في تلقي المصطلح النقدي الإجرائي

ترجمية Paratexte  على ضوء كتاب دومنيك مانقونو"المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب"

أ/ لعموري زاوي

                                                                      – الجزائر

- بسط منهجي:

لعل سؤال البدء يبدو محرجا، إذ لا يدع القارئ يتعتب مسالك البنية الدلاليــة العميقة للنص الأدبي دون أن يستوقفه عند خطاب العتبات، فيقف القارئ المتلقـي إزاء النص حسيرا، بين أن يتصفح العمل الإبداعي بشكل مباشر، مكبا على متنه، غير مكترث بحواشيه ومصاحباته من العلامات المؤطرة لـــه، ودون أن يلتزم بأدبيات القراءة أو يحترم خطواتها المنهجية والإجرائية، ليرتحل سريعا إلى أغوار النص، متعجلا إياه في الإدلاء بدلالاته، واستفراغ كوامنه وطاقاته قبل أن يفضـي إلى مدخلاته ومغاراته، وبين أن يتريث ويتمهل قبل الإقدام على المغامرة بكــل حدودها.

من هنا انبعث الاهتمام بضرورة البحث عن السرادقات والبوابات المحكمـــة للنص، بقصد استفتاح مغاليقها واستجلاء مكنوناتها، فعنــوان النـص مثلا صنو دلالاته وهو المكثف لها، والعنوان الفرعي قسيم العنوان الأساس والمترجم لــه،  والعناوين الداخلية هي المشكلة لحلقة انتظام النص في دلالاته، والتي بدونــها قد ينفرط عقده، وكذلك هي جل العلامات المسيجة للمتــن الأدبي(النص) لا يمكننا إغفال أهميتها ونجاعتها التداولية في وصل النص بقرائه.

  أمام هذا النزوع المعرفي، والشغف الدلالي بالنص في كل جوانبه وحيثياته اتجه النقد الحداثي إلى مساءلة جملة من النصوص المقتضبة التي يمكن أن تعضد نصية المتن، وتشد من أزر دلالاته ومقتضياته، فكان ذلك سببا لبروز اشتغال نقدي جديد عني بخطاب العتبات، وهو ما عرف في الاصطلاح الفرنسـي بـ"Paratexte "، وكان أكثر من تناوله بتحليلاته واجتهاداته هو الناقد الفرنسي Gérard Genette من خلال أعماله ومؤلفاته لاسيما كتاباه (Seuils) أو عتبات، و(Palimpsestes) أو تطريسات، بحيث يدرجه كما يظهر من كتابه الثاني في المرتبة الثانية ضمن ما أسماه بالمتعاليات النصية في إطار مراجعته لمقولة الشعرية.1

  على أن المصطلح ومنذ أن نظر له جنيت، ونزله في مقولاته، بعــد أن بسط مفهومه، وبين تمفصلاته الإجرائية ما يزال يتأرجح اصطـــلاحا عند الإشتغال النقدي حال ترجمته وتلقيه في المنظومة النقدية العربية، فلا يقر له قرار، وهو في ذلك يتخلق تسمية ليستبقي معه سجال المصطلح والمفهوم.

1- Paratexte/سجال المصطلح والمفهوم:

إن ثمة سجالا مستمرا لا يمكن الحد من شطحه، أو إيقاف مده وجزره، ومادامت الألفاظ سليمة فلا مشاحة، فتلك علة استمرار السجال وامتداده، ولكن ماذا عــن التضارب الذي قد يربك القارئ الحديث العهد بهذا التوجه النقدي وبهذا النوع من المصطلحات الوافدة.

قد يتفق كثير من النقاد والدارسين والمشتغلين في مجال تحليل الخطاب علــى المفهوم كاستراتيجية قرائية، خاصة إذا كان المصطلح يحيل إلى إجراء نقــدي، ولكن مبعث الخلاف يتأتى عند البحث عن التسمية أو المقابل الترجمـــي الذي يستوعب المفهوم في حركته التحليلية، فتباين التسمية سينحرف بنا من الاصطلاح إلى الاصطراع ليخلص بنا إلى إحراج المفهوم.

إن للمصطلح الفرنسي Paratexte ترجمات عديدة يمكن الكشف عنها في كتب ومقالات نقاد معاصرين، وجهوا اهتمامهم لنمط من النصوص قد لا يعبأ بأهميتها، فمن المقابلات التي صيغت له نجـــد ( عتبات النص، النصوص المصاحبـة، المكملات، النصوص الموازيــة، سياجات النص، المحيط النصي، المناص...)، "وهي أسماء عديدة لحقل معرفي واحد أخذ يسترعي اهتمام الباحثين والدارسين في غمرة الثورة النصية التي تعتبر إحدى أهم سمات تحولات الخطاب الأدبي بشكـل! خاص، والخطابات المعرفية التي تقتسم معه إشكاليات القراءة والتفاعل والإقنـاع والتواصل بشكل عام"2.

إن الوقوف على هذه الترجمات المتباينة المقابلة لمصطلح Paratexte سيكـون على ضوء الترجمة التي طالعنا بها الدكتور محمد يحياتن مــن خلال تصديـه لترجمة كتاب دومنيك مانقونو "المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب" لننفتح على هديها لاستقراء الترجمات الأخرى للمصطلح، ونستوضح وجه العلاقـة والتقار! ب بين هذه الترجمات، ولكن قبل الإفضاء إلى ذلك والوصول إلى الترجمة الدقيقـة، الأقرب منالا والأحكم تداولا، لابد من رصد المصطلح مفهوما في بيئته ومساراته من خلال البحث عن تحصيل حده في الوعي النقدي الغربي اعتمادا على المنظور الجينيتي الذي اقترن به المصطلح فهما وإفهاما.

أ- المصطلح في الوعي النقدي الغربي:

ارتبط مصطلح Paratexte بالناقد الفرنسي جيرار جينيت، فهــو الذي عرفه وضبط مفهومه، بعد أن راجع تصوراته لمقولة الشعرية سنة 1982 في كتابــه Palimpsestes "تطريسات"، الذي تجاوز فيه معمارية النص كمجموعـــة من المقولات العامة في أنماط الخطاب والصيغ القولية والأجناس الأدبية، ليتحــول موضوع الشعرية عنده إلى جملة من المتعاليات النصية، تنضوي ضمنها خمسـة أنماط، من بينها هذا المصطلح الذي نتحدث عنه، فضـلا عن التناص، الميتانص، النص اللاحق، والنص الجامع. 

في كتاب Seuils  يبسط جينيت للدارسين تعريفا دقيقا للمصطلح يلخصــه في جمل مقتضبة، قبل أن يورد طائفة من الخطابات التي يعنى بها، إذ "هو ما يصنع به النص من نفسه كتابا، ويقترح ذاته بهذه الصفة على قرائه، وعمـــوما على الجمهور، أي ما يحيط بالكتاب من سياج أولي وعتبات بصرية ولغوية"3.

فالمصطلح وفق هذا التصور الذي يستعرضه جينيت يمكن أن يتجسد مفهوما في اجتماع وتضافر عدد من النصوص المقتضبة المسيجة لبنية النص الأصل(المتن)، مصاحبة له مكملة لمعناه، وهو ما جعل مصطلحات مثل مصاحبات النـــص، المكملات، فضلا عن مصطلح عتبات، وغيرها تطفوا على الأفق الترجمي النقدي، وقبل أن نقف عند هذه الترجمات ونطارحها بغيرها، نبقى في حدود تبيان الوظيفة التي يضطلع بها المصطلح في مفهومه، ويشتغل من خلالها في صورته كإجراء. 

ومن ثم يمكن أن نعده جماع نصوص وعلامات مقتضبة تشتغل وتتعاضد لنصرة النص الأساس، دائرة في فلكه مفسرة لمعانيه ودلالاته، "لأنه دراســـة للعتبات المحيطة بالنص، ويقصد بهذه العتبات المداخل التي تجعل المتلقي يمسك بالخيوط الأولية والأساسية للعمل المعروض، وهو أيضا البهو vestibule بتعبير لــوي بورخيس، الذي منه ندلف إلى دهاليز نتحاور فيها مع المؤلف الحقيقـي والمتخيل داخل فضاء تكون إضاءته خافتة، والحوار قائم في شكليه العمودي ! والأفقي حـول النص، ومكوناته المتعددة التي نربط من خلالها مع المحكي علاقات عدة"4، كـل هذه النصوص تستمد قيمتها من اتصالها بالمتــن المدروس، ومن بينيتها، "بين الداخل(النص) والخارج(خطاب العالم عن النص)، أو هي بتعبير فيليب لوجــون هوامش النص المطبوعة التي تشرط القراءة برمتها"5.

وعليه يضم مصطلح Paratexte في مفهومــه جملة مــن النصـــوص وهي :"العنوان، العناوين الفرعية، العناوين الداخلية، المقدمات، الذيول، الصـور، وكلمات الناشر، بالإضافة إلى الملاحظات التي يشير إليــها الكاتب، والتوجيهات الهامشية"6

من بين التعريفات التي صيغت للمصطلح فضلا عن التأصيل المنهجــي الذي خصه به جينيت، نجد تعريفا أورده جون ديبوا في معجمه اللساني يستوضـح فيه امتداده وتشعب مسالكه التحليلية، فيقول: "نسمـي Paratexte (نصا موازيا) ذلك المجموع من النصوص التي تكون على العموم مقتضبة ومصاحبة للنص الأصلي،

-ففي حالة كتاب ما: يمكن (للنص الموازي) أن يتكون من صفحة العنـــوان، التمهيد، التوطئة، الاستهلال أو المقدمة، ومن الصفحة الرابعة للغلاف، ومـــن مؤشرات مختلفة...

- في حالة مقال ما: يظهر (النص الموازي) في الملخص، وفي النقاط والفهـرس

- في حالة مسرحيــة ما: نجــد(النص الموازي) متمظــهرا في قائمــة الشخصيات(الممثلين) والتوجيهات المشهدية، ووصف الديكور، تأثيث الركــح، والفضاء السينوغرافي.."7.

من هنا نستدل على تطور المصطلح في مفهومه، واتساع قائمة اهتماماته تساوقا مع نمط النصوص الأدبية، وتنوعها ألأجناسي الذي يجعل النصوص القابلة للتحليل غير مضبوطة بصفة نهائية، فمن النص الشعري إلى النص الروائي، ومن النص الدرامي إلى النص البصري تظل النصوص الموازية متشعبة ومتعددة. 

إذن يظهر من العتبات التي عني بها المصطلح مفهوما أن ثمــــة جملة من النصيات يمكن إخضاعها للتحليل، وأن الوقوف على دلالاتها يحتاج إلى كشــف صلاتها الواحدة بالأخرى، من خلال موضعتها منهجيا وإجرائيا لاستبانة علاقاتها بالمتن الدروس، وهو ما جعل جينيت يتحدث عن قطبي مصطلــح Paratexte ونعني بهما péritexte و epitexte، وهما مصطلحان تابعان يدرج في كل منهما عدد من النصوص الموازية يمكن مراعاتها بحسب درجة أهميتـها وقربـــها من المتن.

1- المصطلح في قطبيه:

  ولد مع مصطلح Paratexte مصطلحان تابعان يحددان آلية اشتغالـــه ضمن الإجرائيات التحليلية، قصد ضبط مجال اهتمامه، وحدود استغراقه من خلال تعيين النصوص التي يطالها، فهناك مصطلح péritexte، ومصطلح épitexte، وهـما ركنا مصطلح Paratexte، اللذين يستظهـــران نهج المقاربة والتحليل، ولأن المصطلح الأصل يندرج ضمن المصطلحات المفاتيح، كونه مصطلحا إجرائيا فإن على الترجمة التي ت! تصدى للمصطلحين اللاحقين أن توجد وشيجة دلاليـة تجعلهما متناصرين لا شارد ين، رغم ما لكل منهما من وظيفة مستقلة، لأن الاختلاف كامن في نوع النصوص التي يطالها التحليل، مـن حيث درجة اتصالها بالمتن قربا أو تباعدا، ثم إن ثمة تمفصلا آخر يتعلق بجزئية ترتـــد إلى المؤلف، وأخرى إلى الناشر، وهو ما سنقف عليه، ثم نعرج إلى استقراء وتتبع بعض الصيغ الترجميـة المختلفة في تناول المصطلحين.

1-أ- النص المحيط péritexte:

يتحدث جينيت عن النص المحيط فيحيل القارئ إلى جملة من التقنيات الطباعية المستندة إلى تلك العلاقة التعاقدية بين المؤلف والناشر، فيغدو النص المحيـــط "ما يتضمنه فضاء النص، أو كل الحقل الفضائي من النص المحيط مما يقـع تحت المسؤولية المباشرة والأساسية للناشر، مثل ما يخص" إخراج الكتاب من خطـوط مستعملة، وصور مرفقة بالغلاف وعناوين، وحتى نوع الورق الذي سيطبــع به الكتاب، لأن هذه التقنيات الطباعية تحكمها أدبيات صنعة الكتاب التي تحقق القيمة المناصية paratextuale بعدما حقق الكتاب قيمته السلعية كمنتوج قابل للبيـــع والاستهلاك والتداول"8.

 

 

 

1-ب- النص الفوقي épitexte:

أما النص الفوقي "فيمكن أن تنضوي تحته جل الخطابات الموجودة خارج الكتاب كحلقة وسيطة تشمل المحاورات، الاستجوابات، اللقاءات، المراسلات، الرسائــل الشخصية..وغيرها"9.

وعليه فإن كل من مصطلحي péritexte و épitexte  ورغم الاختلاف فـي تناولهما ترجميا يشكلان آلية شارحة لمفهوم الـ paratexte ، و"هما يتقاسمان معا بصورة تجاوبية الحقل الفضائي للمصطلح، ويحققانه في المعادلة التالية 10:

Paratexte= péritexte+ épitexte

2- المصطلح في النقديات العربية:

-Paratexte  كتركيب مصطلحي:

إن اقتفاء أثر الترجمة في نقل المصطلح النقدي الإجرائي يمر عبر النظـر في بنية المصطلح وأصل تركيبه واشتقاقاته، وذلك بإحداث التصدع في الأصل ورج بنائه اللفظي بغية استجلاء المفهوم، فنحن أمام مصطلح شبيه بمصطلحات مــن مثل( Intertextualité، métatextualité، transtextualité )، القائمـة على المزاوجة بين كلمتين لكل منها حمولتها الدلالية التي لا تمنعها مع ذلك من تحقيق ائتلاف تركيبي يمنحها مفهوما جديدا.

أمام هذه المصطلحات ينطلق النقد الغربي من مفهوم النصيـــة textualité كمعطى محايد، ففي مصطلح Intertextualité  "نحت أهل اللغة الأجنبية لفـظا جديدا ركبوه من لفظ النصية textualité ومن الزائدة الصدريــــة (Inter ) المنحدرة من الأصل اللاتيني، والتي تفيد الاشتراك والتداخل فقالــــوا Inter-textualité "11.

أيضا المصطلح الثاني قائم على هذا النسق التركيبي البارز في إلحاق الجــذر (méta) بالنصية textualité ليدل على الوصف الذي هو صفة النص، كما دلت (trans) على التنقل على الـ عبر كما نجدها عند جوليا كريستيفا في تعريفــها للنص، على أنه "جهـــاز عبر لساني translinguistique يعيـــد توزيع نظام اللسان..."12 .

كذلك هو حال مصطلح texte/para، الذي يعرف تمفصلا تركيبيا يمكــن أن نص! ل من خلاله إلى تمثل مفهومه إذا استطعنا تحصيل المعاني التي تحيل إليــها كلمة para من خلال تطويق معانيها ودلالاتها المعجمية تفكيكا وتركيبا.

المقطع para نجده في اليونانية واللاتينية صفة تحمل عدة معان، من أهمـها 13:

-القرب من الشيئ

- قد تعني الحماية ضد شيئ ما(parachute)

- تحاذي الجمل بعضها ببعض(paraphrase)

- قد تعني الشبيه، الموازي، المماثل، الملائم، المجانس..إلخ.

-المطارحات الترجمية للمصطلح:

إن التعدد في وضع المقابلات الترجمية للمصطلح مرده ذلك التحصيل المتنــوع لجملة المعاني التي تحيل إليها كلمة (para) بين مواز، وشبيه، ومماثل، ومحيـط، ومحاذ، ومصاحب...إلخ، فانسحبت هذه الدلالات على الصياغة المصطلحية عنـد فعل الترجمة، ولذلك وجدنا بعض هذه الترجمات عند عدد من النقاد المعاصريـن دائرة بين الاتفاق والاختلاف.

الناقد المغربي رشيد بنحدو مثلا في ترجمته لكتاب (برنار فاليت، الرواية مدخل إلى المناهج والتقنيات المعاصرة للتحليل الأدبي) نجده يقابل مصطلح Paratexte  بـ النص المحاذ، وParatextualité  بالنصية المحاذية 14، في حين نجد مـن النقاد من توسل ترجمة النص المصاحب مقابلا تعيينيا للمصطلح، وهي ترجمة عبد العزيز شبيل في نقله لكتاب جينيت (مدخل إلى جامع النص) إلى العربية 15، وهي الترجمة ذاتها التي ارتكن إليها الدكتور محمد ي حياتن في تصديه لترجمـة دومنيك مانقونو (المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب) مضيفا كلمة المتن لاستظهار وجه المصاحبة في وظيفة المصطلح، فاستخدم عبارة النـص المصاحب (للمتن)، يقول في ترجمته:" اقتفاء لآثار جينيت يطلق لفــــظ النص المصاحب على مجموع الملفوظات التي تحيط بالنص، العنوان، العنوان الفــــرعي، التقديم، الضميمة postface، فهرس الموضوعات..إلخ، إن النص المصاحـب مجعــول لإجلاء حضور النص وضمان حضوره في العالم وتلقيه واستهلاكه"16.

ويمتد استخدام المصطلح لديه وفق هذه الترجمة في أثناء بسطه لقسمـي النص المصاحب( إلى مؤلفي، نسبة إلى المؤلف، Auctorial)، ونص مصاحـب متعلق بالناشر éditorial، الأول من صنع المؤلف(اسم المؤلف، التصدير، التمهيـــد، الإهداء، الهوامش المثبتة في أسفل الصفحات)، والثاني من صنع الناشر(ظهــر الغلاف، قائمة الكتب المنشورة، حقوق التأليف...)17.

ثم ما يلبث أن يأتينا بترجمتين مختلفتين لركني النص المصاحب كما أسماه، لكل من péritexte و épitexte، فيترجم الأول بـ النص الحاف، والثانــي بالنص الشارد، وهو يتقاطع في الترجمة الأولى مع ترجمة التونسية جليلـة الطريطر في ترجمتها لمصطلح péritexte بالنص الحاف، في حين أنها ترجــمت المصطلح الثاني بـ النص الموجـه، مدرجة إياهما ضمن ترجمة أخرى للمصطلح الأصل paratexte! بالنص المؤطـر باعتبار فعل التأطير للمتن هو جوهـر الوظيفة التي يتأسس عليها المفهوم 18.

الملاحظ كذلك في ترجمة الدكتور محمد يحياتن لمصطلـــح péritexte أنها تعرف تضاربا جزئيا، إذ مع ترجمته له بالنص الحاف نجده حيـــن انتقل إلى استيضاح مفهومه ذكره تحت تسمية أخرى تبدو أكثر انتشـارا وتداولا، ألا وهي النص المحيط، يقول في ذلك:" النص المحيط هو جــزء النص المصاحب غير المنفصل عن النص(العنوان، فهرس الموضوعات...)19.

أما ترجمته لمصطلح épitexte بالنص الشـارد فقد توهم القارئ أول الأمر ألا وجه لإدراج المصطلح ضمن الحقل الفضائي لـ paratexte على اعتبار أنه نص مصاحب، إذ كيف يكون قسيما له ثم يشرد عنه شراد البعيـــر، ففي ذلك خرق للمعادلة الجينيتية في أن:

    Paratexte = péritexte + épitexte

وعلى الرغم من إدراك المترجم(يحياتن) لوظيفة هذا القسم من الـ Paratexte وتطويقه للمفهوم الذي يستوعبه، فإنه بهذا المقابل الترجمي الذي وضعه له يكـون قد انزاح بنا عن دقة معناه وكنه مجراه، وغايته ومنتهاه، صحيح أنه يتحرك خارج النص، لكن إضاءته قريبة من النص، تنتشر في تخومه لتصــل القارئ بدلالاته، ومن ثم وجدت ترجمات أخرى تحاول ألا تقصي وظيفته الهامة رغم انفصالها عن النص كعلاقة مباشرة، فقد ترجمته جليلة الطريطر –كما مــــر! معنا- بالنص الموجـه لأنه يمكن أن يضيء معالم المتن، ويوجه عملية القراءة فيحقق مصاحبته للمتن من خلال هذا الطرح.

أما الدكتور أحمد يوسف فنجده في مقال له بمجلة اللغة والأدب بعنوان (سيميائية العتبات النصية)، وهو يقارب خطاب الإهداء يستخدم محيـــط النص كترجمة لمصطلح Paratexte بدل مصطلح péritexte ليضيق واسعا، رغم أن الصيغة لا تستقيم في استيضاح المفهوم، لأن الإحاطة وصف للنــــص الذي يتشظى إلى نصوص تحدق بالمتن وتحيط به، ثم إن الترجمة التي اقترحــها تقترن بقسم من قسمي الـ paratexte-كما مر معنا- من خلال استعراضنا للتـرجمات الأخرى، ونعني به مصطلح péritexte ، يقول في مقاله:" أشار جينيت في كتابه تطريسات palimpsestes إلى محيط النص paratexte الذي سيصبح فيما بعد عتبات، وهو يشكل- في نظره- مظهرا من مظاهر النصية المتعاليـة transtextualité التي تتضمن جامع النص Architexte وتتجاوزه في الآن نفسه"20.

ثم يؤكد الترجمة التي اختارها ليعضد بها تصوره عـــن هذا النمط الثاني من أنماط المتعاليات النصية رافضا مصطلح العتبة، كما يظهــر من قوله: "وإن كنا نرى أن استعارة العتبة لهذا الضرب من النص على جمالــها تحتاج إلى تحديد دقيق، إنه مفهوم مازال يتلبسه الغموض، لأن المحيط(para-) أقرب إلى الدقة من (seuil) حتى وإن كان يوحي لنا مفهوم المحيط بما هو هامشــي ومقابل لما هو مركزي"21.

هذا التضارب والاختلاف الحاصل على مستوى تلقي المصطلح النقدي الغربـي فهما وترجمة يمتد من تونس عبر الجزائر إلى المغرب، فعلى غرار ما شهدناه من ترجمات مع جليلة الطريطر ومحمد يحياتن بخصوص المصطلحين التابعيـــن لمصطلح paratexte نجد من الترجمات الإشكالية ترجمة عبد الرزاق بلال مـن المغرب لمصطلح péritexte بعد تبيانه لطبيعة العلاقـة القائمـة بين ركنــي الـ paratexte ، وتأكيده لأسبقية مصطلــــح épitexte على péritexte ، واستفادة الثاني من الأول، فنراه يترجم المصطلح الثاني بالمكملات ويراها ترجمة قريبة من الصواب مقاربا وظيفة المصطلح في مفهومـه بوظيفة محقق النصوص وناشرها، يقول في ذلك:" l'épitexte مجموع النصــوص التي تنتظم في شكل استجوابات ومراسلات، وندوات، ومناظرات وشهادات وغيرها، مما لا يسمح لها في صورتها الأولى بظهور هذ! ه العتبات إلا بعد الانتقال إلـــى مرحلة الطباعة والإخراج، وساعتئذ تستفيد مما يصطلح عليه بالمكملات، وهي ترجمة أقرب لكلمة péritexte التي تدخل في اهتمامات محقق النصوص وناشرها، وأحيانا بمساعدة المؤلف نفسه"22.

أما الناقد المغربي سعيد يقطين فيفضل استخدام صيغة مقتضبـة سعــيا منه لتأصيل المصطلح، رغم أنها لم تستقم معه عند الجمع أول الأمر، لفكه ما لا يجوز فكه(فك الإدغام في مناصصات)، وهو ما أقره في هامش كتابـــه(انفتاح النص الروائي)مسترشدا برأي الأستاذ أحمد الإدريسي، يقول في ذلك:" تحـدثنا هنا عن المناصات الداخلية والخارجية بإشارات سريعة، وكنت قد سميتـها "المناصصات"، وفككت إدغامها لتشخيص التمايز بين المصدر واسم الفاعل على الرغـم من أنني كنت أعي أنه لا يجوز فك الإدغام، ونبهني الأستاذ أحمد الإدريسـي مشكورا إلى عدم الجواز لما عدت إلى كتاب "علم الصرف لفخر الدين قباوة" تبين لي أن صيغة (فاعل) تأتي لإفادة الإشتراك والجوار بين النصين، وأن مصـــدر ناص، وهو مناصة، وأن اسم الفاعل عنـها هـــو مناص، فوجب التنبيــه والشكـــر للأســـتاذ الإدريسـي"23.

أما الباحث عبد الحق بلعابد فقد فصل القول متوسلا طروحات محمـد الديداوي إثر حديثه عن أقسام الترجمة من توصيلية وتحصيلية وتأصيلية ليفــض إشكالية الاختلاف الترجمي القائم المتساوق مع هذه الترجمات، ومع ذلك فإنه يجنـح إلى الترجمة التي اختارها الدكتور سعيد يقطين، رغم خلوصه في آخر مقاله إلى رفع الحرج والقلق اللذان يكتنفان العبارة المصطلحية في مستوياتها الصرفية والنحوية والدلالية، ليصل في نهاية المطاف إلى إيثار الصيغـــة المــوحدة في اقتراح المصطلح، جريا على مذهب يقطين في تأصيل الترجمة مستندا إلى آلية هامة من آليات وضع المصطلح، وهي النحت، جاعلا النصحبـة كمصطلح نحت من النص والمصاحبة مقابلا تعيينيا لمصطلــح paratexte، والنصحبيــة ترجمـــة لـ paratextualité" 24.

أمام هذا التكوثر المصطلحي في نقل المفهوم إلى المنظومة النقدية العربية يؤكد مصطفى سلوي من المغرب على جملة من المطارحات الترجميــة فــي نقل المصطلح رغم أنه اتخذ من مصطلح العتبات ضابطا لحسم اصطراع التسمية، كما يظهر من عنوان كتابه، فضلا عن عنونة جينيت لكتابـه (seuils)، وعبد الرزاق بلال وغيرهم، يقول سلوي في كتابـــــه (عتبات النص، المفهوم، والموقعية والوظائف):"..فقد ضمنت هذا الكتاب ..مجمـوعة من النظرات في مناهج التأليف عند المحدثين انطلاقا من رؤية خاصة تكمن أساسا فيما اعتاد الدارسون نعته عن طريق الغرب بـ(النص الموازي/paratexte)، أو مصاحـبات النص، أو عتبات النص"25.

فالناقد هنا لا يخفي التضارب القائم من خلال وفرة المصطلـــحات المراودة للمفهوم عن نفسه، ومع ذلك ابتدر مقدمته مستعرضا ترجمة المصطلــح بالنص الموازي، اعتمادا منه على الشائع المتداول، ولكنه لا يخفي إعلانــه عما يعتري المصطلح من تبلبل حال الاستعمال، يقول: "وبالرغم من أن كل واحــدة من هذه التسميات تطرح أمام الدارس مجموعة من الإشكالات، إلا أنها تحيل جميعـها في نهاية الأمر إلى نوع من النصوص التي تخرج مصاحبة أو لاحقة بالنـص/المتن، وهذا يعني أن المؤلف يقوم بكتابة نصين اثنين: النص/المتــن(الكتاب، الرواية، القصة، أو المجموعة الشعرية، أو المسرحية..)، ثم النص الموازي أو المصاحب الذي هو مجموعة من العناصر المكملة للتأليف كالمقدمة والعنـــوان الخارجي، والعناوين الداخلية، والإهداء، والتقديم الصغير، وصورة الغلاف، ومـا يبسط على مساحة هذه الصفحة من مكونات أخرى ! كاسم المؤلف، ودار النشر، وسنة النشر، وغير ذلك من الأشكال الهندسية والصـــور والألــوان وأنواع الخطــوط وأحجامها"26.

فضلا عن المغـــرب نجد أن مصطلح النص الموازي متواتر في الترجميات النقدية التونسية كما نلحـظ ذلك في أعمال الدكتور أحمد السماوي بدءا من كتابه تطريسات في القصص، إلى كتابـه (الأدب العربي الحديث، دراسة أجناسية) الذي يتناول فيه المصطلح كمفهوم في سياق عرضه لتأثير المدرسة التقليدية في نهضة الشعر العربي الحديث، وابتداعها لطرائق جديدة في تعاملها مع الشعر، ومن جملة هذه الطرائق "تشغيل مفهــوم النص الموازي الذي لم تكن شعرية أرسطو، ولا شعرية العرب لتأخذ به في حــين هو مفهوم معتبر في الشعريات المعاصرة"27،  كحديثه عن تقديم الدواوين.

كذلك نجد الترجمة ذاتها دائـرة معه في مقال له بمجلة موارد (شعرية التركيب في الأقصوصة)، وهو يتحـــدث عـــن التصديــر كشكل مــن أشكال الـ paratexte :" يفترض فـي التصدير بما هو نص مواز paratexte أن يرد في بداية المجموعة، أو في بداية إحدى أقاصيصها"28.

خاتمـة:

لقد أكد المصطلحيون على أن الفيصـل والحكم في اعتمدا المصطلح هو مقدار انتشاره وذيوعه وتواتره عند المستعمليـن له، ومن ثم وجب مراعاة ذلك في تبني المصطلح، ولأن المصطلح يحيا وسط الجـماعة اللغوية، فإنه يستوجب المراجعة كذلك بما يجعله قادرا على استيعاب المفهــوم، خاصة وأن مصطلح paratexte يندرج ضمن جملة المصطلحات  التي تأســــس لحقل معرفي جديد، بل ولأنه مصطلح إجرائي يبتغي من يتوسله مقاربة النصــوص المحدقة بالمتن، كخطوة استراتيجية لابد من الاحتكام إليها لتيسير الولوج إلى عوالم النص وإدراك دلالاته، ولأنه كذلك لا ينبغي الاختلاف في مفهومه.

من أجل ذلك تحتاج المؤسسة النقدية العربية إلى مراجعـة تصوراتها على هدي اجتهادات الهيئات الرسمية التي تضطلع بوضـع المصطلحات وتأصيلها، على أن المفاضلة بين جملة الترجمات التي صيغـــت للمصطلح الأجنبي ليست بغرض الانتقاص من جهود أصحابها بقدر ما هي تأكيـد للتواصل الترجمي الذي تحتاجه منظومتنا النقدية.

 

الهوامش:

1-    Gérard Genette, Palimpsestes, la littérature au second degré, Ed: seuil, 1982, page 9    &n bsp!;  

2- عبد الرزاق بلال، مدخل إلى عتبات النص، دراسة في مقدمات النقد العربي القديم، إفريقيا الشرق، المغرب، 2000، ص21.

3- Gérard Genette, Seuils, Ed: du seuil, 1987, page 7  

4- جميل الحمداوي، السيميوطيقا والعنونة، من مجلة عالم الفكر، المجلــد 25، عدد3، 1997، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص 102.

5- Gérard Genette, Seuils, Ed: seuil, 1987, page 8

6- Gérard Genette, Palimpsestes, Ed: seuil, 1982, page 9

7- Jean Dubois, Dictionnaire de linguistique, Ed: larousse, paris, 2001, page 344     

 8- عبد الحق بلعابد، قصد رفع قلق المصطلح النقدي، علامات في النقد، ج58، ذو القعدة 1426هـ-ديسمبر 2005، النادي الثقافي بجدة، السعودية ص183.

9- Gérard Genette, Seuils, Ed: seuil, page 11

10- op. cit, page 11

11- عبد السلام المسـدي، المصطلح النقدي، مؤسسات عبد الكريم بن عبـد الله للنشر، تونس، ص119.

12- جوليا كريستيفا، علــم النص، ترجمة فريد الزاهي، مراجعة عبـد الجليل ناظم، دار توبقال للنشر، ط2، 1997، ص21.

13- LE ROBERT pour tous, Dictionnaire de la langue française, paris, 1994, page 809

14- برنار فاليت، النص الروائــي(تقنيات ومناهج)، ترجمة رشيد بنحــدو، منشورات المجلس الأعلى للثقافة، 1999، مصر، ص36.

15- جيرار جينيت، مدخل إلى جامع النص، ترجمة عبد العزيز شبيل، المجلس الأعلى للثقافة، 1999، مصر، ص71.

16- دومينيك مونقانو، المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب، ترجمـــة محمد يحياتن، منشورات الاختلاف، ط1، 2005، ص84.

17- المرجع نفسه، ص84.

18- جليلة الطريطر، في شعريـة الفاتحة النصية، حنا مينة نموذجا، في ثلاثيـة بقايا صور-المستنقع-القطاف، مجلة علامات في النقد، المجلد السابع، الجزء29، جمادى الأولى 1419هـ-سبتمبر 1998، النادي الثقافي لجدة، السعوديـــة، ص177.

19- دومينيك مونقانو، المصطلحات المفاتيح لتحليل الخطاب، ترجمـــة محمد يحياتن، ص85.

20- أحمد يوسف، سيميائية العتبات النصية، مقاربة فـي خطاب الإهـداء(شعر اليتم في الجزائر أنموذجا)، مجلة اللغة والأدب(ملتقى علم النص)، العدد15، أفريل 2001، معهد اللغة العربية وآدابها، جامعة الجزائر، ص170.

21- المرجــع نفسـه، ص170.

22- عبد الرزاق بلال، مدخل إلى عتبات النص، إفريقيـــا الشرق، المغرب، 2000، ص22.

23- سعيد يقطين، انفتاح النص الروائي، النص والسياق، المركز الثقافي العربي، ط2، 2001، الدار البيضاء، المغرب، ص102.

24- عبد الحـق بلعابد، قصد رفع قلق المصطلح النقدي، علامات، الجـزء58، مجلد15، ذو القعدة 1426هـ-ديسمبر2005، ص194.

25- مصطـفى سلوي، عتبات النص: المفهوم والموقعية والوظائف، منشورات كلية الآداب والعلوم الانسانية، وجدة رقم71، سلسلة بحوث ودراسات رقم:22، جامعـة محمد الأول، المملكة المغربية، ص5.

26- المرجــع نفسـه، ص5.

27- أحمـد السماوي، الأدب العربي الحديث، دراسة أجناسية، مركـــز النشر الجامعي، 2002، تونس، ص35.

28- أحمـد السماوي، شعرية التركيب في الأقصوصة، موارد، مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة،عدد9-2004، الجمهورية التونسية، ص87.

 

Télécharger l'article