قراءة في التجربة النقدية

لدى عبد الملك مرتاض

 

أ/فيصل أحمر

 – جيجل –(الجزائر)

مقدمة:

تهدف مداخلتنا هذه إلى أن تسليط الضوء على بعض نواحي التجربة النقدية لعبد المالك مرتاض، والتي هي تجربة ثرية متشبعة الجوانب .... وذلك من أجل وضعها في إطارها الحقيقي، ومن أجل الحكم عليها حكما يحاول أن يرتكز على مقدمات موضوعية ومعطيات علمية.

وإذا كان كثير من الكلام الذي سنورده محتويا على ما يشبه التجريح أو النقد الواقف على المثال ، فما ذلك حط من قيمة الرجل ولا أعماله ، وما ينبغي لنا أن نفعل، ولن نفعل حتى إن ابتغينا ذلك .فمرتاض رجل يختزل جيلا كاملا ولولاه لما كان ما يتعاطاه النقاد الأكاديميون تحديدا والنقاد عموما على ما هو عليه اليوم .

ستركز المداخلة على نقد المنهج ، وعلى الوقوف عند الحد الفاصل بين النص والخطاب عند مرتاض . لذلك بدأنا بمقتطفات قرأناها بشيء من التأني حول تحديده للنص الأدبي والنص الشعري تحديدا وجديد التناول النقدي لهما  في القرن 20... ثم أوردنا بعض النصوص حول رؤيته لظاهرة التحييز أو ميل اللغة صوب خلق الحيز على تعدد نواحي هذا الأمر ، من منطلق إصرار مرتاض على كون هذا الأمر أحد أهم ما جاءت به الدراسات الحداثية كمفهوم للاشتغال الأدبي للغة ، يضاف إلى تحديث بعض المفاهيم المعروفة كاللفظ والبنية والايقاع والصورة .

ثم أوردنا بعض المقولات التي يصف مرتاض من خلالها منهجه قبل أن نقدم قراءة في كل ذلك تبين ما رأيناه بعد عكوف أعوام على أعمال هذا الرجل الفاضل .

 

هكذا تكلم مرتاض:

أ-حول النص الأدبي:

أول العناصر التي يتحدث عنها مرتاض في سياق حصره للعناصر المميزة للعمل الأدبي هو فكرة التناول النقدي المستوياتي، أي أن النص الأدبي تشكيل لغوي ذو مستويات مثل مستوى اللغة، ومستوى التراكمات الدلالي الواجب تفكيكها بواسطة التحليل والاستقصاء والافتراض ...، والمستوى الزمني، والمستوى الإيقاعي... الخ(1)

ويواصل مرتاض تعبيد الطريق أمام الناقد أو الدارس السيميائي المتعرض للنصوص الأدبية فيشير إلى ضرورة التناول الشمولي للنص الأدبي(2) ومعنى ذلك ضرورة تمثل الشبكة المفاهيمية التركيبية المسماة (الشكل) والشبكة المفاهيمية التركيبية المسماة (المضمون)، ذلك أن النص الأدبي ليس صندوق ألعاب يضم مجموعة من الأشياء المتباينة المنفصل بعضها عن البعض الآخر، بحيث يمكننا أن نفصل أي عنصر عن باقي العناصر، وأن نخرج أي شيء أو لعبة من داخل الصندوق دون أن يؤدي ذلك [ ولو ظاهرا] إلى تغير جذري في ماهية الصندوق... فالنص الأدبي بناء متماسك وشبكة متحدة الأجزاء لا يمكن تناول بعضها دون البعض الآخر.

          فاختيار جنس أدبي معين كالمسرحية [ وهذا أمر متعلق بالشكل حسب المفاهيم التقليدية ] واختيار العبث [ وهذا أيضا بشكل مستقل بذاته عن غيره، حسب المفاهيم الأكاديمية على الأقل]... هذا الاختيار مثلا يعد اختيارا مضمونيا أيضا، فهذا الشكل المسرحي يفترض فيه بروز أنواع معينة من الشخصيات والأفكار والعقد المسرحية وطرق انفراج العقد [ إن وجدت هذه العقد وانفراجاتها طبعا] ...

فنحن باختيارنا هذا الشكل نكون قد تورّطنا في اختيارات مضمونية ولكي نبسط الفكرة أكثر، نقول مثلا متسائلين، هل ترتبط المضامين الدينية مع مسرح العبث ؟... هذا شيء لا يحدث قطعا، كذلك فاختيار مضمون معين يتبعه بصفة عامة [ وليس هذا بالحكم القاطع] اختيار شكلي معين، فمشاكل الإنسان المعاصر مثلا لا تتماشى مع قواعد المسرحية الكلاسيكية (وحدة المكان، وحدة الزمان،التقسيم حسب خمسة فصول ومجموعة معينة من الفصول ... الخ)...

ومن هنا نخلص إلى أن الشكل والمضمون متلازمان ملتحمان إلى درجة كبيرة، بحيث يصبح فصل أحدهما عن الآخر ضربا من ضروب المساس بالعمل الأدبي، وتشويهه... ويشبه مرتاض هذا الالتحام (أي التحام الشكل والمضمون) بالتحام الروح والجسد(1)... مما يوحي بمدى التصاق أحدهما بالآخر...

وهذا المبدأ يفضي إلى عنصر آخر يتعلق بالمنهج الدراسي، فإذابة الفارق التقليدي بين الشكل والمضمون يقضي إلى قاعدة بسيطة هي أنه إذا كانت التفرقة بين عنصرين ما سلوكا مشينا فالتوحيد بينهما هو السلوك الصالح الواجب تبنيه... إذ أن البحث عن المضمون في النص الأدبي من خلال دراسة الجانب الشكلي له، يعد إضافة إلى كمال بنيان النص الأدبي [ وليس كمال المضمون ولا كمال الشكل...]، بحيث تفضي كل من طريقتي الانطلاق من المضمون إلى الشكل، والانطلاق من الشكل إلى المضمون (إلى إضافة العلاقات وتوضيحها بين هذا المضمون وذلك الشكل)(2)

عنصر آخر من مميزات المعالجة السيميائية للنص الأدبي هو ذلك الذي يتعارض مع المنهج الكلاسيكي في الدراسة والنقد، هذا الأخير الذي ينص على وجوب استقصاء الناقد للنص من أجل استخلاص نتائج ينتهي الدارس بحصرها وقولبتها، بحيث تصبح النتائج الأولى الموصول إليها مرتبطة لا محالة بالنص والنص مرتبط بها لا محالة ويصبح في إمكان الناقد (إصدار أحكام جمالية متعلقة بالنص الأدبي المدروس)(1) يخالف المنهج السيميائي هذه المبادئ إذن عاداّ النقد (مجرد نشاط ذهني يساق حول نص آخر دون أن يسعىبالضرورة إلى اتخاذ رداء القاضي المتحكم القادر على تعرية ما بالداخل)(2)...

وهذا الموقف النقدي يجرنا إلى الاستنتاج الذي وصل إليه غريماس من قبل بصدد تحديد ماهية النشاط السيميائي كمقاربة علمية لدراسة أشكال التواصل جميعها، بحيث أنه كان قد لاحظ أن السيميائية  تدرس طبائع الإشارات التي تبثها الأشياء [ واستحضر هنا مبدأه حول المعنى والإشارة اللذين يسكنان كل شيء، واللذين ينبعثان من كل شيء في هذا الكون الواسع] ...أي أن الإشارات تستطيع أن تكون ذاتية التلقي، فما يدركه زيد في شيء ما، أو ما تلقاه من إشارات قد لا يدركه ولا يتلقاه عمرو ... لذلك فنتائج الدراسة والتحليل مختلفة باختلاف المادة الإشارية المنبعثة التي تشكل الأرضية الأساسية للدراسة والتحليل...

أما بالنسبة للنص الأدبي خصوصا فنحن عالمُهُ (عادة، بدون رؤية مسبقة وربما بدون منهج محدد من قبل [ ولو أن ذلك لا بد من أن يكون متصورا في النص على نحوما هو في دائرة المنهج الحديث القلق الذي يتطلع أبدا إلى تجديد نفسه، وعدم الائتمان إلى مساره...] ). وقد تمثلنا أمر النص الأدبي... حجرة مغلقة ومفتاحها بداخلها. ولا يمكن فتح هذه الحجرة، نتيجة لذلك إلا من داخلها، وعلى الرغم من أن مثل هذا التصور لهذه المسألة قد يعد ملغزا ومستحيل التحقيق، فليس هناك من سبيل غير هذه لمدارسة النص مدارسة جادة)(3)

ربما يكون تصور مرتاض للنص على أنه حجرة مغلقة مفتاحها بداخلها تصورا يبعث الوهن في النفس، ويستأصل الشجاعة وبذورها، ويقتلع كل جذور الإقدام من أرض الناقد الأدبي، غير أن التصور ذكي إلى حد ما ... ونحور من هذا المثال الجزء المتعلق بالمفتاح تحويرا طفيفا لكي نقول أن المفتاح تحويرا طفيفا لكي نقول أن المفتاح موضوع في ثقب الباب في متناول الفاتح الذي ينوي الفتح، يكون الاقتراب من الباب ونية فتحه كافيين لعرض المفتاح على الفاتح... وهذا التصور الذي نتج عن التحوير البسيط أقرب إلى المبادئ التي ترتكز عليها السيميائية، بحيث يصبح المفتاح المعروض أمام كل راغب في الدخول الحجرة بمثابة الإشارات المنبعثة من الأشياء ومن الألفاظ ومن العلائق الرابطة بين الألفاظ والمكونة للنص الأدبي...

عنصر آخر ينضم إلى سابقيــه، هــو ذلك المتعلـــق بحدود الاقتراب السيميائي من النص الأدبي... إذ يجب أن نستحضر دائما أمام أعيننا فكرة أن (النــص الأدبــي الواحد قد يتناوله طائفة من الدارسين جملة واحدة دون أن يكون ذلك ممتنعا أو مستنكرا).  (1)

فالمرجع في هذه الدراسات هو زاوية النظر التي من خلالها نسلط الأضواء على النص الذي نحن بصدد مدارسته. وقد أسلفنا الحديث عن مسألة التناول المستوياتي، وهو شيء يوحي بتعدد إمكانيات النظر، وها نحن أولا نتحدث عن تعددية الزوايا ونتحدث عن تعددية أوجه التأويل الإشاري لما يشبه النص من إشارات ودلالات ومعان...

فالغاية تبقى هي (أن يوغل الساعي بعيدا، فيجوب مجاهل النص الشاسعة ويطوف في آفاقها الواسعة، حتى تتعدد أمامه الزوايا وتتشعب له الدروب وتتضح في ذهنه الرؤى)(2).فالنص يعرض نفسه بنفسه، وهو كائن متراكم وبنية معقدة متشعبة كلما غاص فيها الدارس ازدادت الأوجه التي يقدمها النص له تعددا وكثرة واتسعت – تبعا ذلك – دائرة التأويل.

ثم إنه (مهما استكشف القارئ [ الناقد] من أبعاد النص وعناصره، ومكانته ومجاهله، فإن ما يستكشفه يظل في رأينا، مجرد صورة واحدة من صور القراءة. ولا يجوز له أن يتخذ صفة الحقيقة النقدية التي من العسير التسليم بها. ذلك بأن مجرد ذكر الحقيقة يتبادر إلى الذهن مع هذا الذكر الزيف. ويعني هذان المعنيان المتضادان وجود شيء ثابت الوجود وشيء آخر موهوم. ولكن أين الدليل القاطع المادي على صحـة الدعوى ؟)(3) فالحقائق السيميائية نسبية، وهذا هو الأمر الذي يعطيها فرصة الدوام فالحقيقة الثابتة تبطل بمجرد ظهور نقيضها، أما الحقيقة الافتراضية فهي تبعثنا دائما إلى البحث عن نقيضها المحتمل (الافتراضي)... فإذا ما وجدنا هذا النقيض بطلت الحقيقة الأولى ليصبح هذا النقيض قائما مقامها ثم يرسلنا هو نفسه في البحث عن نقيضه المحتمل... وهكذا دواليك... فهذه الحقيقة تتسم بالتواصل والبقاء، بحيث يظل العامل الافتراضي هو الآلية التي تسمح بالتجدد والامتداد، وبالتالي التواصل والبقاء.

وبعد تحديد هذه العناصر المميزة للنص الأدبي، أو للمقاربة السيميائية الحداثية للنص الأدبي، يتساءل مرتاض عن مكمن الأدبية في النص أي عن مكمن العنصر الذي يشكل الخاصية الأدبية في النص الأدبي... ولا بد أن الكلام المهضوم الناص على كون الانطباع الحسن الذي يتركه النص في نفس القارئ، وما ينشأ في النفس من شعور باللذة التي من شأن الجمال أن يبثها في نفس القارئ الذواقة، ... الكلام القديم نسبيا الذي يرى أن هذه الآثار الشعورية السطحية هي أدبية الأدب، أو بصفة أعم، فنية العمل الفني،لم يعد مقبولا حاليا وقد تطورت المفاهيم الجمالية كلها، وتعمقت الدراسات بحثا عن مكامن الجمال...(4)

وتبقى للنظرية البنيوية أهم المكاسب على مستوى هذا النوع من البحوث، إذ نظّر رومان جاكوبسن إلى هذه القضية سنة ألف وتسعمائة وإحدى وعشرين [ ونقول نظّر ولا نقول تناول، لأن الكثير من أهل الاختصاص بحثوا قبل ذلك بكثير في الأمر وأدلوا بدلوهم، وأثمرت جهودهم ما أثمرت، أما جاكسون فقد أعطى نظرية متكاملة]... (ولما كانت المدرسة التي يروّج لها جاكسون هي أصلا، شكلانية، فلا ينبغي لنا أن نفهم هذه الأدبية التي يفترض أن تتوافر في أي نص أدبي إلا على أساس كونها شكلية أيضا، أي أنها سطح النص الأدبي ومرفولوجيته...)(1) فالأدبية مسألة شكلية، ولا بحث في النص إلا عن أدبية الشكل، ذلك أن المضامين التي هي جزء من العمل الأدبي لا تحتوي على ذرات الأدبية " وجزئياتها بل تلتحم (أي المضامين) مع الأشكال فاسحة لها مجال البريق واللمعان، على أساس كون العمل الأدبي هو تناول فكرة معينة أو مضمون معـيـن [ يكون مطروحا على قارعة الطريق يبلغه القاصي والداني] ثم عرضهما بطريقة أدبية (= فنية)... وهذا ما يعبر عنه مرتاض [ وهو في ذلك يتمثل أفكار الجاحظ أكثر من أفكار الشكلانيين الروس] قائلا: (نفهم من الأدبية جوهر الأدب، والجوهر هنا ليس بالمعنى الفلـــسفي للأشياء، وإنما يعني ببساطة أجمل ما في الأدب، وأصدق ما في عاطفته وأدفأ ما في جوه، وأروع ما في نسجه، فإذا كان الأدب هو ما نعرف من النصية الجمالية أو من الجمالية النصية أو من الإبداعية القائمة على تمثل عالم، ثم إخراجه إلى المتلقين في بناء لغوي تحكمه شبكات من العلاقات والشفرات التي لا تنتهي أبدا، إذ صفتها يجب أن تكون أجمل من كل هذا وألطف وأعمق وأشمل وأروع وأبصر)(2).

ونشير هنا إلى التفاتتين هامتين جاءتا ضمنيا في سياق هذا النص، أولاهما هي تلك الآخذة في الإشادة بالتركيز على شبكات العلائق والشفرات التي لا تنتهي أيدا، إذ أن هذا الحديث هو صلب الأدبية كما فهمتها الشكلانية ثم طورتها البنيوية لتأخذها المذاهب كلها عن البنيوية، بما في ذلك السيميائية [ ولا ننسى طبعا أن السيميائية وليدة التقاليد البنيوية].

وكإضافة إلى هذا العامل التاريخي، يميل مرتاض [ كما يميل باحثون كثيرون آخرون] إلى عد هذه المضامين المعرفية حول نظرية الأدبية في نفسها التي نطق الجاحظ معبرا عنها في تعليقه الشهير.

أما الالتفاتة الحسنة الثانية فهي قول مرتاض عن الأدبية أنها يجب أن (تكون أجمل ... وألطف وأشمل وأروع وأبهر) من كل ما تحدثا عنه من صفات الأدبية... فهذا الكلام يضفي على مسألة الأدبية نوعا من الخفاء، وهذا هو حقها وهذه هي حقيقتها، فمهما حولنا إيجاد السبل إلى مكامنها فلسنا إلا محاولين لا أكثر، وهذا ما يفتح الباب أما غير من المحاولين لكي يجتهدوا اجتهادهم وينظروا نظرتهم.

أما الآن وقد تبينا العناصر المميزة [ أو على الأقل: أهمها] للنص الأدبي، فوجب أن نطرح السؤال:

كيف يواجه الناقد (القارئ، الدارس أو حتى المؤرخ) الأدبي هذه النصوص المملوءة بالألغام ؟

فقد عبدنا الطريق أمامه – في الصفحات السابقة – لكي يفقه ملابسات النص الأدبي، ولكننا لم نبين طبيعة الموقف الذي يجب عليه اتخاذه تجاه النص.

وقد يبدو ببساطة أن الدور الأساسي للناقد السيميائي، في مرحلته الأولى على الأقل، ليس أن يكتشف بنيات الأنظمة الدالة الموجودة في النص الأدبي [ ولا داعي للإشارة إلى أن النصوص المقصودة في مختلف زوايا هذا البحث هي النصوص الأدبية الناضجة، أي التي تحمل في صلبها شحنات فنية تميزها عن غيرها] ... ذلك أن الناقد السيميائي [ في مرحلته الأولى دائما] لا يملك المعطيات الكافية للقيام بمثل هذا العمل الضخم...(1).

ونستحضر هنا مثالا بسيطا جدا، فأعمال أبي تمام أحدثت الضجة التي هي أهل لها، وأثارت نقاشا جادا في عصره وبعد عصره، وطرحت أنظمة بجمالية عن سواعدهم وبحثوا واستفسروا وبلغوا ما بلغوه، إلا أن صلب المفهوم لم يبلغه أحد طوال القرون العشرة المنصرمة بعد صدور أعماله، حتى أعاد الدارسون نظرهم في أعماله على ضوء مناهج الدراسة الأدبية الحديثة، والتفسيرات الحداثية للظاهرة الشعرية وربما تكون أعمق القراءات في هذا الموضوع قراءة أدونيس للظاهرة الشعرية عند أبي تمام... والتي ضمها الجزء الثاني من دراسته (الثابت والمتحول).

لذلك فالدور الأساسي للدراسة السيميائية للعمل الأدبي يبقى هو تبيان انزياح العمل وتفرده وتميزه عما سبقه من الأعمال الجيدة الداخلة ضمن الزمرة نفسها(2).

ب-حول الحيز:

يقدم لنا عبد الملك مرتاض صورة واضحة لما يطمح إليه من خلال دراسته الحيز (حسب المصطلح الذي يستعمله هو)، فهذه الدراسة عنده (تتبع الدلالات والصور والأشكال والخطوط والأبعاد والامتدادات والأحجام الحيزية التي ترى أنها تحمل في طياتها لطائف الحيز المجسد على الخشبة السردية أو الشعرية أو الحيز القابع فيما وراء هذه الخشبة، وهو ما نطلق عليه كما أسلفنا الملاحظة "الحيز الخلفي" مقابل " الحيز الأمامي")(3).

وإذا كان مرتاض هنا يكرر على مسامعنا حديث الأحجام والخطوط والأبعاد واللطائف، وهي الأمور التي سبق تناولها من قبل النقاد فإنه يضيف في نهاية نصه هذا فكرة الفضاء الأمامي والفضاء الخلفي، وهذا تقسيم دقيق لما تحدثنا عنه في سياق المعاني المباشرة وغير المباشرة، فالأولى تمنحنا شبكة الفضاء الأمامي، أي التي تتفق حولها ببساطة، والثانية تمنحنا شبكة الفضاء الخلفي، أي التي محكها  الأساسي هو التأويل والتي عموما ما تفضي إلى حالات الاختلاف.

ويبتغي مرتاض في مكان آخر التحقيق أكثر حول محل الفضاء، أو حول منبعه في النص، فيطرح السؤال: (هل الحيز هو الدال أو هو المدلول ؟ وبعبارة أخرى: هل الحيز هو المتحدث أو المتحدث عنه ؟)(1).

يجيب بأن (الحيز في حقيقة أمره يقوم بدور الدال طورا وبدور المدلول طورا ثانيا)(2)

وهذا ما نرى غيره، لأن الفضاء لا يقوم بدور الدال أو المدلول في أي حين ولا يفعل ذلك بأي حال من الأحوال، فالفضاء هو نتيجة إيحاء هذين معا، لذلك فهو الدال والمدلول معا، وفي الوقت نفسه، من جهة، ومن جهة أخرى فهو النتيجة لا السبب.

إذ أن الدال بأصواته وتراكيبه الصوتية الملفوظة يحمل دلالات نفسية معينة [ هي مستقلة تماما عن المدلول]، فكثيرا ما نقول مثلا عن قصيدة شعرية أن بها راءات كثيرة أو أحرف شفوية كثيرة، أو أنها قليلة أحرفها المهموسة أو المجهورة... أو ... الخ. وهذا أحيانا يجعلنا نطلق أحكاما كثيرا ما تصيب.

وإذا التفتنا إلى الفضاء الخلفي للنص، فإننا نلقى الكلمات بمدلولاتها تعمل أكثر من عملها بأصواتها... وهذا هو مجال المدلول لكي يعرب عن مساهماته في تكوين الفضاء.

وأخيرا، يجب ألا ننسى فكرة أن الفضاء إن هو إلا امتداد للصورة الشعرية، فالصورة الشعرية تحمل الدلالات، وتوحي لنا بما هو قار وما هو متغير من هذه الدلالات، فتشع الدلالات بإشاراتها العديدة والتي يستحيل حصرها، فتمنحنا الشعور (بالخطوط أو الأحجام أو الأبعاد المادية)(3) التي درجنا على تسميتها الفضاء، ونكاد نزعم أن علاقة الصورة الشعرية بالفضاء هي علاقة الوالد بالمولود، فالصورة هي التوثب المفاجئ على سطح النفس كما قال باشلار(4) والفضاء هو الامتداد الذي تصطنعه النفس من خلال تغلغلها (الصوري/المادي) مع المكونات الأساسية لهذه الصورة (دوال/ مدلولات).

وربما يكون التغير الجذري الطارئ على المفهوم المعاصر للصورة الشعرية هو الأمر الذي عسّر علينا أمر الفضاء، فإذا كان الفضاء مرتبطا لا محالة بالصورة الشعرية فإن هذه الأخيرة، بعد ما كانت واضحة معرفة محددة، أصبحت غامضة بعض الشيء تباعا للتحولات الجذرية التي شهدتها اللغة الشعرية، وشهدتها كل الأمور المتعلقة بالأداء الشعري عموما، فالصورة الشعرية المعاصرة (في حد ذاتها ليست تشبيها خالصا ولا استعارة خالصة ولا كناية خالصة، ولا أي مظهر من المجاز الفعلي الخالص [ وهي أصناف من فن القول منفصلة في أسفار علم البلاغة التقليدية] ، وإنما هي مزيج من ذلكم جميعا)(1) لذلك فالصورة الشعرية التي يجب الإقرار بأن هذا الحيز(استمرار لها، عالم بدون حدود، ومحيط بدون ساحل، وفضاء بدون انتهاء...لأنها العنصر الكلامي الذي هو قمين بأن يوحي إلى كل دارس بشيء لا يوحيه إلى أي دارس آخر...)(2).

ج- ملامح منهج:

أورد الناقد يوسف وغليسي مجموعة من النصوص التي يحدد من خلالها مرتاض منهجه النقدي ننقلها برمتها(3)

« لا يوجد منهج كامل ، ومن التعصب ( والتعصب سلوك غير علمي ولا حتى أخلاقي ) التمسك بتقنيات منهج واحد على أساس أنه وحده الأليق والأجدر أن يتبع ، وقد حضرنا محاضرة ألقاها الأستاذ محمود أمين العالم حول المنهج الإجتماعي فكان يتحدث فيها وكأنه زعيم حزبي يدافع بشراسة عن مبادئ حزبه أمام خصوم ألداء : وكان الشيخ يهاجم فيها البنيوية صراحة وبشكل يدعو إلى الرثاء مع أن المسألة بسيطة على تعقيداتها..... »

« ... عهدنا بالمناهج التقليدية قصاراها تناول النص من حيث مضمونه وهل هو نبيل أو غير نبيل ، وتناول اللغة من حيث شكلها : وهل هي سليمة أو غير سليمة ، قبل أن تصدر أحكاما قضائية صارمة على صاحب النص أو له ، (...)،ولولا طائفة من النقاد الثوريين الذين رفضوا أن يظل النقد على ما أقامه عليه ( تين ولانسون وبوف ) ، وأقبلوا يبحثون في أمر هذا النص بشره علمي عجيب (...)لكان أمر النقد بعامة ، ودراسة النص الأدبي بخاصة انتهيا إلى باب مغلق لا ينفتح بأي مفتاح »

(... كم رسفنا في أغلال الماركسية والنفسانية والتينية ( نسبة إلى نظرية تين الثلاثية ) ثم لم نخرج بشيء يذكر من الغناء ، أيها الإيديولوجيون والنفسانيون والاجتماعيون دعوا الأدب للأدباء وخوضوا في عملكم الذي تعرفون! (...)أفلم يأن لهدا الأدب أن يفلت من شر ما أصابه من الأجانب عنه ؟ ثم ألم يأن له أن يهتدي السبيل إلى منهج من صميم نفسه يفسره ويعريه،ويعزف عن هده الاجتماعيات الإيديولوجية المتكلفة ، والنفسانيات المريضة المتسلطة ... ».

« أولى لنا أن ننشد منهجا شموليا ولا أقول منهجا تكامليا إذ لم نر أتفه من هذه الرؤية المغالطة التي تزعم أن الناقد يمكن أن يتناول النص الأدبي بمذاهب نقدية مختلفة في آن واحد ، فمثل هذا المنهج مستحيل التطبيق عمليا ... ».

« ...نعالجها (...) دون أن نقع لا في فخ البنيويين الرافضين للإنسان والتاريخ والحقيقة والمجتمع إلا أن الحقيقة اللغة الفنية من حيث هي سطح قبل كل شيء ، ولا في فخ الماركسيين والاجتماعيين الذين يعللون كل شيء تعليلا طبقيا ، وربطة بالصراع بين البنية الفوقية والتحتية ، ولا في فخ النفسانيين وهم الذين يودون جهدهم تفسير سلوك المبدع من خلال تفسير الإبداع ، ولا في فخ الكلاسيكيين الانطباعيين المتعصبين الذين يتسلطون ظلما وعدوانا على المؤلف فيزعجونه بالترهات طورا ، ويطرونه بالمدح طورا ،ويقذفونه بالتجريح والقدح طورا آخر، دون أن يتلفتوا أو يكادوا يلتفتون إلى النص وما فيه من ثروات المعرفة والجمال ،  ولو أراد هؤلاء مثلا أن يتناولوا نصا أدبيا شعبيا لتوقف حمارهم في السهل قبل العقبة ، ولعجزوا عن أي حركة إذا هم فرسان مضمارهم الوحيد المؤلف يقدحونه أو يمدحونه ، فإن خرجوا عن هذا المضمار أصبحوا عجزة قاصرين .. ».

« ... يلائمها منهج البنيوية التكوينية ، إلا أننا نرى أن هذا المنهج المهجن لا يبرح لدى التطبيق غير دقيق المعالم ، وأحسبه غير قادر على استيعاب كل جماليات النص وبناه ، حيث إنه إذا جنح للبنيوية تتنازعه الاجتماعية ، وإذا انزلق إلى الاجتماعية تنازعته البنيوية فيضيع بينهما ضياعا بعيدا» ، ويضيف، في هذا الشأن ، قائلا : « إن زواج الإيديولوجيا بنزعة فنية ثورية ، قد لا يخلوا بعض سلوكها المعرفي من العبثية ، أمر معتاص حقا».

« أجل ، إن المنهج الإحصائي لا يخلو من مغالطة منهجية حين يعمد إلى جملة من الألفاظ التي يصطنعها كاتب من الكتاب مثلا ، مجردة عن سياقها الدلالي (...) فيحصيها عددا في نص ما ،ثم يبني على ضوء العدد الذي يتوصل إليه حكما نقديا .... »

د- قراءة تركيبية:

من البين أن عبد الملك مرتاض شغوف بالحداثة ، وراغب في العمل بإجراءات حداثية،  ومن البين كونه قارئا جيدا يعود إلى أمهات النصوص النقدية و إلى المظان الأكثر أهمية لهذه النصوص . إلا أن هذا لم يمنع انقطاعا ما في السلسلة التي تقود أي ناقد متخصص من مرحلة القلق المعرفي إلى مرحلة تشكيل خلفية فكرية لا بد منها قبل الطمع في ابتكار ( أو تقليد أو نقل) منهج معين يجر معه تارة إجراءات تكون ملازمة له، ويوحي تارات أخرى بإجراءات من فيض خاطر النص أو فيض خاطر الناقد الحصيف الذي يكون بصدد معالجة نص ما .

إنه انقطاع يكاد يكون فاضحا ، لأن تمظهراته ليست على مستوى مقارباته النظرية التي اقتطفنا منها جزءا دالا على ما تذهب إليه فحسب ، بل هي انقطاعات بلغت حد التشويش ، ويمكننا استطلاعها من خلال عمله الذي جمع بين الملفوظات المنهجية التالية ( ألسنية، بنيوية ، تشريحية (بمعنى تحليلية)، سيمائية، تفكيكية، إحصائية).... ونحن هنا أمام حالة خاصة للتعامل المنهجي المرتبك.

و إذا كان كلامنا يوحي بعجز ما، أو يشي بما يوحي بنقص في الاستيعاب فإننا لا نشك تماما في القدرة الفائقة التي يملكها ذهن مثل ذهن مرتاض على تطويع ما شاء النقد من الأفكار و المذاهب والمناهج و الإجراءات . التفسير الذي نرجحه يرجع هذه الحالة المنهجية "الدخانية" - حسب الاستعمال القرآني- إلى أسباب ثلاثة سنذكرها في آخر هذه القراءة .

أما الآن فنقف عند بعض المواقع الهامة التي وضعنا لديها اليد على نقائص تارة في الخلفية الإبستيمولوجية لمفاهيم تناولها مرتاض ، وتارة في المنهج ... أما الإجراءات فآثرنا عدم تمحيصها لأن بيانها كامن في التارتين المذكورتين.

لا يجد الممحص في المقدمات النظرية التي أولع بها مرتاض أي تفريق بين "النص" و "الخطاب" ، رغم أنه يذكر النص في كتابه الهام الأول المعـبر عن منهـجه ( إن كان هنالك منهجا أصلا ) " النص الأدبي من أين ؟ و إلى أين؟" ، ويذكر الخطاب في كتابه الأخير " بنية الخطاب الشعري" ليعود ويتعامل مع النص ( لا مع الخطاب) في (ألف ليلة وليلة) و "أ-ي" و " شعرية القصيدة –قصيدة القراءة " وهو عودة على دراسته للنص الشعري الوارد ضمن كتاب" "بنية الخطاب الشعري" ثم " مقامات السيوطي" و "المعلقات" و "قراءة النص ".... كما سيلتفت إلى الخطاب من خلال "نظام الخطاب القرآني"  و " تحليل الخطاب السردي" و كذلك في " في نظرية الرواية" أين يتعامل مع عناصر خطابية دون ذكر للكلمة و لا ندري إن كان هنالك وعي بهذا الأمر أم لا !

هذا التراوح عائد إلى القراءة الانتقائية للنقد الغربي ، التي توهم القارئ بالمعرفة دون أن تسائله حول التحميص الدقيق. وليس هذا مشكل مرتاض فحسـب ، فلفظـة خطاب ( و لا نقول "مصطلح" عن وعي بأن الوارد عندنا هو لفظة رائجة لا مصطلح مستحضر عن وعي)  دخلت الدائرة النقدية العربية فلم تورثنا سوى إجراءات تظل  في أغلب الأحيان دون الإحاطة بالنصوص التي تعالجها، فالخطاب السردي تحيل  على دراسات  السرد والزمن و التبئير كما نص  على ذلك مجموعة من الدارسين  السيمائيين مع نهاية الستينات (غريماس، جينيت، كورتيس).......  وهي إجراءات تجاوزها أصحابها حينما ألفوها لا تتقصى جميع مناحي النصوص التي يتعاملون معها....أما في المجال  العربي فقد ظل النقاد عاكفين منكبين على تمحيص الزمنيين السردي والحقيقي. ودراسة زوايا النظر ومن يعرض ماذا ومن ينظروا أين يقف من يرى ويروي. واستقطاب مختلف تعليقات السرد بين العرض والسرد والنقل.

ولسنا هنا  نطالب مرتاضا او غيره باستحداث إجراءات جديدة أو مناهج لا وجود لها لسنا نطالب بذلك ولا ينبغي لنا أن نفعل وإن كنا نحلم بذلك بشكل ما...إلا أننا نستغرب كثيرا غياب التفريق بين النص و الخطاب  في حين فعل النقاد الغربيون الذين يذكر مرتاض كثيرا منهم. بل أنهم متعاطي هذا الصنف من المعارف.    

يقول  محمد عزام في التفريق بين النص والخطاب: ّ يختلف (الخطاب) Discours  عن (النص) Texte في أن الأول وحدة تواصلية إبلاغنه، متعددة المعاني، ناتجة عن مخاطب معين، وموجهة إلى مخاطب معين، عبر سياق معين. وهو يفترض وجود سامع يتلقاه، مرتبط بلحظة انتاجه، لايتجاوز سمعه إلى غيره، وهو يدرس ضمن لسانيات الخطاب.

أما (النص) فهو التتابع الجملي الذي يحقق غرضا اتصاليا، ولكنه يتوجه إلى متلق غائب، وغالبا ما يكون مدونة مكتوبة تمتلك الديمومة. ولهذا تتعدد قراءات النص، وتتجدد، بتعدد قرائه، وتعدد وجهات النظر فيه، وحسب المناهج النقدية المتعددة..." (1)                                     

يبدو من خلال هذا التحديد الذي نذكر بانه صار من بديهيات الدرس لدى النقاد واللغويين في الغرب ، يبدو أن مرتاض لم يعكف على امتداد مسيرته إلى على عناصر تتصل ( بشكل أو بآخر) بعلم نص لا بعلم الخطاب.

 ونستعرض الآن جملة من الأمور المتعلقة بالخطاب أو بثقافة الخطاب و التي هي من رائج المفاهيم ، نقف وقفة  أثبت و أشمل على النقص الذي ذكرناه والذي لا نجد له مبررا كافيا في رؤية مرتاض النقدية.

يقول محررا دليل  الناقد الأدبي

"على المستوى اللغوي البحت يشير مصطلح " خطاب" في معناه الأساسي إلى " كل كلام تجاوز الجملة الواحدة سواء كان مكتوبا أو ملفوظا. " غير أن الاستعمال الاصطلاحي تجاوز ذلك إلى مدلول آخر أكثر تحديدا يتصل بما لاحظه الفيلسوف ﻫ ب . غريس عام 1975 م من أن للكلام دلالات غير ملفوظة يدركها المتحدث و السامع دون علامة معلنة أو واضحة . ومثال ذلك أن يقول شخص لآخر :" ألا تزورني ؟ " فلا يفهم السامع من الجملة أنها سؤال ، على الرغم من أن ذلك هو شكلها النحوي ، وإنما يفهم أنها دعوة للزيارة . وقد اتجه البحث فيما يعرف بتحليل الخطاب إلى استنباط القواعد التي تحكم مثل هذه الاستدلالات أو التوقعات الدلالية ، وهو مما يصل هذا الحقل بحقل آخر يعرف ﺒ "نظرية القول الفعل "   (Speech Act Theory)  ، وكذلك بالسيمياء أو علم العلامات من حيث هو أيضا بحث في القواعد أو الأعراف التي تحكم  إنتاج الدلالة (1) ثم يوسعان هذه النظرية  من خلال إثبات ان"للخطاب مفهوما آخر ربما فاق المفهوم الألسني البحث في اهميته النقدية. ذلك هو ما تبلور في كتابات بعض المفكرين المعاصرين وفي طليعتهم الفرنسي ميشيل  فوكو الذي استطاع أن يحفر لهذا المفهوم  سياقا دلاليا اصطلاحيا  مميزا  عبر التنظير والاستعمال المكثف في العديد من الدراسات التي تشمل: أركيولوجيا المعرفة(1972م) وأدب وعاقب(1975م)، وكذلك في محاضرته" نظام الخطاب". في هذه الأعمال يحدد فوكو الخطاب بأنه شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي تبرز  فيها الكيفية التي ينتج فيها الكلام كخطاب ينطوي على الهيمنة والمخاطر في الوقت نفسه. يقول فوكو:

أفترض أن إنتاج الخطاب في مجتمع ما هو في الوقت  نفسه إنتاج مراقب أو منتقى ومنظم ومعاد توزيعه من خلال عدد من الإجراءات التي يكون دورها هو الحد من سلطاته ومخاطره والتحكم في حدوثه المحتمل وإخفاء ماديته الثقيلة والرهيبة

ويضرب فوكو مثالا بالقيود المعروفة في كل المجتمعات تقريبا على ما يمكن  أن يقال، وهي القيود النابعة، كما يشير في كتابه "الكلمات والأشياء"، مما يسميه "شفرات الثقافة"، تلك القوانين المؤثرة بشكل لا واع في صيرورة المجتمع ومنتجاته الثقافية وغيرها"(1).

 وهي نظرة لم تلتزم الحقل الفلسفي أو الفكري أو حتى اللغوي فحسب بل انتشرت مبكرا لدى  منظري الأدب،  "ومن أشهر الذين أفادوا من مفهوم الخطاب الناقد الأمريكي العربي الأصل إدوارد سعيد في دراسته الشهيرة لـ الإستشراق(1978م) فالإستشراق كما يوظفه سعيد خطاب سلطوي غربي تنامى حول  الشرق واكتسب مؤسساته وقواعده ومتخصصيه، ومن الصعب لأي شخص خارج هذا الخطاب أن يدعي المقدرة على التحدث عن الشرق على نحو"علمي" مقبول لدى المختصين وضمن المؤسسة.يقول سعيد:"في اعتقادي أنه من دون مفهوم الخطاب لا يستطيع  المرء أن يفهم  الحقل المنظم  تنظيما هائلا الذي استطاعت أوروبا بواسطته أن تدير-بل وتنتج- الشرق سياسيا واجتماعيا وعسكريا وآيديولوجيا وعلميا وخياليا أثناء  فترة ما بعد التنوير"(2)

ونحن هنا على ضفة المقابلة للضفة التي أشرنا إليها سابقا والتي جعلت مباحث الخطاب تسقط في الشكلانية المغلقة على ذاتها والقابعة داخل أسلاك شوكية تحيط النص بنفسه، و لا تفتع البنات النصية إلا على صورتها في المرآة.

لقد أدى التأثر الكبير للسيميائيين الفرنكوفنيين  بالمباحث اللسانية وبالشكلانية الروسية وبالرواج"الإعلامي" للبنيوية إلى إغفال الجانب الهام الذي من المفروض أنه يفرق بين مباحث النص ومباحث "الخطاب"والذي  هو وجود مخاطب أو متلق أو قارئ ضمن سياق أو إطار محدد أو شبه محدد...

هذا التأثر لم يمنع باحثا هو ألمعهم، جميعا من التنبه  باكرا إلى المآل  الخطابي  لكل نص، والمقصود هو رولان بارط ، ونحن نذكره رغم أن أول من قال ذلك هم جماعة(تل كحيل) السابقة أفكارهم لأفكار رولان بارط  المقصودة بقرابة العشر  سنوات... فليب سولرز مثلا يقر بضرورة النظر إلى  النص  من خلال طبقات: سطحية هي الكتابة( الألفاظ والجمل والمقاطع) ووسطى هي (التناص) أو الجسد المادي للنص وهو ملتقى نصوص لا ملتقى جمل، ملتقى لمكتوب متشظ  في الزمان والمكان تلتقي شظاياه في بعد يتجاوز الورقة البيضاء وسواداتها وبناها التركيبية والافرادية(بتعبير مرتاض الجميل) ثم طبقة عميقة  هي (الكتابة) أو انفتاح اللغة  على بوابة القراءة(1)

ويعرف كل النقاد المباحث جوليا كريستيفا حول التناص، أو الهوية الخارجية للنص في ما وراء النظرة  اللغوية الساذجة، والتي تجعل كل دراسة  للجمل والمباني والألفاظ ومعانيها،  ودلالاتها السياقية والبسيطة دراسة منقوصة  بالضرورة. لأن النص يخضع دائما لعمليات استبدالية لنصوص حاضرة  فيه  دون الإعلان الصريح عن نفسها،  وهي نصوص يقوم بعضها بإصباغ روحه  ومحموله وذاكرته على بعض، فيؤدي إلى تحديد نصوص أخرى  ونقضها، الشيء الذي يؤدي إلى قراءة نص آخر لا صلة له بالمكتوب إطلاقا في نهاية الأمر.(2)

في ظل هذه النظرة نجد إحصاءات التواتر التي اعتمد عليها  مرتاض  مثلا  ودراسة  قدرة الجمل  و ظلالها الدلالية على التفضيء   أو التحييز  عاجزتين  كلتيهما  عن استنطاق مجاهيل النص الذي  يبدي لنا وجها ساذجا  يخفي الكثير.

 إن مباحث الخطاب  في الميدان الأدبي أدت إلى وضع النص في إطار واسع (إطار ثقافي وسياسي) يعتقد محللو  الخطاب أنه إطار حاسم قاطع في  حياة النص....وليس  الأمر نفيا سلبيا للدراسة النصانية التي تعالج النص من خلال تكوينه الداخلي، بل هي إثراء لها دراسة تربط بين الأنساق  الداخلية التي يولع النقاد بوضع اليد عليها وتسليط الضوء على تفاصيلها الصغيرة  الداخلية وبين السياقات الخارجية(الصامتة) التي قد  تحدد الأنساق  الداخلية.....وتحول  النص الأدبي من مجرد كتلته لغوية إلى لغة عالية ذات دلالات خارج الصفحة والأوراق، ذات أبعاد اجتماعية وسياسية وحضارية.

 تقول سارة ميلز: "ولقد ساعد عمل فوكو العديد من المنظرين في اعتبار الكيفية التي يشتغل بها الأدب  البريطاني كمجال من المجالات المعرفية. يقول فوكو نفسه:

(لقد شكل النقد الأدبي تاريخ الأدب في القرنين الثامن والتاسع عشر شخصية الكاتب وصورة العمل الأدبي وذلك باستعمالهما وتغييرهما  وتحويلهما لمناهج الفقه الديني والنقد الإنجيلي وتاريخ  القديسين وتاريخ الشخصيات الأسطورية  والسير الذاتية  والمذكرات) إن هذا الانتقال إلى تحليل  الدعم  الذي يقدم للأدب، كخطاب وكمؤسسة، بالإضافة إلى  ما تعرض له ما  سبقه من خطابات على يد نقاد الأدب يشكلان انتقالا مهما عن تحليل جوهر النص في الأدب،  حيث تعتبر، مثلا، كل من فترة النهضة والقرن الثامن  عشر أصنافا"طبيعية" محتواة في ذاتها وليست من  ابتكار الدارسين، وكما بين ذلك كل من براين دويلBrian Doyle  وكريس بولديكChris Baldick  وتيري إيجلتن Terry Eagleton  فإنه بالرغم من أن دراسة الأدب تبدو شيئا"عاديا" إلا أنها أصبحت  مؤسسة من المؤسسات في فترة حرجة من التاريخ الثقافي الإنجليزي، عندما كانت العقيدة الدينية في انحطاط، وعندما كانت هناك حاجة ماسة إلى فتح حقول دراسة لمن تم إقصاؤهم قبل ذلك من التربية الشكلية(أي النساء والطبقة العاملة).  وفعلا، لقد  كانت دراسة الأدب تتم باستعمال عين بنى الخطاب التي كانت تستعمل من ذي قبل دراسة الدين، وذلك بإنشاء ما سيسمى بالنصوص المعتمدة(وهو تصنيف  ديني في حد ذاته للنصوص) وبالتركيز على الأخلاق والقيم، وكما لاحظ  ذلك براين دويل فإن لتدريس اللغة"الوطنية" وأدائها أهمية قصوى في إعادة  إنتاج العلاقات الثقافية ضمن ما يسمى بـ"مجتمعنا"(1).

ليست هذه الدراسة محاكمة لمرتاض،  ولكنها –كما أسلفنا- محاولة لوضع تجربة-هامة رغم كل ما يمكن قوله عنها- في سياقها لأجل الكشف عن طرق تشكلها، وتحديد ما لها وما عليها.

أما إذا التفتنا إلى الإجراء فإننا نترك دوائر الخطاب تماما متجهين صوب مجموعة غير واضحة الملامح من معالم الدراسة النصانية.

لقد مر معنا تحديد مرتاض للفضاء الذي  وقفنا عنده لأنه العنصر الوحيد الذي بدا لنا خارجا عن الدراسة اللغوية القديمة التي وجدت لها تحت مظلة الدراسة الأسلوبية نفسا جديدا  بعثها من مقابرها في القرن الخامس هجري...إلا أننا نجد دراسة الفضاء موزعة بين كتابه المبكر "النص الأدبي من أين؟ وإلى أين؟" وهو عمل يرتكز على البنيوية(وإن كان مرتاض يحيل في مقدمته على مصادر سميائية  وعلى الأسلوبية مستفيدا  في قراءته  التي تقترب من المذاهب الحداثية  ولكنها لا تتقمصها، بل تظل باستمرار على مشارفها فحسب، ويصير المذهب الحدائي  نصوصا للتثقيف لاخلفيات  لأجل معرفة جديدة، ولا إجراءات لأجل مقاربة مختلفة مخالفة ثورية).

يضع الناقد يوسف وغليسي يده على هذه الفوضى التي لها أخطارها على العمل النقدي وإن كان كتابه"الخطاب النقدي عند عبد الملك مرتاض بجمع إلى عمق الطرح تعصبا وميلا إلى الدفاع عن مرتاض يجعل الكاتب في موقع متذبذب-لكي نستعير اللفظ الذي يصنف به هو نفسه منهج مرتاض-....وربما يكون المنطق التبريري لدي وغليسي  هو ما منعه من وضع اليد على الخلل البين في طريقة التفكير المرتاضية  التي هي طريقة تفكير كانت سائدة أيام احتكاكه بالمناهج الحداثية. يقول وغليسي تعليقا على بعض كتابات مرتاض إنها دراسة "بنيوية المنهج أصلا، لكنها تتمفصل على إجراءات منهجية أخرى: معلنة كانت(تفكيكية، سميائية، إحصائية) أم غير معلنة(أسلوبية، موضوعاتية)..."(1)

وبعد عشر صفحات يصف هجوم مرتاض على مناهج سابقة أعطت ما أعطته في سياقها، قائلا إن الناقد سيشن حربا تكشف عن" تعصب منهجي مستتر  وتذبذب في الرأي فهو مع البنيوية وضد  التاريخية يوم كان بنيويا وهو مع السيميائة والتفكيكية وضد البنيوية والبنيوية التكوينية يوم انتقل إلى" ما بعد البنيوية" إلى آخر السلسلة..."(1) وكان وغليسي نفسه قد وضع اليد على الإخفاق  في الإحاطة بالمنهج الذي يعرف أهل الاختصاص  أنه بناء معقد متكامل لا يجوز أخده جزئيا أو أخذ نصفه ثم الحياد عنه دون تشكيل بنية منهجية بديلة.......وذلك أمر عسير إلا على من رحم ربك، وهم قليلون. يقول تعقيبا على"بنية الخطاب الشعري":

"وعموما فقد كان عبد الملك مرتاض في مرحلة" التأسيس والتجريب" هذه يمهد لإرساء معالم منهج نقدي جديد يحتكم إلى التأويل المحايد للظاهرة من بعض الملامح التقليدية مثلما عثرت على عتبة الفصل بين شكل النص ومضمونه،  لينجر عن ذلك تجزيء المنهج وإخفاقه  في احتواء الظاهرة النصية المجملة"(2).

ونختم كلامنا بالعودة إلى إشارة أوردناها ثم مررنا عليها مرور الكرام، تلك هي المتعلقة بكون تذبذب مرتاض ناتجا عن تأثره –غير الواعي تماما- بالثقافة التفككية التي كانت رائجة في السبعينيات والثمانيات رواجا شعبيا إعلاميا يجعل متعاطي المعرفة المنهجية ينهل منها عن وعي ودون وعي....

ونحن نصر على عدم وعي مرتاض  متأسين في ذلك برأي مرتاض نفسه الذي كان باستمرار  يبعد استعماله للفظة "تشريحية" عن"التفكيكية" قائلا إن التشريح في اللغة العربية هو الشرح وما هو  تشريحي لا يعدو كونه شارحا وكفى(3).

 ويكمن تأثر مرتاض (كغيره ) بمحمولات الاتجاه التفكيكي في ما يلخصه الناقد الانكليزي  مادان  ساروب نقلا عن تيري ايغلتون:

"إن الكثير من المواضيع التي تفتخر بها التفكيكية كمواضيع جديدة لا تعدو أن تكون في الحقيقة إلا تكرارا لبعض أكثر المواضيع ورودا في اليبيرالية  البورجوازية:  الإنكار المتواضع للنظرية والمنهج والنظام، الإشمئزاز  من الهيمنة والكليانية والمعنى  المستقر، تبجيل التعددية واللاتجانس، الإيماءات المتكررة صوب التردد ولا محدودية الولع بالقراءة السريعة  العملية والإنزلاق والحركة، النفور من الأحكام النهائية..."( 1)

 

 

الهوامش



(1)  مرتاض – (أ- ي)- ديوان المطبوعات الجزائرية ، الجزائر، 1992، ص:11.

(2)  المصدر نفسه – ص: 18.

(1)  المصدر السابق – ص: 12.

(2)  - م . نفسه – ص: 12 .

(1)  م- نفسه- ص: 12- 13.

(2)  م – نفسه – ص: 13.

(3)  المصدر السابق- ص: 13

(1)  المصدر السابق- ص: 14.

(2) ،  (3)   - م. نفسه- ص: 14.

(4) المصدر السابق- ص: 15- بتصرف.

 

(1)  المصدر نفسه – ص: 16.

(2)  المصدر نفسه- 16.

(1) Coquet  jean- Claude : sémiotique littéraire- ed « MAME » - paris- 1973 – p :22.

(2)  , (3)  op cit- p :12.

(3)  ع.م. مرتاض: (أ - ي) – م . س- ص: 103.

(1)  ،(2)   النص الأدبي: من أين؟ وإلى أين؟ ، ديوان المطبوعات الجزائرية، الجزائر، 1983، ص:101.

(3) مرتاض، عبد الملك: بنية الخطاب الشعري- دار الحداثة- ط:1- 1986 – ص103.

(4) باشلار غاستون: جماليات المكان،- ص: 17.

(1)  ، (2) بنية الخطاب الشعري – ص: 117.

(3) - وغليسي، يوسف: الخطاب النقدي عند عبد الملك مرتاض-منشورات إبداع- الجزائر- 2002- ص ص 82-85.

(1) - عزام، محمد: النص الغائب-منشورات إتحاد كتاب العرب- سوريا -2001-ص: 45.

(1) - ميجان الرويلي وسعد البازعي: دليل الناقد الأدبي- المركز الثقافي العربي-المغرب-ط: 2-2000-ص:89.

(1) - م.نفسه-ص ص: 89-90.

(2) - م.نفسه-ص:90.

(1) - النص الغائب-ص: 21.

(2) - م.نفسه-ص:22.

(1) - ميلز، سارة: الخطاب –تر: يوسف بغول-مخبر الترجمة في  اللسانيات والأدب-قسنطينة-2004-ص:19.

(1)   وغليسي، يوسف: الخطاب النقدي عند عبد الملك مرتاض- ص 75.

(1)- م.نفسه-ص: 85.

(2) - م.نفسه-ص: 63.

(3) - جهاد، كاظم: أسئلة النقد الدار العربية للكتاب-ليبيا/ تونس-د.ت –ص ص:216-217.

(1) - ساروب، مدان، دليل تمهيدي إلى ما بعد البنيوية وما بعد الحداثة  تر.خميسي بوغرارة-مخبر الترجمة في الأدب واللسانيات-جامعة قسنطينة 2003.ص ص:

82.83

 

Télécharger l'article