تحليل الخطاب و الإجراء العربي

- قراءة في القراءة -

 

                                     أ/نعيمة سعدية

– بسكرة- (الجزائر)

 

  1. I.                        تحليل الخطاب .... ما هو ؟

 

تحليل الخطاب ( discours annalysis ) مصطلح جامع ذا استعمالات عديدة ،  يشتمل على مجالات واسعة من الأنشطة : التداولية - السيميائية – اجتماعية – نفسية – أسلوبية ... الخ. إنه في استفاضة دائمة : موضوعا ، مجالا ، علما ، منهجا ، يسعى في اجتماع جزئيتيه اللتان ساهمتا بشكل فعال في تكوينه، إلى تحليل وفك شفرة الخطاب من أجل فهمه، على اختلاف أنواعه : ( أدبي / شعري / نثري ) ، سياسي، إشهاري ، اجتماعي – نفسي ، تعليمي ، علمي ... الخ . حتى لا نقف عند هذا الأخير( الخطاب) مكتوفي الأيدي و عاجزين لا نملك آليات التحليل ، و لا قدرة على القراءة و التأويل ، باعتباره خطابا متماسكا، غاية في التعقيد و التشابك .

يقول سعيد علوش : " إن وقفة عابرة على نص صيني هيرغليفي ، سانسكريتي لتجعلنا نقف كمحاربين منزوعي الأسلحة ، مدهوشين أمام كنوز ، لا نمتلك مفاتيحها ، و كذلك الأمر أمام نوتات موسيقية ، وضعت بين يدي رسام ، أو إشارة أبكم إلى أعمى" (1 ) أمام مثل هذه المقولة ، نتسائل: ماذا نريد بتحليل الخطاب ؟

 

أ – الخطاب:

 لم يكن هذا المصطلح أوفر حضا من مصطلحات كثيرة علمية لسانية ، نقدية معاصرة ، على المستويين : المصطلح – المفهوم ؛ فقد حضي بتعريفات متعددة ، بتعدد التخصصات و زوايا الرؤيا ؛ إذ هو المصطلح الذي نشعر بابتعادنا عن كنهه ، كلما حاولنا الاقتراب منه و تعريفه ، لذلك يقول ميشال فوكو (  micheal voco  ) ": " بدل أن أقلص تدريجيا من معنى كلمة خطاب (discours ) و ما لها من اضطراب و تقلب أعتقد أنني قي حقيقة الأمر أضفت لها معان أخرى بمعالجتها أحيانا كمجال عام لكل العبارات و أحيانا كمجموعة من العبارات الخاصة ، و أحيانا أخرى كممارسة منظمة تفسر و تبرر العديد من العبارات " ( 2)، الأمر الذي يؤكده هذا الاضطراب في تحديد مفهوم الخطاب لدى فوكو؛ هو صعوبة وضع المصطلح تحت لواء مفهوم واحد، الأمر الذي جعل العديد من الباحثين – في نية تحديد مفهوم له ، مقابلته بمصطلحات أخرى عديدة : الكلام ، الملفوظ ، النص، اللغة، القصد ، المجتمع ... إلخ ؛ إذ أن الخطاب يعتمد على نقاط مرجعية تقع خارج نقاطه ، و داخله .

و هذا ما جعل ما يكل شورت يذهب إلى أبعد من هذا . بقوله: "الخطاب اتصال لغوي ، يعتبر صفقة بين المتكلم و المستمع ، نشاطا متبادلا بينهما ، و تتوقف صيغته على غرضه الاجتماعي؛ ،( 3) فالخطاب تجربة دينامية تساهم فيها أطراف متعددة عن طريق التفاعل، من أجل تحديد الأدوار : مؤلف ، خطاب ، قارئ ،
 ( مستمع ) ؛ هذا الأخير الذي يسعى دائما – إلى تحليل الخطاب من أجل الوصول به إلى أقصى حد ممكن من المقروئية وقوفا على كل الرؤى و البنى التي ساهمت في هذا النتاج الفكري / التواصلي المتنوع : ( دين ، تراث ، اقتصاد ، مجتمع ، قيم ، مذاهب ن مبادئ ، أبعاد ... الخ ) .

 

ب – التحليل :

 و يعني لغة – الفتح – جاء في لسان العرب " حل العقدة يحلها حلا : فتحها و نقضها فانحلت "( 4) أي فككها ؛ فالتحليل يعني التفكيك ؛ تفكيك الشيء إلى مكونات جزئية ، تتيح لنا معرفة بنياته الداخلية ( الصغرى و الكبرى ) ، و الخارجية ، و بنية التفاعل فيما بينهم ، يقول صامويل باتلر (samewal . bateler  ) :" يجب أن ندرس كل شيء في ذاته قدر الإمكان ، و أن ندرسه – كذلك – من حيث علاقته ؛ فإذا حاولنا النظر إليه في ذاته مطلقا ، و بقطع النظر عن علاقته ، فإننا سنجد أنفسنا شيئا فشيئا قد استنفذناه فهما و دراسة ، و إذا حاولنا النظر إليه من خلال علاقاته فقط ، فسنكشف أنه لا توجد زاوية في هذا الكون إلا و قد احتل مكانه فيها " ( 5 )، و التحليل مصطلح جامع يستدعي في ممارسته مصطلحات عديدة ، بإجرائه عملية اسقاطية على ما يسمى الخطاب ((discours)؛ إذ تسعى هذه العملية إلى تفكيك الخطاب المحبوك المتماسك ( شكلا و دلالة ) ، المكتوب و المسموع إلى بنيات جزئية فاعلة و متفاعلة : داخلية و خارجية ، من أجل معرفة مختلف المرجعيات الخطابية ( الأسس المعرفية و الخلفية و الأطر النظرية للخطاب ) ، التي ساهمت في تشكله، بمعرفة : مضامينه - محتوياته – غاياته – معاييره – فضائه – بنياته – جنسه ....  الخ، ليتحقق التحليل؛ الأمر الذي يجعل العملية غاية في التشابك و التعقيد، تتطلب من أجل التحكم فيها ، معرفة موسوعية عميقة في التخصص تحوفها معارف رافده أخرى ، من جهة ؛ و التحكم في ممارسة بعض المصطلحات التي ، يقودنا إليها " التحليل " – كمصطلح جامع –من جهة أخرى

 

 1- القراءة: أصبحت القراءة في الدرس المعاصر، فعل معقد مغالي في التشابك. و في اللغة يقال : " قرأت أي صرت قارئا ناسكا . تقرأ : تفقه : قرأت : تفقهت " (6) ؛ فالقارئ لم يعد مجرد مستهلك للنص ، إنه المنتج ، كذلك ؛ يعمل على إخراج هذا النص ، ذا الصقوس ، المتباينة و المتضامنة و المتفاعلة: الفنية الجمالية ، النفسية ، الاجتماعية ، السياسية ، الروحية ... الخ إلى عالم الممكن. 

و على هذا النحو ينبثق تركيب النص و معناه من وصف القارئ و فعاليته ، لا سيما في النصوص التي تتميز بالعمق والتعقيد في الشكل و المعنى ، بوصفها تبديدا و نشرا لمتجاورات لا يتأتي تحليلها إلا بوعي وادراك؛ إذ تترك الارتباطات الباطنة لخيال القارئ ، و من خلال التداعيات و الارتباطات ، يركب كل قارئ نصا مختلفا عن الآخر ( 7 )؛ فبذلك انفتحت الخطابات على الاختلاف و المغايرة ، لأن الخطاب فضاء و ثقوب و مساحة مفتوحة ، و قراءته تتيح لقارئه الولوج إلى عالمه ، و التجريب في حقله و التنزه في منعرجاته ، و التعرف إلى تضاريسه ، واختبار موقع ما على خارطته ، و إذا كان النص يحتمل أكثر من قراءة ، فكل قراءة منطق نفوذها داخل النص ، ولكل قارئ إستراتيجيته الخاصة وراء قراءته ، ، فالقراءة تسمح بالاختيار و الترحال و الاغتراب  (8) طبقا لما يسعى القارئ إلى تحقيقه في لحظات الكشف و الرؤيا، و الخطاب ليس مساحة مسطحة تشف عن معناها ، أو عمقا يختبئ فيه المعنى ، و إنما هو حيز تتعدد سطوحه ، و عمق لا قرار له ، و لا قرار فيه ، يحاول القارئ –باعتباره الوارث الشرعي له ، تفسيره و تشكيله في وعيه وفق مرجعياته ورؤاه ، و القراءة هي أول الفهم ، و الفهم"  إنتاج المعنى " هذا الذي نجده تموضع بين معنى الكاتب ، و المعنى المسبق للقارئ .

2الشرح: و هو الكشف، يقال شرح فلان أمره أي أوضحه ، وشرح مسألة مشكلة : بينها ، و شرح الشيء: فتحه وبينه و كشفه ... وشرحت الغامض إذا فسرته(9)؛ فممارسة الشرح تعد وهي ذاتها عملية التفسير والتأويل رغم التفاوت .

3التفسير : و هو الإبانة و الكشف و لفظ التفسير بمعنى الإيضاح و التبيين و التفصيل ، و في الاصطلاح ارتبط لفظ التفسير بشرح القرآن الكريم و بيان إعجازه ، و أحكامه و معرفة أسباب نزول آياته ، و ترتيب سروه ؛ باعتباره ( التفسير ) عملا للفكر ، يقوم على فك شفرة المعنى المحتجب بالظاهرة ، و حيثما يتعدد المعنى يوجد التفسير، الذي يجعل هذه المعاني المتعددة تتجلى و تتكشف ؛ ( 10) لأن اللغة ليست مجرد مرآة تعكس الفكر ، أو وعاء يحمل المعاني ، بل إنها الفكر و المعنى متجليين في وحدة التضايف ، فاللغة في حقيقتها – تعبير عن اتساق الفكر .

والتفسير ضرورة من ضرورات النص ؛ إذ يقتضي استكناه المعاني الذي يحويها النص في صلبه ، هذا المعنى الذي يعتبر حياة النص كما تصورها  المبدع ، و يجلوها المفسر لأن التفسير ، و إن كان وضعا للنص يعمل على إكساب النص قيمة أدبية يتضمنها و لا يفصح عنها ، إلا التفسير في حالة ممارسته على النص ، و لا يتحقق التفسير إلا بعد الفهم ؛ فليس التفسير – في هذه الحالة –سوى إعادة إنتاج لما في النص (11) و النص يستدعي التفسير ، كما يستحضر التفسير النص ؛ فلا يمكن للتفسير أن يوجد على بياض ، إنه يحضر بحضور النص ، و لا مكانه للنص إلا متى تأكد التفسير ، و يرى البعض أن لا فرق بين الشرح و التفسير ؛ باعتبار أن مقصدية  الشرح هي ذاتها مقصدية التفسير .

4-  التأويل:  الأول هو الرجوع ، و أوله و تأوله : فسره . جاء في لسان العرب التأول و التأويل و تفسير الكلام الذي تختلف معانيه ، و لا يصح إلا ببيان غير لفظه ، و أولته تفسير ما يؤول إليه الشيء ، و قد أولته تأويلا بمعنى ، و التأويل المرجع و المصير . و تأوله ( أوله ) : فسره و التأويل و المعنى و التفسير واحد  ( 12 ) ، و يرى البعض أن التفسير يستهدف المعنى في وضوحه و جلائه و التأويل اجتهاد غايته إمداد القارئ بأكثر من معنى ، و في حدود معطيات النص ، (13) ، هذا ما يجعل التأويل – في الدرس المعاصر –قائما على إعادة ما نملكه من رصيد معلوماتي و بلورته في سياق التجربة لإعطاء سلطة النص صفة التحرر من قيود خلق الصور ، التي تحفز الانعكاس الإدراكي لمعنى التأويل. إنه الأمر الذي يسعى  إليه القارئ الحذق ؛ ذا الفهم العالي و الحس اللغوي المدرب، النابع من واقع الكشف بعد الفهم والإدراك .

أمام كل هذا لا يسعني إلا أن نتساءل : في الخطاب ما الذي نسعى إلى فهمه و نحن نقرأ ؟ هل نفهم الموضوع أم نحاول أن نفهم أنفسنا ؟ و هل نفهم الخطاب الذي نقرأ أم نفهم مجهولا ما متعاليا نصل إليه بالقراءة الحذقة و التفسير و التأويل ؟ هل بالقراءة و الشرح و التفسير و التأويل نقدم تحليلا ؟ إذن ما هو تحليل الخطاب  ؟

يحاول جوليان براون ( Jullian Brown  ) و جورج يول (George yule) ، وضع تصور للكيفية التي يستعمل بها الناس اللغة للتواصل –في إطار تقديم نظرية لـ " تحليل الخطاب "-  إذ يرونه مجالا يشمل مجالات عديدة من الأنشطة ؛ فتحليل الخطاب – عندهما – يستعمل للحديث عن أنشطة تقع على خط التماس بين دراسات مختلفة . كاللسانيات الاجتماعية و اللسانيات النفسية ، و اللسانيات الفلسفية ، و اللسانيات الإحصائية ، و المهتمون بمثل هذه الدراسات المختلفة يركزون بحثهم جميعا على جوانب شتى في الخطاب .

و يعمدا بعد ذلك إلى تطبيق هذا التوسيع بقولهما : " أما نحن فمقاربتنا لتحليل الخطاب في هذا الكتاب مقاربة لسانية بالدرجة الأولى، فنحن نعالج فيه كيفية استعمال الناس اللغة آداة للتواصل ، و كيف يؤلف المتكلم رسائل لغوية يوجهها إلى المتلقي ، فيقوم هذا بمعالجتها لغويا على نحو خاص لتفسيرها " (14) في إطار منهج تحليل الخطاب، لذلك توجب عليهم طرق باب التحليل في كل علم و إبراز اهتماماته المحورية :

- فتحليل الخطاب عند علماء اللسانيات الاجتماعية يعني الاهتمام ببنية التفاعل الاجتماعي – خاصة – و المتحققة بوسائل أهمها الحوار .

- و علماء اللسانيات النفسية يتجه اهتمامهم  –  في تحليل الخطاب – إلى قضايا تتصل باللغة و الإدراك . – و يهتم محللو الخطاب من فلاسفة اللغة، بالعلاقات و الدلالة القائمة بين أزواج من الجمل ، و خصائصها النظمية ، و العلاقات بين الجمل و الواقع ؛ و ذلك لمعرفة ما إذا كانت الجمل أداة لتقرير أحكام يمكن تقييمها بناء على سلم من معايير الصدق و الكذب،فهم يدرسون تلك العلاقات بين مجموعات من الجمل التي يستعملها متكلمون نموذجين ، لمخاطبة متلقين نموذجيين ، في سياقات نموذجية قليلة التحديد . (15)

- وعلماء اللسانيات الإحصائية ممن يعمل في مجال تحليل الخطاب ، يهتمون بمعالجة نماذج خطابية استعملت في سياقات محددة جدا .

فنظرية براون و يول في"  تحليل الخطاب " نظرية فتحت الأبواب على كم هائل من التعريفات لمجال يسمى " تحليل الخطاب " لم يستطع الكتاب الحامل لاسم هذا المجال الواسع ، تحديدها و التقليص منها . و لا حتى توضيحها ، بشكل يسهل فهمها. الأمر الذي  دعا الباحثان إلى ادراج إشارات كان لا بد منها . في آخر عرضهما لهذه النظرية :

- أولها : الاستفادة من بعض الجهود في مجال تحليل الخطاب ، التي أضاءت لهما الجوانب في كيفية معالجة الخطاب ، و استعمال اللغة فيه ، باعتبار إنهما قد حددا مجال عملهما . ألا و هو المجال اللساني في التواصل .

- ثانيها : أن كل الأساليب المقترحة –من قبلهما –قد فتحت في المقابل عددا أكبر من المساحات المظلمة في نطاق الفهم ؛ لأن الخطاب " ظاهرة معرفية اجتماعية مركبة " (16) و المعرفة تمس كل ماله علاقة بالإنسان و الوعي و الإدراك . و المجتمع أرضية خصبة متنوع التضاريس و المظاهر.

- آخرها : أن التركيز في دراستهما . كان على قضايا لها صلة بالإحالة ، و قضايا متصلة بالتماسك المعنوي ،  و التناسب و استعمال اللغة ، و هذا يعني عدم التطرق إلى عدة قضايا أخرى ، تحظى بعناية الدارسين المهتمين بالتفاعل القائم بين علمي التركيب/ الدلالة ، قضايا : الهيئة ، الزمن ، صيغة القول ، تحديد الكمية ، النفي ، الوصف عن طريق الظروف ، و قضايا المجاز و فهم الخطاب ... الخ .

 و هي إشارات زادت من زعزعة استيعاب مفهوم " تحليل الخطاب " ، لكنها أبعدت المؤلفين من مطب حصر مجال تحليل الخطاب في استعمال واحد . و جعله مساويا لأي مجال آخر . و ذات الأمر توصل إليه باتريك شارود ( patrich charaudeau ) في قوله : " فيما يتعلق بمجال تحليل الخطاب ، الذي أوجد به الآن ، فاني أرى كل شيء جدير بالدراسة ؛ لقد عنيت بالنصوص المكتوبة بخاصة في المرحلة الأولى . بعد ذلك اهتمت ة لازال بظواهر التخاطب بين الناس ، و هذا بالموازاة مع الاهتمام بالخطابات المكتوبة ، الآن أعنى بتحديد الأدوار اللغوية  ((rôles langagiers التي هي نقطة التمفصل بين النفساني –الاجتماعي و اللغة " (17).

في حين ذهب الكثيرون الى جعل تحليل الخطاب يتساوى مع مجال آخر أحيانا، وإعطائه تعريفا غير محدود،من بينهم تعريف هاتش (  hatch  ) : " تحليل الخطاب هو دراسة لغة التواصل سواء أكانت محكية أم مكتوية "  (18)  و السؤال ما طبيعة الدراسة ؟ هل تركيزنا على القارئ . النص ،أم المؤلف ؟

و يعرفه سيتوبس (  stubbs ) على أنه " التحليل اللغوي للخطاب سواء أكان محكيا أو مكتوبا ، و يهدف إلى دراسة البنية اللغوية على مستوى يتعدى مستوى الجملة إلى مستويات أكبر مثل الحوار أو النص مهما كان حجمه ، و يهتم بدراسة اللغة في سياقها "   (19 ) ، أي السياق الذي تستخدم فيه على سعة اختلافه ؛ فتحليل الخطاب هو أحد مستويات الدرس اللساني ، الذي يحاول تحليل الظاهرة اللسانية على مستوى يتجاوز مستوى الجملة أو النطق ، ليشمل النص المكتوب مهما بلغ طوله و اختلف نوعه، و التخاطب الشفوي بين الناس بأشكاله المختلفة: مكالمة هاتفية ، حديث أفراد الأسرة في مواقف الحياة اليومية ، أو الحديث الذي يدور بين الغرباء ، أو صديقان التقيا بعد طول غياب ... الخ . من التفاعلات اللفظية التي تحدث بين البشر.

و يجعل ليفنسن ( levinson  ) من تحليل الخطاب دراسة للغة من منظور وظيفي، من خلال " دراسة التركيب اللغوي بالإشارة إلى عوامل غير لغوية كالنص و المتكلم الذي يستخدم اللغة و السياق الذي تستخدم فيه "  (20 ).  و نشير في آخر الأمر ، أن هذه التعاريف و الآراء – على اختلافها- من كتب نسبت إلى مجال تحليل الخطاب بقوة التسمية و العنوان في الدرس الغربي . تجعلنا نسلم بشرعية هذا العلم ، أو هذا المجال ، الذي من حقه أن يجمع مواده من كل الأشياء التي تستخدم بغرض الخطاب أولا ، و التحليل بأنواعه ثانيا . و لو كان لها بجانب ذلك غرض آخر أو أمر أسبق ؛ لأن محلل الخطاب ملزم بالبحث في ما تستعمل تلك اللغة من أجله ، و اللغة آداة تواصل وتعبير لكل ما هو في الحياة بتشعبها و أمورها المختلفة المتضاربة و المتفاعلة .

هذا عن تحليل الخطاب في أرضه بكل الاختلافات والاضطرابات الحاصلة فيه، والصعوبات التي لاقتهم  في تحديد مجاله،  فكيف تعامل الباحثون والمحللون العرب مع هذا المصطلح الجامع تحديدا وتحليلا؟

 

 

 II – الإجراء العربي لتحليل الخطاب ( وقفات على جهود عربية ) :

تضاربت الإسهامات العربية في تناول تحليل الخطاب مصطلحا و مفهوما ، و التعامل معه مجـلا و منهجا و علما؛ فهناك من قام بخلط المصطلح مع مصطلحات أخرى ؛ و جعله يتساوى بعلوم أخرى بناء على طبيعة المجال والموضوع، ومن بين المصطلحات التي اضطرب معها موضوع " تحليل الخطاب " مصطلح النص " ؛ إذ عرف الخطاب وفق هذا الاضطراب  - على أنه النص لا فرق بينهما ،  فهو النص في بداية مراحله (أي في طابعه الشفوي)، وهو أوسع من النص في الاطار المفهومي ، من جانب آخر ؛ إذ هو " مجموعة من المنتجات الفكرية ، التي يراد إيصالها إلى متلق عبر نصوص مكتوبة أو مسموعة أو مرئية ، و التي تقدم موقفا شموليا أو جزئيا من قضية أو مشكلة قائمة أو مفترضة ، أي ما يقدم  من الفكر في وجهة نظر حول موضوع ما . "(21) ؛ فهو- بذلك- مجموعة النصوص التي يربط بينها مجال معرفي ، عالمه أوسع من عالم النص .

و على هذا الأساس – اضطرب مصطلح " تحليل الخطاب " بغيره من المصطلحات، يقول صلاح فضل: 

و" قد استقر هذا المفهوم الحديث لعلم النص ـ، في عقد السبعينات من هذا القرن ، و هو يسمى بالفرنسية ( SCIENCE DU TEXTE ) ، و يطلق عليه في الانجليزية (DIXOURSE ANALYSIS  ) ، و لا يخرج الأمر عن هذين الحديث في بقية اللغات الحية ، مما يجعل ترجمته إلى علم النص – في العربية – أمرا مقبولا " 22 .كما جعله علما يطمح إلى شيء أكثر عمومية و شمولا ؛ فهو من ناحية يشير إلى جميع أنواع النصوص و أنماطها في السياقات المختلفة ، و يتضمن جملة من الإجراءات النظرية و الوصفية و التطبيقية ذات الطابع العلمي المحدود، من ناحية أخرى.

و ما يمكن ملاحظته بعد قراءة هذا النص ، أن صلاح فضل قد وقع في اضطراب كبير بين مصطلحات عدة ، و جعلها في مستوى واحد ( علم النص ، تحليل الخطاب ، لسانيات النص ) .

و هذه أرضية غير خصبة لنماء المصطلح و مفهومه و مجاله . الأمر الذي يستدعي في البداية – تحديد المصطلح و مفهومه ، و كل حدوده ، على هذه الأرضية تنامت إسهامات إجرائية تطبيقية لتحليل الخطاب ، حاولت الانفكاك من وهم الحدين ( خلطة بعلوم أخرى كثيرة من جهة، و مساواته بعلم أو مجال آخرمن جهة ثانية  ) ، و من هذه الجهود :

 

1- تحليل الخطاب الشعري ( إستراتيجية التناص ) لمحمد مفتاح :

يبتدئ مفتاح إسهامه هذا –في مجال تحليل الخطاب – بمقولة  تنم عن حنكة محلل ، فهم العلم , و أدرك صعوبة التعامل معه و فيه: " هذا الذي نحن فيه رأى لا نجبر أحدا عليه ، و لا نقول يجب على أحد قبوله و كراهيته " ( 23) و على هذا لا يرى أي ضرورة – تدفعه للوقوف و إعطاء الحجج دفاعا عن صلاحية هذه المحاولة الشخصية ، لتحليل الخطاب الشعري . و بذلك جاء الكتاب بقسمين : الأول : نظري ، حاول من خلاله إبراز عناصر تحليل الخطاب الشعري المختارة ، و قدمها في ثماني فصول ، دارت محاورها حول تحديد المفاهيم للعناصر : القصدية في الأصوات ، المعجم و التركيب النحوي ، وإبراز مقصديه الإقناع بالأدوات البلاغية و التناصية و الأفعال الكلامية ... الخ .

و القسم الثاني ، خصص لإستراتيجية التناص ، و جاء في ثلاثة فصول إذ اعتبرت كل بنية تحليلية فيه فصلا ( بنية التوتر – بنية الاستلام – بنية الرجاء ( الرهبة ) ) في قصيدة ابن عبدون الرائية و تم فيها استغلال مثمر لمفهومي التشاكل و التباين . .

و ينوه " محمد مفتاح " إلى صعوبة فهم آراء و نظريات المدرسة الواحدة – ناهيك - عن مدارس عدة  التي تجتمع في مجال تحليل الخطاب؛ لان آفة الانتقائية ، لا تصيب إلا من كان ساذجا مؤمنا إيمانا أعمى بما يقرأ غير متفطن للظروف التاريخية و الابستيمية التي نشأت فيها النظريات، و غير قادر على تمييز الثوابت من المتغيرات في كل منها ، و على ما تجمع عليه و تفترق . (24) وقد أشار الباحث هنا – إلى أمر غاية في الأهمية وهو الإيمان الأعمى ، الذي يملكه الكثير من الباحثين المحللين ، والذي يوقعهم في الانتقاء العشوائي للمصطلحات والمفاهيم ، ومن ثم الخلط والاضطراب  بينها، وعليه إعطاء  اللاواضح/ اللامحدود للقارئ .

قام محمد مفتاح بفرز عناصر نظرية رآها صالحة للاستثمار في إطار منسجم يتعامل مع اللغة في التحليل :

* اللغة محايدة بريئة شفافة      /          اللغة مخادعة مضللة تظهر غير ما تخفي

 (عند تشومسكي وأتباعه )                                     (عند بارث وأتباعه )

*اللغة تصف الواقع وتعكسه                  /         اللغة تخلق واقعا جديدا

  (الوضعيون )                                                   

*الذات المتكلمة هي العلة الأولى و الأخيرة في إصدار الخطاب                                                   (السميائيون )

* الهيأة المتلقية لها دو كبير في إيجاد الخطاب وتكوينه

    (النظرية القصدية )                                            ( نظرية التفاعل )

*الثنائية الضيقة     (المناطقة )         /         الثنائية الموسعة    (الإحتماليون )   

وهذا ما خلق الاختلاف وجعل التعامل مع تحليل الخطاب أمر محفوف بكثير من المخاطر. وإذا تجاوزنا هذه المواقف الكلية إلى الإجراءات المحلية المتعلقة بالتحليل اللغوي حسب رأي محمد مفتاح – فنجد أ ن كلا منها يلقي الضوء على جانب ما من الظواهر اللغوية ، ولذلك فهي تتكامل أكثر مما تتناقض ، الشيء الذي يتيح للباحث أن يركب بين جزئياتها – بعد الغربلة والتمحيص – ليصوغ نظرية لتحليل خطاب ما ،بناء على المواقف الثلاثة التالية:

1-    تقديم ما ثبت الإجماع عليه مثل المقاطع ، ونبر الكلمات ..الخ

2-    مناقشة النموذج لتبيين ثغراته، لإعادة تصنيفه وفق مبادئ الحذف والإضافة والتنسيق والتأصيل .

3-    إعادة صياغة المشاكل ، مما ينتج عنه بنية جديدة مثل التناظر ، التشاكل ، التفاعل ... الخ. (25)

هي مهام حددها مفتاح لمحلل الخطاب ، أو للأي باحث يريد وضع نظرية تمس المجال المعرفي عامة والأدبي خاصة ، وهي آراء أرادت أن تشمل كل معطيات الخطاب ، فقربتنا خطوات في سبيل إدراك خصوصياته . على أن هذه الخصوصيات احتمالية تتحقق بحسب المقصدية / التفاعل، أي جدلية النص -الإنتاج- القراءة ، لأن الخطاب لعب لغوي لا بد من الوقوف عند وجهيه:التعبير والمضمون، فهو لا يحيل على الواقع إلا ليخرقه، وفق عالمه الخاص .

إن جهد محمد مفتاح في تحليل الخطاب ( الخطاب الشعري )مع قصيدة ابن عبدون . محاولة سعت إلى التماس الربط ، وحبك خيوط القصيدة ، بإرجاعها إلى: الذاتية الغوية -  والنزعة السردية القائمة على الصراع، وذلك باعتماد تفكيك النص إلى وحدات عبر إدراك سليم لبنيته العليا ( موضوع الخطاب). مما يعد شرطا ضروريا لتحليل علاقاته وضبط خواصه.

 2-  التحليل السيميائي للخطاب الشعري، لعبد المالك مرتاض:

 ينوه بداية مرتاض بصعوبة إحكام القراءة للنص الأدبي- ولا سيما – القراءة السيميائية . إلا أنه سيحاول إعطاء أدوات عامة للتحليل ، إذ أن الأدوات التي يصطنعها في النص من أجل قراءته، تمثل تأويله على نحو ما وهي التي تحدد أسس المعالم العامة للتحليل الذي ينشأ عن مسعاه( 26)الأدبي. 

وبناء على ذلك ، نجده يناشد بالقراءة الجمعانية أو " التركيب المنهجي" لأن القراءة لا تقبل بإجراء أحادي في تحليل الخطاب(النص ) ويرى أن يستغل المناهج الحديثة أقصى استغلال . بالشكل الذي يقدم على إنتاج معرفة بل إنتاج نظرية جديدة للمعرفة . على أنقاض ما فكك؛ فيستحضر البنيوية من أجل الكشف عن البني الفنية للنص ، والمستويات اللسانية من اجل الكشف عن جمالية النص وخصائص نسجه، ومحاولة التوصل منه إلى مفتاح السر(27 ) للنظام اللغوي له. وأما استعمال السيميائية إجراء  في التحليل ، فيجب أن يكون للكشف عن نظام العلاقات , في هذا النص (الخطاب ) على أساس أنها قائمة بذاتها فيه ، لا مجرد وسيط عبثي، وذلك بتعرية البنية الفنية له ، بصهرها في بوتقات التشاكل والتباين والتناص والتقاين ( أو التماثل ) والانزياح، الذي يزيح الدلالة عن موضعها الذي وضعت فيه، ويمنحها خصوصية دلالية جديدة هي التي يشحن بها  المبدع لغته . وذلك بتوتير الأسلوب ، وتفجير معاني اللغة ، والذهاب في اللعب بعناصرها كل مذهب وتخصيب نسوجها. (28)

 وتقوم دراسة مرتاض لخطاب " شناشيل ابنة الجلبي  " لبدر شاكر سياب على النظر  للنص في أحوال تشاكله وأطوار تباينه ، وتجليات تماثله؛ إذ تقتضي جملة من المعاني أو الدلالات ، التي بدونها لا يمكن الكشف عن جوهر النص أو خفاياه، والتي تتحقق بأربعة إجراءات حسب رأيه " التشاكل / التباين /التماثل / التحايز" . الأمر الذي يمنح الإجراء التحليلي شيئا من الحرية في التأويل بحكم التعددية في القراءة  و المناهج من أجل توازن القراءة، إنه محلل يضع قراءته في مقابل قراءات أخرى، ويراعي موقعها النسبي، وكذلك قيمتها النسبية؛ إذ تراعي هذه النظرية التأويلية نسبية القيم الفنية وخضوعها على الدوام للارتقاء والانحدار عند الأدباء، لذلك قامت الدراسة على ثلاث مستويات :

 

 

1- التماس التشاكل والتباين في لغة بدر شاكر السياب من خلال القصيدة .

2-تحليل النص الشعري بإجراء المماثلة والقرينة : وذلك برؤية فنية، تمنح النص أبعادا دلالية خصبة.

تقويم اللغة الشعرية لهذا النص في الشبكة الحيزية، لمنح الحيز الشعري شكلا سيمائيا يثب به من دلالته الجامدة إلى مجالات حية متفاعلة متجاوبة متخاصبة مع ما يجاورها ، أو يكون له شأن بها ؛ لأن " الأدب في الواقع هو سيرورة  إنتاجية تفاعلية غير خاصة بجانب دون الآخر، أو على الأصح، هو تجربة دينامكية تساهم فيها أطراف متعددة ، لا عن طريق التحكم ، والهيمنة التامة ولكن عن طريق التفاعل "  (29)

ويشير مرتاض في موضع الكتاب. إلى " أن البلاغة شكل قديم لتحليل الخطاب"؛( 30) إذ تعتبر بعض الأدوات معينة لتحليل الخطاب مثل : التشبيه- الاستعارة- الكناية – البديع ... الخ. وعلى هذا يجيز إدخال الانزياح إجراء سيميائيا في القصيدة . ويجمع المحللون والمنظرون الأسلوبيين على أنها آلية أسلوبية / بلاغية بحتة، وهذا اضطراب مصطلحاتي يحسب على المحلل.

 كما أنه لا يفرق بين الدراسة والتعامل والقراءة والتحليل والمقاربة والتأويل، يستعملها كلها كمصطلح واحد. زيادة أنه يضعنا بتحليله السيميائي للقصيدة ، أمام إشكالية تطبيق المنهج؛ بإحداثه توسعات، يراها " لم تخطر بخلد بيرس ، الذي لم يكن أديبا محللا للخطاب الشعري ، ولكنه كان منظرا منطقيا ورياضيا، ولا سواء مفكر يتمثل الأمور في مستواها النظري المحدود ، وممارس متعامل يحتك بواقع النص وعطاءاته الجمالية والدلالية والإنزياحية التي ليس لها من نفاذ "، (31 )  فيضعنا-بذلك- أمام نسبية المعرفة ونسبية التأويل، وعليه نسبية التحليل .

 

3 -تحليل الخطاب الأدبي ( دراسات تطبيقية ) لإبراهيم صحراوي:

يدرس المحلل-في هذا الكتاب- رواية جورجي زيدان . " جهاد المحبين" دراسة بنيوية من خلال مستوى الحكاية – القصة – الزمان – المكان – الشخصية – المقاطع السردية التي قسمت لها الرواية . وبدايتها إدراج حياة المؤلف( جورجي زيدان ) وآثاره . وهل هذا تحليل بنيوي ؟

وينطلق ،بعدها، من مبدأ ، أن الأدبية لا تستخلص إلا عن طريق التحليل، وهذا الأخير يتم على مستويات متعددة  ، لكل منها وحداته الخاصة به (32) ، والتي تستدعي التحليل المستقل، على أن ذلك لا يعني فصل المستويات بعضها عن بعض ، إذ لا يمكن لأي منها القيام بمعزل عن الآخر . لأنه سيفقد معناه إذا ما أخذ لوحده ، فالفصل بين مختلف مستويات الخطاب-السابقة الذكر ما هو إلا إجراء تقني،هدفه تسهيل الدراسة . إنه أداة للعمل وليس غاية. (33)

كما يرى أن تحليل الخطاب القصصي ، يجب أن يشمل المستوى السردي كمجال يستعمل فيه الأديب تقنيات خاصة ، ينظم من خلالها مقوله ، كما يشمل المستوى الأسلوبي والمستوى الدلالي ، لأن فهم قصة ما لا يعني مجرد تتبع التطور الحدثي للحكاية ، بل يعني كذلك التعرف على طبقات المعنى التي تتداخل فيما بينها لتشكيل هذا المعنى ، وتنظيم العلاقات التي تقوم بين عناصر الأثر الواحد . والعلاقات في هذا نوعان :     توزيعية : إذ ما كانت أفقية . و تكاملية : إذ لم يمكن إدراكها ألا بالانتقال من مستوى إلى آخر.

وهذه المستويات تختلف من باحث إلى آخر ؛ فرولان بارث  (R-BARTHES)يعتمد المستويات التحليلية التالية : (مستوى الوظائف- مستوى الحركات والأفعال – مستوى السرد والخطاب ) وهي مستويات يرتبط بعضها ببعض وتتكامل تدريجيا ؛ فالمعنى لا يكمن في البداية ، ولا في النهاية بل يتشكل تدريجيا مع تدرج الحكاية أو القصة ، كما أن وحدة معينة على مستوى ما ، لا معنى لها ما لم تندرج  في إطار مقابل من مستوى آخر أعلى؛ لأن كل وحدة وظيفية  - بهذا المفهوم لن تكتسب معناها ما لم تدخل في السياق العام للحركات و الأفعال التي تقوم بها شخصية معينة . ( 34 )

و يعتمد تودوروف ( t .todorouv ) المستويين التالين- حسب رأي صحراوي. ( مستوى الحكاية – مستوى الخطاب ) في حين دانيال رايق ( d.) يذهب إلى تنظيم إدراك الخطاب حسب التفرع الثنائي المضاعف ، الذي يمكن تطبيقه لتحليل كل نضام ذي دلالة :النص ذا التعبير(المادة- التعبير) والمضمون(التعبير- المادة).

و التحليل -في هذه الحالة- يهدف في مرحلة أولى إلى الإبانة عن مكونات النص ووحداته المختلفة، و عزلها للتمكن من معرفة العلاقات التي تقوم بين هذه الوحدات في كل المستويات ، و التمكن بالتالي من الإمساك بهذا المعنى ، لتأتي إثر ذلك عملية تأويله وربطه بمختلف الجوانب الأخرى، التي أبعدت في البداية ، لربط النص في النهاية ببقية النصوص ضمن نوعه أو حقله الدلالي و الموضوعي ومرحلته و عليه ، فما إمكانية إدراج مستويات التحليل على تعددها – ضمن تفرعات هذا الشكل ؛ حيث تتداخل لتؤدي في النهاية هدفا واحدا ،ة و هو إبراز معنى أو دلالة الأثر الأدبي ، أو أي نص آخر مهما كانت طبيعته (35 )

و هو رأي المعتمد في  هذه الدراسة مع اضطراب مع بعض الآراء التحليلية الأخرى نظرا لتداخلها .مع استعمال مربك لعدد من المصطلحات أهمها : ( التحليل – الدراسة – القراءة ) أو ( المقول-الخطاب – النص – الحكاية ).و في نهاية قراءة الدراسة المعنونة " تحليل الخطاب الأدبي " ، و العنوان بوابة الدخول إلى النص و الكتاب، سيجد القارئ نفسه عاجزا عن تحديد التحليل المتبع ،وأمام العنوان عاجز عن تحديد الخطاب الذي سيحلل.

 

4-الأسلوبية في النقد الحديث – دراسة في تحليل الخطاب . لفرحان بدوي الحربي :

 يرى مؤلف الكتاب أن " القواعد العرفية وشروط تأويل الدلالة ، والإشارة السميولوجية والمفاهيم التي تستخدم في معرفة العالم ، وفي العمل والوظائف النفعية قد اندمجت كلها بسلاسة في مهمة تحليل الخطاب الأدبي " (36)، فيفهم تحليل الخطاب –على هذا الأساس – عنوانا شاملا لمنظومة متسقة من الإجراءات المنهجية .

كما يعتبر كغيره من الباحثين " تحليل الخطاب " علما وضع قبل ظهور السيمياء ، ضمن تطبيقات علم البلاغة ، فهو الحقل المعرفي الذي اشتمل على الاهتمام بصناعة النص وإنتاجه فضلا عن دراسته وتحليله ، وعليها ظهر علم الأسلوب بوصفه علما يهتم بتحليل الخطاب ،  (37 )فالأسلوبية في هذه الحالة ليست الدراسة العلمية للغة الخطاب فحسب، بل هي موقف منه ومن لغته ،كذلك ، ولعل من أهم التعاريف التي نسبت للأسلوب(لغة الخطاب )، فهو "  حدث يمكن ملاحظته: إنه لساني لأن اللغة أداة بيانه ، وهو نفسي لأن الأثر غاية حدوثه ، وهو اجتماعي ، لأن الآخر ضرورة وجوده "( 38)  وعليه،  فالخطاب عملية إنتاج مشتركة في زمنين متتالين يتعاقب فيهما ، مبدع خلاق وقارئ مثقف ، والأسلوبية أحد فروع ومجالات تحليل الخطاب، إذ تقع في مستواه الأفقي ، فقد أصبحت –في نظره – مبحثا مؤهلا لمعالجة أنماط التعبير والتواصل ، وأن بحوثها تقوم على أجزاء ثلاثة رئيسية : جزء لغوي / جزء علمي / جزء جمالي .

ويضطرب رأي المؤلف حول المنهج الأكثر شيوعا في مجال " تحليل الخطاب " فتارة هو المنهج اللساني ، ومهمته البرهنة على وحدة الخطاب بوصفه كلا موحدا عبر رصد أدواته وإشاراته  المحلية مهتما بوسائل الربط بين أجزائه ، ومتابعة أشكال الإبداع فيه ، فيكون البحث موجها في الاتساق بعد الانسجام .

وتارة هو المنهج الأسلوبي ، ومهمته معالجة أنماط التعبير ، ووصف العلاقات الداخلية والخارجية للبنية الخطابية عبر مستويات مختلفة ، للكشف عن الخواص النوعية البنيوية المميزة للخطاب في نطاق التواصل والإيصال . وتارة أخرى هو المنهج السميائي ، الذي اعتبره الأكثر أهمية في تحليل الخطاب – فضلا عن شيوعه الواسع – وهو ينطلق في عمله من النموذج اللساني ؛ إذ يتخذ الخطاب موضوعا له بوصفه معطي لغويا ، وذلك يشترط تفريغ الخطاب (موضوع الدراسة ) من مضامينها ليتمكن من دراستها . وغايته من وراء البحث في الصفات السميائية الخاصة بكل نوع منها التمييز بينها : الخطاب السياسي –الخطاب الديني ….الخ ، وذلك من حيث تركيبة الجملة أو استخدام العلامات والتشديد على بعض الكلمات والصياغات ، على- وجه الخصوص – وطريقة ابتداء الخطاب (الاستهلال ) ونهايته ، …الخ . وعلى هذا الأساس فقد جعل تحليل الخطاب علما له فروع ن باعتباره معوضا للبلاغة :

-       فروع عمودية : كالشعرية، التي تهتم بصنف خطابي واحد هو الأدب

-   فروع أفقية : مثل الأسلوبية، والتي يتألف موضوعها من كل القضايا المتعلقة بالخطابات كافة(39 )  بناء على ما سبق، تحليل الخطاب مصطلح يمكن إطلاقه على المقاربات النقدية ، التي تتخذ لها موضوعا للوصف وحدة لغوية أكبر من الجملة ، بصفة عامة ، فتصنيف المقاربات ضمن هذا المجال يبنى تأسيسا على وجود الوحدة اللغوية المحللة وحجمها، ثم إن هذا التصنيف يقوم على موضوع المقاربة أيضا ، وذلك في محاولة تمييزية بين مصطلحي " المقاربة والتحليل " ؛ فالتحليل يمكن أن يكون نفسيا ، بلاغيا ، اجتماعيا ...الخ ، وبالتالي هناك مرتكزات تمكننا كقراء محللين من وضع المقاربة ضمن حقلها المعرفي المخصص فتتنامى بالشكل الذي تكون به تحليلا ،أين يتساوى المصطلحان.

 وما يمكن أن يستخلص بعد هذا البحث حول " تحليل الخطاب "والإجراء العربي: 

  • · أن التداخل حاصل بين مفهوم الخطاب ومفهوم النص وكذلك الاصطلاح على تحديد التسمية للعلم ، الذي يقع تحته درس " النص " و" الخطاب " فنجده : تحليل الخطاب ، تحليل النص ، علم النص ، لسانيات النص ، لسانيات الخطاب ..الخ ؛ لأن من أهم المشكلات الرئيسية التي لازمت تحليل الخطاب كعلم ، كمجال ، كمنهج ، تحديده، وتحديد اسمه، وتحديد موضوعه .
  • · إن تحليل الخطاب ضرورة ملحة . يجب أن يأخذ على عاتقه مهمة دراسة وتحليل وتفكيك الخطابات ، وتفسير ملفوظاتها وفق معطيات الخطاب الداخلية والخارجية؛ فهناك مؤشرات للعامل النفسي والإطار الاجتماعي والسياق عموما ، وعلاقة المرسل في الملتقى من خلال النص الذي يتوسط عملية الاتصال في داخل مفهوم الخطاب ذاته . لأن الخطاب نظام تعبير متقن ومضبوط، يحتوي على بنيات لا يمكن للنحو اللساني تفسيرها ، وهي بنيات تحدد نوع الخطاب بناء عليها: البنيات السردية والبنيات البلاغية ، وتمثل لها بالتوازي في البنية التركيبية لعدد من الجمل، وهو ما ليس له أية وظيفة نحوية ، في حين قد تكون له له وظيفة بلاغية مرتبطة بأثر القول في القارئ ، وهذا البنيات متعلقة باستعمالات أسلوبية معينة وأن مهمة دراستها تقع على " تحليل الخطاب " ؛بكل ما يحمل من منظور: تداولي ، لغوي ، نحوي ، وضيفي ، سميولوجي...الخ مما يعني الاقتراب من الخطاب ذاته بوصفه موضوعا خارجيا ، بافتراض وجود فاعل منتج تكون له علاقة حوارية مع       متلق مثقف ذا ذاكرة، وكلها تتجسد في خطاب متعدد الجوانب والدلالات له كل السلطة في الاحتفاظ بذاكرته ، وبقصديته  . وأمام هده الإجراءات والمساهمات العربية تتساءل: ما نريد نحن  العرب بتحليل الخطاب؟ محاولة الإجابة عن هذا التساؤل الأخير، تبرز بآفاق تصورناها لتحليل الخطاب العربي-كمجال من حقه الوجوح: تنظيرا/ تأسيسا/إجراء- و التي نجملها فيما يلي :

1-  من واجب المحلل و الناقد العربي التوجه نحو التأسيس في هذا المجال؛ بوصفه مجالا حداثيا شاملا في ثقافتنا اللغوية و النقدية المعاصرة ؛ و من ثم تحديد حديه ( تحليل /الخطاب ) ، و تحديد موضوعه و مجاله . حتى يفهم أكثر و تفهم كيفية التعامل معه و فيه، من أجل تحقيق الاستعمال الدقيق للمصطلح الجامع .

2-  - علينا – كذلك – معرفة حدوده و تداخله وعلاقاته مع غيره من المجالات بشتى أنواعها : السميائية الأسلوبية اللسانية ، النصية ، التداولية ، الاجتماعية.. الخ ، أي إبراز العلاقة بينهما ، و مدى التفاعل فيما بينها ، وماذا يقدم الأول للآخر،عبر ملتقيات وأبحاث متواصلة.

3-  لا بد من إجراء بعض محاولات التأصيل لمعظم قضايا الخطاب المتحققة أثناء معالجة الخطابات ؛ لإعطاء العلم بعدا تراثيا، من أجل تعميق الفهم والتعامل.

4-  على محلل الخطاب الابتعاد عن ما سماه محمد مفتاح التلفيقية ، أثناء التحليل ومعالجة الخطاب، حتى نبتعد عن إقحام الأمور،التي لا يجدر بها أن تكون في التحليل، ليكون تحليلا قائما على القراءة المنتجة والمصطلح الدقيق، والشرح السديد والتفسير المثمر والتأويل المبدع.

ولتتحقق هذه الآفاق و تأتى ثمارها . لابد من مناقشتها في المنتديات المتخصصة والملتقيات والأبحاث المعتمدة .  


 

 

الهوامش :

1-   صدوق نور الدين ، في النص و تفسير النص ، الفكر العربي المعاصر ( نص النقد /نص النقد )، مركز الإنماء القومي ، بيروت ، حزيران 1990 ، عدد 76 / 77 ، ص 22 .

2-   سارة ميلز الخطاب ، ترجمة : يوسف بغول ، منشورات مخبر الترجمة في الأدب واللسانيات ، جامعة متنوري، قسنطينة ، 2004، ص05.

3-   المرجع نفسه، ص03.

4-   ابن منظور الإفريقي  المصري(جمال الدين ابن مكرم ) ، لسان العرب ، دار صادر ، بيروت ، ط1 ، 1997 ، المجلد ، ص143.

5-   جوليان بروان وجورج يول ، ترجمة : محمد لطفي الزليطي ومنير التريكي ، جامعة الملك سعود ، المملكة العربية السعودية ، 1418/1997 ص ك .

6-   ابن منظور ليان العرب ، المجلد الخامس ، ص 219

7-   عاطف جود نصر ، النص الشعري ومشكلات التفسير ، الشركة المصرية العالمية للنشر ، لونجمان / مكتبة لبنان ناشرون ، مصر/ بيروت ط1، 1996، ص26.

8-   عبد الكريم درويش ، فعالية القارئ في إنتاج النص ( المرايا الامتناهية ) مجلة الكرمل ، مؤسسة الكرمل الثقافية ، فلسطين ، صيف 2000، العدد64، ص222.

9-   ابن منظور، المرجع نفسه ، المجلد الثالث ، ص416,

10-    عاطف جود نصر ، النص الشعري ومشكلات التفسير ، ص38.

11-    صدوق نور الدين ، في النص وتفسير النص ، ص26.

12-    ابن منظور ، المرجع نفسه ، المجلد الأول ، ص134 .

13-    صدوق نور الدين ، في النص وتفسير النص ، ص24

14-    جوليان بروان جورج يول ، تحليل الخطاب، ص ي .

15-    المرجع نفسه ص 01.

16-    المرجع عينه ، ص 324 .

17-    ك. لوبي ألو نسو وأسير دي الموس ، لسانيات الخطاب (حوار مع باتريك شار ودو) . ترجمة : محمد يحياتن ، مجلة اللغة العربة الفصلية ، المجلس الاعلى للغة ، الجزائر ، 1999 ، العدد الثاني ، ص 243-244

18-    موسى عمايرة وآخرون ، مقدمة في اللغويات المعاصرة ، دار وائل للنشر والتوزيع ، عمان ، ط1 ، 2000، ص200.

19-    المرجع عينه ، ص199.

20-    فرحان بدوي الحربي ، الأسلوب في النقد الحديث –دراسة في تحليل الخطاب –المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، ط1، 2004، ص42 .

21-    المرجع نفسه ، ص200.

22-    صلاح فضل ، بلاغة الخطاب وعلم النص ، الشركة المصرية العالمية للنشر (لونجمان )، القاهرة ، ط1، 1996 ، ص319.

23-    محمد مفتاح ، تحليل الخطاب الشعري ( إستراتيجية التناص ) ، المركز الثقافي العربي ن المغرب ، ط1، 1983، ص05

24-    ينظر : المرجع نفسه ، ص 07.

25-    المرجع ذاته ، ص15 .

26-    عبد المالك مرتاض ، التحليل السيميائي للخطاب الشعري ، دار الكتاب العربي ، الجزائر ، أفريل 2001، ص08.

27-    المرجع نفسه ، ص22.

28-    المرجع عينه ، ص22.

29-    حميد لحميداتي ، القراءة وتوليد الدلالة (تغيير عاداتنا في قراءة النص الأدبي ) ، المركز الثقافي العربي ، المغرب ، ط1 ، 2003، ص06.

30-    عبد المالك مرتاض ، المرجع نفسه ، ص38.

31-    ينظر : إبراهيم صحراوي ، تحليل الخطاب الأدبي(دراسة تطبيقية ) دار الآفاق ، الجزائر ، ط1، 1999، ص18.

32-    المرجع عينه ، ص21.

33-    المرجع نفسه ، ص20.

34-    المرجع نفسه ، ص21.

35-    فرحان يدوي الحربي ، الأسلوبية في النقد الأدبي ، دراسة في تحليل الخطاب ، ص23.

36-    ينظر : المرجع عينه ، ص47.

37-    منذر عياشي، الأسلوبية وتحليل الخطاب، مركز الإنماء الحضاري، سوريا، ط1، 2002، ص35.

38-    فرحان بدوي الحربي ، المرجع نفسه ، ص24.

39-    المرجع نفسه ، ص42.   

 

Télécharger l'article