Imprimer
Affichages : 6295

تداولية الخطاب

" أهمية نظرية الذهن في تحليل الخطاب"

                                                                           أ/لبوخ بوجملين جامعة ورقلة(الجزائر)

 

تقديم

شهدت الحركة الأدبية في الثلاثين سنة الأخيرة بروز فرضية جديدة في الساحة النقدية مفادها أن الخطاب وحدة لسانية مثلها مثل الفونيم أو المورفيم أو الجملة، وأن هناك طريقتين في التعامل مع هذه الوحدة: إما في شكل فونيم أو في شكل مورفيم كوحدة دنيا لا يمكن تقسيمها إلى وحدات أقل، أو في شكل جملة كوحدة قابلة للتقسيم مكونة من عناصر صغرى، ولها قواعدها الخاصة المسئولة عن بنائها وتأويلها. إلا أن هذه المقولة قد لاقت معارضة شديدة من قبل الكثير من الباحثين، معارضة تأبى التعامل مع الخطاب على أنه وحدة لسانية مستقلة، وإنما يتم التعامل معه كمقولة تخضع في إنتاجها وتأويلها لنفس المبادئ التداولية العامة التي تتحكم في تأويل الملفوظات.

وعليه، فقد تم، في الإطار النظري لتداولية الملاءمة (la pertinence)، تطوير تحليل لفهم الخطاب وتأويله إنطلاقا من تعريف مختزل جدا لما هو عليه.

 

 

تعريف الخطاب:

الخطاب متتالية غير اعتباطية من الملفوظات. (Berthoud, A-C. & Mondada, L : Modèles du discours en confrontation, Peter Lang, Berne, eds 2000, p.185-203.)

إن هذا التعريف يدرج الخطاب في ميدان التداولية (باعتباره ملفوظا)، ويفصله عن اللسانيات (باعتباره ليس جملة). ففي ضوء نظرية الملاءمة، يكون للمتكلم مقصدين من وراء إنتاج ملفوظه، مقصدية إخبارية Intention Informative، (مقصدية تهدف إلى إثارة قناعات المستمع)، ومقصدية تواصلية Intention Communicative، (مقصدية تهدف إلى إثارة الشراكة مع المستمع)، ومن ذلك يكون للمستمع نية الحصول على مجموع القناعات التي تمثل موضوعا لمقصدية المتكلم الإخبارية، وتقوم هذه الآلية في مجملها على فكرة أن التواصل يرتبط بشكل جدي بالقدرة على إعطاء الآخر قناعات ومقاصد، وهي القدرة التي تم وسمها في الأدب المعاصر بنظرية الذهن Théorie de l’esprit في العلوم المعرفية، وهي مقدرة داخلية ترتبط بقدراتنا اللسانية باعتبارها وسيطا تمثليا للمعنى والقصدية، كما أنها تمثل تصوراتنا للآخر (-Gloria origgi. « théories of théorie of mind »  (online) 22/01/07. at http://gloria. Uniroma3/ progetti/ kant/ field/ tom. Htm.) .

ويرتكز هذا النموذج المعتمد في تحليل الخطاب على فكرتي المقصدية الإخبارية، والمقصدية التواصلية، وكذا نظرية الذهن. بالنسبة إلينا، فإن لكل متلفظ بخطاب ما قصديتين: قصدية تواصلية شاملة، وقصدية إخبارية وكلاهما توازي الخطاب المنتج، ومن ذلك فإن مهمة المتلفظ هي أن يشكَل خطابه بشكل يسمح للمتلقي المستمع بتحديد المقصدية الإخبارية الشاملة للمتلفظ على المستوى الكلي للخطاب، وذلك من منطلق تأويل الملفوظات المتتالية؛ (بمعنى من منطلق استعادة المقصديات الإخبارية الخاصة بكل ملفوظ)، وهذه الطريقة في تشكيل الخطاب يتولد عنها مجموعة من الأوهام من حيث بنيات الخطاب المتعلقة ببعض الأنماط (أنماط الخطاب طبعا)، ومن حيث ضرورة بعض المفاهيم كمفهوم الانسجام.

 

  1. 1.   التعريف ومعايير تقطيع الوحدات الدالة:

1.1. فرضية تحليل الخطاب:

من حقنا أن نتساءل حول البحث عن الوحدات التي يعتمد عليها تحليلنا في تاويل الخطابات، خاصة بعد إقصائنا فكرة اعتبار أن الخطاب وحدة لسانية، مما يدعونا للتساؤل: عن ماهية الوحدة التي نعتمدها في التحليل؟. لقد حق لنا أن ندعم مقاربة ابستيمولوجية لمشكلة تحديد الوحدات معتمدين في ذلك على المقاربة الإختزالية Réductionnismeوالسياقية في الوقت ذاته لمشكلات الخطاب.

والاختزالية هي منهجية علمية عامة تنقسم إلى قسمين: الأول، هو تحول منهجي من حقل معرفي إلى آخر أخص وأكثر أصالة، والثاني، يرمي إلى تفسير ظاهرة معينة بالإعتماد على العناصر المكونة لها من خلال العلاقات والتفاعلات السببية بين هذه العناصر، وهذا القسم الثاني هو الذي يهمنا (المنهل، قاموس عربي فرنسي، تأليف الدكتور سهيل ادريس، دار الآداب، بيروت لبنان’ ط16، 1995، ص: 1032).

لماذا ألغينا الفرضية التي تقول بأن الخطاب يشكل وحدة؟ فيم تتمثل أولوية الفونيم والمورفيم والجملة في كونها وحدات لسانية؟ الفونيم لا يمكن اختزاله إلى عناصر مكونة لسبب بسيط هو أنه لا يتكون من عناصر لسانية، والمورفيم مكون من فونيمات، لكنه لا يقبل الاختزال إلى الفونيمات المكونة له، لأنه لا يمكن شرح معنى مورفيم ما من خلال تركيبته الفونولوجية ولا من خلال التفاعل بين عناصره الفونولوجية. أما عن الجملة فهي مركبة من مورفيمات، وتركيبتها وتأويلها متعلقان بقواعد خاصة، لا يمكن تفسيرها لا بواسطة المورفيمات ولا بواسطة تفاعل هذه المورفيمات، فماذا نقول عن الخطاب إذن؟ وما هي الحجج المدعَمة والمفندة لطبيعته كوحدة لسانية؟

أولا، لا بد من تسجيل الملاحظة التالية: إذا كان الخطاب وحدة لها استقلاليتها، كما يذهب أصحاب تحليل الخطاب، فإنه أبدا لن يكون مثل الفونيم، وهو وحدة لا تقبل التقسيم، بله يمكن أن يصبح كالجملة، وهي وحدة قابلة للتقسيم، ولكنها تحتفظ بقواعدها الخاصة والتي يتعذر شرحها من خلال تركيبتها وتفاعل عناصرها. من هذا المنطلق، فإن السؤال المطروح يكون حول طبيعة مكونات الخطاب: ما هي العناصر المكونة للخطاب والتي تقوم عليها قواعده، إن وجدت؟ وفي حال قبولنا بفكرة أن الخطاب وحدة لسانية، كما يدور في خلد محللي الخطاب، فإن ذلك يسمح لنا بالإعتقاد بأن الوحدة الوهمية التي يكونها الخطاب قد تتشكل من الوحدة اللسانية الصغرى وهي الجملة، وعليه يكون الخطاب تركيبة جملية، وفي هذه الحالة لا يصبح قابلا للإختزال إلى الجمل المكونة له، لأنه لا يمكننا، والحال هذه، أن نعمد إلى تحليل يقوم على الجمل وتفاعلاتها السببية. إننا أمام مستوى من القواعد الخاصة بالخطاب، والتي يمكن تسميتها بالتراكيب النحوية الكبرى MACRO SYNTAXE ، وعلم تراكيب الخطاب، ونظام الخطاب أو نحو النص.

الملاحظ، أننا لا نملك الشرعية في افتراض هذا المستوى من القواعد إذا كان الخطاب ليس مركبا؛ بمعنى لا يحتوي على عناصر تطبق عليها هذه القواعد المذكورة. إن فرضية وجود التراكيب النحوية الكبرى لا يصبح لها معنى إذا لم تكن مصحوبة بفرضية مماثلة لمفهوم التركيب الذي يفسح لنا المجال بتطبيق هذه القواعد بشكل واضح.

في حدود ما نعلم فإن التراكيب النحوية الكبرى لم تفلح إلى حد الآن في إيجاد قواعد خاصة بالخطاب المدروس، مما يجعل من عملية البحث في هذا المجال مستمرة، ويبرر البحث عن مقاربة جديدة تكون أكثر فعالية.

2.1.  فرضية تداولية الخطاب

في الوقت الذي ينظر فيه "تحليل الخطاب" إلى الخطاب على أنه ظاهرة لسانية، تنظر التداولية إلى الخطاب على أنه ظاهرة تداولية، وفي حين يعتبر تحليل الخطاب أن الخطاب يستجيب لمجموع القواعد الخاصة، ترى التداولية أن الخطاب يمكن أن يحلل وفقا لنفس المبادئ التداولية المطبقة على الملفوظ. فإذا كان تحليل الخطاب يرى بأن الخطاب مكون من وحدات لسانية هي الجمل، ترى التداولية بأن هذه المكونات هي وحدات تداولية تتمثل في الملفوظات (وفي هذا السياق نقدم قراءة صحيحة وواقعية لتحليل الخطاب، فكل نماذج تحليل الخطاب تعتبر أن الخطاب يتكون من وحدات خطابية وليس لسانية، وتترك موضوع العلاقة بين الوحدات اللسانية، وبخاصة الجملة، والوحدات الخطابية مبهمة. إن التمييز بين الجملة والملفوظ يعد مركزيا بالنسبة للتداولية، فإذا كانت الجملة جوهرا نظريا، يمكن تعريفها عن طريق قواعد علم التراكيب (التركيبية) الخاضعة لها، فإن الملفوظ هو الجمل التي يتلفظ بها المتكلم في مقام محدد، وهذا التعريف الأولي يقدم تمييزا مبدئيا بين الجملة والملفوظ: ففي حين تعبر الجملة على ما لا نهاية من الملفوظات، فإن الملفوظ يبقى رهينا بظروف إنتاجه؛ بمعنى آخر فإنه بإمكان شخصين مختلفين أن ينطقا بالجملة نفسها، ولكن ليس باستطاعتهما إنتاج الملفوظ نفسه، مما يعني أن هناك نوعا من استقلالية علم التراكيب Autonomie de la syntaxe ، وهذا التمييز الأولي بين الجملة والملفوظ يسمح بإدخال عناصر مفرداتية Items lexicaux  في ميدان التداولية، وهي عناصر غير قابلة لترجمتها على المستوى اللساني (غير قابلة للكتابة)، مثل مقامات الحال Indexicaux (وهي كل الحالات السابقة والمصاحبة واللاحقة لعملية التعبير الكلامي، كالمؤشرات غير الشفوية وشبه الشفوية)، وهذا المثال يقدم دلالات مختلفة تبعا لظروف إنتاجه:

أ. أنا هنا الآن.

ب. أين أكون غدا للقول بأنه كان غدا. 

إننا أمام مبرر آخر للتمييز بين الجملة والملفوظ: فمقامات الحال، التي تستدعي المعطيات غير-اللسانية للتعبير عنها تحتاج أيضا إلى المعطيات المعجمية (المضمون مرتبط معجميا بمقامات الحال)، وهناك العديد من الأمثلة التي تسمح بإبراز الهوة بين التأويل اللساني الفعلي للجملة السابقة والتأويل التداولي الكامل لملفوظ ما، هذا التأويل الذي لا يمكن أن يتم بواسطة معيار قياسي أو بالرجوع إلى ظروف الإنتاج فقط، ولنلاحظ هذا المثال:

أ‌.      الأب يقول لابنه: "إذهب واغسل أسنانك".

ب‌.   الابن: "لم يغلبني النعاس بعد".

فلكي يتسنى للأب فهم جواب ابنه بشكل صحيح بأنه لم يستجب للطلب، فإن عليه أن يأخذ بعين الاعتبار بأن الإبن يدرك تماما أن المقصود من وراء غسل الأسنان هو الذهاب إلى النوم، وأنه لا يرغب في النوم في ذلك الوقت، حينها تكون هذه المعطيات هي المرجعية التي تسمح للوالد بالفهم الكامل بأن ابنه يرفض الطلب.

وما دمنا نقر بأن الملفوظ هو الوحدة التداولية، فكيف يمكننا تبرير ذلك؟ وإذا كان الأمر كذلك فما هو نمط هذا الملفوظ؟ هل هو وحدة غير قابلة للتقسيم مثلها مثل الفونيم، أم هو وحدة مركبة لها قواعدها الخاصة تماما كالجملة؟ الجواب أن الملفوظ لا يقبل التقسيم وهو خاضع لقواعده الخاصة (بمعنى أدق، هذه القواعد ليست قواعد لسانية، ولكنها مبادئ معرفية عامة مساوية لمعظم المدارج المعرفية ذات المستوى العالي، إن لم نقل كلها) التي تنظم إنتاجه وفهمه، إنها القواعد التي تسمح، من خلال الدلالة اللسانية للجملة السابقة، أن تصل إلى الفهم الكامل للملفوظ.

وعليه، يمكن القول بأن الخطاب ليس وحدة لسانية ولا وحدة تداولية، ولكنه تركيبة من الوحدات التداولية. قد يعترض البعض متسائلا عن عدم تقطيع الخطاب إلى ملفوظات، إلا أن هذا الاعتراض غير مؤسس: فإذا كانت الملفوظات تتوافق مع التلفظ بالجمل النحوية، فإن تقطيع الخطاب يقوم على قواعد علم التراكيب المنظمة لتشكيل الجمل. كما يمكن أن نلقى اعتراضا جديدا حول التمييز بين علم التراكيب الشفوية وعلم التراكيب الكتابية وهو تمييز قديم، والذين يتشبثون بوجود علم تراكيب خاص بالخطاب الشفوي وله قواعده، عليهم أن يلتفتوا إلى أنه لا بد من وضع حدود للوحدات المدروسة كما هو الشأن بالنسبة لعلم تراكيب الخطاب المكتوب، بالرغم من الاختلاف بينهما، وعليه نستطيع القول أن هذه الوحدات تعد خطابات لا جملا.

3.1. إدماج مستويات التحليل المختلفة:

• الخيار السياقي:

إن الخيار الوحيد والممكن في تحليل الخطاب هو هذه التركيبة المرتبطة بفرضية تراكيب الخطاب المنظمة لهذه التركيبة (أو بمعنى آخر المنظمة لما يمكن أن نسميه "البنى" الخطابية). ففي تداولية الخطاب، لا يمكن الاستغناء عن هذه التركيبة ولا عن تراكيب الخطاب، فالمشكلة ليست في التفسير أو البرهنة على كون الخطاب وحدة لسانية مستقلة، وإنما في توضيح كيف أننا نتوصل إلى فهم الخطابات بالاعتماد على المبادئ التداولية المختلفة التي تنظم فهمنا للملفوظات، ونحن نلح دوما على أن فهمنا للخطابات يتم بواسطة المبادئ التداولية نفسها التي يتم بها تفسيرنا وفهمنا للملفوظات التي تصفها نظرية الملاءمة، وهي المبادئ التي نؤكد على أنها تختص بالسياق. (أنظر)،    

Sperber, D , & Wilson, D, Relevance, Communication and Cognition, Oxford, Basil Blackwell, 2° édition, 1995 .  Moeschler, J, & Reboul, A , Dictionnaire encyclopédique de la pragmatique, Paris, Le Seuil, 1994. Reboul, A, & Moeschler, J , Le  dialogue n’est pas un catégorie naturelle scientifiquement pertinente, Cahier de Linguistique Française 17, 229-248, 1995.)                                     

 

مما سبق، كيف لنا أن نمر من التأويلات المتعاقبة للملفوظات المشكَلة للخطاب إلى تأويل هذا الخطاب؟ وكيف نمر من القصدية الإخبارية الجوانية، إلى القصدية الإخبارية الشاملة؟ للإجابة عن هذين السؤالين، هناك فرضيتان ممكنتان:

أ‌. إن مسار تأويل الخطاب هو سيرورة عقلية بامتياز، ينضاف إليها التأويلات المتتالية للملفوظات، ومجموع هذه التأويلات يشكل تأويلا نهائيا للخطاب ذاته (أنظر)،  

Heim, I. The Semantics of Definite Noun Phrases, Ph D, dissertation, University of Massachussets, Amherst Publiée en 1989 par Garland Press, New York, p. 185./ Kamp, H. & Reyle, U. From Discours to Logic, Introduction to Modeltheoretic Semantics of natural Language, Formal Logic and Discours Representation Theory, Dordrecht, Kluwer, p. 102)

ب‌. أن سيرورة تأويل الخطاب ليست عملية عقلية فقط، بل إنها تراهن على سيرورات استدلالية وترتكز بقوة على نظرية الذهن، وبخاصة على قدرة المستمع المتلقي بإيجاد فرضيات مسبقة تكون مرجعيتها القصدية الإخبارية الشاملة للمتكلم (والتحليل نفسه ينطبق على المحادثة. (أنظر)،

  Reboul, A, & Moeschler, J, La pragmatique aujourd’hui, Une nouvelle science de la communication, Paris, Le Seuil, 1998, p. 113.)

  1. 2.   العائدية الخطابية  anaphore: مرجعية أم مرجعيات؟   

لم تلق العائدية الخطابية اهتماما من قبل أغلب اللسانيين، حرصاً على انسجام توجهاتهم النظرية، لأن مجالها الخطاب لا الجملة.

إن الجهاز الوصفي لنحو الجملة لا يقوى على رصد بعض الظواهر كالعائدية، حيث العلاقة بين مفسر الضمير والعائد على مسافة بعيدة، ومن ثم  يعسُر رصدها بشكل مُرض، كما يعجز عن الإحاطة بـ "العائدية الحرة"، التي تستدعي إعمال وسيط مقامي.

إن العائدية ظاهرة نصية، يجب أن توصف في إطار وحدة تكبر الجملة لأنها تمكِّن بعض الوحدات المعجمية من الاستمرار داخل الخطاب.

غير أن طرق استمرارها تتخذ أشكالاً متباينة كتكرار وحدات معجمية كما هي أو استبدال بعضها ببعض، ينوب منابها، أو طي عنصر (مفسر الضمير)  بناءً على الخلفية المعرفية المشتركة بين المتكلم والمخاطب، ومن هنا نسجل صعوبة تتبع هذه الظاهرة من المنظور الإحالي الذي يتجاوز المرجعية اللسانية الظاهرة، إلى تعدد المرجعيات مما يزيد الأمر تعقيدا. 

لقد أشرنا في الكثير من المناسبات إلى بعض الفرضيات المعرفية من نوع الذاكرة الخطابية أو التمثلات الذهنية؛ والذاكرة الخطابية، هي ذاكرة تختص بالخطاب، كما تختص بالمرجعيات الخطابية، وإن لم تقرها التجربة، وفي المقابل نظن أن فكرة التمثلات الذهنية مفيدة للغاية، شريطة تحديد محتواها، فينتج لدينا نظرية التمثلات الذهنية.

إن الفكرة الأساسية لنظرية التمثلات الذهنية، تكمن في أن المرجعية لا تكون على مستوى اللغة أو الخطاب فقط، ولكنها نظام معقد من تمثلات المرجع بواسطة الذهن، وعليه يمكننا قبول النظرية على أنها مفاهيم خاصة؛ بمعنى أنها ليست مفاهيم تسمح فقط بالتأكيد ما إذا كان موضوع ما ينتمي إلى تصنيف مطابق لهذه المفاهيم، ولكنها تسعى إلى التعريف بموضوع ما على أنه موضوع مطابق للتمثلات الذهنية المقصودة، ومن هذا المنطلق، فإن هذه التمثلات الذهنية تقوم على جمع وحوصلة المعلومات المتوفرة حول الموضوع، وإن كان بعضها ليست بالمعلومات لسانية.

فرضيتنا، إذن، هي تمثل ذهني يحتوي على المداخل والحقول التالية:

  1. عنوان أو بطاقة، خاصة بالتمثل الذهني المقصود والتي تسمح بمعرفته.
  2. مدخل منطقي يشير إلى العلاقات المنطقية بين تمثل ذهني وتمثلات ذهنية أخرى.
  3. مدخل موسوعي يجمع في الوقت نفسه:

1.3 . معلومات محصلة تلقائيا من التصنيف الذي ينبثق عنه الموضوع المطابق؛

2.3. معلومات تخص الموضوع المطابق؛

4. مدخل بصري visuel يحتوى على:

1.4. صورة محصلة تلقائيا من التصنيف الذي ينبثق عنه الموضوع المطابق؛

2.4. خلفية التغيرات الشكلية البصرية للموضوع؛

5. مدخل مكاني يشير إلى:

1.5. التوجهات الجوهرية للموضوع المطابق، إن وجدت؛

2.5. العلاقات المكانية المحتملة التي يقيمها الموضوع المطابق بمواضيع أخرى في فضاء معين وتاريخية هذا الانتقال المحتمل؛

6. مدخل معجمي يشير إلى المقاطع اللسانية المستخدمة للإحالة إلى الموضوع المطابق، وإلى المقاطع التي يمكن أن تحيل بواسطة الاشتقاق الصرفي؛

 

وتخضع هذه التمثلات الذهنية إلى بعض العمليات:

أ‌.      الإبداع الذي يسمح بتشكيل تمثل ذهني جديد انطلاقا من المفهوم المطابق للتصنيف الذي ينبثق عنه الموضوع؛

ب‌.  التعديل الذي يسمح بإضافة معلومات جديدة أو بتغيير معلومات قديمة؛

ت‌.   التداخل الذي يفرض نفسه أثناء الملاحظة من أن تمثلين ذهنيين مطابقين لذات الموضوع، فيتخذهما كمدخل واحد دون إهمال لأية معلومة؛

ث‌.   النسخ، مثلما هو الأمر عندما نقوم بتصوير وثيقة لتشكيل تمثل ذهني ثان انطلاقا من الوثيقة الأولى؛

ج‌.    التجميع؛

ح‌.    الاستخلاص؛

فكل هذه العمليات قد تنتج من خلال معطيات مكانية أو بصرية، كما قد تنتج من خلال المعطيات اللسانية، إلى هنا فالعمليات الأكثر نفعا هما التجميع والاستخلاص، وبخاصة في التعامل مع المثنى أو الجمع، ومثال ذلك:

6. أ. يدخل رجل وامرأة، فيأخذان لهما مكانا في الغرفة.

   ب. سليم يملك تسعة كريات، يرمي بها أرضا، فلم يجد منها إلا ثمانية، والتاسعة تدحرجت تحت السرير.

سينصب اهتمامنا في هذين المثالين على العبارتين المرجع (رجل وامرأة، تسع كريات)، ففي المثال (أ) الرجل والمرأة يشكلان ثنائيا لشخصين نعلم أنهما مختلفان، ونعلم عن طبيعة اختلافهما، ويمكن لنا أن نميز بينهما، وفي المثال (ب)، الكريات التسعة تشكل مجموعة نعلم أن عناصرها مختلفة، ولكننا لا نعلم عن طبيعة الاختلاف بينها، وليس بمقدورنا التمييز بينها. فإمكانية التمييز في المثالين السابقين هي حتما مبررة لدينا، عن طريق الجمع في الحالة الأولى والاستخلاص في الحالة الثانية.

بالنسبة للمثال (أ)، يكون الإجراء التالي: نقوم بتمثل ذهني للرجل (@الرجل)، وتمثل ذهني للمرأة (@امرأة)؛ فواو العطف أدت وظيفة التجميع التي تتخذ التمثلين الذهنيين (@الرجل) و(@امرأة) مدخلا لتشكيل تمثل ذهني جديد [@الرجل& @امرأة]. وهذا التمثل الذهني الجديد يربط مع التمثلين الذهنيين علاقة منطقية، وهي علاقة التجزيء partition التي تظهر في المدخل المنطقي للتمثل الذهني الجديد وكذا في التمثلين الذهنيين.

أما عن الاستخلاص، ففي المثال (ب)، من المستحيل التمييز بين الكريات، فمجموع الكريات التسعة لا يمكن أن تأخذ إلا تمثلا ذهنيا واحدا (@كريات)، لكن في جملة (لم يجد منها إلا ثمانية) تمكننا من التمييز بين الكريات التي وجدت والكرية الضائعة، ومن ذلك يمكننا أن نأتي إلى عملية الاستخلاص من منطلق التمثل الذهني (@كريات) الذي يعطينا تمثلين ذهنيين جديدين، (@8كريات) بالنسبة للكريات التي وجدت، و(@1كرية) الكرية الضائعة.

إذن، يستند التجميع والاستخلاص على عملية كلية موحدة، وهي التجزيء الذي يتميز بالخصائص التالية:

-        أنه يتحدد من خلالها مجموعات فرعية داخل المجموعة؛

-        أن هذه المجموعات الفرعية ليست متقاطعة؛

-        المجموعة الخالية ليست نتاج التجزيء؛

وعليه، نلاحظ أنه بإمكان التمثل الذهني الواحد أن يشكل موضوعا لمجموعة من عمليات التجميع والتجزيء المختلفة.

3. العبارات الدالة على المرجعية الزمنية:

نأتي الآن إلى الكلام عن ظاهرة لها أهميتها، من منظور مسلمة تداولية الخطاب، وهي ظاهرة المرجعية الزمنية وعلاماتها، والتي من خلالها يمكننا الوقوف على التمايز الموجودة بين تحليل الخطاب وتداولية الخطاب.

في مجال تحليل الخطاب، نجد أن العبارات الدالة على الزمن أو زمن الفعل ليس لها وظيفة مرجعية، بل مرجعيتها خطابية أو نصية؛ إنها تشير إلى نوعية النص، عوض تعيين المقام، وبناء عليه، يمكن إبداء ملاحظتين الأولى سلبية والثانية إيجابية:

  1. أما الملاحظة السلبية، فهي أنه منذ فترة طويلة، لم نلحظ أي تقدم حول دراسة الزمن في اللغة أو الخطاب بالمفهوم النصي، والمفارقة التي نقف عندها، هي أنه منذ الملاحظات الدقيقة والمعقدة التي قدمها النحو القديم، فإن الوصف الذي قام به محللوا الخطاب لا يمثل شيئا.
  2.  أما الملاحظة الإيجابية، فهي ظهور نظريات جديدة في تحليل الخطاب، أعادت النظر في الكثير من القضايا التي عجز علم الدلالة الشكلاني الكلاسيكي عن تفسيرها تفسيرا علميا دقيقا حتى على مستوى الجملة، ومنها موضوع الإحالية الخطابية، والزمن في الفعل، بالإضافة إلى بعض نماذج الدلالة الشكلية للخطاب.

بداية، لا أريد أن أتكلم عن المقاربات الدلالية للخطاب، لأنها ليست على نفس القدر من الأهمية، كما أنها لا تعبر عن المتطلبات الحقيقية لتداولية الخطاب، وفي المقابل أود أن أشير إلى كيفية تعامل تداولية الخطاب مع المرجعية الزمنية داخل الملفوظات، وكيف يمكن لهذه المقاربة أن تتضافر مع نظرية التمثلات الذهنية المذكورة.

ننطلق من المعاينة البسيطة، وهي أنه مجمل تحليلات الخطاب أو أغلبها (باستثناء أعمال لابوف التأسيسية 1978)، قد تناست أو تجاهلت التسلسل الزمني للأحداث داخل العمل السردي، وكذا تتابع الملفوظات التي تحترم تتابع الأحداث، بدعوى أن كل عمل قصصي، بالمفهوم العادي،  لا يحترم هذا التسلسل بشكل كامل: في بعض القصص تكون الأحداث متتابعة،  وفق علاقات تراتبية، ومتداخلة في بعض الأحيان، حيث يكون الحدث متضمنا في الآخر، والحدث يغطي الآخر، كما قد تكون مجهولة الزمن.

إن العلاقة بين الأحداث في الخطاب، والتي نسميها الاستدلال الموجه (استدلال إلى الأمام واستدلال إلى الوراء)، هي علاقة ناتجة عن ترتيب المعلومات المفهومية والإجرائية والسياقية، فالمعلومات المفهومية تمنحنا إياها مفاهيم ذات مداخل معجمية مطابقة للخبر وأسماء الأفعال، أما المعلومات الإجرائية فهي التي نستشفها من خلال زمن الأفعال وأدوات الوصل، وأخيرا المعلومات السياقية المتمثلة في الأفكار والقناعات والقيم السياقية المألوفة في المحيط المعرفي للمتلقي. ويمكن معالجة المعلومة الزمنية كالآتي:

  1. إن المعلومة الإجرائية أقوى من المعلومة المفهومية، فبين العلاقات السببية للخبر، والمعلومات الإجرائية التي يقدمها زمن الأفعال، نجد أن الغلبة لهذه الأخيرة، ويظهر لنا ذلك من خلال القراءة الزمنية للمثال التالي:
  1. إن المعلومة الإجرائية الافتراضية تهيمن على نظيرتها الصرفية، وذلك في حال تدخل عنصر رابط مقابل زمن الفعل، على سبيل المثال، فإن الهيمنة تكون للعنصر الرابط، وهو ما يتبين من خلال القراءة غير الزمنية للمثال:

3. إن المعلومة السياقية دائما أقوى من المعلومة الإجرائية وكذا المعلومة المفهومية، فإذا كان واضحا لكل من المتكلم والمستمع معا بأنه "إذا قام الأخ بدفع أخيه، فإنه سيسقط"، فإن القارئ يستنبط بشكل غريب ومن خلال القراءة الأمامية، وذلك خلافا لما يتوقع فهمه من خلال معنى (لأن) التوكيدية:

الخلاصة:

ختاما لما سبق، فإنه يتبدى لنا بأن مستقبل تداولية الخطاب يقتضي التنسيق بين نموذج الاستدلال التوجيهي والتمثلات الذهنية في سبيل بناء نظرية التمثلات الذهنية، مع العلم أن هذه الأخيرة لا زالت في طور التأسيس للتوصل إلى وضع نموذج مابعد-التمثلات méta-représentationsالتي تقترحها نظرية الذهن، وعليه، فإنه يبدو لنا بأن برنامج البحث الجديد الذي ترمي إليه تداولية الخطاب، هو برنامج مستقبلي يسمح، في السنوات القادمة، بتقديم نموذج مجسد ومرض لمسار تأويل الخطاب.

 

ملاحظة: اعتمدت هذه المداخلة على كل من     Reboul et moecshler في كتابهما:

 

ببليوغرافيا

 

 

- Asher, N. (1993). Reference to Abstract Objects in Discourse, Dordrecht, Kluwer.

- Carruthers, P. & Smith, P.K. (eds) (1996). Theories of Theories of Mind, Cambridge, Cambridge University Press.

- Chierchia, G. (1995). Dynamics of Meaning. Anaphora, Presupposition and the Theory of

- Grammar, Chicago, The University of Chicago Press.

- Davies, M. & Stone, T. (eds) (1995a). Folk Psychology. The Theory of Mind Debate, Oxford, Basil Blackwell.

- Davies, M. & Stone, T. (eds) (1995b). Mental Simulation. Evaluations and Applications, Oxford, Basil Blackwell.

- Frith, C.D. (1996). Neuropsychologie cognitive de la schizophrénie, Paris, Presses Universitaires de France.

- Heim, I. (1982). The Semantics of Definite and Indefinite Noun Phrases, Ph D. dissertation,

- University of Massachussets, Amherst. Publiée en 1989 par Garland Press, New York.

- Kamp, H. & Reyle, U. (1993). From Discourse to Logic. Introduction to Modeltheoretic

- Semantics of Natural Language, Formal Logic and Discourse Representation Theory,

- Dordrecht, Kluwer.

- Labov W. (1978), “!La transformation du vécu à travers la syntaxe narrative!”, in Le

- parler ordinaire. La langue dans les ghettos noirs des États-Unis, Paris, Minuit, 289-335.

- in Berthoud, A-C. & Mondada, L. (eds) (2000)!: Modèles du discours enconfrontation, Berne, Peter Lang, 185-203

- Reboul & Moeschler Lausanne, 12-14 novembre 1998

- 2

- 5

-      Laenzlinger, Ch. (1998). «!Les outils TALN du LATL sur Internet!», Langues 1.

-      Lopez, P. (en préparation).

-      Luscher J-M. (1998a), “!Procédure et interprétation du Passé Composé!”, in Moeschler

-      J. et al., Le temps des événements, chapitre 8, Paris, Kimé, 181-196.

-      Luscher J-M. (1998b), Éléments d’une pragmatique procédurale. Le rôle des marques

-      linguistiques dans l’interprétation, Thèse de doctorat, Université de Genève, en préparation.

-      Milner, J-C. (1982)!: Ordres et raisons de langue, Paris, Le Seuil.

-      Milner, J-C. (1989). Introduction à une science du langage, Paris, Le Seuil.

-      Moeschler J. (1998a), “!Le temps dans la langue!: de la grammaire à la pragmatique!”,

-      Langues 1, John Libbey Eurotext.

-      Moeschler J. (1998b), “!Linguistique et pragmatique cognitive. L’exemple de la référence

-      temporelle!”, Le Gré des langues 15, Paris, L’Harmattan.

-      Moeschler J. et al. (1998), Le temps des événements. Pragmatique de la référence temporelle,

-      Paris, Kimé.

-      Moeschler, J. & Reboul, A. (1994). Dictionnaire encyclopédique de pragmatique, Paris, Le

-      Seuil.

-      Reboul, A. (1992). Rhétorique et stylistique de la fiction, Nancy, Presses Universitaires de

-      Nancy.

-      Reboul, A., à paraître, «!Reference, evolving reference and the theory of mental

-      representations!», in Coene, M., De Mulder, W., Dendale, P., D’Hulst, Y. &

-      Vetters, C. (eds), Hommages à Liliane Tasmowski-De Ryjck, Padoue, Unipress.

-      Reboul, A. et al.,1997, Le projet CERVICAL: Représentations mentales, référence aux objets

-      et aux événements, Publication électronique, disponible sous

-      http://www.loria.fr/~reboul/.

-      Reboul, A. & Moeschler, J. (1995). «!Le dialogue n’est pas une catégorie naturelle

-      scientifiquement pertinente!», Cahiers de Linguistique Française 17, 229-248.

-      Reboul, A. & Moeschler, J. (1998a). La pragmatique aujourd’hui. Une nouvelle science de la

-      communication, Paris, Le Seuil.

-      Reboul, A. & Moeschler, J. (1998b). Pragmatique du discours. De l’interprétation de

-      l’énoncé à l’interprétation du discours, Paris, Armand Collin.

-      in Berthoud, A-C. & Mondada, L. (eds) (2000)!: Modèles du discours enconfrontation, Berne, Peter Lang, 185-203

-      2

-      6

-      Saussure L. de (1998), Procédure d’interprétation temporelle, Projet CERVICAL, Nancy,

-      LORIA-CNRS.

-      Saussure L. de (en préparation), Pragmatique temporelle des énoncés négatifs, Université

-      de Genève, Thèse de doctorat.

-      Sperber, D. & Wilson, D. (1995). Relevance. Communication and Cognition, Oxford, Basil

-      Blackwell. 2° édition.

-      Sthioul B. (à paraître), “!Le passé composé!: une approche instructionnelle!”, Cahiers

-      Chronos 4, Amsterdam, Rodopi.

-      Tasmowski-De Ryck, L. & S.P. Verluyten (1982). Linguistic control of pronouns.

-      Journal of semantics 1.4: 323-346.

-      Tasmowski, L. & S.P. Verluyten (1985). Control mechanisms of anaphora. Journal of

-      semantics 4.4: 341-370.

-      Ter Meulen A. (1995), Representing Time in Natural Language, Cambridge (Mass.), MIT Press.

-      Vetters C. (1996), Temps, aspect, narration, Amsterdam, Rodopi.

-      Weinrich, H. (1973), Le temps. Le récit et le commentaire, Paris, Seuil.

 

                                                                Télécharger l'article