الميزان الجديد – رؤية نقدية لتحليل الخطاب الأدبي

عند محمد مندور

 

                                                                                     أ/ فطيمة داود

– مستغانم- (الجزائر)

تمهيد :

لقد تعددت جهود النقاد العرب في تحليل الخطاب الأدبي في عصرنا – انطلاقا من تعدد المناهج و النظريات ، و حاول كل واحد منهم أن يدلي بدلوه في قراءة الخطاب الأدبي و تحليله ، بوصفه عنوانا شاملا ، و منظومة متسقة من الإجراءات المنهجية فتحليل الخطاب حقل معرفي يهتم بصناعة النص و إنتاجه فضلا عن دراسته و تحليله (1)

و بهذه المداخلة نقف وقفة عجلى على جهود محمد مندور الناقد المصري و المحلل الموضوعي ( 1907-1965) من خلال كتبه النقدية بصفة عامة و كتابه "الميزان الجديد" – بصفة خاصة- و هو صاحب المؤلفات المشهورة ؛ " النقد و النقاد المعاصرون " النقد المنهجي عند العرب ، معارك أدبية ، نماذج بشرية ، الكلاسيكية و الأصول الفنية للدراما، المسرح ...الخ .

 

وقد وقف مندور على مشارف النص في تنظيره لتحليل الخطاب الأدبي معتمدا مناهج و نظريات استقاها من أوروبا بفعل احتكاكه المباشر و دراسته بالسربون و تأثره بأستاذه "لانسون" الذي ترجم له عدة مقالات و كانت رؤيته تختلف بحسب تحولاته من منهج لآخر حيث اعتمد منهجا تأثريا  ذوقيا

في البداية ينظر إلى الخطاب الأدبي نظرة ثلاثية مؤكدا فيها على "العبارة الفنية و الموقف الإنساني

و الإيحاء" (2) . كما اعتنى بالأسلوب على أساس الجمال اللغوي ، ثم تحول في مرحلة تالية إلى النقد الموضوعي داعيا إلى تبني المناهج الأوروبية و لكنه في نفس الوقت حمل هم التأصيل .

وقد انقسمت رؤيته بذلك إلى مرحلة النقد الجمالي أو المنهج الفقهي و مرحلة النقد الإديولوجي ، كان كل اعتماده على المنهج النبوي الذي يرجع إلى اتجاهين ، الإتجاه الللغوي في تحليل النصوص ، و الاتجاه البنيوي الذي تمثل في تحليلات المدرسة الفلكورية الروسية بعد "بروب" ، فجمع هذا المنهج بين البحث في البنية الكامنة في النص و بين مظاهرهاالخارجية (3)

1-  في الميزان الجديد و التنظيم لتحليل الخطاب الأدبي :

" في الميزان الجديد" كتاب نقدي ألفه سنة 1944م وضع فيه آليات المنهج التطبيقي في النقد ، وبسط فيه النظريات العامة من خلال عرضه للموازنات اللازمة لبيان الفروق الأدبية ، و هو رؤية نقدية جديرة بالدراسة و البحث ، حيث بين أدوات الناقد لتحليل الخطاب و مايحتاجه من معرفة و علوم عربية و دراسات نفسية و اجتماعية واعية .

 ويتضح منهج الكتاب جليا في تناول الخطاب الأدبي ، وهو المنهج الفرنسي : يقول مندور : «منذ عودتي من أوروبا أخذت أفكر في الطريقة التي نستطيع بها أن ندخل الأدب العربي المعاصر في تيار الآداب العالمية و ذلك من موضوعاته و وسائله و منهج دراسته على السواء و لقد كنت أومن بأن المنهج الفرنسي في معالجة الأدب هو أدق المناهج و أنفعها في النفس......» '4)

نلمح من هذا القول التفاعل العربي مع  النقد العربي المعاصر ، فكانت انطلاقة مندور من رؤية علمية موضوعية يعيش بها الحاضر و يستشرف المستقبل و يعكف على تحليل الخطاب و تأصيله و استقراء حركته الجدلية مع واقعه المواكب له و المنفعل به ، فهو مؤمن بالمنهج الفرنسي في تحليل الخطاب حيث يرى أنه أدق المناهج و أنغمها في تفسير النصوص ، وهذا دليل واضح على تأثره المباشر بأساتذته في السربون مع مراعاة ظروف المجتمع العربي .

و كان كتاب " نماذج بشرية (1943) بداية منهجه النقدي حيث جعله قراءة لأعمال أدبية شهيرة ، ثم تلاه كتاب الميزان الجديد (1944) (6) و هو عبارة عن مقالات نشرت سابقا في مجلة الثقافةو الرسالة حيث بسط فيه النظريات العامة و الإجراءات المنهجية في أعمال " توفيق حكيم و بشر فارس و تيمور و طه حسين " معتمدا منهجا جماليا ، واقفا على مواطن الجمال و القبح في قصائد مهجرية مؤكدا على التهامس في شعر المهاجر أو ماسماه " الأدب المهموس" (7) محللا الخطاب بمنهج ذوقي اعتنى فيه بالجمال اللغوي مهتما بعلم الأسلوب مفضلا الرؤية الداخلية للنص ليكشف

 عن قيمه الجمالية دون الخضوع للعوامل الخارجية ( اجتماعية و نفسية) من خلال تحليل مسرحيات و روايات عالمية نحوفيجارو ، وهاملت و ابراهيم الكاتب و غيرها .

ثم أتبعه بمؤلف أكاديمي " النقد المنهجي عند العرب 1948 و في الأدب و النقد سنة1949  مشتغلا في كل هذا بتأمل مناهج النقد الأدبي ، حيث ترجم عمل " دفاع عن الأدب"  "لجورد ايهامبل" سنة 1943 ومنهج البحث في الأدب و اللغة لكل من "لا نسون و ماييه" سنة 1946 .

و عبر هذه المراحل في تأليفه التنظير لتحليل للخطاب الأدبي ، كان ينتقل من منهج لآخر ، فمن المنهج التأثري الذوقي ، إلى النقد الموضوعي ثم على النقد الإيديولوجي ، فكان تبنيه لهذه المناهج يصدر عن منهج  انتشر في الوطن العربي و هو المنهج البنيوي بفرعيه الشكني و التكويني التوليدي ،و قد كانت التحولات أمرا طبيعيا نتيجة تطور المناهج و تغييرات الواقع المعيش و متطلبات العصر .

و سنتعرف بإيجاز على  مناهجه الثلاث المعتمدة في تنظيره لتحليل الخطاب الأدبي .

 

2- المنهج البنيوي التكويني :

أ – المنهج اللغوي التذوقي ( الشكلاني) :       

يعتبر هذا المنهج فرعا من فروع المنهج البنيوي ، و هو الأكثر انتشارا في النقد العربي  حيث جمع بين التوجه الشكلاني اللغوي و التوجه الماركسي الواقعي على نحو يرضي الرغبة في الإخلاص للنواحي الشكلية في تحليل الخطاب مع عدم التخلي عن القيم و الالتزامات الواقعية التي تحتل مساحة واضحة المعالم في تشكيل التجربة السياسية و الثقافية و الاجتماعية .

 وظهرت البنيوية كمنهجية لها إيحاءاتها الإيديولوجية حيث فسرت علميا الظواهر الإنسانية و ارتكزت على مرتكزات معرفية ، وتوجهت توجها شموليا إدماجيا يعالج العالم بأكمله بما فيه الإنسان .

و يعتبر المنهج التأثري الذوقي منهجا"لا نسونيا" قائما على التذوق إذ الذوق خير الوسائل لنقد الأدب بعد تثقيفه و منافشته و تعليله ، فقد تبنى مندور هذ المنهج الذي يجعل الذوق؛ ذوق شخصي و ذوق تاريخي في الأدب و الفن و سماه "فن تمييز الأساليب " فاقتفى أثر "لانسون" في احتوائه للنظرة التاريخية في النقد (8)لأنها كفيلة عن تجريدي التاقد من أهوائه ، و تضع العنصر الشخصي في موضعه (9) مع الحساسية الفنية أو الإستجابة الفنية التي تكون تامة النقاء، و الذوق بهذا ليس إلا مزيجا من المشاعر و العادات و الأهواء التي تساهم فيها كل عناصر شخصيتنا المعنوية .....(10)

اعتمد مندور منهجه الفقهي كما سماه نسبة إلى فقه اللغة في تحليله لنظريات "ميخائيل نعيمة" في كتاب "النقد و النقاد المعاصرون"  (11) وقد دعا نعيمة إلى هذا المنهج التأثري ، كما يذكر "يحي حقي"الذي أدرج نقده أيضا في المذهب التأثري الجمالي و إن لم يكن خالصا حسب رأي مندور، لأن التأثرية في الخطاب النقدي تجمع بين التفسيير و التقييم و التوجيه ، على نحو نقاد عالميين أمثال ، الانطباعات المسرحية عند "جيل لومتر" و غيرهم . أما حقي فنقده تقييمي في جوهره و إن كان يقوم على الحاسة الجمالية و اللفظة المرهفة لوظيفة اللغة بعناصرها المختلفة في الخطاب الأدبي . (12)

إذن فرؤية مندور لمنهجه التأثري لا يمكن إغفالها في النقد و إن شهد عصره جدلا حول هذا المنهج ، و المنهج الموضوعي و يضع مندور قواعدا بقوله : « لابد أن يبدأ الناقد بتعريض صفحة روحه أو مرآة روحه للعمل الأدبي أو الفني ليبين الإنطباعات التي تتركها تلك الأعمال فيها ، والناقد الفاقد للذوق لا يستطيع أن يكون ناقدا حقا ، فمعرفة الأصول الجمالية و الفنية وحدها لا تكفي لتكوين ناقد» (13)

لعله يؤكد على الحساسية أو الذوق الفني الجمالي دائما و يضرب مثالا بالمسرحية و عناصرها من "حوار و أحداث و صراع و شخصيات" ، إن تحليلها لا يوصل إلى إدراك قدرة تأثيرها على النفوس مالم نعرض لها صفحة روحنا . فالثأثرية عند مندور تأتي في مرحلة أولى و جوهرية في النقد الأدبي و لكن لا يعتبرها منهجا نقديا مكتفيا بذاته، فيجب أن تتبعها مرحلة أخرى موضوعية ليبرر انطباعاته لتصبح وسيلة الى المعرفة معتمدا في ذلك على الحجج العقلية (14) .

إذن يخلص النقد عند مندور إلى فن دراسة النصوص الأدبية أو الخطاب الأدبي، و التمييز بين الأساليب معتمدا على الذوق أي الملكة التابعة من أصالة الطبع و النامية  بالصقل و المران، كما يعلن إنكاره أن يحل العلم  محل النفس في إدراك حقائق الأشياء متفقا مع "لانسون" ، و الذي يؤخذ

من العلماء ما هو الى استصلاح للمعرفة و الأمانة العلمية مع النقد و المراجعة و التحقق، فمنهجه هو منهج طبيعي في دراسة الأدب مدعما بالمعرفة الموضوعية ، وهذاما يوضح تحوله من المنهج الثأثري إلى المنهج الموضوعي ثم النقد الايديولوجي .

ب- المنهج الإيديولوجي ( النقد الإيديولوجي ) :

حين تغير مندور نحو هذا المنهج ، أوضح في كتابه "النقد والنقاد المعاصرون" أنه منهج تبلور من فلسفات أوروبا؛ "الفلسفة الاشتراكية و الفلسفة الوجودية"، و قد أكد أن هذا المنهج كان نتيجة المراحل الأولى، و يبدو واعيا وعيا كبيرا بإشكاليات المثاقفة و رغبته للإفادة من المنهج الغربي مع تحقيق قدر من الاستقلال الفكري .

و المنهج الإيديولوجي يسعى إلى تبيين مصادر الأدب و الفن من جهة و أهدافها و وظائفها من جهة أخرى عند أديب أو أخر، و المفاضلة بين المصادر و الأهداف عند الفنانين يرتكز على منطق العصر و حاجات البيئة و مطالب الإنسان المعاصر (15) .و هذا المنهج يناصر قضايا أدبية مرتبطة بالمجتمع و الحياة الواقعية و معاركها، و هذه الواقعية تصب في المضمون الذي يهتم به الأديب في الواقع من خلال الصورة الفنية التي اختارها لموضوعه.

 و يزعم مندور أن هذا المنهج لا يسلب الأديب حريته و أن مبتغاه هو أن يستجيب الأديب لحاجات عصره  و الواقع الراهن بتلقائية (16)، فهذا المنهج يحمل اتجاها واقعيا اجتماعيا /النقد الماركسي / الأيدلوجي و يتجه لدارسة الخطاب الأدبي بوصفه نتاجا للواقع  من خلال معطيات و مفاهيم حددها الفكر الماركسي و تطورت على أنحاء مختلفة و  كأن المنهج  - كما يرى -  جاء ليخلص النقد من فوضوية النقد (17) .

و لعل ما نلمحه في هذا التفاعل بين المنهج البنيوي و المنهج الواقعي في إطار رؤية مندور النقدية كفيل بأن يحقق المبتغى الصعب للممارسة النقدية في تحليل الخطاب الأدبي ، و حقيق بأن يعزز المنهجين الذي يتحرك اتجاه التطوير الخطاب النقدي و صقل مناهجه وآلياته و تطعيمه بأحدث و أنجح المناهج العلمية ، و هو يصدر عن رؤية إيديولوجية تؤمن بتغيير البنيات و المفاهيم  و منهج هذا صادر عن البنيوية التكوينية التي بلورها "جورج لوكاتش" و "لوسيان غولدمان" "بييربورديو" و يتضح  ذلك  من حديثه عن الملحمة و المسرحية و عن النقد التفسيري في كتاب "النقد و النقاد المعاصرون" و ما أبداه من آراء حول مشكلة الصراع بين المثالية و الواقعية من خلال مسرح توفيق الحكيم، مسرحية بنجماليون، ايزيس....(18) .

ج – الاتجاه الاجتماعي و تنظيره للخطاب المسرحي :

كان للمسرح دور أكبر في نقل إيديولوجيته الى جماهير الشعب، فبرز كتاب المسرح في مصر وتكون رصيد من الكتابات المسرحية و خلق هذا الرصيد الضخم نتاجات نقدية جديدة ظهرت في دراسات نقاد بارزين اهتموا بمختلف المناهج لتحليل الخطاب الأدبي المسرحي (شعري/نثري).

وقد اتجه منذور صوب الاتجاه الاجتماعي ، و اهتم بمسرحيات شوقي الشعرية، و بمسرح توفيق الحكيم، و عزيز أباظة ، و نظرللدراما من خلال خلفيته الثقافية الاوروبية، فألف في النقد المسرحي مرتكزا على النقد الايديولوجي مؤكدا على ضرورة التزام الاديب بقضايا و طنه ومشكلاته .  و يعتبر نقده نقدا تطبيقيا في كتبه؛ "في المسرح المصري المعاصر1971 م ، مسرحيات شوقي 1954 ، مسرحيات عزيز أباظة  1954م ..."

وقد بشر بالإشتراكية و مال الى المذهب الماركسي المعتدل، وفصل بين الذاتية

و الموضوعية مبينا أصول هذا المذهب المستمد من الفلسفة المادية و الوجودية ، وهذا لا يندرج في المنهج الاعتقادي – كما يرى (19) .فلم يرفض الوجودية و هو يتلمس هذا المذهب مع عدم إغفاله لدعائم النقد الجمالي في نقد الخطاب الادبي و كان نقده موجها الى الشعر الذي يراه أصلح الأنواع الأدبية. و رغم تطور منهجه في النقد من الجمالي إلى الموضوعي إلى الايدولوجي فما يزال آثار المنهج التأثري في نقده .

و نجد في كتابه "الميزان الجديد" محاولته لإيجاد العلاقة بين القضايا الاجتماعية و مشكلات الفرد، وهو مستند على الخيال الخلاق على نحو ما يرى أفلاطون وهذه الازدواجية بين تذوقه الجمالي على قواعد أرسطو، و بين البحث عن الهدف الذي هو معاناة مأساة ، حيث رفض كل الدراسات النفسية التي قدمها "محمد خلف الله" ، و كما هاجم "أمين الخولي" و لكنه لم ينكر في ضوء تصوره التاريخي لنظرية الادب التي صاغها أن وظيفة الادب فردية تماما رغم تداخلها بوظائف العلوم الإنسانية وحمل شعار "نقد الحياة" فالتفت الى القصة و المسرحية، و وقف على "رواية زينب"، و"أحمد عاكف" "بطل خان الخليلي"، و كون اتجاها تحليلي يقوم على التقويم الايديولوجي (20) .و هنا يتضح أن منهجه كان منهجا إنسانيا إن صح التعبير .

وقد دعا القصة الواقعية كي تؤدي وظيفتها و اختار لنفسه أن يكون ناقدا واقعيا و ظل مع علاقة بالمجتمع رغم أرسطيته رافضا أن يقوده التفسير الماركسي للتفاعل بين الصورة و المضمون نحو إهدار قيمة الشعر الحقيقية، مؤمنا بالهمس الصادق و الاوزان و درجة الخيال التي عول عليها في حكمه على الشاعر. و هنا سر التناقض مع نفسه- أحيانا - .

ولم يحاول أن يقترح أهدافا للمسرح و لكنه حرص في نقده له على أن المسرحية خلق فني مستقيل

لا يرمي إلى شيء خارجه و هو مؤمن بأن الدراما أكثر أنواع الخطاب الادبي موضوعيه حيث عن المضمون و عن لغة المسرح التي تستخدم للتفاهم الاجتماعي و أعتبر المضمون الشعري أهم الاسس في عملية الخلق الشعري و أن التطور الحضاري يوقظ وعيا إنسانيا لابد من الالتفات اليه في الشعر .

و من هنا نتبين الى أي حد استطاع أن يوازن بين الموقف الايديولوجي و الحس الجمالي الاستيطيقي على أوصول عربية للمؤثرات الاجنبية (21) .

ويرى أن مهمة المسرح الملحمي هي استصدار حكم الجمهور على قضية من القضايا،

و استخدام المسرح لتقديم مشاهد و مواقف و أحداث ، هذه هي المهمة الاجتماعية للمسرح حيث يصوغ العلاقات بين مختلف العناصر – المؤلف – النص- وسائل التشكيل – الجمهور – صياغة قضائية (22). و يتجاوب هذا الفهم القضائي مع ما يتكرر في خطاب مندور من أن  أي المسرح الملحمي يعتمد على الاقناع العقلي أكثر من الاثارة العاطفية ومن الواضح عنده أنه يربط بين طبيعة التأصيل و علاقتهما بمهام المسرح الاجتماعية التي لابد أن تستند على " روح الشعب " وهو مصطلح يتكرر عنده و يقصدبه "مفهوم الحياة" أي ضرورة تحقيق المشابهة بين الشخصيات الروائية والمسرحية و الحياة  .

ويبدو  أن مندور كرر آراءه عن التطهير ووظيفته في خطابه النقدي كما أفاد في تقييم بعض مسرحيات الحكيم .و قد نقد المسرح الذهني لتوفيق الحكيم على أساس مهمة التطهير فربط ذلك بالمشكلة الجوهرية للخطاب المسرحي و أكد على إمكانية الجمع بين التطهير و إدخال الطاقة .و لم يرفض المهمة التعليمية التوجيهية للمسرح (23).

ووقوفه هذا كان ليوضح التغييرات الجمالية في محتوى الخطاب المسرحي و يربطه بالعوامل

و المؤثرات الاجتماعية المختلفة فراوح دلاليا بين ارتباط الأدب بالحياة . فالأدب التمثيلي وصل إلى حد ليصبح مرآة للشعوب و لم يعد هناك تعارض بين التطهير (24) و ما تشعر به النفوس من خوف ورحمة و شفقة كوظيفة نفسية و رسالة أخلاقية اجتماعية و بين المهمة الاجتماعية .  

و يظل نقده متأثرا بأفكار أرسطو و هو يبحث في الدراما عن المضمون و اللغة و عن الطموح الجماعي الذي يتناسب مع الجمال الاجتماعي ، و هو يتخلى عن الماركسية ، يكشف لنا أنه بوسع أي اشتراكي أن ينقد نقدا صادقا دون الرجوع إلى السياسة أو الاقتصاد .

و رؤيته للخطاب النقدي تجمع بين الوعي بمنجزات النقد العربي ، و تمثل اجتهاداته عدة اتجاهات نقدية أوروبية حديثة و معاصرة و بعض إسهامه الأصيل في سوسيولوجيا النقد و النظرية النقدية .

خــاتــــمــة

و أخيرا لقد مارس محمد مندور حضور ا و تأثيرا كبر بكثير على الساحة النقدية التي جاء ليستقطبها ، فهو من خلال ترجمته لبحوث "لانسون" و "ماييه" يسير في إطار أوروبي ملتزما بالفروق الأساسية الموجودة بين الأدب العربي و غيره من الآداب الأوروبية ، وهو يدعو إلى الانفتاح حاملا هم التأصيل و يسعى لتفادي مشكلاته و عدم إسقاطه تعسفا على الخطاب الأدبي العربي .

وقد تفاعل مع الوضع الراهن و هو ينشء نظرية نقدية عربية تضارع النظريات الأوروبية مصورا أزمة المجتمع العربي المصري ، و دار في مساره من موقع اجتماعي باحثا عن منهج أو مذهب  قادر على تقديم الحلول لمجتمعه باعتباره ناقدا ملحا على ضرورة قيام نظرية جديدة لتحليل الخطاب الأدبي

وقد سعت هذه الدراسة إلى قراءاة الخطاب النقدي عند هذا الناقد الذي اعتمد نظرية في الأدب تؤمن بتطور النوع الأدبي تطورا يخضع لحاجات العصر  حيث ميز بين الأساليب المختلفة ،

 ثم يقوم الخطاب الأدبي تقويما لا يسقط جمالياته بمراعاة أدواته و شكله و مضمونه و مايتصل به من عناصر اجتماعية و جوانب عقدية و خطوة توجيهية .

و خطط لمذاهب عامة في الأدب و رؤى نقدية في القصة و الشعر و الدراما راسما منهجه المرتبط تاريخيا بأعمق أصول الثقافة الإنسانية في مجال الفن و الحياة و النقد.

 

هوامش الدراسة

(1)   ينظر : الأسلوبية في النقد العربي الحديث ، فرحات بدري الحربي المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر ط1-2003 بيروت ، ص47

(2)   ينظر : نقاد النص الشعري ، يوسف حسن نوفل ، مكتبة لبنان ناشرون ، الشركة المصرية العالمية ، ط1 -1997 ، ص 40-41

(3)   ينظر : الأسلوبية ، فرحات بدري الحربي ، ص 47

(4)   الميزان الجديد : المقدمة ، لجنة التأليف و الترجمة و النشر ، مصر 1944 ، القاهرة

(5)   ينظر : نقاد  النص الشعري ، ص 40

(6)   ينظر : المرجع نفسه ، ص 40

(7)   ينظر الميزان الجديد ، المقدمة

(8)   ينظر : النقد و النقاد المعاصرون، محمد مندور ، نهضة مصر للطباعة و النشر ،1977 ص 183

(9)   ينظر : النقد المنهجي عند العرب ، محمد مندور ، نهضة مصر ، 2003 ، ص 404-405

(10)ينظر : المرجع نفسه ، ص 405

(11)النقد و النقاد المعاصرون ، ص 38

(12)ينظر المرجع نفسه ، ص 175

(13)النقد و النقاد المعاصرون ، ص 185

(14)النقد و النقاد المعاصرون ، ص 186-187

(15)المرجع نفسه ، ص 188

(16)المرجع نفسه ، ص 190

(17)دليل الناقد الأدبي ، د .ميجان الرويلي – سعد البازغي ، المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء –ط2-2000، ص 255

(18)المرجع نفسه ، ص 171-172

(19)النقد و النقاد المعاصرون ، ص 187

(20)ينظر : النقد الأدبي الحديث ، أصوله – اتجاهاته ، أحمد كمال زكي ،مكتبة لبنان ناشرون  ط1-1997 ، ص 160-163

(21)ينظر : المرجع نفسه ، ص 161-162

(22)ينظر : الخطاب النقدي و الإيديولوجيا ، سامي سليمان أحمد – درا قباء – للطباعة ، ص 115

(23)المرجع نفسه ، ص 125

(24)ينظر : المرجع نفسه ، ص 130.

 

Télécharger l'article