الخطاب القرآني والمناهج الحديثة في تحليله

- دراسة نقدية-

 

                                     أ.صليحة بن عاشور

جامعة ورقلة(الجزائر)

 

  اهتم الباحثون على مر العصور بالنص القرآني ؛ تفسيرا وتأويلا، تحليلا وقراءة، من حيث النظرية والتطبيق، وتعددت مناهجهم في ذلك بتعدد خلفياتهم الثقافية والمعرفية، وتعدد زوايا الرؤية عندهم.

  فكان من الباحثين المعاصرين من وضع الأسس النظرية الحديثة لتحليل الخطاب القرآني، ومنهم من طبق هذه المناهج الحديثة ؛ كعلوم الألسنيات والسميائيات والمنهجية البنيوية على النص القرآني، بغرض الكشف عن البنية اللغوية لهذا النص وشبكة التوصيل المعنوية والدلالية التي ينبني عليها، فنتج عن ذلك قراءات حديثة ومعاصرة للخطاب القرآني، مثل قراءة محمد أركون وقراءة الحاج حمد، وناصر حامد أبوزيد وغيرهم.

  فماهي هذه المناهج المعاصرة في تحليل الخطاب القرآني، وما هي الإضافات الحقيقية التي قدمتها هذه القراءات المعاصرة من حيث المقاربات المنهجية، ومن حيث الكشوفات المعرفية؟ وما هي الجهود النقدية الموجهة لها؟

        هذا ما سأتناوله بالتحليل من خلال هذه المداخلة مركزة على قراءة محمد أركون.

 

1-المعنى الكامل للخطاب والفرق بين الخطاب والنص:

  المعنى الكامل للخطاب هو مجموع المعاني التي يدل عليها الخطاب سواء أقصد المتكلم على آحاد هذه المعاني أم لا.

أو بعبارة أخرى: هو مجموع المعاني التي يستطيع متلقي الخطاب-  في ضوء ما يسمح به الخطاب- أن يفهمها أو يعقلها،أو يستنبطها، أو يستنتجها أو يستخلصها...من الخطاب([i]).

فالكلام ؛ كأي فعل اختياري من أفعال العقلاء، لا يصدر عن المتكلم إلى المخاطب إلا عن قصد وإرادة، وهذا القصد وهذه الإرادة لـ "فعل الكلام" لا يتوالدان في نفس المتكلم إلا نتيجة لحاجة أو غرض لديه لإيصال رسالة ما تتضمن حاجته أو غرضه إلى المخاطب([ii]).

وعليه توجهت جهود الكثير من العلماء المعاصرين إلى تحليل الخطاب القرآني، وآثر البعض" الخطاب" على" النص" معللين ذلك بأن لفظ "الخطاب" ينم عن التوجيه والقصد وينبض بالحياة، على حين أن كلمة "نص" قد توحي بمعنى تراثي جامد([iii])، ولعل هذا هو الفرق بين الخطاب والنص عندهم لمن يقول بوجود الفرق بينهما.

         2- المناهج الحديثة والمعاصرة في تحليل الخطاب والخطاب القرآني:

ومنذ بداية القرن التاسع عشر اهتم العلماء بدراسة أًصل اللغة ونشأتها وكان لعلماء الأنثربولوجيا خاصة أصحاب الاتجاه التاريخي والتطوري السبق  في ذلك بقصد التعرف على الأصول الأولى لكل الأشياء خاصة اللغة، ولكن المدرسة البنيوية الفرنسية فتحت بابا جديدا للاهتمام باللغويات حين اعتبرت دراسة اللغة هي المدخل الأساسي الذي يمكن أن تقوم عليه نظرياتها الأنثربولوجية والأدبية والفلسفية، وقد أتاحت دراسات العالم السويسري الشهير فردينان دوسوسير للنظريات البنيوية أن تبرز كمنهج  يمكن استخدامه وتطبيقه بنجاح في كل العلوم الإنسانية، من خلال اهتمامه بالعلاقة الوثيقة بين عملية التفكير والصياغة اللفظية، ودور اللغة كأداة في التعبير عن الفكر، وباعتبار اللغة هي التي تساعد على ترجمة الصور الذهنية الغامضة إلى كلمات وعبارات واضحة، فإن الكلمات هي الأداة التي لا غنى عنها في صياغة الأفكار ونقلها وتوصيلها، لذلك قامت نظرية دوسوسير على التفرقة بين اللغة والكلام، فقد اعتبر اللغة نسق أو نظام يتكون  من مجموعة من قواعد ومعايير ، وهي مثال محدد لها مركز في الذهن، وليس لها وجود حقيقي خاص بها، وإنما  تستمد وجودها المشخص من المظاهر الجزئية التي يوفرها الكلام.

وقد حاول رولان بارت ROLAND BATHERS أن يسير على نفس المنهج حيث كانت نقطة انطلاقه أيضا التفرقة بين اللغة والكلام ؛ فاعتبر اللغة هي البناء والكلام بمثابة الحدث، وقد ركز بارت جهوده على دراسة الأدب ومشكلات التفسير من خلال رؤية خاصة لطبيعة النص وعمليات القراءة وتتميز كتاباته بأنها كانت تعالج موضوعات ذات صلة قوية بالحياة اليومية ولما يدور في أذهان الناس، ولا تخلو من الجاذبية والتشويق.

والواقع أن البنيوية أحرزت كثيرا من التقدم بعد جهود عديد من العلماء الآخرين خاصة كلود ليفي ستروس  - MICHEL  FAUCAUTLT-JACQUES LACAN -  CLAUDE LEVI STRAUSS وغيرهم الذين بذلوا جهودا كبيرة لدراسة الأبعاد اللغوية للثقافة، واستخدام اللغة في تحليل بناء الثقافة الإنسانية برمتها.([iv])

  وقد استفاد عدد من المفكرين المنشغلين بقضايا الفكر العربي من هذه المناهج في تحليل علاقة اللغة العربية بطبيعة الثقافة العربية وتطوراتها التاريخية.

وقد شكلت قراءة النص القرآني أحد أهم انشغالات وتحديات النخبة الحداثية العربية،  خلال العقود الثلاثة الماضية، وذلك لما يتمتع به القرآن الكريم من دور وتأثير مركزي في تشكيل العقل العربي الإسلامي، وذلك  باعتباره-على حد اعتقادهم-أحد أهم العقبات المعرفية التي تقف عائقا أمام تحقيق النهضة والتقدم والتحرر، وقد انتهجت القراءة الموسومة بالحداثة منهجا مقلدا لنسق الحداثة الغربية، وعلى الرغم من الاختلاف البين والمقاربات المتعددة لمفهوم الحداثة عند أهلها إلا أن القراءة العربية للحداثة تعاطت معها كمشروع مكتمل بدأ في لحظة تاريخية في الغرب، ولابد أن تشمل آثاره العالم بأسره، وآمن الحداثيون العرب بجملة الصفات التي طبعت المشروع الحداثي الغربي، ولعل الناظر إلى كثرة الاجتهادات التي تناولت مفهوم الحداثة يصل إلى النتيجة التي مفادها أن الحداثة مشروع غير مكتمل كما ذهب إلى ذلك الفيلسوف الألماني "يورغن هابرمس"([v]).

 

3- الأحداث الفكرية والتاريخية التي سبقت التوجهات الحداثية في تحليل الخطاب القرآني:

إذا تساءلنا  ماهي أهم الأحداث الفكرية والتاريخية التي ساهمت في بلورة التوجهات الحداثية في تحليل الخطاب القرآني؟

يرى أحد الباحثين المهتمين بالدراسات القرآنية  أن أول ما ظهر هو التفسير الموروث- أو التقليدي([vi]) كما يسميه البعض- وهو يعتمد على نسق ثقافي ومعرفي ينتمي إلى الحضارة الإسلامية، فهو تفسير لا تدخله أي معارف جديدة، وبالتالي فإن تصوراته للعالم – فيما دون المستوى العقدي- تنتمي إلى عالم آخر، إلى التاريخ بصراعاته وخلافاته، وهو يفسر استمرار حضور التاريخ الفكري- المذهبي وربما السياسي-، في كل ما يمكن وصفه بالتفسير التقليدي بهذا المعنى، إنه التفسير الذي لا يتصل منهجيا بالمعرفة الغربية الحديثة أو المعاصرة.

ثم ظهر بعده ما يسمى بـ" التفسير العصري" والذي ولد بتأثير استعارة من نتائج المعرفة الغربية الحديثة، لكن دون الاستفادة من المسألة المنهجية، لكنه ما اكتسب اسم المعاصرة حتى سك مصطفى محمود في مصر تعبيره" التفسير العصري" في السبعينيات من القرن المنصرم، والمتابع للتفسير العصري لا يجد تحولا على المستوى المنهجي، ما تزال الآلية والأدوات المستخدمة في التحليل والتفسير هي هي، ولكن الذي تغير هو تصور المفسر للعالم  world view، ومن الواضح أن الأدوات المنهجية التقليدية لم تساعده على إسقاط رؤيته الجديدة للعالم، لكن ما استطاع القيام به هو إجراء تأويلات على تلك الآيات التي تتصل بتصوره الجديد عن العالم.

أما " القراءة المعاصرة" فهي شيء جديد كليا، جديد على مستوى الأدوات والمناهج ؛ إذ يحيلنا مصطلح" القراءة" إلى اللسانيات الحديثة، واللسانيات هي في المحصلة مناهج ونظريات تمثل بمجموعها أدوات بحث، يضاف إلى هذه الأدوات تصور جديد للعالم، ليس هو التصور الذي وجد في"التفسير العصري" بل هو تصور راهن متأثر بحصيلة التصور الغربي وحداثته للعالم، كما انتهى إليه اليوم، وتعود بدايات ظهور القراءة المعاصرة إلى الأربعينيات، وقد يكون الفضل للكاتب السوري"محمد شحرور" سك مصطلح"القراءة المعاصرة"([vii]).

قال أحد الباحثين تحت عنوان النص والسياق الحضاري([viii]): " إن تصور الفهم والتفسير بمعزل عن إكراهات الظروف الخارجية وتأثيرها، يعني تأبيد ما هو ظرفي مؤقت إذا وقع هذا- وقد وقع- فهو على حساب قداسة النص الإلهي وأبعاده الكونية والعكس صحيح، فالتسليم بظرفية الفهم وتأكيد طابعه الإنساني، هو أهم ما يحقق إعجاز النص ويكشف عن سماته الإنسانية".

ثم يقول :"السياق الحضاري العام الذي يمارس في ضوئه تفهم النص، هو المسؤول عن إنتاج المعنى والتفسير وتحولات الدلالة، والمشكلة أن الشراح، وإن وجدوا داخل السياق الراهن إلا أنهم ليسوا على درجة واحدة من الوفاء له، والانطلاق من اهتماماته ورؤيته الكونية، فقد يوجد الآن من يحيا ثقافيا السياق الماضي، بكل مسائله وقضاياه، وأثناء الشرح يقوم بتكرار تفسيرات هذا السياق النابعة من رؤيته وأفكاره دون تغيير،إذن لكل شارح أو مفسر مفاهيمه و دلالاته للألفاظ والنصوص ،وذلك بحسب انجذابه الثقافي إلى السياق الحضاري الماضي أو الحاضر".

        فهل المسألة متعلقة بمجرد اعتبار السياق الحضاري في فهم النص القرآني عند محمد أركون أم الأمر يتعلق بمرتكزات فكرية وثقافية أخرى عند هذا المفكر؟

4- تحليل الخطاب القرآني عند محمد أركون:

         1.4- ترجمة لحياة أركون([ix]):

ولد محمد أركون في تاوريت ميمون في منطقة القبائل الكبرى بالجزائر في العام 1928 لعائلة بربرية، حيث ترعرع مع تسعة من الأخوة والأخوات، مات اثنان منهما نتيجة لسوء التغذية والالتهابات المعوية. وكانت عائلته تقليدية ومتمسكة بالدين لكن علاقاتها بسيطة جدا. موقع العائلة عند أطراف القرية حيث التل الذي يقبع القرية في ظله،. العائلة كما أوضح أركون في مراسلاته الشخصية مع الباحثة  الألمانية جاءت إلى القرية باحثة عن الحماية عند بني ينني بعد أن تركت موطنها الأصلي في قسنطينة، ومن هنا فان تأثير العائلة في القرية كان ضعيفا. وفي هذه المنطقة دخل محمد أركون المدرسة الابتدائية لكنه غادر هذه المنطقة في سن التاسعة ليلتحق بأبيه الذي كان يملك دكانا للبضائع في منطقة عين العرب، وهي قرية غنية يقطنها فرنسيون بالقرب من مدينة وهران. وكان عليه أن يتعلم صنعة الأب في البيع والشراء وفي نفس الوقت أن يواصل تعليمه الثانوي.

هذا الانتقال كان بالنسبة له (صدمة ثقافية)، فهنا وعي بألم مسألة كونه بربري وينتمي لأقلية ليس لها من المكانة والحقوق مثلما للعرب، وأنه خارج منطقة البربر لا يستطيع من الناحية اللغوية أن يعبر عن نفسه بوضوح. لا سيما وأن اللغة العربية هي لغة القرآن والفروض الدينية. لذا كان عليه أن يتعلم العربية والفرنسية في وقت واحد.
         لكن الفضل يعود لخاله في إنقاذه من المصير الذي رسمه له والده، من حيث أن هذا الخال كان منتميا أو قريبا جدا من إحدى الفرق الصوفية، لذلك ضمن له تعليما جيدا. بل أن تأثير خاله كان عميقا عليه، ومن هنا يفسر أركون لنفسه عمق فهمه لتأثير الدين على الناس أو حتى بلورة مفهوم الدين الشعبي، وكذلك فهم التصوف، فقد كان يتعلم القرآن وأصول الدين من جهة، وكان يذهب مع خاله وأبيه إلى المجالس الدينية في القرية، والتي كانت جزءا من الحياة اليومية للقرية.

في سن الثالثة عشر اكتشف محمد أركون المسيحية. فلقد أعاقت الظروف الاقتصادية الصعبة العائلة من إرسال ابنها البكر إلى العاصمة لمواصلة الدراسة الثانوية، مما اضطرها إلى إرساله ما بين الأعوام 1941 – 1945 إلى مدرسة ثانوية مسيحية أقامها بعض الرهبان في قرية مجاورة. هذه المرحلة يصفها أركون بأنها مرحلة اكتشاف الثقافة اللاتينية والأدب، والتعرف على آباء الكنيسة الأفريقية أغسطينوس، سوبريانوس وتورتوليان، إلى جانب التعرف على القيم المسيحية لا سيما حب الآخر. وقد ساعده الرهبان كثيرا، وتعبوا على تعليمه دون أن يأخذوا مسألة كونه مسلما في الحسبان. وقد ضمنوا له أن يدرس ما بين الأعوام 1946-1949 في مدينة وهران كي يستطيع أن يحصل على شهادة الثانوية، وكان من الطلبة المسلمين القلة الذين يدرسون في مدرسة فرنسية بعد ذلك دخل الجامعة لدراسة الأدب العربي في جامعة العاصمة الجزائر ما بين الأعوام 1950-1954، وكان يعطي دروسا في إحدى الثانويات من أجل أن ينفق على تعليمه الجامعي. إلا أن الدرس الجامعي في الأدب لم يشف غليله، فسجل في مسابقات لدراسة القانون والفلسفة والجغرافيا أيضا، ومن حينها ركز على الفلسفة العربية، لكن وضع نصب عينيه الدراسة في باريس. ورغم أن هناك من المسؤولين عن التعليم العربي في الجزائر كان يضع الأحجار في طريقه، إلا أنه ذلك زاده عنادا وإصرارا على الوصول لهدفه في مواصلة التعليم.  وفي الأول من نوفمبر 1954 دخل أركون السوربون ليقدم امتحانه في العام 1956، وكان خلال هاتين السنتين يعمل كالعادة مدرسا في إحدى الثانويات.وخلال الأعوام مابين 1956- 1959 كان يعمل في ستراسبورغ مابين إعطاء الدروس في الجامعة وفي الثانوية أيضا، وكان قد ركز خلال هذه الفترة على الفلسفات الدينية.
         أجواء فرنسا مابين الأعوام 1950 – 1960 دفعته للتركيز على مصطلح ( النهضة )، وفي هذه الفترة انهمك أركون مثل بقية أبناء جيله بهموم العالم الثالث والبحث عن طريق ثالث لهن وتنامي الوعي السياسي الذي تأثر بطروحات فرانس فانون العنيفة. ثم جاء التحرير والفترة البومدينية، وأخيرا النكسة، التي دفعت به إلى مأزق نفسي عميق كمثل بقية أبناء جيله.

وحتى في فرنسا، لم يكن الأمر سهلا عليه إذ كان عليه الكفاح لكي ينجز رسالته للدكتوراه عن ابن مسكويه في العام 1968. فقد كان كبقية أبناء المغرب العربي الذين تشكلت رؤاهم وأفكارهم من لبنات الثقافة الفرنسية، لكن أساسهم هو الإسلام، لذا فإن مسألة الهوية كانت تشغله قبل أن تتحرر الجزائر ويصبح السؤال اجتماعيا، ووجوديا أيضا.

لقد وجد محمد أركون نفسه في موقف لا يحسد عليه، فهو كبقية المثقفين المسلمين المتواجدين في أوروبا، والذين تمرسوا على مناهجه وأساليبه الفكرية في التحليل والاستنتاج، فهو غير مرغوب به في أوروبا باعتباره مثقفا مسلما، لا يتقبل الحداثة الأوربية وهو معاد لأوروبا، كما هو غير مرغوب فيه في بلاده باعتباره ممثل الغرب الامبريالي وممثل الثقافة الأوربية ومناهجها وأطروحاتها المتحررة والمعادية. وهذه الإشكالية لا زالت تواجه الكثير من المثقفين القادمين من بلاد العالم الثالث.
         في العام 1971 يصبح أركون برفيسورا في حقل تاريخ الفكر الإسلامي بجامعة السوربون، ومنذ العام 1993 لم ينفك أركون كونه أستاذا زائرا في عدد من الجامعات والمعاهد العالمية، لا سيما معهد الدراسات الإسماعيلية في لندن. كما يؤسس في العام 1999 معهد للدراسات الإسلامية في فرنسا، والذي كان منذ العام 1970 قد اقترحه على الجهات الفرنسية المسؤولة.

         2.4- منهج أركون في تحليل الخطاب القرآني:

يقدم محمد أركون وجهة نظر تقوم على أسس سوسيولوجية  ؛ مناهج علم الإجتماع والدراسات الإنسانية ؛ البنيوية والسيميائية والانثروبولوجيا البنيوية، ومناهج تحليل الخطاب أو ما بعد البنيوية...

يقدم أحد الناشرين لإحدى كتب أركون فيقول:" لأول مرة يطبق أحد الباحثين بعض المنهجيات الحديثة كعلوم الألسنيات والسيميائيات والمنهجية البنيوية على النص القرآني، بغرض الكشف عن البنية اللغوية لهذا النص، وشبكة التوصيل المعنوية والدلالية التي ينبني عليها.. هذا فضلا عن تطبيقه المنهجية التاريخية لتبيان حقيقة العلاقة القائمة ما بين الوحي والتاريخ. وهو إنما يهدف بذلك إلى زحزحة مفهوم الوحي التقليدي والساذج الذي قدمته الأنظمة اللاهوتية عنه، وتجاوزه إلى تصور أكثر محسوسية وموضوعية وعلمية. فهدف أي نقد حقيقي للخطاب الديني، عند محمد أركون، يجب أن يتم باستخدام جميع مصادر المعقولية والتفكير التي توفرها لنا علوم الإنسان والمجتمع للانتقال بإشكالية الوحي، تحديدا، ومن الموقع الابستمولوجي الدوغماتي الذي تحتله حاليا، إلى فضاءات التحليل والتأويل التي يعمل على افتتاحها تباعا ما يسميه أركون: "العقل الاستطلاعي المنبثق حديثا".
         لدينا هنا نظرية جديدة ومبتكرة في ما يخص ظاهرة الوحي، الظاهرة المحورية البالغة الأهمية والخطورة بالنسبة لكل الديانات السماوية. والعمود الفقري لفكر أركون إنما يكمن هنا بالذات. فهو يفكك النظرة التقليدية الراسخة منذ مئات السنين لكي تحل محلها نظرية جديدة قائمة على آخر ما توصلت إليه العلوم الإنسانية من عقلانية ومنهجية وفهم عميق. ومن هنا الطابع التحريري الهائل لفكر محمد أركون، وكذلك الطابع الريادي لمشروعه في نقد الخطاب الديني عموما، والعقل الإسلامي خصوصا"([x]).

فاللغة عند أركون عبارة عن بنيات مستقرة ومتغيرة في نفس الوقت، حيث أنها في تركيبها وصياغاتها تتعلق بالفكر، من حيث هو جملة أفكار تفرزه ويفرزها، تشكله ويشكلها، كما تتعلق بالعقل الذي أبدع هذه اللغة وتطور في كنفها والمفروض أن تتطور في كنفه أيضا، وهو لا يفصل بين هذه المكونات كما يقول في مقدمة كتابه "الفكر الأصولي واستحالة التأصيل- نحو تاريخ آخر للفكر الإسلامي" أعرف أن اللغة والفكر في تفاعل مستمر وكليهما يستمد غذاه المشترك وديناميكيته الخلاقة من الممارسة الحياتية اليومية، أي من التاريخ الفردي والجماعي معا. لذلك ألح على العلاقة الثلاثية الدائرية التفاعلية بين اللغة والفكر والتاريخ، ويقصد بذلك أن اللغة العربية هي كسائر اللغات لها تاريخها الفكري ومنظومتها الخاصة التي تحتاج إلي تطوير وتجديد لا ينطلق من كون هذه اللغة قاصرة، إنما يرتبط بالتعالي على المعوقات التي حالت دون منح هذه اللغة تاريخيتها، وذلك بالانتباه إلي ما لم يفكر فيه بعد ويهتم أركون بشكل خاص بعملية التأصيل المقصود بها والبحث عن أقوم الطرق الاستدلالية وأصح الوسائل الاستنباطية للربط بين الأحكام الشرعية والأصول التي تتفرع عنها، أو لتبرير ما يجب الإيمان به، ويستقيم استنادا إلي فهم صحيح للنصوص الأولى المؤسسة للأصول التي لا أصل قبلها ولا بعدها، هكذا انصبت حجية القرآن ثم السنة النبوية والإجماع على القياس، وتعتبر رسالة الشافعي المحاولة الأولى لتأسيس ما ازدهر بعده باسم أصول الفقه، وفكرة التأصيل نابعة من الخطاب القرآني نفسه الذي يربط بين ما جاء فيه من أوامر ونواهي، وبين قدرة الخالق والأصل الذي لا أصل قبله ولا أصل بعده ، وإذا استمر الفكر زمنا طويلا وهو يكتفي بترديد ما تسمح به اللغة والنصوص العقائدية وإجماع الأمة ومصالح الدولة ، فإنه يتضخمويثقل ويتراكم ، ويسيطر على العقل ، وهكذا فإن مفهوم التأصيل يحيلنا دائما إلى الماضي والأصول الأولى ، وضد منطق التطور التاريخى ([xi]).

         3.4- الجانب التطبيقي عند أركون:

ألقى محمد أركون مداخلة في ملتقى الفكر الإسلامي الثاني عشر في مدينة باتنة تحت عنوان:"مفهوم العلم في القرآن والتفكير المعاصر" فاستهلها بقوله تعالىًًَ:"و قالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت و نحيا و ما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون"الجاثية 24،ثم طرح سؤالا مفاده"ما الفرق بين مفهوم العلم ووظائفه في القرآن ثم في التفكير الحديث؟

ثم يمهد للجواب حول السؤال فيقول: "لقد كثرت الكتب والمقالات والمحاضرات والأقاويل التي تلح على إبراز فضائل القرآن وتسعى لتأييد صحة الآية المشهورة "و عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو و يعلم ما في البر و البحر و ما تسقط من ورقة إلا يعلمها و لا حبة في ظلمات الأرض و لا رطب و لا يابس إلا في كتاب مبين" الأنعام59، والقائمون بهذا العمل يدعون أن جميع ما اهتدى إليه العلماء المحدثون من الاكتشافات والنظريات التعليلية للواقع قد صرح به القرآن، فما كان على هؤلاء العلماء إلا أن يكرروا أو يقلدوا ما عرفه المسلمون قبل غيرهم ..وقد تعدد المسلمون المؤيدون لهذا الاتجاه التمجيدي والتنزيهي..إني لا أريد أن أجادل هؤلاء في ممارستهم لعلم التاريخ وتلاعبهم بقواعد اللسانيات ومبادئ الفلسفة وانثروبولوجية الأديان، بل إني أعترف لهذا التيار الأدبي القوي عند المسلمين بأهمية نفسانية فائقة..إلا أن هذه الوظيفة النفسانية الهامة تعدل في نفس الوقت بعقول الناس عن الاجتهاد العقلي المجرد والمنتج، ونحن نعلم أن العقل لا يوفق إلى نتائج علمية سليمة إلا إذا تحرر من الاهتزازات الوجدانية والتصورات الذاتية([xii])، وهذا دعوة منه إلى الموضوعية المطلقة وهذا ما لا يمكنه أن يتحقق في نظري خاصة إذا تعلق الأمر بالأصول والثوابت والعقائد.

واعترافا منه بوعورة الطريق إذا تعلق الأمر بالبحث في القرآن قال:"ولا أريد أيضا أن آتي بنظرية جديدة وحل نهائي في موضوع متشعب بعيد المنال إنما أريد أن أقترح بعض الملاحظات في المنهاج الذي لابد أن نتقيد به إذا أردنا أن نحترم القرآن ومقصوده الأسني من جهة، والتفكير الحديث ومقتضياته النظرية والعملية من جهة أخرى.([xiii])

وبعد هذه المقتطفات عن الجوانب النظرية، وتطبيقا لنظريته تلك جاء بمثال عن مفهوم العلم في القرآن الكريم:

فقال:" سننطلق من حقيقة إحصائية قد أبرزها المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وإذا جمعنا ما ورد من الألفاظ المشتقة من الأصل "عليم" نجد أنها تبلغ 750 وهو عدد يسترعي النظر إذ الفعل "قال"  مثلا وهو من أكثر الألفاظ الواردة في اللغة العربية قد ورد1700 مرة ، واسمه تعالى (الله) ورد 2696 مرة ، أما الألفاظ المشتقة من الأصل (عرف) فإنها تبلغ 68 ومنها اسم المفعول (المعروف)  الذي ورد 38 مرة"([xiv]).

ثم قال : وقبل أن نواصل هذا البحث الإحصائي لمفهوم العلم في القرآن، يجدر بنا أن نقيد الملاحظات التالية:

1- من الألفاظ المشتقة من علم، نجد أن الوزن "عليم" وهو من أسماء الله الحسنى قد ورد  140مرة، واسم التفضيل "أعلم" الدال على أنه تعالى أعلم بكل شيء قد ورد49 مرة، والاسم نفسه أي "العلم" قد ورد 80 مرة ؛ أغلبها تحيل إلى علمه تعالى، ثم إن الأفعال في الماضي والمضارع وردت388 مرة، وفاعل تلك الأفعال في أغلب الأحيان هو "الله تعالى".

2- كل الألفاظ المشتقة من "عرف" مرتبطة نحويا بالإنسان، ونستبين من هذه الظاهرة النحوية أن الألفاظ المشتقة من "عرف" تدل على عملية فكرية خاصة بمرتبة الإنسان، بينما العلم يدل على عملية متفاوتة الدرجات، بل على حقيقة إلهية لا يدركها الإنسان، كما سيتضح لنا ذلك فيما يلي:

3- ويؤكد هذا الفرق في الوظيفة النحوية فرق واضح أيضا في الدلالة، فإن العلم يحيل إلى عالم من الحقائق هو عالم الغيوب، يؤتي تعالى منها من يشاء أجزاء ضئيلة متفرقة، وكأنه نور فجاج تنزل منه أشعة حتى تبلغ عباد الله الصالحين عن طريق الرسل والأنبياء .

ويمكن أن نستشهد على ذلك بآيات عديدة منها:

    -"الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة و لا نوم له ما في السماوات و الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بأيديهم و ما خلفهم و لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات و الأرض و لا يؤده حفظهما و هو العلي العظيم" البقرة/255 .

- " نَرْفَعُ دَرَجَاتِ مَن نَّشَآءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ" يوسف(76).

 وهناك فرق بين العلم بالله، أي ما يدركه الإنسان من الحقيقة الإلهية، وعلم الله المجموع في اللوح المحفوظ  والكتاب السماوي الذي نزلت منه  آيات مقيدة في كتبنا الأرضية.والقرآن يتكلم عن علم الله لا عن العلم بالله أي العلوم المختلفة والطرق العقلية التي سيبدعها من بعد العلماء المسلمون.ولذلك لم ترد في القرآن صيغة الجمع"العلوم"، ونجد ربطا معنويا متينا بين " العلم" من جهة والكتاب والوحي والتنزيل والإيمان من جهة أخرى .

أما الأفعال عرف/يعرف ؛ فإنما تدل على إدراك بالحواس لأشياء وشيم وأشخاص

وأخبار...منحصرة  في نطاق الخبرة الإنسانية، والإنسان يستند فيما يعرفه على ما سمع وتلقى ورأى ولمس واختبر، وتشهد على هذا المعنى الآيات:

" وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنـَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ"محمد(30)

-" تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ" المطففين(24).

-"الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبنائهم و إن فريقا منهم ليكتمون الحق و هم يعلمون" البقرة/146.

4- وعلى هذا فيمكننا أن نقول إن العلم قد يحتوي على عناصر مما عرفه الإنسان- بالمعنى القرآني- إلا أن مصدره أعلى من مصادر ما يعرف ومضمونه الجوهري أثمن وأسطع نورا.. وإذا ثبت للعلم هذان الجانبان  المتكاملان المتلاصقان- الجانب السماوي المتجه إلى عالم الغيوب والجانب الأرضي في متناول الإنسان فلا بد أن نبحث عن كيفية تقديمهما وقيمة تعريفهما في القرآن"([xv]) .

وتحت عنوان  " الطريقة اللفظية في قراءة القرآن" قال:" قد زودنا المفسرون القدماء بمعلومات ثمينة وإشارات دقيقة في معاني الألفاظ المنفردة إلا أنهم قد صبوا أيضا في هذه الألفاظ وبالتالي في النص القرآني برمته آراء ذاتية ومعاني طارئة ومفهومات مقتبسة من الثقافات الشرقية القديمة التي أنعشها الإسلام بعد القرن الثاني الهجري ..ولهذا بقي لنا أن  نستغل المناهج اللسنية الحديثة لنهتدي إلى معاني القرآن كما تفرضها طرقه الخطابية الخاصة على كل قارئ..وللقراءة اللسنية أسبقية منهجية وأفضلية ابيستمولوجية لجميع من يستهدف تجديد الفكر الإسلامي وتمكينه من القيام بمسؤوليته الراهنة.

وسنضرب مثلا لهذه الطريقة بتقديم ما سميناه الطريقة اللفاظية، واللسانيون يميزون اللفاظية(laxicologie  )من المعجمية(lexicologie  ) وبينما تكتفي المعجمية بجمع مفردات اللغة وترتيبها في معجم والإشارة  إلى معانيها مجردة عن السياق، فإن اللفاظية تعتني بتحليل التكيفات الدلالية لكل لفظ بجميع السياقات اللغوية المعروفة، ثم أنها تبحث عن العلاقات الدلالية التي يحدثها النص بين مجموعة من ألفاظ...

ومفهوم العلم في القرآن أقوى حجة يدلي بها من يريد تبيين صحة هذه التعريفات اللسنية، وذلك لأن السياقات التي ورد فيها كثيرة، فكثرت بها العلاقات اللفاظية ؛ بحيث أن البحث عن هذا المفهوم يؤدي إلى التحليل البنيوي لمعجم القرآن ثم لبلاغته([xvi]).

وأشار إلى أنه قام بهذا البحث في كتاب له عن "الخطاب القرآني والتفكير العلمي ". واكتفى بذكر النتيجة الأساسية لهذا البحث ؛ وهي أن المجموعة من الألفاظ الواردة في القرآن تنقسم إلى بنية دلالية محيطة وبنية دلالية محاطة بها أي تابعة للأولى، جارية في فلكها ؛ وهذا ما بينه في القائمة التالية ( الرقم يدل على عدد السياقات حيث ورد اللفظ أو الألفاظ المشتقة من الأصل )([xvii]):

 

 

أ‌-    البنية المحيطة:

أسماؤه وأفعاله تعالى،الله (2696)+رب(969 الأسماء الحسنى) آية:383.

نزل (216)+وحي(78)

رسل ( 514)+نبأ(162) ندر(128)

علم(750)ومنها عليم(140)خبر(52)،خبير(45).

الكتاب (230)قرآن(62)كلام(50)

حق(287)بين(257).

حكم(212)ومنها حكيم(97)

خلق (251)

شاء (236)هدى (314)

سماء/أرض (451/310)

حي/ موت(135/197)

جزاء/عذاب (362/119)

جنة/نار، جهنم، سعير(16،77، 145/147)

وعد/وعيد( 154)حساب (43)قيامة ملك، ملائكة (88).

شيطان، إبليس (11، 88)

جن (50)

خير/ شر، فسق(54،31/190)

العاملون (73)

حل/حرم(83/51)

ب‌- البنية التابعة:أعمال الإنسان

  • · معجم الإيمان:

إنس (328)،بشر(75)

أمن (823)

عبد(154)،وقى(196)طوع(81)سلم

صدق(133)شكر(75)حمد(68)

سبح (89)

عمل(360)فعل(108)

قلب(132)فؤاد(16)لب(16)

ذكر(393)شهد(160)ومنها شهيد(35)

  • · معجم الإدراك السليم- العلم

سمع (183)ومنها سميع (47)

بصر(148)ومنها بصير(51)

نظر(129)

عقل(49)شعر(33)درى(28)يقن(28)

فكر(18)دبر(4)برهن(8)

درس (6)فهم (1)نبط (1)

  • · معجم المجادلة.

ظن (69)فتن(60)

حسب(44)جدل(29)زعم(17)

شكر(15)شق(14)

حج(7)

خرص(5)

  • معجم الكفر

كفر(525)

ضل(191)

بطل(60 )

عمي(33)

جهل(24)

صم(15)

بكم(6)

زيغ(9)

وشرحا لما سبق أشار إلى النقاط التالية([xviii]):

1-أنه جمع في قائمة اليمين الألفاظ الدالة على الحقائق الإلهية الخارجة عن إدراك الإنسان لو لم يفضله الله بالتوفيق والتعليم بواسطة التنزيل وليس في متناول الإنسان علم فوق ما هو مضمون في هذه البنية اللفاظية، ولا يستقيم له علم خارج هذه البنية، أو قل لا يسلم له إدراك لواقع أو حقيقة إذا لم ينطلق من هذه البنية ويتأصل فيها.

2- ولذلك يستند معجم الإدراك السليم إلى معجم الإيمان ؛ وهذا يعني أن الموجودات والأسماء والأفعال والحوادث المذكورة في البنية المحيطة يتفتح لها القلب قبل أن يتناولها العقل بالبحث النظري أي بعملياته القياسية والبرهانية...ومما يؤيد ذلك أن اسم "العقل" لم يرد في القرآن، وإنما نجد صيغة الفعل المضارع بمعنى الربط بين الأمور لاستخراج العبرة...

3- ثم أن معظم هذه الألفاظ ترد بدلالات مجازية تمثيلية بعيدة عن الدلالات المفروضة في اللغة العادية- لغة التخاطب المعبرة عن الأشياء المحسوسة كما شرح ذلك- ومن المعلوم أن التعبير المجازي له حكم في اللغة يربطه بالقوة المخيلة  لا بالقوة العقلية، مادام العقل متقيدا بقواعد التحقيق للواقع، ثم أشار إلى أن هناك مشكلة نفسانية لم يحلها بعد علم النفس  الحديث، ألا وهي مشكلة العلاقات بين النشاط التعقلي والنشاط التصوري، وأن علم الانتروبولوجية عن هذه المشكلة بالتمييز بين الوعي القصصي المعتمد على القصص والوعي العلمي المعتمد على التجربة والتحقيق الرياضي...

4- لكل من التعبير الديني والتعبير الشعري والتعبير العلمي العقلاني خصائص لغوية يتسم بها وتحيل هذه الخصائص إلى مستوى خاص وطريقة خاصة لما نطلق عليه دون تمييز اسم"العلم" إلا أننا لن نهتدي إلى تحقيق دقيق مقنع لهذه الخصائص إلا إذا طبقنا قواعد التحليل اللسني تطبيقا وافيا.

5- لمعجم المجادلة صلات دلالية بمعجم الإدراك السليم وبمعجم الكفر؛ بما أن النفس تواقة إلى الاطمئنان بالرجوع إلى ربها أي السكون إلى" العلم" المضمون في البنية المحيطة ؛ وأمارة بالسوء إذا استمرت في الظن والشك والحساب والمجادلة حتى تنغمس في الكفر أي رفض "العلم" ؛ فمعجم المجادلة في القرآن كله سلبي ؛ لأنه يدل على مواقف النفي للعلم المنزل أو الابتعاد عنه، وألح على الرابطة اللفاظية القوية بين معجم الإدراك أي النشاطات الذهنية الإيجابية( أفلا تعقلون، أفلا يتدبرون، يشعرون...) ومعجم المجادلة(الذين يجادلون في آيات الله...) لا محل ولا وظيفة للشك والظن والمجادلة في النشاط التعقلي الذي فرضه القرآن...

6- أما معجم الكفر فله وظيفة دلالية هامة لأنه يؤكد دلالات معجم الإدراك ويزيدها تمكنا من أذهان المستمعين بوسيلة لفاظية تسمى المقابلة وهي وسيلة عظيمة الشأن في اللغة العربية نجدها في الشعر الذي يقابل بين المحاسن والمساوئ وعلم الأخلاق الذي يقابل بين الرذائل والفضائل...

ويكاد كل لفظ في معجم الإيمان ومعجم الإدراك يقابله لفظ في معجم الكفر، بل كثيرا ما يرد اللفظان المتقابلان في جملتين متقابلتين، وذكر الإيمان يستتبع ذكر الكفر ثم الوعد والوعيد والجزاء والعذاب والجنة والنار والبصر والعمي والسمع والصم والهدى والضلال والعلم والجهل والنور والظلمات...

إلى أن يقول: وهكذا وضع حدا فاصلا بين"العلم" الذي يجب على الإنسان أن يمعن فيه بالتفكير والتلقي والتلقين وبين الجانب من الواقع الذي لا يحق التفكير فيه، وقد اتجه الفكر الإسلامي هذين الاتجاهين إلى يومنا هذا حتى عظم لديه مجال ما لا يمكن التفكير فيه وما لم يفكر فيه بينما تشعب ما أمكن التفكير إلى محاولات المذاهب والفرق..ولذا بقي لنا أن نشير إلى  المراحل الحاسمة في إحداث" روح علمية جديدة" على حد تعبير الفيلسوف(Bachelard ) في كتاب من كتبه القيمة...([xix]) .

5- نقد المناهج الحديثة في تحليل القرآن و نقد منهج محمد أركون:

سعت القراءة الحداثية العربية للنص القرآني إلى تحقيق قطيعة معرفية مع القراءات الإسلامية التراثية التي تعمل على ترسيخ الإيمان والاعتقاد واستبداله بترسيخ التشكيك والانتقاد، ومن أشهر القراءات النقدية الحداثية قراءة محمد أركون وأتباعه مع التونسيين مثل عبد المجيد الشرفي ويوسف صديق وكذلك قراءة نصر حامد أبو زيد وطيب تزيني، ويدخل في هذا الباب قراءة حسن حنفي التأويلية بشكل أقل حدة، واتبعت هذه القراءات في سبيل تحقيق مشروعها الحداثي النقدي مجموعة من الخطط تهدف إلى رفع العوائق الاعتقادية من أبرزها خطة أنسنة القرآن الكريم والتي تهدف إلى رفع عائق القداسة عن النص القرآني عن طريق التعامل مع الآيات القرآنية باعتبارها وضعا بشريا، وقد عبر عن ذلك عبد المجيد الشرفي بنزع الميثية عن النص الديني بمحاولة أنسنته بعلمنة القراءة. وانتهجت هذه القراءة الحداثية عمليات خاصة، كحذف عبارات التعظيم المتداولة إسلاميا واستبدال المصطلحات المقررة تاريخيا بمصطلحات جديدة كاستبدال مصطلح نزول القرآن بالواقعة القرآنية والقرآن الكريم بالمدونة الكبرى والآية بالعبارة، والاستشهاد بالكلام الإلهي والكلام الإنساني على نفس الرتبة في الاستدلال، والتفريق بين مستويات مختلفة في الخطاب الإلهي كالتفريق بين الوحي والتنزيل، والقرآن والمصحف، والشفوي والمكتوب، وفي هذا السياق يقول محمد أركون " وكنت قد بينت في عدد من الدراسات السابقة أن مفهوم الخطاب النبوي يطلق على النصوص المجموعة في كتب العهد القديم والأناجيل والقرآن كمفهوم يشير إلى البنية اللغوية والسيمائية للنصوص، لا إلى تعريفات وتأويلات لاهوتية عقائدية "، ويؤكد هذا المعنى أبو زيد بقوله: "إن القول بإلهية النصوص والإصرار على طبيعتها الإلهية تلك يستلزم أن البشر عاجزون بمناهجهم عن فهمها ما لم تتدخل العناية الإلهية بوهب البشر طاقات خاصة تمكنهم من الفهم ".([xx])

  وكان من نتائج التطبيق المنهجي لخطة أنسنة القرآن جعل القرآن نصا لغويا لا يختلف عن النصوص البشرية ، وترتب على هذه المماثلة اللغوية بين النص القرآني والنصوص البشرية اعتبار النص القرآني مجرد نص أنتج وفق المقتضيات الثقافية التي تنتمي إليها اللغة لا يمكن أن يفهم أو يفسر إلا بالرجوع إلى المجال الثقافي الذي أنتجه، كما شدد على ذلك نصر حامد أبو زيد بقوله: " إن النصوص الدينية ليست في التحليل الأخير سوى نصوص لغوية، بمعنى أنها تنتمي إلى بنية ثقافية محددة تم إنتاجها طبقا لقوانين تلك الثقافة التي تعد اللغة نظامها الدلالي المركزي "، ومن نتائج القراءة الحداثية جعل القرآن إشكاليا بحيث يصبح النص مجملا ً ينفتح على احتمالات متعددة وتأويلات غير متناهية فالطيب تيزيني يرى "أن الوضعيات الاجتماعية المشخصة في المجتمع العربي بما انطوت عليه من سمات ومطالب اجتماعية اقتصادية وسياسية وثقافية الخ، هي التي تدخلت في عملية خلخلة النص القرآني وتشظيه وتوزعه بنيويا ووظيفيا في اتجاهات طبقية وفئوية وأقوامية إثنية متعددة، وأتى ذلك على نحو ظهر فيه هذا النص معاداً بناؤه وفق قراءات متعددة محتمله تعدد تلك الاتجاهات وحواملها المجسدة بالوضعيات المذكورة إياها "، ومن النتائج المترتبة على القراءة الحداثية فصل النص القرآني عن مصدره الإلهي وربطه بالقارئ الإنساني، واعتباره نصا غير مكتمل كما يؤكد ذلك تيزيني بقوله " فإننا في الاختراق الحالي نواجه المسألة من حيث هي مسألة حول " تمامية المتن القرآني " وكما هو بين فإن إجماعا على هذه التمامية يغدو والحال كذلك أمرا خارج المصداقية التاريخية التوثيقية".ومن الاستراتيجيات المتبعة في القراءة الحداثية العربية خطة عقلنة النص القرآني والتي تهدف إلى رفع عائق الغيبية، وبحسب هذه القراءة فإن العائق الأكبر يتمثل في اعتقاد أن القرآن وحي جاء من عالم الغيب، ولذلك لا بد من التعامل مع الآيات القرآنية طبقا للمنهجيات والنظريات الحديثة كما يرى أركون، ومن العمليات المتبعة في سبيل تحقيق خطة عقلنة النص القرآني اعتبار علوم القرآن التي اتبعها علماء المسلمين تشكل وسائط معرفية متحجرة تمنع من التواصل مع النص القرآني وتعيق أسباب النظر العقلي، من هنا كان لا بد من نقل مناهج علوم الأديان المتبعة في تحليل ونقد التوراة والأناجيل وتطبيقها على النص القرآني، والتوسل بالمناهج المعتمدة في علوم الإنسان والمجتمع...([xxi])

  وأضاف بعضهم([xxii])لا يخلو منهج معرفي أيا كانت طبيعته، من تضمينات أيديولوجية ومقاصد معرفية، يصبو إلى بلوغها، سواء توافقت مع العرف المعرفي السائد أم تعارضت؛ والمنهج يستند فيما يستند إلى مرجعية أساسية ومرجعيات تابعة، يستمد منها مقولاته الأساسية ومنطلقاته المبدئية وغاياته النهائية، ثم هو – أي المنهج -يحوز على أدوات يوظفها في التحليل والتفسير والقراءة، وتناول جميع القضايا من خلال المنطلقات ومحاكمتها من خلال الغايات. وهذا كله يتم ضمن إستراتيجية معرفية شاملة، تستبطن ولاءات أيديولوجية، وتحيزات نظرية، لا يقدر أي عالم على الانفكاك ما.

وتترجم تلك التحيزات في صورة نظريات، ترتكز إلى مناهج، تسعى إلى مآلات محددة، تنتهي إلى أغراض كلية، سواء كانت ؛ تاريخية، أم سياسية، أم معرفية، والأرجح أن جميع المناهج تنتهي إلى أغراض معرفية في ظاهرها وأيديولوجية في أساسها.

  من تلك المناهج، المنهج المعرفي التفكيكي الذي أرسى دعائمه محمد أركون، تقليدا، بقصد التعامل مع الموروث الإسلامي، والفكر والعقل الإسلاميين، بشكل تفكيكي تقويضي، يهدف إلى تأسيس عقل استطلاعي منبثق حديثا، ينتهي إلى زعزعة المنظومة المعرفية التوحيدية الكامنة وراء تلك التجليات الجزئية، التي برزت في صورة اجتهادات في شتى حقول المعرفة ( كلامية،أصولية، فقهية…).

  يسعى أركون من خلال مشروعه المعرفي التفكيكي، إلى بناء نمط معرفي جديد-فيما يعتقد-، يتجاوز المرجعية الإسلامية التاريخية والمتمثلة في القرآن، وذلك بادعاء بشريته-أي القرآن- ؛ إذ هو يميز في القرآن بين ما يسميه الخطاب النبوي، وبين الكلام الإلهي، هذا الأخير-حسبه- تكلم به الإله في الأزل ولا يقدر أي خطاب بشري على احتوائه وبالتالي يترجم النبي الموحى إليه المعاني المستقرة في نفسه، بخطاب إنساني متلبس بمقتضيات الزمان الذي قيل فيه الخطاب، ومن هنا لا يمكن رفع القرآن إلى مستوى الكلام الإلهي، لأنه مجرد خطاب نبوي، تلفظ به النبي محمد بما يتوافق ومستواه اللغوي ومقدرته البيانية، وإذن فالقرآن ليس إلهي المصدر في لغته، ولا في أحكامه، إذ أن هذه الأخيرة لا ترتفع عن كونها وعيا بشريا إنسانيا، استوعبه النبي محمد بما يناسب ويوافق المرحلة التاريخية التي وجد فيها، ومن هنا لا جدوى من القول بأزلية الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان. فالقرآن مرجعية المسلمين جميعا، غير أن أركون يعده إلهيا، والنسخة المدونة الموجودة بين أيدينا اليوم-حسبه- ما هي إلا صورة مؤقتة نسبية مغلقة للمعنى الإلهي الأزلي المطلق أو ما فوق المطلق، المُستوعب لامتدادات التاريخ وتقلبات الأيام. زيادة إلى أن القرآن الحالي، نسخة أرثوذكسية فرضتها فئة من الصحابة على جميع المسلمين في جميع التاريخ، مع أن هناك مصاحف أخرى ونماذج أخرى للقرآن، تم الاستغناء عنها، بدعوى الإقصاء السياسي الذي أحدثته قريش لبقية القبائل، واستئثارها بالخلافة، في مقابل القبائل الأخرى، بإبعاد لغاتها وقراءاتها، وتبني لغة قريش على أنها لغة الله (سبحانه). واللغة المشار إليها، تُعقِّد باستمرار عمليات التحليل والتفكيك، لاتصالها بسياق دلالي ولغوي تاريخي مضى وانقضى، والتعامل مع القرآن في إطار تلك اللغة يستدعي تجاوبا تقديسيا، يعمي العقل ويغشيه بحكم الهالة التعظيمية التي يحاط بها الخطاب النبوي-القرآن-، وهذا ما أعجز العلماء بالإسلام عن تكوين نظرية قرآنية، تمكن من دراسة القرآن وتبين معانيه، عكس الوارد عند علماء اللاهوت في فكر الآخر، يهوديه ومسيحيه ، لذا لا مندوحة من تخليص أساليب تناول الخطاب النبوي من هيمنة اللغة

العتيقة ومن سيطرة تناول علماء اللاهوت والأصوليين الإسلاميين، وإحلال الأسلوب الحديث في تناول القرآن، والاستفادة من تطورات العلوم الحديثة، التي يجب إقحامها عنوة-بالمعنى المعرفي- للتمكن من تفكيك الخطاب القرآني (النبوي) لإدراك التلاعبات الحاصلة داخله، من زحزحة بعض الفئات المُخَاطبة، والتركيز على أخرى، وهذا كله عمل أيديولوجي، ينتهي إلى هدر السياق الإلهي للقرآن الكريم، من حيث المصدر الإلهي، ومتكأه في ذلك المجهود الذي قامت به المعتزلة قديما، مع أن الموجبات النظرية والتاريخية للفكرة تختلف تماما، زيادة إلى إسقاط الجدوى المعرفية لجهود علماء اللغة والأصول والكلام المسلمين، وتفضيل مقابلهم الغربي عليهم، وهذا إظهار للولاء الأيديولوجي المفضوح، لفكر الآخر والذوبان فيه، والقصد الأيديولوجي من ذلك تجريد القرآن والفكر الإسلامي، من أرضية منهجية ومعرفية متينة، تم تطويرها عبر قرون طويلة، انتهت إلى صياغة منهجيات معرفية متعاضدة، يقوي بعضها البعض الآخر، ليخلو المجال للانقضاض على القرآن والإجهاز عليه.

ثم إن دعوى أرثوذكسية النسخة القرآنية، يفيد، الإلماح إلى عتاقة المبنى والمعنى القرآنيين، وكون الوعي الإنساني متجاوزا في آفاقه ومقدرته الإبداعية لمستوى البيان القرآني، ودوره في بناء الفهم البشري، وفي هذا أيضا، إعلاء للبشري التاريخي على الإلهي الغيبي.

ينتهي لدينا مما سبق، أن الإستراتيجية الأيديولوجية لمحمد أركون، تتأسس على هدر الطابع الإلهي للقرآن والتأكيد على بشريته، تمهيدا لنكرانه، زيادة إلى التزهيد في المقدرة المعرفية للقرآن في توليد الوعي وصناعة الفكر وبناء العقل، ثم العمل على ربط الوحدات النصية، هكذا يسميها، الآيات القرآنية بلازمات زمانية وربما ظرفية مكانية، في مضمونها وملفوظها، وهذا أيضا لإسقاط الطابع المتجاوز للأحكام، كمدخل لرفض الشريعة، وتعويضها بالاجتهاد الوضعي.

أضف إلى الإكبار المبالغ فيه لمناهج الغرب المعرفية، التي أبدعتها عقول متأسسة على وعي آخر، وإدراجها في تناول القرآن، بكيفيات غير صالحة، لكون منبتها، خطابات إنسانية أدبية وعلمية وفنية، ولمغايرتها للطابع الإلهي للبيان القرآني، إضافة إلى الزهد في مبدَعَات العقل الإسلامي، والإصرار على ضحالتها وضعفها، وهكذا…

والمطلوب من المفكر والمثقف والمتعلم والعالم المسلم، العمل نظريا على تفويت الفرصة معرفيا، على أمثال هؤلاء، والإلحاح على فرادة القرآن، واستعصاءه على المناهج الحديثة للفكر الغربي، وأن في الفكر وعلم الأصول الإسلاميين، ما يغني ثقافة الأمة ويثريها ويحررها وإن كان من الضروري الاستفادة من فكر الآخر، لا مفر من عرض ذلك على مناهج الفكر الإسلامي المعرفية والأصولية، حتى تتم عملية الغربلة والتنقية من المضامين الأيديولوجية المباينة للطابع التوحيدي للرؤية الوجودية الكونية الإسلامية، حتى ينتفع بها.

ولعل الأمر - في نظري- يندرج  ضمن قواعد العولمة التي صبغت كل شيء بما في ذلك الذهن البشري...

جاء على لسان إحدى الباحثات([xxiii]) دفاعا عن الفكر الأركوني من خلال كتابه القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني:" يعرض محمد أركون في كتابه "القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني" رؤية جديدة في التعامل مع الوحي على أساس ما توصلت إليه العلوم الإنسانية من عقلانية ومنهجية وفهم عميق، وهو يعتبر أن دراسة معمقة لظاهرة الوحي يمكن أن تستخدم وسيلة فعالة لتنشيط الفكر الإسلامي وجعله فكرا نقديا...

  هناك نظام معتزلي، حنبلي، حنفي، إمامي، إسماعيلي، سني، صوفي، فلسفي، تاريخاني، قصصي، علماني، أصولي، ماركسي، فرويدي، بنيوي، كاثوليكي، تلمودي، بوذي للحقيقة، والعولمة كمرحلة تاريخية جديدة من مراحل الفكر تفتح لأول مرة المجال من أجل المقارنة بين أنظمة الحقيقة بحجة أنه إلهي منزل وغيره بشري زائل أو دنيوي عرضي، غير أن جميع التراثات الدينية سوف تخضع لمنهجية النقد التاريخي والحفر الأركيويلوجي في الأعماق، وإذا كان هناك نظام للحقيقة يستحق الاستثناء فسيجبر لا محالة على أن يجدد بيانه وبراهينه وتأصيله بحسب ما تقتضيه عولمة الذهن البشري وما يصاحب ذلك من المعرفة الكونية العالمية".

يقول سليمان عشراتي:" إن المقاربات العقلانية، للنص القرآني التي يقوم بها أركون تجرده في الواقع، من سمة القداسة، وتجعل منه مادة تنقيب واستكشاف  مفتوحة على مختلف المناهج بما فيه المناهج ذات المنزع المادي الوضعي..فربط أركون لمبدأ الإعجاز بالحس الأسطوري، وبالذهنية البدوية هو تحوير لحقيقة يقرها الخطاب القرآني( وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه)"([xxiv]) .

      ورغم الاستفزاز الذي تثيره هذه القراءات، ورغم عجزها عن تقديم دراسة متكاملة عن القرآن كله، كما كان يفعل الأوائل، ورغم عدم خلوها بأي حال من الأحوال من ايديولوجية إلا أنني أخلص إلى النتائج التالية:

1-إعادة قراءة التراث العربي الإسلامي قراءة نقدية متزنة بعيدة عن التمجيد والتقديس المفضي للتكرار مع الابتعاد عن الاستهانة بالمجهودات الجبارة و الخلاقة التي أبدعها الفطاحل من علماء الأمة أمثال الجرجاني والباقلاني، الخطابي، وغيرهم.....

2- التفريق بين الخطاب القرآني وما نتج حول هذا الخطاب من خطابات بشرية، بين قداسة الأول، ونسبية الثاني.

3- الثقة بالنفس في التعاطي مع المناهج اللسانية.

4-وصل التراث العربي الإسلامي القديم بالإنجازات اللسانية المعاصرة قصد اختبار مبدأ الملاءمة والشمول. 

5- إن المشروع الأركوني لا يعدو أن يكون اجتهادا بشريا له وعليه...

6- محمد أركون فيلسوف يطرح أسئلة ولا يقدم إجابات…

 

7- وفي النهاية أؤكد  على أنه لابد من الوقوف على الغاية التي رسمها الشارع من تلقي الخطاب عموما والنص خصوصا، وإذا كان الوصول إلى كامل معنى النص هو الغاية الأولى من فعل التلقي المطلوب شرعا؛ فإن الغاية النهائية لهذا الفعل هي العمل بهذه المعاني المستفادة من النص-والله أعلم.

 

 

الهوامش

 


[i] - تلقي النص الديني، أيمن صالح، إسلامية المعرفة، السنة العاشرة، العدد40، 2005، ص17.

[ii] - أيمن صالح، المرجع السابق، ص17.

[iii] -جمال البنا، إستراتيجية الدعوة الإسلامية في القرن21،دار الفكر القاهرة، مصر، 2000، ص92.

[iv] - لغة واحدة ...أم لغات متعددة، فتحي سيد فرج، الحوار المتمدن، العدد1584،http:www.rezgar.com17/6/2007

[v] - أوهام النهضة واستراتيجيات القراءة الحداثية للقرآن، حسن أبوهنية، جريدة الغد 25/03/2006.

[vi] - أتحفظ على مصطلح التقليدي وأرجح التفسير التراث أو الموروث.

[vii] -http:www.chihab.net عبد الرحمان الحاج باحث سوري  متخصص في الدراسات القرآنية والفكر الإسلامي المعاصر في حوار معه على الموقع تاريخ السحب في جانفي 2007.

[viii] -النص والسياق الحضاري، عبد الحميد بوكعباش، الإحياء، العدد (2،3) ،1421 هـ ،    2001  ، ص:15.

[ix] -هذه الترجمة كتبها أركون عن نفسه وبعثها للباحثة أرزولا غونتر التي كانت رسالة  دكتوراها  بعنوان : محمد أركون ناقد معاصر للعقل الإسلامي، نشر الكتاب في2004 ،دار النشر ،ergon.http:www.sotaliraq.com29/04/2005

[x] -كلمة الناشر لكتاب : القرآن:من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني، محمد أركون، ترجمه، هاشم صالح، دار الطليعة،2001.

[xi] -فتحي سيد فرج، المرجع السابق.

[xii] - محمد أركون،مفهوم العلم في القرآن والتفكير المعاصر، كتاب الأصالة، وزارة الشؤون الدينية، الجزائر، ج1،ص:211 .

[xiii] -محمد أركون، المرجع نفسه،ص:221 .

[xiv] - محمد أركون، المرجع السابق، ص:212 .

[xv] - محمد أركون، المرجع السابق، ص:212-213 .

[xvi] -- محمد أركون، المرجع السابق، ص:213-214 .

[xvii] - محمد أركون، المرجع السابق، ص:214-  216

[xviii]- محمد أركون، المرجع السابق،ص:216-219.

[xix] - محمد أركون، المرجع السابق، ص:219 .

[xx] -حسن أبوهنية ، المرجع السابق.

[xxi] - حسن أبو هنية، المرجع السابق.

[xxii] -الحاج دواق بن حمنة آل بوعافية،الاستراتيجية الايديولوجية لمنهج أركون المعرفيwww.chihab.net

[xxiii] -خيرة طهيري، دراسة كتاب: من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني،جريدة الغد، الموقع السابق.

[xxiv] - سليمان عشراتي، الخطاب القرآني، ديوان المطبوعات الجامعية، بن عكنون، الجزائر، 1998 ص60 .

 

Télécharger l'article