

1-                أحمد منصور، الرئيش أحمد بن بلا يكشف عن أسرار ثورة الجزائر.

     2-  آنيا لومبا  ،في نظرية الاستعمار وما بعد الاستعمار الأدبية ،تر: محمد عبد الغني غنوم ، دار الحوار اللاذقية سوريا ط1،2007.

3-حسين آيت احمد،روح الاستقلال، مذكرات مكافح1942-1952.تر: سعيد جعفر، منشورات البرزخ؟؟

4 - سعد زغلول فؤاد، عشت مع ثوار الجزائر،دار العلم للملايين،بيروت،ط1سنة1960م

5 - سليمان الصيد،الشخصية الجزائرية عبر التاريخ، مطبعة البعث، قسنطينة 1971.

6- المنظمة الوطنية للمجاهدين ولاية سطيف:جهاد المرأة الجزائرية في ولاية سطيف وتضحياتها الكبرى (1954-1962)،ط1سنة1997م

7 – فتحي ديب،عبد الناصر وثورة الجزائر، دار المستقبل العربي، القاهرة 1984.

8- عبد الهادي بن ظافر الشهيري، استراتيجيات الخطاب، مقاربة تداولية، الكتاب الجديد، ط1،سنة2004م.

 



[1] - عبد الهادي بن ظافر الشهيري، استراتيجيات الخطاب، مقاربة تداولية، الكتاب الجديد، ط1،سنة2004م، ص:180.

[2] - آنيا لومبا  ،في نظرية الاستعماروما بعد الاستعمار الأدبية ،تر: محمد عبد الغني غنوم ، دار الحوار اللاذقية سوريا ط1،2007، ص:18.

[3] - أنظر –عشت مع ثوار الجزائر،ص:12.

[4] - سليمان الصيد،الشخصية الجزائرية عبر التاريخ، مطبعة البعث، قسنطينة 1971،ص: 11-12.

[5] - سعد زغلول فؤاد، عشت مع ثوار الجزائر، ص:36.

[6] - نفسه، ص:36.

[7] نفسه ، ص:34.

[8] - في نظرية الاستعمار، ص:36.

[9] - عشت مع ثوار الجزائر،ص:38-39.

[10] - سليمان بن صيد، الشخصية الجزائرية عبر التاريخ،ص:60.

[11] نفسه ، ص:62.

[12] -حسين آيت احمد،روح الاستقلال، مذكرات مكافح1942-1952.تر: سعيد جعفر، منشورات البرزخ؟؟ص:21.

[13] -في نظرية الاستعمار، ص:42.

[14] - عشت مع ثوار الجزائر، ص:73.

[15] - نفسه، ص: 208.

[16] - نفسه، ص:202-203.

[17] عشت مع ثوار الجزائر،ص:81-82.

[18] - نفسه،ص:103.

[19] - عشت مع ثوار الجزائر، ص:162.

[20] -نفسه،ص: 165.

[21] - في نظرية الاستعمار،ص:64.

[22] - عشت مع ثوار الجزائر، ص:235.

[23] -نفسه،ص:221-222.

[24] - عشت مع الثورا الجزائريين ، ص:233.

[25] - في نظرية الاستعمار، ص:64.

[26] - عشت مع الثورا الجزائريين ص:226.

[27] - نفسه ،ص:227.

[28] - عشت مع الثورا الجزائريين ، ص:195-196.

[29] - نفسه،ص:208.

[30] -نفسه، ص:209.

[31] - نفسه، ص:211.

[32] - أحمد منصور، الرئيش أحمد بن بلا يكشف عن أسرار ثورة الجزائر، ص:122.

[33] - نفسه، ص:63.

[34] -نفسه،ص:86.

[35] -عشت مع ثوار الجزائر، ص:230.

[36] - نفسه،ص:230-231

[37] - نفسه، ص:234.

[38] - جهاد المرأة الجزائريو في ولاية سطيف وتضحياتها الكبرى (1954-1962)، ص:89-99.

[39] -عشت مع ثوار الجزائر، ص:231.

[40] - نفسه، ص:232.

[41] - نفسه،ص: 172.ومابعدها

[42] - نفسه،ص:174.

[43] - نفسه،ص:290.

[44] - نفسه ، ص:257.

[45] -نفسه، ص:39.

[46] - نفسه، ص:102.

[47] - نفسه، ص: 141-115.

[48] -نفسه،ص:115.

[49] - نفسه ، ص: 15.

[50] -نفسه، ص:99.

[51]- عشت مع ثوار الجزائر، ص:22.

[52] - نفسه،ص:101.

[53] - نفسه، ص:103.

[54] -نفسه، ص:113.

[55] - نفسه، ص:126.

[56] -نفسه، ص:111.

[57] - نفسه، ص:135.

[58] - عشت مع ثوار الجزائر، ص:138.

[59] -نفسه،ص:144.

[60] -نفسه ص:156.

[61] - نفسه ص:159.

[62] - نفسه، ص:166.

[63] - نفسه ص:177.

[64] - نفسه ص:177.

[65] - نفسه،ص:192.

[66] - نفسه ص:198.

[67] - عشت مع ثوار الجزائر ص:200.

[68] -نفسه ص:200.

[69] - نفسه، ص:210.

[70] - نفسه، ص:213.

[71] - في نظرية الاستعمار،ص:64.

[72] - عشت مع ثوار الجزائر، ص:33.

[73] - عشت مع ثوار الجزائر، ص:147-148.

* كان جواز السفر الذي تحرك به بن بيلا بعد خروجه من سجن بليدة والسفر إلى فرنسا ثم سويسرا ثم القاهرة ثم العمل في شراء الأسلحة وتبليغنا غلأى الثوار عن طرسق ليبيا، كان هذا الجواز مزورا باسم بن مزيان مسعود من قرية شير دائرة آريس، وبعل الشهيد محمود بن عكشة الذي حوكم بعد ذلك بهذه التهمة ثم التحق بالثورة ، واستشهد مع بن بولعيد.

[74] - ،عبد الناصر وثورة الجزائر، دار المستقبل العربي، القاهرة 1984، ص:33.

[75] - عشت مع ثوار الجزائر، ص:176-177.

[76] - نفسه، ص:200-201.

[77] -نفسه، ص:135.