شعرية الخطاب الثوري

الذبيح الصاعد لمفدي زكريا نموذجا

 

 

أ / أحمد بقار

جامعة قاصدي مرباح ورقلة ، الجزائر

 

    قصيدة ( الذبيح الصاعد ) للشاعر مفدي زكريا قالها في غمرة لهيب الثورة الجزائرية ؛ أي بتاريخ 18 من جوان 1956م بالسجن الرهيب بربروس ، يصور فيها أول حكم بالإعدام عن طريق المقصلة للشهيد ( أحمد زبانا) – رحمه الله – فكانت شامة في جبين الشعر الثوري الجزائري بعامة .

   القصيدة الثورية كانت وسيلة مهمة من وسائل التواصل ، إن مع الأهالي ، أو لمحاجة الاستعمار و أذنابه ، و لهذا كان هذا الموضوع ، و الحجاج لغة كما جاء في لسان العرب : " حاججته أحاجه حجاجا و محاجة حتى حججته أي غلبته بالحجج التي أدليت بها ... و حاجه محاجة و حجاجا نازعه الحجة ... و الحجة الدليل و البرهان " 1  ،  الحجاج بهذا القول يعني النزاع و الغلبة بتقديم الحجج و البراهين ، و يرد الحجاج مرادفا للتجادل كما في اللسان ب " مقابلة الحجة بالحجة ... و اللدد في الخصومة و القدرة عليها " 2 ، فالجدل و الحجاج كلاهما ينطلق من الخصومة و القدرة على تقديم الحجج ، بغرض التغلب على الخصم .

   و من الناحية الاصطلاحية ؛ فإن الجاحظ يربطه بإفهام المخاطب للسامع عن طريق إيصال المعنى الذي يريده بوضوح ،  مع مراعاة مقامات السامعين و المتكلمين المتباينة و المتفاوتة 3 ، و الجاحظ يربط بين الحجاج و البلاغة ، حتى لا نكاد نفصله عنها " مدار الأمر و الغاية التي إليها يجري القائل و السامع إنما هو الفهم و الإفهام ، فبأي شيء بلغت الإفهام و أوضحت عن المعنى ، فذلك هو البيان في ذلك الموضع " 4 ، و لا يخفى أن البيان ركن من أركان علم البلاغة ، و يقسم إلى ثلاث وظائف :

-       الوظيفة الإخبارية ( حالة الحياد ) : و فيها يعنى المخبر بإظهار الأمر على وجه الإخبار قصد الإفهام .

-       الوظيفة التأثيرية ( حالة الاختلاف ) : و فيها يقدم الأمر على وجه الاستمالة و جلب القلوب .

-       الوظيفة الحجاجية( حالة الخصام ) : و فيها يتم إظهار الأمر على وجه الاحتجاج و الاضطرار .

و هذه الوظائف مجتمعة تشكل أس النظرية التداولية في الدراسات المعاصرة ؛ لأنها تقوم على القيمة التواصلية التي تنتهي إلى غاية منفعية .

    و النص الشعري كأي خطاب ، فإنه يعمل على استمالة الآخر و التأثير فيه و الاجتهاد في إقناعه من خلال توظيف ما تسعفه به الإمكانات التعبيرية التي تمنحها اللغة ، و السياقات المتباينة التي ترد فيها نصوصه ، و آليات الحجاج في الشعر :

 

 

    1 / الآليات اللغوية

     و تتجسد الآليات اللغوية في تكرار مختلف الصيغ اللغوية ، و " التكرار أسلوب شائع في الخطابات على تنوع مواضيعها و اختلاف أجناسها ، و لكنه لا يدرس ضمن الحجج و البراهين ، و إنما يعد رافدا أساسيا يرفد هذه الحجج و البراهين التي يقدمها المتكلم لفائدة أطروحة ما ، حيث يوفر لها طاقة مضافة تحدث أثرا جليلا في المتلقي ، و تساعد على نحو فعال في إقناعه ، أو حمله على الإذعان ؛ لأن التكرار يساعد على :

-       التبليغ و الإفهام

-       ترسيخ الرأي أو الفكرة في المتلقي " 5

و لا شك في أن للتكرار فائدة تداولية ؛ لأن مناط الاهتمام هو المخاطب الذي يعد الطرف المقصود في عملية التواصل ، حيث يتم التوجه إليه بتأكيد الأمر ، لإشعاره بعظمه سواء تعلق الأمر بالمتلقي أو المتكلم ، و هذا من شأنه تمتين اللحمة بينهما .

    و من الصيغ اللغوية : ( اسم الفاعل ، صيغ المبالغة ، اسم المفعول ، أفعال التفضيل ) ، و تكرار هذه الصيغ بوصفها صيغا دالة على الأفعال ، فهي صيغ مشتقة بالأساس ، تسهم في تأكيد الأمر المراد إيصاله إلى ذهن المتلقي ، و العمل على إذعانه لأفكاره التي بطن بها خطابه .

   2 / الآليات البلاغية :  

  و تتجسد في توظيف الصور البلاغية و استغلال ما فيها من طاقات حجاجية من أجل النفي أو الإثبات لفحوى الخطاب ، و جعل المخاطب يمعن النظر فيها ، و يؤكد أبو هلال العسكري في الصناعتين أهميتها بقوله : " ما تعطف به القلوب النافرة ، و يؤنس القلوب المستوحشة ، و تلين به العريكة الأبية المستصعبة ، و يبلغ به الحاجة ، و تقام به الحجة ، فتخلص نفسك من العيب ، و يلزم صاحبك الذنب ، من غير أن تهيجه و تقلقه ، و تستدعي غضبه ، و تثير حفيظته " 6  ، فهدف الملقي هو أن يبني الصورة بحيث تلقي بتأثيرها على المخاطب ، و لا ينسى مع ذلك الجانب الجمالي لهذا التوظيف .

   من الآليات البلاغية نجد التشبيه ، الذي يقيم ربطا بين واقعين متباينين ، و يترك للمتلقي تأويل وجه الربط بين هذين الواقعين ، و يرى الجرجاني أن " التشبيه قياس ، و القياس فيما تعيه القلوب و تدركه العقول ، و تستفتي فيه الأفهام و الأذهان ، لا الأسماع و الآذان " 7 ، إذن الأمر يتعلق بالفهم ، و التشبيه يجتهد في إزالة الفوارق بين ركنيه .

   و نجد أيضا الاستعارة ، حيث يوظف طاقاتها الحجاجية لإيصال المعنى إلى المتلقي ، إذ يقف الملقي و المتلقي على خط واحد ، و " تترتب الحجج في الخطاب على أساس طاقتها الحجاجية و قدرتها على الإقناع ، و يقوم المرسل بترتيب الحجج على أساس دعمها لدعواه " 8 ، لإلزام المتلقي البرهان الدامغ .

   3 / الآليات التداولية :

      أ / الحجاج باستعمال الأغراض الشعرية :

    إذ يعمل الشاعر على إبراز ذاته بالصورة التي تجعله مثاليا أمام خصمه ، من خلال إبراز مكانته في هذا العالم .

    ب/ الحجاج باستعمال المثل التاريخي :

    كأن يعمد إلى توظيف الآيات القرْآنية و الأحاديث الشريفة و الأمثال و الحكم و الشعر و الوقائع التاريخية ؛ لأنها نصوص تكتسب قوتها من مصدرها ، و " تتمثل خاصة في استحضار المواقع المستمدة من التاريخ العربي الذي يجمع الشاعر و مخاطبيه ، و ما لها من قدرة كبيرة على تواصلية بالغة التأثير ...الغرض المرصودة للاستدلال عليه " 9

  ج / التشخيص:

   يطلق عليه طه عبد الرحمن مصطلح ( الحجاج التقويمي ) ، إذ يعده نوعا من أنواع الحجاج فهو " إثبات الدعوى بالاستناد إلى القدرة المستدل على أن يجرد من نفسه ذاتا ثانية ينزلها منزلة المعترض على دعواه فها هنا لا يكتفي المستدل بالنظر في فعل إلقاء الحجة إلى المخاطب ، واقفا على حدود ما يوجب عليه من ضوابط و ما يقتضيه من شرائط بل يتعدى ذلك إلى النظر في فعل المتلقي باعتباره هو نفسه أول متلق لما يلقي ، فيبني أدلته على مقتضى ما يتعين على المستدل له أن يقوم به ، مستبقا استفساره و اعتراضاته ، و مستحضرا مختلف الأجوبة عليها و مستكشفا إمكانات تقبلها و اقتناع المخاطب بها ، و هكذا فإن المستدل يتعاطى لتقويم دليله بإقامة حوار بينه و بين نفسه و مراعيا فيه كل مستلزماته التخاطبية من قيود تواصلية و حدود تعاملية حتى كأنه عين المستدل له في الاعتراض على نفسه " 10

   و أعلى مراتب التشخيص الاستعارة لما تتضمنه من قوة حجاجية ، و طاقة تداولية ، فهي :

 

v    قول حواري :

     و هذه الحوارية صفة ملازمة له ؛ و ذلك لاشتراك ذوات متعددة في بناء الكلام ، و ذلك بتألف القول الاستعاري من مستويين ، المعنى الحقيقي الظاهر الذي لا يراد في ذاته ، و مستوى المعنى المجازي المتخفي و هو المراد و المبتغى .

v    قول حجاجي :

     من خلال تدخل آليتي الادعاء و الاعتراض في التشخيص الاستعاري ؛ لأن المستعير يؤمن بوجود المعنى الحقيقي للجملة ؛ أي المطابقة بين المستعار و المستعار له ، و من جهة أخرى يقوم بالاعتراض على وجود المعنى الحقيقي للجملة ،و هذا من خلال تقمصه لأدوار الذوات التي تشترك في بناء الكلام .

 

v    قول عملي :

     تهدف الاستعارة انطلاقا من قوتها ، و أنها أبلغ وجوه تقيد الكلام بالمقام إلى التغيير في سلوكيات الناطقين و حملهم على الإسراع إلى العمل ، فهي بهذا أدعى من الحقيقة إلى رفع همة المستمعين ، و دفعهم إلى الاقتناع بما تدعو إليه ، و إلزامهم بمضمونها . 11

    و نبدأ في تناول هذه القصيدة انطلاقا من الآليات اللغوية ، حيث تكرار مختلف الصيغ اللغوية ، و غني عن البيان أن التكرار لا يعد حجة في ذاته و إنما يعمل على تقوية الحجة . و سنعرض لأهم الصيغ المكررة في هذا النص الثوري :

ü     تكرار اسم الفاعل :

   و وردت هذه الصيغة مكررة بصورة ملفتة للنظر ، يقول :

          قام يختـــــــــــــــــــــــــــــال كالمســـــــــــــــــــــــــــيح وئيدا       يتهـــــــــــــــــادى نشـــــــــــــــوان ، يتلو النشيدا

          باسم الثغر ، كالملائك أو كالكطفـ       ل ، يستقبـــــــــــــــــــــــل الصبــــــــــــاح الجــــــــــديدا

          شامخا أنفــــــــــــــــــــــه ، جــــــــــــــــــــــــلالا و تيها       رافعا رأسه ، يناجـــــــــــــــــــــــــــــــــي الخلـــــــــــودا

          رافلا في خلاخــل ، زغردت تمـــــــــــــــــ        ـلأ من لحنــــــــــــــــــها الفضـــــــــاء البعيــــــــــــــــــــدا 

          حالما ، كالكليـــــــــــــــــــــــم ، كلمه المجــــــــ       ـــــد ، فشد الحبـــــــــــــــــــــــــال يبغــــــي الصعودا

          و تعالى ، مثل المؤذن ، يتلـــو ...       كلمات الهـــــــــــــــــدى ، و يدعـــــــــــــــــو الرقودا

          "واقض يا موت في ما أنت قاض ،     أنا راض ، إن عاش شعبي سعيـــــــــــــــــــــــدا"

         "أنــــــــــــــــا إن مــــت فالجـــــــــــــــــزائر تحيا ،      حــــــــــــــــــــــــــرة مستقـــــــــــــــــلة ، لـــــــــن تبيـــــــــــــــدا" 12

    إن تكرار اسم الفاعل يمتح من التجربة التي كان فيها الشهيد أحمد زبانا ، فهي لحظة يشعر و كأن كل لحظات السعادة الجميلة قد حيزت له ، كيف لا و هو يمتطي سلم المجد و الخلود ، و لا شك أن هذا التكرار يعمق دلالة الاستمرارية : (باسم ، شامخا ، رافعا ، رافلا ، حالما ، المؤذن ، قاض ، راض ، مستقلة ) ، فكل صفة يحملها كل اسم من أسماء الفاعلين ، تحمل معنى الجلد ، و قوة القلب ، و اليقين بالغد الأفضل ، و هي معان لا تفارق كل من يحمل إيمانا بثقل إيمان زبانا ، و هي بلا شك تحمل كل معاني الهزء بالخصم ؛ لأن ديدن الخصوم حمل معاني العذاب و الإذلال مستعملين في ذلك كل الطرق ، و غير مدخرين لأي وسيلة ، إلا أن الطرف المقابل واجههم بصلابة الجلامد .

    إن موقفه يستمده من قدسية رسالته ، و إيمانه العميق بانتصار قضية شعبه العادلة :

          "أنــــــــــــــــا إن مــــت فالجـــــــــــــــــزائر تحيا ،      حــــــــــــــــــــــــــرة مستقـــــــــــــــــلة ، لـــــــــن تبيـــــــــــــــدا"

و هذا ما يجعل من الطرف المحاج غير قادر على أن يفت من عضده ، أو ثنيه عن قضيته .

   الشاعر ما يني يحتج لصلابة الشهيد :

           كم أتيــــــــــــنا من الخــــــــوارق فيــــــها       و بهرنا ، بالمعجـــــــــــــــــــــــــــــــــــزات الوجودا

           و اندفعنا ، مثل الكواسر نـــــرتا        د المنــــــــــــايا ، و نلتقـــــــــــــــي البـــــــــــــــارودا 

           من جبال رهيبة ، شامخـــــات ،        قد رفعــــــــــــــــنا على ذراهـــــــــــــا البنـــــــــــودا 13

 الشاعر يحاج الخصم بأن الشعب كله على قلب رجل واحد ، و كله شعب يصنع المعجزات ، و يستحيل قهر شعب هذه طينته .

                              الشعب                الشهيد

ü     تكرار صيغ التفضيل :

       شاركــــــــــــــــــــــــت في الجهـــــــــــــــــــاد آدم حوا      ه ، و مــــــــــــدت معاصما و زنودا 

       أعملت في الجراح ، أنملها اللـــــــــــــــــــــــد       ن ، و في الحرب غصنها الأملودا

       فمضى الشعب ، بالجماجــــــــم يبني        أمة حــــــــــــــــــــــــرة ، و عـــــــــــــــــــزا وطيدا

       من دماء ، زكية ، صبها الأحـــــــــــــــــــــ        رار في مصرف البقــــــــــــــــــــــــاء رصيدا

       و نظــــــــــــــام تخطــــــــــــــه " ثورة التحــــــــــــــ        رير " كالوحي ، مستقيما رشيــــــدا  14   

    يبدو أن صيغ المبالغة – كما اسم الفاعل- تؤدي مهمة تقوية المعنى و ترسيخه ؛ فالشاعر و الشهيد الذي خصه بهذه القصيدة كلاهما ينتمي لهذا الشعب العظيم ؛ صاحب ( العز الوطيد ، و البقاء الرصيد ، و الوحي الرشيد ) ، هذه الأخيرة من جعل دولة الظلم تندحر:

        دولــــــــــــــــــة الظــــــــــــــــــلم للزوال ، إذا ما        أصبــــــــــــــح الحــــــــــــــر للطغام مسودا 15

    و المقصود من كل ذلك حتما الاحتجاج على صلابة عود هذا الشعب ، و هي ألفاظ تحمل معنى الحجاج بالفخر – كما هو واضح- ( وطيد ، رصيد ، رشيد ) .

   كما نجد الحجاج بذكر صفات المخالف في شكل غرض ( الهجاء ) ، في سياق استفهام استنكاري :

      أمن العدل ، صاحب الدار يشــــقى       و دخيل بها ، يعيــــــــــــش سعـــــــــــــيدا ؟ !

      أمن العدل ، صاحب الدار يعــــرى        ، و غريب يحتـــــــــــــل قصـــــرا مشيدا ؟

      و يجـــــــــــــــــــوع ابنـــــــــــها ، فيعــــــــدم قوتا        و ينال الدخيل عيــــــــــــــشا رغيدا ؟ ؟

      و يبيح المستعمـــــــــــــــــــــرون حمــــــــــــــــاها         و يظــــــــــــل ابنـــــــها طـــريدا شريدا ؟ ؟ 16

 ( دخيل ، سعيد ، غريب ، مشيد ، رغيد ، طريد ، شريد ) ، هذه الصفات تدفع بالمتلقي إلى الاختيار مُعملاً فكره بين صاحب الحق الشرعي ، و المغتصب ، و مما زاد الحجاج قوة هذا الاستفهام الاستنكاري المتوجع .

  و من الآليات البلاغية نجد التشبيه ، هذا الذي يعد من أوضح الصور البلاغية ، و هذا لبساطة العلاقة التي توجد بين ركنيه ، و كذا لأنها تدرك ببساطة أيضا ، و لقد جاءت أغلب تشبيهات القصيدة في مقام إبراز المكانة العلية للشهيد زبانا ، و محتجا على صلابة إيمانه :

 

       قام يختــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــال كالمسيــــــــــــــــــح وئيـــدا        يتهــــــــــــــادى نشـــــــــــوان ، يتلو النشيدا

       باسم الثغر ، كالملائك أو كالطفــــــــــــــــــ         ل ، يستقبــــــــــــــــــــل الصبـــــــــاح الجديدا

      رافلا في خـــــــــــــــــــــلاخل زغــــــــــــــردت تمـــــــــــــــ          لأ من لحنها الفضــــــــــــــــــــــــــــــــاء البعيدا

      حـــــــــــــــــالما ، كالكلــــــــــــــــيم ، كلمه المجــــــــ          ـد ، فشد الحبال يبغي الصعـــــــــــــــــودا

      و تسامى ، كالروح ، في ليلة القــــــــــــــد         ر ، سلاما ، يشع في الكون عيـــــــدا

      و تعالى ، مثـــــــــــل المؤذن ، يتلو . . .         كلمات الهدى ، و يدعـــــــــــــو الرقودا 17

   فالشاعر و هو يصف الشهيد زبانا يقدم نفسه رخيصة في سبيل هذا الوطن ، راح يشبهه بكل ما من شأنه حمل معاني السمو و التعالي و الطهر و البراءة ؛ ( كالمسيح ، كالملائك ، كالطفل ، كالكليم ، كالروح ، مثل المؤذن ) ، إن تكرار هذه التشبيهات ، و بالصيغة نفسها ، يضفي على الحجاج قوة بالإضافة إلى ربط طرفي التشبيه بوجه الشبه ، ما يضفي على الحجاج بيانا آخر . و كل مشبه به في هذه الأبيات له رابط كبير بالوضعية التي كان عليها الشهيد :

        -  المسيح                                         حمل عبء الرسالة و الصبر على نتائجها + الخلود .

       -  الملائكة                                         الطهر + العلو .

       -  الطفل                                           البراءة .

       -  الكليم                                          شرف التكلم .

       -  الروح                                           القدسية + شرف حمل الوحي .

       -  المؤذن                                        عظم المهمة  .

  لم يدع الشاعر مظهرا أو صورة من صور الجمال إلا و أصبغها على هذا الشهيد الذي وضع روحه بين كفيه ، و أن كل مشبه به مرتبط بالأعلى ، و هل ينزل من أعلى إلا كل مقدس نبيل ؟ و هذا ما يدفع المتلقي إلى التعاطف مع قضيته ، انطلاقا من الربط بين طرفي التشبيه ، و نصل إلى ذلك انطلاقا من هذا السلم المدرج ، الذي يدفع المتلقي إلى إعمال فكره من أجل الوقوف على العلاقة القائمة بين عناصره ، و القصد من الرسالة التي يريد أن يحملها المُلقي :

 

            الرفع إلى أعلى (زبانا) -ج-                                   الطهر (زبانا) -ج-

        الرفع إلى أعلى ( الشهيد)-ب-                              الطهر (الشهداء) -ب-   

      الرفع إلى أعلى ( المسيح) – أ -                                 الطهر (الملائكة)-أ-

 

 
   

 

 

        القدسية (زبانا) -ج-

   القدسية (الشهيد) – ب-

         القدسية (الروح)-أ-

    إن هذه السلالم الحجاجية تسهم في اكتشاف طاقة الحجاج التي تتضمنها التشبيهات ، إذا سلمنا بأن التشبيه عبارة عن عملية منطقية تنطلق من مقدمات لتصل إلى النتائج ، كما يسهم في تقريب الأشياء من عالم الحس ، مما تساعد المتلقي على الاستنتاج .

      و سرى في فم الزمان " زبانا " . . .        مثلا ، في فم الزمـــــــــــــــــــــــان شــــــــــرودا

      ثورة ، تملأ العـــــــــــــــــــــــــوالم رعــــــــــــــــــــــــــــــــــــــبا         و جهاد ، يذرو الطغاة حصيــــــــدا 18

   يمتح الشاعر من قوة البيان التي تتضمنها الاستعارة المكنية ، ليعبر عن خلود اسم " زبانا " في حياة العالمين من جهة ، و عن استمرارية قوة الثورة من بعده ، و حصدها للانتصار بعد الانتصار من جهة أخرى .

  إن "زبانا" انتصر بموته على جلاديه ، و بانتصاره انتصرت ثورته ، و هي حتما نتيجة لمقدمة حتمية .

 

                    " زبانا" خالد -ج-                              ثورة الجزائر قوية -ج-

       الشهداء أصحاب قضايا -ب-                              ثورة الجزائر حق -ب-

         الخلود لصاحب القضية -أ-                               ثورات الحق قوية -أ-

 

  أما عن آليات الحجاج التداولية نجد :

ü     الحجاج بالفخر :

   و هو صورة حجاجية يتضمنها كل بيت من أبيات هذه القصيدة ، ما يحمل المناوئ أو المتلقي إلى الإقرار بالأقوال التي تصدقها الفعال ، و لعل عمودها ( موت زبانا ) :

      صرخــــــــــــــــــــــــــة ، ترجــــــــــــــــــف العــــــوالم منها        و نــــــــــــــــــــــــــــداء مضـــــــــــى يهــــــــــــــــــز الوجودا :

      " أشنقـــــــــــــــــــــوني فلســــت أخشى حبالا          و اصلبوني ، فلست أخشى حديـــــــــــدا "

     " و امثل سافــــــــــــــــــــــــرا محيـــــــــــــــــاك جـــــــــلا           دي ، و لا تلتثم ، فلست حقــــــــــــــــــــــــودا"

     " و اقض يا موت في ما أنت قاض ،          أنا راض ، إن عاش شعـــــــــــــــــــبي سعيــــــــــدا"

     " أنا إن مت فالجــــــــــــــــــــــــــــــزائر تحــــــــــــــــــــــــيا           حـــــــــــــــــــــــــــــرة ، مستقــــــــــــــــــــــــــــــلة ، لن تبيدا"

      قولةٌ ، ردد الزمــــــــــــــــــــــــــــــــــان صــــــــــــــــــداها           قدســـــــــــــــــــــيا ، فأحســـــــــــــــــــــــن الترديـــــــــــــــــــدا

     احفظــــــــــــــــــــــــــــــــــــوها ، زكيــــــــــــــــــــــــة كالمثاني          و انقلــــــــــــــــــــوها ، للجيــــــــــــــل ، ذكرا مجيدا 19

    الشاعر يتحدث على لسان الشهيد " زبانا " مُظهرا رباطة جأشه ، و قوة شكيمته ، و إقباله على الموت بأريحية كبيرة : ( اشنقوني فلست أخشى حبالا ، اصلبوني ، اقض يا موت ، أنا راض ، أنا إن مت فالجزائر تحيا ) ، و هذا يدفع الدهشة إلى الخصم المناوئ ، و يجعله يراجع حساباته ، كما يدفع الرعب إلى أوصاله ؛ لأنه فقط ليس صاحب قضية .

ü     الحجاج بالمثل التاريخي :

   و تتجسد في استقدام الوقائع من التاريخ للمقارنة و المحاجة ، و إبراز ما لها من قدرة تواصلية كبيرة ، و تجدر الإشارة إلى أن تضمين الآيات القرآنية و الأحاديث الشريفة و الحكم و الأمثال ، تستمد حجيتها و قوتها من قوة المصدر الذي استقيت منه ، و تواتر الناس على الإقرار لها بهذه المحاجة و القوة ، و غني عن البيان أن المُلقي يلجأ إلى هذه النصوص عندما تعوزه الحيلة على مواصلة المجابهة أمام الطرف المُحاج ، فهي ؛ أي هذه الحجج الجاهزة غالبا ما تؤدي وظيفة التدعيم إلى جانب وظيفة إعادة التوازن بين المتكلم و المخاطب ، بعدما يعتري العملية التخاطبية نوعٌ من الخفوت في التفاعل 20 ، يقول الشاعر مستحضرا واقعة صلب السيد المسيح – عليه السلام-

          قام يختـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــال كالمسيح وئيـــــــــــــــدا      يتهادى نشـــــــــــــــــــوان ، يتلو النشيدا

          وامتــــــــــــــــــــــــــــــطى مذبـــــــــــــــــــــــــح البطـولة معـ    ــراجا ، و وافى السماء يرجو المزيـدا

          زعمــــــــــــــــــوا قتله ... و ما صلبــــــــــــــــوه ،     ليس في الخالدين ، عيسى الوحيدا

          لفه جبـــــــــــــــــــــــــــــرائيل تحــــــــــت جناحيــــــــــــــ      ـه إلى المنتهى ، رضــــــــــــــــــــــــــيا شهيدا 21

   استطاع الشاعر محاججة المناوئ بحادثة هي من صميم عقيدته و تاريخه المقدس ، و هي حادثة صلب المسيح – عيه السلام – فالحادثتان كلتاهما تمتح من نبع العقيدة الثر ؛ لأن الرجلان كلاهما ضحى من أجل أمر مقدس نبيل ، مع الفارق ؛ فالمسيح لم يمت و إنما شبه لقاتليه و رفعه الله إليه ، و الشهيد "زبانا" ارتفعت روحه إلى أعلى عليين ، فهي مخلدة في الجنة . إذن فالروحان كلتاهما ارتفع إلى أعلى حيث الراحة الكبرى ؛ لأن كلاهما أقدم على عمل جليل ، و يبدو هذا المثل العقدي موائما لعقلية المناوئ الذي تمادى في ظلمه ، هذا الظلم الذي جعله يجهل حتى حدود عقيدته ؛ و الحقد أعمى .

   لقد اجتهد "مفدي زكريا " في قصيدته هذه من استغلال كل أدوات الخطاب الحجاجية ، لينقل صورة جميلة عن الشهيد ، و صورة كلها حقد و كراهية للطرف المناوئ ، و ما يلفت النظر في هذا النص ، أنه و على الرغم من أن الموقف موقف حزن كبير ، إلا أن الشاعر استطاع بفعل إيمانه العميق أن يحول قتامة هذه الصورة إلى أجواء روحانية عالية ، تعكس مدى فرح الشاعر بهذه الشهادة التي تكرم بها ، و هذه هي أقوى صور المحاججة .  

       الإحالات :

   1/ ابن منظور : لسان العرب .دار صادر .بيروت.طبعة5. 1992. ج3. ص 228.

   2/المرجع نفسه و الصفحة .

   3/ينظر: راضية خفيف بوبكري.التداولية و تحليل الخطاب-مقاربة نظرية-مجلة الموقف الأدبي،العدد399.تموز 2004. ص03.

   4/الجاحظ:البيان و التبيين.تحقيق و شرح : عبد السلام محمد هارون.ج1.دار الجيل.بيروت. لبنان.دت.ص76.

  5/سامية الدريدي:الحجاج في الشعر العربي القديم بنيته و أساليبه حتى نهاية القرن الثاني هجري.عالم الكتاب الحديث.أربد.الأردن.ط1. 2008 . ص168.

  6/أبو هلال العسكري:الصناعتين( الكتابة و الشعر).تح: علي محمد البجاوي ، و محمد أبو الفضل إبراهيم.دار الفكر العربي.ط2. دت. ص57.

  7/عبد القاهر الجرجاني:أسرار البلاغة في علم البيان.صححه و علق حواشيه:محمد رشيد رضا.دار الكتب العلمية.بيروت.لبنان.1988. ص15.

  8/طه عبد الرحمن:اللسان و الميزان أو التكوثر العقلي.ط 1 .المركز الثقافي العربي.الرباط.المغرب.1998.ص277.

  9/محمد العمري:في بلاغة الخطاب الإقناعي-مدخل نظري و تطبيقي لدراسة الخطابة العربية- الخطابة في القرن1 نموذجا.إفريقيا الشرق و المغرب.ط2. 2002. ص90.

  10/طه عبد الرحمن:المرجع السابق.ص228.

  11/المرجع نفسه:ص312.311.310.

  12/مفدي زكريا:اللهب المقدس:موفم للنشر.الجزائر.2009. ص18.17.

  13/المصدر نفسه:ص19.

  14/نفسه:ص20.

  15/نفسه و الصفحة .

  16/المصدر نفسه:ص22.

  17/المصدر نفسه:ص18.17.

  18/المصدر نفسه:ص19.

  19/المصدر نفسه:ص18. 

  20/آمنة بلعلى :تحليل الخطاب الصوفي في ضوء المناهج المعاصرة. منشورات الاختلاف.الجزائر.ط1. 2002. ص120.

   21/اللهب المقدس:19.18.