Imprimer
Affichages : 8033

نظرية الأفعال الكلامية و إعادة قراءة التراث العربي

 

                                                                   د:عمربلخير

– تيزي وزو-(الجزائر)

 

مقدمة

تسعى هذه الدراسة إلى تبيان الأساليب التي طبقت عليها نظرية الأفعال الكلامية-التي وضع أسسها وإجراءاتها مجموعة من فلاسفة اللغة التحليليين، منهم: أوستين وسيرل وفتجنشتاين وجرايس- على الموروث اللغوي والأدبي، خاصة، والموروث المعرفي العربي، بصفة، عامة، ولعلنا لن نكون مبالغين في كلامنا حينما نصرح أن هذه النظرية كان لها الأثر البالغ على البحث اللساني والفلسفي في العقود الأخيرة من الزمن، في الوقت الذي عجز فيه الطرح البنوي، لأسباب إبستيمولوجية ومعرفية، عن الإجابة عن إشكالات عديدة طرحها واقع البحث طوارئه منذ ظهور كتاب دوسوسير، ومنذ أن صارت البنوية (كمبدأ ومفهوم) العمود الفقري لمختلف النظريات التي تُعنى باللغة والأدب والفلسفة والاجتماع والنفس- أي المعرفة الإنسانية
و الاجتماعية بصفة عامة- إذ كانت هناك محاولات من بعض اللسانيين المحسوبين على التيار البنوي، لفك الغموض على تلك الإشكالات التي طُرحت على بساط البحث، من بينها ما جاء في كتاب رومان ياكبسون Essais de linguistique générale في الفصل الذي عنونه : المبهمات و الزمر الكلامية والفعل في اللغة الروسية، أو الفصل الخامس من كتاب Sémantique structurale للساني الإنجليزي جون لاينز، والمعنون بـ : السياق والأسلوب والثقافة[i]، و هي محاولات أرادت أن تعيد الاعتبار لعنصر السياق المتعدد الأبعاد باعتباره العنصر الأساس الذي تكتمل به الدلالة و تتم الفائدة و تنجح العملية التبليغية. ولأن التداولية لم يكن منشأها ثابتا ونظرياتها كلها مبنية على أساس أن اللغة البشرية لا تنجز إلا بتداخل السياق باللغة وبمستعمليها، ظهرت هناك محاولات عديدة لوضع حد للركام الذي تميزت به التداولية أثناء نشأتها، وأهمها محاولات الهولندي هانسون الذي قسم الركام النظري للتداولية إلى ثلاثة أقسام (أو درجات)، تخضع أساسا إلى علاقة المتخاطبين بالسياق؛ لن نتحدث عن القسمين الأولين لأنهما لا يُمتّان بصلة إلى موضوع مداخلتنا هذه، بالمقابل، سنتوقف عند القسم الثالث الذي يتضمن نظريات الأفعال الكلامية التي أولت الأهمية للأفعال ذات الامتداد الاجتماعي، المنجزة من قبل الإنسان بمجرد تلفظه بمجموعة من الأقوال ضمن سياقات محددة. و يرى مؤسس هذه النظرية، وهو الفيلسوف الإنجليزي ج.ل أوستين، أن الوظيفة الأساسية للغة غير كامنة أساسا في إيصال المعلومات والتعبير عن كوامن النفس، بقدر ما هي مؤسسة تتكفل بتحويل الأقوال إلى أفعال إذا صدرت ضمن مقام يسمح بذلك، فهو ينطلق في تفسير نظريته تلك من انتقاد الفكرة السابقة التي تعتبر أن كل الأقوال يمكن إخضاعها لمعيار الخطأ والصواب، ويرى، نتيجة لذلك، أن هناك أساليب وتعابير لغوية لا يمكن وصفها بأنها خاطئة أو صائبة، بل إننا حينما نتلفظ بها نكون قد أنجزنا، في الوقت نفسه، فعلا اجتماعيا، سماه أوستين بالفعل الكلامي  speech acts، فحينما يقول القاضي فُتحت الجلسة، يتم فتح الجلسة، حيث يدافع فيها المحامي على وكيله ووكيل الجمهورية على القانون والضحايا، وحينما يتلفظ بالحكم في حق المتهم، سيكون لذلك تأثير على ما سيحدث بمجرد أن ينتهي من نطق عبارة الحكم، ولأن السياقات في المجتمع كثيرة ويستحيل حصرها، فإن الأفعال الكلامية نفسها، يصعب، أيضا، حصرها، ولهذا السبب قام أوستين بمحاولة لتصنيف الأفعال الكلامية في زمر، يراها هو وظيفية، وهي:

- الأفعال الدالة على الحكم: التبرئة، الحكم، التقدير، التحليل...

- أفعال الممارسة: الانتخاب، التعيين، الاستشارة، الترشيح...

- أفعال الوعد: الرهان، التعهد، الضمان...

- الأفعال السلوكية: الاعتذار، التهنئة، التعزية، الشكر...

- أفعال العرض: الإثبات، التأكيد، النفي، الوصف، التعريف، التأويل...

ومع ذلك، يعترف أوستين نفسه أن هذا التقسيم غير مستفيض ويحتاج إلى إعادة نظر بسبب تداخل هذه الأفعال فيما بينها تداخلا يجعل أفعال الحكم يمكن تصنيفها في زمرة أفعال الممارسة، والعكس صحيح، و قد وضع أحد طلبة أوستين، وهو سيرل، مجموعة من الأسس[ii] يعتبرها ملائمة لتصنيف الأفعال الكلامية الإنسانية، يمكن تلخيصها في:

- الاختلاف في غاية الفعل الكلامي،

- الاختلاف في مطابقة العالم للأشياء،

- الاختلاف في الحالة النفسية المعبر عنها، والمراد بذلك القصد والصدق.[iii]

ويشترط أوستين لنجاح الفعل الكلامي، توفر مجموعة من عناصر السياق، أدرجها في مفهوم شروط النجاح، وهي عوامل ترتبط بالحالة النفسية للمتخاطبين، وبقدرة هؤلاء على تحقيق ما يتلفظون به وكذا الأنماط القانونية التي تسمح بتحقيق الأفعال دون أخرى؛ تجدر الإشارة إلى أن أوستين، في بداية محاضراته، قد ميّز بين الأقوال التقريرية والأقوال الإنجازية، و هو تقسيم نجد له أثرا عند البلاغيين و علماء الأصول العرب القدامى، مما جعلنا نقول في مرحلة أولى أنّ أوستين استمد أسس تقسيمه من الدراسات العربية القديمة للغة، عملا بالمقولة أنّ المعرفة الإنسانية الحالية ما هي سوى استمرار للمعرفة السابقة والحضارة الحالية قامت باتصالها مع الحضارة العربية الإسلامية في الأندلس، و هي نفسها الحضارة التي أعادت الفكر الفلسفي اليوناني إلى الوجود و قدمته على طبق من ذهب للأوروبيين، وفي مرحلة ثانية اكتشفنا أثناء قراءتنا لأعمال الدكتور طه عبد الرحمن أن مصدر هذا التقسيم الثنائي للكلام الإنساني عند العرب القدامى هم الإغريق[iv]، و من المؤكد أنه لا يمكن التحقق من مدى صحة هذه المقولة، لكن سياق هذه المداخلة لا يسمح لنا بالتعمق فيها، لذا نتركها لبحث آخر مستقبلا.

  لقد اهتدى سيرل إلى أنواع أخرى من الأفعال الكلامية، ميزتها أن دلالتها الفعلية لا تظهر صريحة في عبارة المتكلم، إنما تأويل هذه الدلالة وفهمها يحتاج إلى العودة عوامل السياق المحيطة بالمتخاطبين، فمثلا أن يقول شخص لأخر: هل لديك الملح؟ إن هذه العبارة، في ظاهرها، تدل على الاستفهام عن امتلاك المخاطَب للملح، إلا أن مضمونها يدل على فعل كلامي مخالف، هو فعل الطلب الذي يظهر كما يلي : ناولي الملح، أو أطلب منك أن تنولني الملح، إن السياق الذي يحيط بهذه العملية هو كون المتخاطبين زبونين جالسين على نفس الطاولة في مطعم، وهو الأمر الذي جعل المخاطب يُؤول استفهام المخاطب على أنه طلب، أو لنقل استفهاما طلبيا؛ فهذه الظاهرة نجد لها أثرا طيّبا في التراث البلاغي العربي في قاعدة خروج ظاهر الكلام على مقتضى الحال، و في قاعدة أخرى مشابهة هي الذم بعبارة المدح؛ فقد قنّن سيرل هذه الظاهرة (الأفعال الكلامية غير المباشرة) في نسق من القواعد الاستدلالية المرتبطة بقدرة المخاطب على تأويل ما لم يصرح به المتكلم من أفعال كلامية، قد تكون ملزمة أو غير ملزمة. ولا يمكن للسياق سوى أن يتدخل بجدارة لفهم وتأويل هذا النسق الاستدلالي، عن طريق المعرفة المسبقة للمتخاطبين وعن طريق قوانين الخطاب،أيضا (وبخاصة مبدأ التعاون الذي حدده جرايس).

 

"النظرية العربية " في دراسة الأفعال الكلامية

أفضل ما أُنجز في هذا المجال، إلى حد الآن، عند العرب المحدثين وعند بعض الأجانب، أيضا، بعض الأعمال تميزت بخضوع أصحابها، للدقة والصرامة العلميتين: عمل للدكتور أحمد المتوكل، في كتابه، الذي هو في الأصل أطروحة نال بواسطتها شهادة الدكتوراه بجامعة محمد الخامس:Réflexion sur la théorie de la signification dans la pensée linguistique arabe، يتسم، كما يقول المتوكل نفسه، بالتنظير والمقارنة، وهو تنظير ينطلق من أساسين: استصفاء نظرية المعنى عند العرب، في سبيل إعادة قراءة التراث، ثم العمل على إرساء الأسس المنهجية التي تسمح بذلك؛ وكان يهدف إلى وضع نحو، بمفهومه الكافي، يتكفل بوصف اللغة العربية وصفا شاملا، معتمدا في ذلك على نظريات لغوية وسيميائية، منها ما يتصل بالمدرسة التوليدية، والنظرية الوظيفية الشاملة، لاقتراحات مدرسة هاليداي، ووظيفية حلقة براغ، والتيار الوظيفي الأمريكي، بريادة سيمون ديك، ونظرية غريماس السيميائية.[v] 

ففي مجال نظرية الأفعال الكلامية، أشار المتوكل إلى اتفاق العرب القدامى على تمييز الإنشاء من الخبر، مع الإشارة إلى تمايزهما في بعض الأحيان، فقد كان هناك اتجاهان في دراسة هذه الأساليب: اتجاه نحوي يرى في الكلام كونه خبرا كله، مثل اعتبار النحاة النداء خبرا، ثم الاتجاه الذي يقسم الكلام إلى أفعال كلامية مباشرة وأخرى غير مباشرة، وقد ذهب القدامى، حسب المتوكل، مذهبين في تصنيف الأفعال الكلامية غير المباشرة: مذهب شكلي، يمثله النحاة، ينطلق من الأشكال الجامعة بين هذه الأساليب: ومنزع دلالي وتداولي يستند إلى أغراض المتكلم، أما الأفعال الكلامية غير المباشرة، فقد وُجد هناك مذهبان في تأويلها: مذهب يتجه إلى اعتبار عدم مطابقة مقتضى الحال هو المتسبب في انتقال دلالة الفعل المباشر إلى دلالة أخرى، وهناك المذهب الذي يعتبر أن البنية المنجزة تمثل الفعل المباشر وغير المباشر.

أما العمل الثاني فهو للدكتور خالد ميلاد بعنوان الإنشاء في العربية بين التركيب والدلالة، دراسة نحوية تداولية، وقد كان يسعى فيه إلى :"تقصي مفهوم الإنشاء في الدرس اللغوي العربي وبيان حدوده وأصوله وفروعه في مدها وجزرها وتولد بعضها من بعض، وذلك للوقوف عند الخصائص الدلالية للكلام الإنشائي وما يربط بينها من تركيبات إعرابية"[vi]، مستندا في ذلك على نصوص التراث النحوي والبلاغي والأصولي، سعيا منه وراء:" ضبط مفهوم الإنشاء في مختلف المصنفات التي اعتنت بدراسته وتحديد مباحثه وبيان ما يتصل به من دلالات، وما يتصل بتلك الدلالات من أبنية مجردة ومصرفة ومنجزة...وضبط مجال الإنشاء وتحديد دلالته النحوية المولدة من دلالات الأبنية الإعرابية المجردة لدى التقائها بالمقولات الدلالية للوحدات الصرفية والمعجمية".[vii] ويدخل عمله، هذا، على غرار عمل المتوكل، في مشروع إعادة قراءة التراث اللغوي العربي، لكنه ركز مجهوده في هذا البحث على علاقة الإنشاء بالدرس النحوي، حيث أفرد لذلك بابين من الأبواب الأربعة للبحث، عنون الباب الأول ب" ضروب القول عند سيبويه وعلاقتها بمفهوم الإنشاء، والباب الثاني" الإنشاء في الدرس النحوي بعد سيبويه؛ وقد أورد خالد ميلاد في مقدمة بحثه، لمجموعة من الجهود العربية والغربية الحديثة، في تناولها لهذه الظاهرة الكلامية، بالوصف والنقد، نذكرها باختصار شديد في هذه المداخلة:

ü      الدراسة التي أنجزها الدكتور تمام حسان بعنوان: اللغة العربية، مبناها ومعناها؛

ü      دراسة أحمد المتوكل، السالفة الذكر؛

ü      دراسة لمحمد صلاح الدين شريف بعنوان: مفهوم الشرط وجوابه وما يطرحه من قضايا في معالجة القضايا بين الأبنية النحوية والدلالة

ü   هناك دراسة بعنوان: التعجب والأفعال اللغوية عند سيبويهexclamation et actes de langage chez Sibawayh لصاحبته Buburuzan Rodica.

ü       دراسة أخرى بعنوان: الخبر والإنشاء في العلوم اللغوية العربية الإسلامية Information et performance en science arabo-islamique du langage  لـ Pierre Larcher، وله بحث آخر بعنوان: التداولية العربية الإسلامية في القرون الوسطى Une pragmatique médiévale arabe et islamique.                                                                                                                                                                       وهناك دراسة أخرى للدكتور مسعود صحراوي، في بحث نال به شهادة الدكتوراه بجامعة باتنة، وقد وسمه: الأفعال المتضمنة في القول، بين الفكر المعاصر والتراث  العربي، فقد نشأت فكرة تقسيم الكلام عند العرب، في نظر الدكتور مسعود صحراوي، مشتركة بين البلاغيين وعلماء الأصول والنحاة والفلاسفة... ويقول د.محمد صحراوي[viii] " ومن ثُم صار متعينا على من يدرسها أن يتتبع فروعها وتطبيقاتها في مظانها من مؤلفات عدد من العلماء الأجلاء الذين أسسوا هذه النظرية في تراثنا أو الذين عمقوا فيها." ثم يقوم بسرد عدد من الفلاسفة علماء الأصول والبلاغيين...ممن ساهموا في دراسة وبحث هذه الظاهرة من أمثال: أبو نصر الفارابي والقاضي عبد الجبار وابن سينا وعبد القاهر الجرجاني ونجم الدين الكاتبي القزويني وأبي يعقوب السكاكي وسيف الدين الآمدي وشهاب الدين القرّافي ورضي الدين الإستراباذي ومحمد بن علي الجرجاني وجلال الدين الخطيب القزويني و غيرهم؛ و قد تمحورت هذه النظرية حول مفهوم الإفادة، باعتبار أن علم المعاني حسب ما يذهب إليه ابن خلدون هو" علم حادث في الملة بعد علم العربية و اللغة، و هو من العلوم اللسانية لأنه متعلق بالألفاظ و ما تفيده، و يقصد الدلالة عليه من المعاني (...) و يبقى من الأمور المكتنفة بالواقعات المحتاجة للدلالة على أحوال المتخاطبين أو الفاعلين و ما يقتضيه حال الفعل، و هو محتاج إلى الدلالة عليه لأنه من تمام الإفادة".[ix] إن ما كُتب على هذه الظاهرة عُبر عنه بأساليب ومصطلحات مغايرة، نظرا لاختلاف غاية الدراسة وموضوعها، فقد درس البلاغيون والنحاة هذه الظاهرة " بحكم أن طبيعة النصوص التي يدرسونها تقتضي التنظير والتطبيق للنوعين الأسلوبيين جميعهما، لكن مع تفاوت وظيفي بين النحاة والبلاغيين"،[x] "أما الفلاسفة والمناطقة، فاستبعدوا التراكيب غير الخبرية ولو كانت دالة و مفيدة، وقصّروا تحليلاتهم على التركيب الخبري وحده لأن الخبر هو الذي يهم المنطقي أن يبحث فيه (...) و هو وحده النافع في العلوم."[xi] " أما الأصوليون و الفقهاء فقد تميّز بحثهم للظاهرتين الأسلوبيتين معا...برؤية تداولية محكومة بآلية "البعد المقاصدي" واتخذوا من البحث فيهما أداة لاستنباط الأحكام و القواعد الشرعية"؛ [xii] إضافة إلى محاولات عديدة لتقسيم الأساليب الإنشائية، أو الأفعال الكلامية بالمصطلح التداولي: هناك محاولة ابن الكيسان الذي قسم الكلام إلى أربعة أصناف هي: الإثبات والاستخبار والطلب لنوعية الأمر والنهي، بينما قسم ابن قُتيبة  الكلام إلى الأمر والاستفهام والإثبات والرغبة، أما نجم الدين الكاتبي فقد قسم الإنشاء إلى قسمين إنشاء طلبي يشتمل على الأمر والالتماس والدعاء والإنشاء غير الطلبي الذي يشمل : التمني والترجي والاستفهام والتعجب والقسم والنداء. ولكن أدق التقسيمات وأبرزها ذلك الذي وضعه السكاكي بتقسيمه الطلب إلي نوعين:" والطلب إذا تأملت نوعان: نوع لا يستدعي في مطلوبه إمكان الحصول، و قولنا لا يستدعي أن يمكن أعم من قولنا يستدعي أن لا يمكن، و نوع يستدعي فيه إمكان الحصول"[xiii]، فالنوع الأول من الطلب هو التمني، الذي يقول فيه: "أما ترى كيف تقول ليت زيدا جاءني فتطلب كون غير الواقع فيما مضي واقعا فيه مع حكم العقل بامتناعه، أو كيف تقول يا ليت الشباب يعود، فتطلب عود الشباب مع جزمك بأنه لا يعود (....) وأما الاستفهام والنهي والنداء، فمن النوع الثاني،[xiv] فالأمر والنهي والنداء، يكونوا لطلب الحصول في الخارج، كأن تقول لأحدهم امتنع عن القيام بهذا... والفرق بين الطلب في الاستفهام بطلب ما هو خارج ليحصل في الذهن؛ و لقد تنبه العرب إلى ظاهرة إجراء الكلام على مقتضى الحال، أو ما أشرنا إليه سالفا بظاهرة الأفعال الكلامية غير المباشرة، و حاولوا تقعيدها، وبخاصة السكاكي الذي حاول وضع قواعد وآليات فسر عن طريقها كيف تؤول الأقوال بغير ما صرحت بها صاحبها، وهي:

- تخرج المعاني الطلبية الخمسة الأصلية، حين يمتنع مقاميا إجراؤها على الأصل إلى معاني أخرى كالإنكار والتوبيخ والزجر والتهديد وغيرها.

- يحصل في حال عدم المطابقة المقامية أن يتم الانتقال من معنى إلى معنى داخل معاني الطلب الأصلية نفسها، إذ يمكن أن يتولد مقاميا عن الاستفهام التمني، وعن التمني الاستفهام.

 

خلاصة

لا يسعنا في خاتمة هذه المداخلة، إلى أن نقول أن الأساليب الإنشائية عند العرب شكلت حجر الأساس في الدراسات الأصولية والنحوية والبلاغية... وجاء تحليلهم لهذه الأساليب دقيقا إلى درجة أن نظرية أوستين وسيرل لا يمكن أن نعتبرها إلا تابعا لما بحثه العرب في هذا المجال، وفي نفس الوقت، لا يمكن لنا أن ننكر فضل الفلاسفة في التعريف بهذا الجانب من اللغة الذي مكّن الدارسين العرب من اكتشاف تلك الجهود الفذة والفريدة من نوعها للعلماء العرب القدامى في العديد من المجالات المعرفية.

 

مراجع المداخلة

- السكاكي، أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر (د . ت )، مفتاح العلوم، دار الكتب العلمية، بيروت.

- بلخير، عمر (2003)، تحليل الخطاب المسرحي في ضوء النظرية التداولية، منشورات الاختلاف، الجزائر.

- صحراوي، مسعود (2004)، الأفعال المتضمنة في القول بين الفكر المعاصر والتراث العربي، رسالة لنيل شهادة الدكتوراه في اللسانيات، جامعة باتنة.

- طه، عبد الرحمن (1998)، اللسان و الميزان أو التكوثر العقلي، مركز الفكر العربي، الدار البيضاء، المغرب.

- ميلاد، خالد (2001)، الإنشاء في العربية بين التركيب والدلالة، دراسة نحوية تداولية، جامعة منوبة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية والمؤسسة العربية للتوزيع، تونس.        

 

- J. Searle (1979), sens et expression, trad. Joëlle Proust, Paris, Editions de Minuit.

- J.L.Austin (1970), Quand dire c’est faire, trad. Gilles lane, Paris, Editions de Minuit.   

- El Moutaouakkil A. (1982), Réflexions sur la théorie de la signification dans la pensée linguistique arabe, publications de la faculté des lettres et des sciences humaines, Rabat.



[i] - هناك محاولات أخرى لا يسعنا ذكرها في هذا المقام.

[ii]  J. Searle (1979), sens et expression, trad: Joëlle Proust, Editions de Minuit, P 49.

 [iii]   لن نعرض تصنيف سيرل، الذي نعتبره أكثر دقة من تصنيف أوستين إذ بإمكان القارئ أن يعود إلى مؤلفنا في هذا المجال.

[iv] - استندنا في تصريحنا هذا على مقولة للفيلسوف طه عبد الرحمن أوردها في كتابه اللسان و الميزان أو التكوثر العقلي، لكنه لم يستخدم فيها كلمة الإغريق، إنما استخدم كلمة المنطق الصوري، و نحن نعلم أن الإغريق هم مصدر هذا المنطق، يقول :

اعلم أن الدراسات البلاغية قديما و حديثا، اقتبست من المنطق الصوري بعض أدواتها؛ و لم يقتصر هذا الاقتباس على أخذ بعض المفاهيم المنطقية من " مصطلحات" و "مقولات" و إنما تعداه إلى أخذ " المبادئ النظرية" التي تستند إليها هذه المفاهيم، فقد انتقل إلى البلاغة معنى " الخبر" و معه " مبدأ الفائدة"، و دخل إليها أيضا المفهومان القيميان : " الصدق" و "الكذب" و معهما المبدأ الذي يستندان إليه، و هو "مبدأ مطابقة الحكم للواقع أو عدم مطابقته له" كما انتقل إليها معنى المقولة و حمل معه مبدأه القاضي بـ "ترتيب الأجناس"، و دخل إليها كذلك المعنيان الدلاليان "الحقيقة" و "المجاز" و معهما المبدأ الذي يرتكزان عليه و هو "اللزوم".( طه عبد الرحمن (1998)، اللسان و الميزان أو التكوثر العقلي، مركز الفكر العربي، الدار البيضاء، المغرب ، ص 296).                       

[v] Ahmed El Moutaouakkil (1982), Réflexions sur la théorie de la signification dans la pensée linguistique

Arabe, Publications de la faculté des lettres et des sciences humaines, Rabat, P22.

 

[vi] - خالد ميلاد (2001)، الإنشاء في العربية بين التركيب والدلالة، دراسة نحوية تداولية، جامعة منوبة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية والمؤسسة العربية للتوزيع، تونس، ص17.

[vii]  - نفسه، الصفحة نفسها.

[viii] - مسعود صحراوي (2004)، الأفعال المتضمنة في القول بين الفكر المعاصر و التراث العربي، أطروحة مقدمة لنيل شهادة     الدكتوراه في اللسانيات، جامعة باتنة، ص 150.

[ix]- ابن خلدون(1967)، المقدمة، ط 3، مكتبة المدرسة ودار الكتاب اللبناني، بيروت، ص 1064.

[x] - مسعود صحراوي، المرجع السابق، ص 145.

[xi] - نفسه، ص154.

[xii] - نفسه، ص145.

[xiii] - أبو يعقوب يوسف بن أبي بكر السكاكي (د . ت )، مفتاح العلوم، دار الكتب العلمية، بيروت، ص 131.

 [xiv] -  نفسه، الصفحة نفسها.

 

Télécharger l'article