مقاصد الكلامواستراتيجيات الخطاب في كتاب "كليلة ودمنة" لابن المقفع.

د.بلخير عمــر

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

جامعة تيزي وزو( الجزائر)

ما القصــد؟

يرتبط مفهوم المقصد بالمتكلم و بما يدور في ذهنه باستمرار أثناء إصداره لملفوظاته، حيث يرتبط هذا بكل ما يحفّز المتكلم على تحريك العملية التبليغية، سواء أكان ذلك مرتبط بما صرح به من ملفوظات أو لم يرتبط، ويتصل أيضا بوظيفة المتلقي الأساسية، كمساعد في تأويل الملفوظات أو في التبليغ عموما؛ فمن الناحية المنهجية، يلعب القصد دورا محوريا في تأويل النصوص والملفوظات، باعتبارها صادرة عن شخص قد لا يصرح عن مقاصده إلا قليلا، وعلى المحلل، في هذا المجال، أن يبحث عن هذه المقاصد في كل شبر من ملفوظات المتكلم، من جهة، وفي مختلف الظروف التي أسهمت في صدور الملفوظات من جهة أخرى؛ وفي هذا النطاق، لا يمكن أن نتحدث عن انسجام الخطاب، إلا بالتحرر من الخطابات ذاتها، والركون إلى معرفة القصد الذي أصدر هذه الخطابات؛ تقول آن روبول: " إنه لمن تحصيل الحاصل أن نقول إن مفهوم الحالة الذهنية، أو بمعنى أدق، القصد، يشكل محور إنتاج وتأويل الملفوظات والخطابات"، وتقول في مكان آخر إن تأويل الخطابات يتوقف نهائيا على تأويل الملفوظات الذي يتوقف تأويلها بدوره وبصفة كلية، على معرفة القصد، وهي في هذا السياق، ترفض اللجوء إلى مكونات الداخلية للملفوظات، في تتابعها أو تباعدها، للوصول إلى وضع تفسير منطقي ووجيه للخطاب؛ وعليه فهي تشطب بجرة قلم النظريات الشكلية التي تنطلق في تأويلها للخطاب من إعادة الصياغة والسرد والشرح والتفسير...التي تعتمد بدورها على الروابط والعوامل وأزمنة الأفعال وغيرها...وقد انطلقت آن روبول، في منهجيتها لبناء نظرية تعتمد على القصد لتأويل الخطابات من تمييز ويلسون وسبربر بين نوعين من المقاصد:

- القصد الإخباري، الذي يكمن في رغبة المتكلم في إظهار مجموعة ما يضطلع عليه للمخاطب.

- القصد التبليغي، وهو أن يعلن المتكلم صدقه بحقيقة قصده الإخباري.

يمكن القول، انطلاقا من هذا التحديد، إن إستراتيجية المؤول تكمن في التنبؤ بسلوكات الأشخاص بالوقوف على مقدمتين :

تشير المقدمة الأولى إلى أن الأشخاص هم عوامل أو ذوات عقلانية، وتشير الثانية إلى أن هؤلاء الأشخاص، هم نتاج معتقداتهم ورغباتهم وأحوالهم الذهنية. ففي هذا التمييز بين المقاصد الإخبارية والتبليغية، تُميّز روبول بين القصد المحلي intention locale الذي نجده على مستوى الملفوظات والقصد التبليغي intention communicative المتواجد على المستوى التبليغي؛ وفي نطاق آخر جعل طه عبد الرحمن ما أسماه بقاعدة الصدق، ضمن قواعد التهذيب: فيترتب عن قاعدة الصدق، التي تََمَثلها في قوله: " لتتفقد قصدك في كل قول تلقي به إلى الغير أمران أساسيان: " أحدهما وصل المستوى التبليغي بالمستوى التهذيبي للمخاطبة، والآخر إمكان الخروج عن الدلالة الظاهرة للقول، أما الأمر الأول، فهو على حد تعبيره، الوصل بين المستويين، فإن المتكلم متى تَبيّن حقيقة قصده من قوله، أثمر عنده هذا التَبيّن، نتيجتين، تقوم إحداهما في تعيّن وظيفته العملية أو قل تحدد مسؤوليته الأخلاقية، وتقوم النتيجة الثانية بصيانة قوله عن اللغو يحمله على العمل في إفادة المخاطب المعني والمقصود منه؛ أما الأمر الثاني، والذي هو إمكان الخروج عن الدلالة الظاهرة، فإن كان التعويل على القصد، جاز أن يتفاوت مقصود القول عن مضمونه، فلا يتسارع إلى فهم المخاطب، فيحتاج المخاطب إلى الدخول في العمل وتحمل مسؤولية المراد من القول، كما تحمله المتكلم في تفقده لقصده، نظرا لأن المتكلم يكون قد بلغه إليه بطريق التلميح لا بطريق التصريح، فيكون المخاطب مطالبا بتعقبه بمعونة القرائن المقامية والمقالية، والتي تتعلق بهذا القول، من غير أن يحصل له اليقين بأنه عين مقصود المتكلم، ولا يأمن رد المتكلم له.             

ويبدو من خلال ما ذهب إليه طه عبد الرحمن في تفسيره لقاعدة القصد أنه لم يخرج تماما عن التصور الذي وضعه جرايس، وهو تصور لم يسلم من النقد، سواء أكان ذلك من قبل سيرل أو من قبل روبول وموشلر، فقد حدد جرايس القصد من خلال ما توفره لنا أعراف اللغة من معطيات، وهو الأمر الذي رفضه سيرل، إذ أورد مثالا يشرح فيه رفضه الاعتماد على اللغة وعناصرها لتأويل القصد، حيث يتلخص هذا المثال فيما يلي: سقط جندي أمريكي في قبضة الجنود الإيطاليين (وذلك أثناء الحرب العالمية الثانية)، فظل السجين يخاطبهم بالجملة الوحيدة التي يعرفها باللغة الألمانية وهي : هل تعرف البلاد التي تُزهر فيها أشجار الليمون؟ فهذه الجملة لا تعني للإيطاليين الذين لا يعرفون الألمانية، سوى أن الجندي ألماني الجنسية، بتأويلهم كلام الجندي: أنا جندي الألماني، ولذلك لا يمكن معرفة القصد بالاعتماد على اللغة.

المقصد والإستراتيجية في "كليلة ودمنة":

يمكننا أن نصرح في بداية هذه المداخلة أن نص كليلة ودمنة يحتوي على نمطين تواصليين متطابقين يلتقيان في رغبة ابن المقفع في تبني فلسفة الفيلسوف بيدبا ومقتضيات خطابه، نظرا لما وجد فيه من حكمة هو بحاجة إليها لتقويض الوضع السائد في زمانه والناتج عن فساد في الحكم، "لقد كان  ابن المقفع صاحب عقل وأدب، تم نضجه الفكري في زمن الخليفة أبي جعفر المنصور، وكان ابن المقفع من بين الأدباء الذين اشتغلوا عنده بالكتابة والترجمة والتأليف، وكان يدرك من حقيقة جبروت المنصور ما لا يدركه غيره وقد صعبت عليه مواجهة المنصور بالحقيقة ونقده نقدا صريحا لا تلميحا. فاختار معه موقف "بيدبا الفيلسوف مع دبشليم الملك" فألف له كتابا سماه كليلة ودمنة على ألسن البهائم والسباع والوحش والطير، ظاهره لهو للعامة وباطنه سياسة للخاصة وهو موجه إلى الملوك والوزراء يرمي إلى تأديبهم حتى لا ينحرفوا عن الحق والعدل والاستقامة... لأن حياة الملوك في البلاط مليئة بالمكايد والسعايات وهم مغرمون في تقريب الناس إليهم وقلة تبصرهم في الإصغاء لوشاية المحتالين وما ينتج عن ذلك من ظلم وجرائم"1

هذا الاقتباس الذي وضعه الباحث عمر عروة، في إحدى مقدمات كتاب كليلة ودمنة، يعكس لنا فيها من جهة النمطين التواصليين اللذين تحدثنا عنهما سابقا، ومن جهة أخرى، يعطينا فكرة عن النقطتين اللتين سنبني عليهما هيكل هذا البحث وهما: المقاصد الذي دفعت بيدبا إلى وضع هذا الكتاب، وابن المقفع إلى ترجمته، واستراتيجيات بيدبا في الوصول إلى إقناع الملك دبشليم بحكمته، وتبني ابن المقفع لهذه الاستراتيجيات، ضمنا وتصريحا، سعيا منه إلى إقناع الخليفة وحاشيته من وزراء ومقربين، بصحة وحكمة بيدبا أحقيتها، وبصفة ضمنية حكمته هو باعتباره متبنيها كلية.

ونص كليلة ودمنة، يعتبر، في نظرنا، خطابا مزدوجا إذ تتداخل فيه أقوال بيدبا الفيلسوف بأقوال ابن المقفع، وتتشابك فيه مقاصد ابن المقفع بمقاصد الفيلسوف، وتتشابه في الغاية التي يسعيان فيها إلى تغيير نمط السياسة والحكم. وهذا التشابه في المقاصد يعكس تشابها آخر في الاستراتيجيات، حيث "يرتكز دور المقاصد، بوجه عام، على بلورة المعنى كما هو عند المرسل إذ يستلزم منه مراعاة كيفية التعبير عن قصده، وانتخاب الإستراتيجية التي تتكفل بنقله مع مراعاة العناصر السياقية الأخرى"فبمجرد أن ترجم ابن المقفع هذا الكتاب بالذات، يكون قد تبنى الإستراتيجية الخطابية للفيلسوف، مع العلم أنه رغم اتفاقهما في المقاصد، وهو تغيير حال السياسة والساسة، إلا أنهما يختلفان في المبررات، فمبرر وضع الكتاب عند بيدبا هو طلب الملك دبشليم منه أن يضع كتابا "ينسب إليه وتذكر فيه أيامه كما ذكر آباؤه وأجداده من قبله"3. أما مبرر ابن المقفع فيكمن في "معاناة أبناء عصره من ناحيته، وما شهده من صعاليك زمانه وملوك من ناحية أخرى"،4 وعليه يصعب علينا أن نتكهن بنفس النتائج إذا تبنى الاثنان الإستراتيجية نفسها، فقد حظي الفيلسوف بيدبا بالشرف والكرم نتيجة إستراتيجيته الخطابية العامة، وقتل ابن المقفع ومُثًّل به نتيجة الإستراتيجية العامة اتجاه مخاطبيه، وذلك يعكس الدور الخطير للسياق العام الذي ينجز فيه الخطاب: " ورغم احتياط ابن المقفع الكبير في تعبيره عن حاجة المجتمع بالنقد الاجتماعي والسياسي بلسان الحيوان، فإنه لم ينج من العقاب"5.

مقاصد بيدبا الفيلسوف في تأليفه لـ "كليلة ودمنة"

مهما تعددت الدراسات التي أنجزها الباحثون حول كتاب كليلة ودمنة، فإن المقاصد والدواعي التي ألف لأجلها الكتاب "تتجلى بوضوح في خطاب بيدبا، ونكاد لا نجد أثرا لمقاصد ابن المقفع في النص ذاته، ويجمع النقاد والمؤرخون على أن مقاصد ابن المقفع يستحيل التصريح بها نظرا لمرتبته ووضعه الذي لا يحسد عليه في عصر الخليفة أبي جعفر المنصور، وإن اختلاف ظروف بيئة الفيلسوف هي التي جعلته يصرح عن مقاصده وينجز إستراتيجيته تلك، فيعلن بيدبا عن مقصده ويبني إستراتيجيته انطلاقا من ذلك، ويتبنى ابن المقفع إستراتيجية الفيلسوف دون أن يعلن صراحة عن مقاصده، وقد وجدنا ما يدعم قولنا هذا عند عبد الهادي بن ظافر الشهري حين يقول: "... وفريق آخر يرى أن العبرة هي بالقصد الظاهر من صيغة العقد، أي ما يتلفظ به المرسل، حتى لو لم تتفق مع قصده الباطن، لأنه يصعب التأكد من المقاصد عند مخالفتها لمقتضى الألفاظ..."6. فقد كان ابن المقفع بتبنيه لحكمة الهنود القديمة في الحياة، يدرك طبيعة العصر الذي عاش فيه، وهو عصر يحتاج إلى ثورة في العمق من أجل أن يتغير، مع إدراكه أيضا أنه قد يصاب بما أصاب بيدبا أو بأشد منه حينما هرع إلى دبشليم ليسدي له النصيحة. فقد قصد بيدبا النصح للملك صراحة، ولم يصرح ابن المقفع بهذا الفعل نفسه عند ترجمته لخطاب بيدبا. وعليه، فإن دراسة خطاب الفيلسوف بيدبا، قد يساعدنا في استكشاف مقاصد ابن المقفع لفهم الغاية التي من أجلها تبنى نفس الاستراتيجيات الخطابية.

فقد صرح بيدبا لتلاميذه بمقصده في التصدي لطغيان الملك دبشليم بقوله: "اعلموا أني أطلت الفكرة في دبشليم وما هو عليه من الخروج عن العدل ولزوم الشر ورداءة السيرة وسوء العشرة مع الرعية..." (ص08)، إذ بنى الفيلسوف فكرته هذه على سنن الكون في الشعوب والمجتمعات التي تقضي بأن فساد الحكام سيطال جميع فئات المجتمع بدون أي استثناء بما فيهم العلماء إذا سكت هؤلاء عن هذا الفساد. وقد أثبت لنا الكتاب من بدايته إلى نهايته أن العلم والمعرفة هما مصدرا الفضيلة والسؤدد، وجاء ذلك واضحا على لسان الشخصيات البشرية والحيوانية في الكتاب، فالضمير "نحن"، في عبارة "إلا لنردهم (الضمير "هم يعود على الملوك المتجبرين) إلى فعل الخير ولزوم العدل ومتى أغفلنا ذلك لزمنا من وقوع المكروه بنا وبلوغ المحذورات إلينا..." (ص08) يعود على الفيلسوف وتلاميذه (بالمعنى القريب)، ويشمل (بالمعنى البعيد) كل الأشخاص الذين هم في مرتبة علم الفيلسوف في كل زمان ومكان. هذا الموقف يتبناه ابن المقفع بقوله: "ولم تزل العلماء من أهل كل ملة يلتمسون أن يعقل عنهم ويحتالون في ذلك بصنوف الحيل ويبتغون إخراج ما عندهم من العلل..."أما ما جاء على لسان الحيوان، فقد كثرت فيه عبارة: "فقد قالت العلماء.." "فالعلماء قالوا..." "إن العلماء قد كتبوا..." ويقول رشيد بن مالك: إن بيدبا يثمن، على مستوى المعارف، القوة العقلية المجسدة في الحيلة والتي تفهم في هذا المساق على أنها الحذق وجودة النظر والقدرة على دقة التصرف في الأمور"7.

نجد بيدبا إذن يصرح بمقاصده لتلاميذه، وينكرها عليه هؤلاء لما عرفوه من بطش الملك وجبروته، ولخوفهم من فقدان معلمهم: "أيها الفيلسوف الفاضل والحكيم العادل أنت المقدم فينا والفاضل علينا، وما عسى أن يكون مبلغ رأينا عند رأيك وفهمنا عند فهمك، غير أننا نعلم أن السباحة في الماء مع التمساح تغرير والذنب فيه لمن يدخل عليه في موضعه. والذي يستخرج السم من ناب الحية فيبتلعه ليجربه على نفسه، فليس الذنب للحية ومن دخل على الأسد في غابته لم يأمن وثبته، وهذا الملك لم تفزعه النوائب ولم تؤدبه التجارب، ولسنا نأمن عليك من صورته ومبادرته بسوء إذا لقيته بغير ما يجب" (ص11).

فقد علمتهم التجربة أن الملوك الجبابرة سيستنكرون بشدة مقاصد الأشخاص وأفعالهم حينما تنحو في سبيل غير السبيل الذي انتهجوه، ومعرفتهم لمعلمهم جعلهم يستنتجون أنه سيصرح بما يختلج في قلبه من مقاصد للملك الجبار الذي سيقوم بعقابه. وما تعنت بيدبا في مشروعه إلا لمعرفته بالسنن الكونية للإنسان، وقلة تجربة تلاميذه لمعرفة هذه السنن، فهو يدرك ما للفلاسفة والحكماء من احترام في قلوب الملوك مهما بلغوا في جبروتهم من شدة، وهو ما يعكسه قول دبشليم حينما دخل بيدبا إلى بلاطه، إذا كان للملوك فضل في مملكتها فإن للحكماء فضلا في حكمتها أعظم، لأن الحكماء أغنياء عن الملوك بالعلم وليس الملوك بأغنياء عن الحكماء بالملك..." (ص12) إلا أن الملك لم يكن صادقا فيما قاله للفيلسوف، ويعود السبب في ذلك إلى أنه لم يدرك تماما مقاصد بيدبا رغم معرفته من قبل، وذلك حينما أعلن عند حضوره إلى القصر، أن بيدبا كان يبغي نصح الملك، لذلك ألفناه يقول حينما أعلن عن حضوره ومعه للملك نصيحة: "وسكت وفكر دبشليم في سكوته وقال: إن هذا لم يقصدنا إلا لأمرين، إما أن يلتمس منا شيئا يصلح به حاله، أو لأمر لحقه فلم يكن له به طاقة..." (ص12).

ونحن بإعلاننا ذلك، نشاطر الأستاذ رشيد بن مالك فيما ذهب إليه حينما يقول إن النصيحة (التي تشكل على حد تعبيره النص الإطار لحكايات كليلة ودمنة) تغذي دلاليا الحكايات التي رويت على لسان الحيوان، والنصيحة ستجعل بيدبا يسخر مجموعة من القيم لصناعة عالم دلالي تشيد عليه الحكايات.

ويقول عبد الهادي بن ظافر الشهري: "وما الاستراتيجية التي يستعملها المرسل في الخطاب إلى وسيلة تتجسد باللغة لتحقيق المقاصد"8

وعند انتهاء بيدبا من كلامه للملك، مسديا له النصيحة، قال، مصرحا عما دفعه إلى حضوره إلى قصره، وهو بذلك يقوم بتصحيح الملك فيما يتعلق بما اعتقده في قضية حضور بيدبا: "فلم أتكلم بهذا ابتغاء غرض تجازيني به ولا التماس معروف تسوقه إليا، ولكن أتيتك ناصحا مشفقا عليك" (ص17). وتصريح بيدبا هذا فيما يتعلق بمقاصده الخطابية هو الذي جعل رد فعل دبشليم فظا وغليظا، مما جعله يأمر بقتله وصلبه...

يبدو أن الملك لم يفهم ما صرح به بيدبا حينما جاء إليه لإسداء النصيحة، وقد حمله على ذلك قوته وجبروته من جهة، وطبيعة المستبدين الذين لا يقبلون النقد والمشاركة في السلطة، من جهة أخرى. ويبدو أنه حينما تذكر ما للعلم والعلماء من قوة على أمور الدنيا وقضاياها، وقد تجلى ذلك فيما قاله لنفسه حينما فكر فيما فعله في الفيلسوف الذي جاء قاصدا إصلاحه ورشده: "لقد أسأت فيما صنعت بهذا الفيلسوف وضيعت واجب حقه، وحملني على ذلك سرعة الغضب وقد قالت العلماء أربعة لا ينبغي أن تكون في الملوك الغضب... والبخل...والكذب... والعنف في المحاورة..." (ص18).

وبعدها أمر الملك بإحضار بيدبا فعفا عنه ورفع من مقامه وعاد التلاميذ فرحين إلى معلمهم، فوجدنا هذا الأخير يعيب عليهم تشكيكهم فيما قصده حينما شاورهم حتى يذهب إلى الملك، "لست أشك في أنه وقع في نفوسكم وقت دخولي على الملك أن قلتم إن بيدبا قد ضاعت حكمته وبطلت فكرته إذ عزم على الدخول على هذا الجبار الطاغي، فقد علمتم نتيجة رأيي وصحة فكري وإني لم آته لأني (...) أسمع من الحكماء من قبلي تقول إن الملوك لها سكرة كسكرة الشراب، فالملوك لا تفيق من السكرة إلا بمواعظ العلماء وآداب الحكماء..." (ص20).

إلى أن يصل إلى قول نعتبره أشد درجات العتاب: "...فحملتها على التغرير وكان على ذلك ما أنتم معاينوه، فإنه يقال (وهو خطاب موجه مباشرة إلى التلاميذ) في بعض الأمثال إنه لم يبلغ أحد مرتبة إلا بإحدى ثلاث: إما بمشقة تناله في نفسه وإما بوضعية في ماله أو وكس في دينه، ومن لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب" (ص21.)

إن عملية التشكيك هذه، مردها إلى عدم بلوغ التلاميذ الدرجة التي تسمح للغير باعتبارهم علماء، نظرا لعدم توفرهم على الخصال التي ذكرها لهم بيدبا، والتي حملته على مواجهة الملك الجبار.

عموما يمكن القول إن ابن المقفع يشاطر بيدبا في كل ما ذهب إليه، على اعتبار أن الظروف السياسية والاجتماعية لابن المقفع وبيدبا متشابهة، وعليه كان يشاطره في مقاصده، لأن الإستراتيجية التي تبناها لمواجهة الخليفة ومقربيه، هي نفسها التي واجه بها بيدبا الملك دبشليم. وقد تأكدنا من أن ابن المقفع قد قام بتكييف ترجمته لكليلة ودمنة لتتناسب مع عقلية العربي في زمانه، وإلا لما أصابه ما أصابه جراء مواقفه السياسية وخطاباته النقدية للسياسة والساسة، ودليلنا على ذلك ما جاء على لسان ابن المقفع حينما صرح: "وكذلك يجب على قارئ هذا الكتاب أن يديم النظر فيه من غير ضجر ويلتمس جواهر معانيه ولا يظن أن نتيجته الإخبار عن حيلة بهيمتين أو محاورة سبع وثور، فينصرف بذلك عن الغرض المقصود" (ص55).

الاستراتيجيات الخطابية وأثرها في "كليلة ودمنة"

إن الإستراتيجيات التي يتبناها المتكلم في خطاباته، لا بد أن تكون نتاج القصد؛ وعليه، تكمن غاية المتكلم أثناء مخاطبته للآخر في انسجام مقاصده بالأساليب التي يصوغ عليها ملفوظاته.

 فمصطلح الإستراتيجية ليس مصطلحا مستوحى من تقاليد البحث اللساني، بل هو استعارة من مختلف العلوم الحربية، التي تقتضي أنه لا يمكن الدخول في معركة دون إستراتيجية تأخذ بعين الاعتبار كل الأبعاد والعوامل التي من شأنها أن تشكل سندا وعونا في سبيل الانتصار على العدو، ولكل طرف في المعركة إستراتيجية الخاصة به؛ ونجد هذه الاستعارة، أيضا، بارزة في نظرية الألعاب، وهي مجموعة من القواعد، التي تتعدد بها سلوكيات اللاعب في أي مقام معين من اللعب،  فيقوم اللاعبون بوضع سيناريوهات عن الأساليب التي سيهاجمون بها على الطرف الآخر وعن كيفية الدفاع عن أنفسهم أثناء هجوم الخصم عليهم. ولا يمكن تحديد الإستراتيجية إلا في الميدان أثناء البدء في عملية اللعب؛ ومن المؤكد أن هذا المصطلح قد تبنته ميادين معرفية عديدة، سبق أن أشرنا إلى ميدان نظرية الألعاب، ويمكن أن نضيف إليها علم النفس المعرفي الذي يحدد مفهوم الإستراتيجية على أنها تتابع لعمليات تعكس خيارات يتبناها الشخص بغرض الوصول إلى غايته قبل أن تتحقق، وبأسلوب فعال وغير مكلّف، كأن يسعى المخاطب إلى إقناع الآخر بأحقية تأويله في قضية ما؛ وتختلف هذه الإستراتيجيات باختلاف العقبات والمعوقات، وباختلاف القدرات الذهنية للمتخاطبين؛ أما في علم النفس الاجتماعي فقد تتحدد الإستراتيجية بتوفر الشروط الآتية: وضعية تتميز بتردد أحد المتخاطبين أو كليهما، ومن غاية المتكلم الواعية أو غير الواعية، بقواعد اللعبة، يليه أخيرا تتابع منظم لمجموعة من الخيارات تعكس خطة معينة؛ أما في تحليل الخطاب فأفضل تحديد لهذا المفهوم، هو ذلك الذي حصر بنية اللغة في فضائين: فضاء من العقبات، يحتوي على معطيات دنيا، لا بد أن تتوفر ليكون الفعل اللغوي متحققا، ثم هناك فضاء الإستراتيجيات الذي يُحيل إلى الخيارات الممكنة للمتخاطبين أثناء مشهدة الأفعال اللغوية، ومن هذه المعطيات كلها، يمكن أن نستنتج أن الإستراتيجيات هي من صميم الخيارات التي تتبناها الذوات المتخاطبة، سواء أكان ذلك بوعي أو بغير وعي، والغاية من ذلك هو تحقيق عمليات لغوية؛ وتخضع هذه العملية لمجموعة من العقبات التي تتشكل من قواعد أو أعراف أو مواضعات، ويضيف شارودو إلى كل هذه الشروط، شرط توفر عامل العقد الذي يضمن الاستقرار والقابلية على توقع السلوكات، بصفة تمكّن الذات من اللعب بمعطيات ذلك العقد أو داخل هذه المعطيات، ويضيف شارودو بعد تحديده للإستراتيجيات اللغوية أنها تتمحور حول عدد من الرهانات، منها رهان إضفاء الشرعية الذي يحدد وضعية سلطة المتكلم، ورهان الصدق الذي سعى إلى تحديد وضعية صدق المتكلم، ورهان الإثارة الذي تكمن الغاية منه في حمل الآخر على المشاركة في العملية التبادلية التبليغية، انطلاقا مما يفكر فيه المتكلم.

قد أشرنا إلى الارتباط الوثيق لمقاصد المتكلمين بالاستراتيجيات التي يتبناها المتخاطبون من أجل تحقيق مقاصدهم. فالاستراتيجيات هي وسيلة تحقيق المقاصد، وقد أدركت اللسانيات الحديثة – وبخاصة التداولية - أنه يستحيل فهم دلالات الخطاب الصريحة منها والضمنية، ما لم نفهم المقاصد التي وُجدت وراء إنتاجه، وقد توصل علماء الأصول والفقه وعلماء البلاغة العرب القدامى إلى ربط الخطاب بمقاصد المتكلمين وقد رأينا في عمل سابق كيف ينتقل المعنى الصريح إلى معنى آخر غير مصرح به9، وقوفا على السياق ومقصد المتكلم، وحصر مانغونو وشارودو مفهوم الاستراتيجية الخطابية في فضائين: فضاء من العقاب يحتوي على معطيات دنيا لابد أن تتوفر ليكون الفعل اللغوي متحققا، ثم هناك فضاء الاستراتيجيات الذي يحيل على الخيارات الممكنة للمتخاطبين أثناء مشهدة الأفعال اللغوية10. ولا تتحقق العملية التخاطبية إذا لم يتوفر هناك عامل العقد الذي يضمن الاستقرار والقابلية على توقع السلوكات بصفة تمكن الذات المتكلمة من اللعب بمعطيات العقد أو داخل هذه المعطيات، وإن تحديد الاستراتيجيات اللغوية يتمحور حول عدد من الرهانات، منها رهان إضفاء الشرعية الذي يحدد وضعية سلطة المتكلم، ورهان الصدق الذي سعى إلى تحديد وضعية صدق المتكلم، ورهان الإثارة الذي تكمن الغاية منه في حمل الآخر على المشاركة في العملية التبليغية، انطلاقا مما يدور في خلد المتكلم.

لقد انطلق بَيدَبَا في فعل النصح للملك من حقائق متعارف عليها متوقفة على مجموعة من العقود التي تربط الملوك بالفلاسفة والعلماء، فقد كان مدركا، ضمنيا، قيمة العلم والعلماء عند الملك، رغم استبداده وتجبره، ويعرف أيضا أن النفس الإنسانية رغم زوغانها وانحرافها على الحكمة والرشاد، إلا أنها ما تلبث أن تعيد صاحبها إلى الحق والسبيل القويم، هذه الحقيقة كان ابن المقفع يدركها، نظرا لعلمه الغزير واطلاعه الواسع على مختلف المعارف والتجارب الإنسانية السابقة كونه فارسي الأصل واللغة والثقافة والمنشأ، ونحن ندرك بحق ما للحضارة الفارسية القديمة من عظمة، وهذا قد يفسر سبب لجوء ابن المقفع إلى ترجمة هذا الكتاب التي نعتبرها تبنيا لإستراتيجية بيدبا في الإقناع والتأثير على أفكار الآخرين ومعتقداتهم، فقد جاءت قيمة تقديس العلم والعلماء من بين أهم القيم التي تبناها الفيلسوف بيدبا كأرضية للحجاج مع الملك، بل هي القيمة المحورية للكتاب، لذلك ما تلبث شخصيات الكتاب الحيوانية والإنسانية، أن تعود إلى هذه القيمة كلما لزم الأمر ذلك؛ إن دمنة في مرافعته للدفاع على نفسه حينما ألصقت به تهمة تحريض الأسد على قتل الثور، حاول أن يستشهد بأقوال العلماء  وحكمهم وتجاربهم، وقد تناثرت عبارات من قبيل قالت العلماء...فالعلماء قالوا...والعلماء كتبوا...كقيمة مطلقة على جل قصص الكتاب. فقد اعتمد بيدبا على العديد من الظواهر الخطابية والحجاجية، تدخل فيما يتجلى عند بيرلمان في الآراء الشائعة والقيم المشتركة والقيم وهذه التقنيات التي لم يبخل بيدبا وابن المقفع، في توظيفها ضمن الاستراتيجيات الخطابية، قد أتت ثمارها لدى بيدبا، حيث نجح في اقناع الملك بتغيير نهجه في سياسة رعيته. فقد عرفنا11 الرأي الشائع باعتباره مجموع الأفكار التي شاعت في مجتمع معين وتقادمت في الزمن، وصار الرجوع إليها ضرورة حجاجية، مثل الأمثال والحكم وعبقرية الشعوب، فمن بين الآراء الشائعة التي جاءت على لسان بيدبا "فإن الحكماء لا يشيرون إلا بالخير، والجهال يشيرون بضده"، أو ما قاله بيدبا لتلاميذه، وقد أوردناه سابقا، في أن "من لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب".

أما مقدمة بيدبا في محاولة إقناع دبشليم بالعدول عن جبروته، فقد ضمنها مجموعة من القيم التي يتعين على أي شخص في مرتبة الملك أن يتصف بها ليكون حكمه راشدا وعادلا ومستمرا في الوجود، فمن هذه القيم ما جاء في قوله: "إني وجدت الأمور التي اختص بها الإنسان من دون سائر الحيوان أربعة أشياء وهي جَماع ما في العالم وهي الحكمة والعفة والعقل والعدل، والعلم والأدب والروية داخلة في باب الحكمة، والحلم والصبر والوقار داخلة في باب العقل، والحياء والكرم داخلة في باب العفة، والصدق والإحسان والمراقبة وحسن الخلق داخلة في باب العدل، وهذه هي المحاسن، وأضدادها هي المساوئ" (ص14).

وتمثل القيم سندا أساسا لتطوير أي حجاج والسير به نحو نتائج مقبولة، إن التذكير بها في ذاته يعتبر حجة12؛ وهو الأمر الذي يجعلنا نفهم إستراتيجية مقدمات بيدبا، فهو يذكر الملك بهذه القيم بغرض إفهامه بأنها قيم مفقودة فيه بسبب تجبره على الناس وظلمه لهم، وهي قيم موجودة ليتصف بها كل الناس (العالم والملك)، وهناك قيم خاصة بالملوك، أوردها بيدبا على ألسنة العلماء (لم يذكرهم في هذا السياق) تارة، وعلى ألسنة الملوك (وقد تم ذكر هؤلاء) تارة أخرى، فالقيم التي جاءت على ألسنة العلماء، وردت كما يلي : "وحكي أن أربعة من العلماء ضمهم مجلس ملك فقال لهم: ليتكلم كل منكم بكلام يكون أصلا للأدب، فقال أحدهم: أفضل خلة العلماء السكوت، وقال الثاني: إن من أنفع الأشياء للإنسان أن يعرف قدر منزلته من عقله، وقال الثالث أنفع الأشياء للإنسان أن لا يتكلم بما لا يعنيه، وقال الرابع أروح الأمور للإنسان التسليم للمقادير" (ص15)؛ والدليل على أن هذه القيم خاصة بالملوك حتى وإن ظهرت على أنها للعلماء ولغيرهم من الناس، ما تبع هذا الكلام من استشهاد بأقوال ملوك أكبر البلدان وأعظمها في ذلك الزمان، وهي ملوك الصين والهند وفارس. وقد تقوّت حجج بيدبا حينما ذكره أن آباءه وأجداده قد دام لهم الحكم، لأنه لو لم يكن الوضع كذلك لما وصل إليه، "وأسسوا الملك وشيدوه وبنوا القلاع والحصون ومهدوا البلاد وقادوا الجيوش واستجاشوا العدة وطالت لهم المدة واستكثروا في السلاح والكرام وعاشوا الدهور في الغبطة والسرور..."(ص16). وهذا يعني، إذا وقفنا على مقدمات بيدبا، أن هذا الملك لن يطول حكمه وسيتهدم كل ما بناه آباؤه وأجداده بشق الأنفس، إذ لم يتحل بهذه القيم التي ذكرها له، وهي إستراتيجية إقناعية ذكية، أتت ثمارها. ولم يسلم خطاب بيدبا من استخدام إستراتيجية تعدد الأصوات فهو كان يعرف مسبقا أن الملك يرفض النقد والإرشاد في أمور السياسة، ولا يتقبل الرأي الآخر، وخاصة إذا جاء من شخص فريد وحيد مثل شخص بيدبا، وهو الأمر الذي دعاه إلى الاستعانة بأصوات شخصيات معروفة (مذكورة) وغير معروفة، ختمت بعمق على الحكمة الإنسانية وتجربتها. فقد استشهد، بصفة مباشرة تارة، وغير مباشرة تارة أخرى، بأقوال العلماء والحكماء الذين يدرك الملك قيمتهم وقيمة علمهم وحكمتهم، واستشهد تارة أخرى بأشهر حكام زمانه من حكام الهند والصين وفارس، كما استشهد أيضا بما فعله وقام به أباؤه وأجداده بصفاتهم وقيمهم، ففي هذا السياق يعتبر فيليب بروتون الكفاءة (كفاءة آبائه وأجداده على بناء دولة عادلة ودائمة) والشهادة والتجربة (شهادة العلماء وحكام الهند والصين وفارس وتجربتهم) أنواع من حجج تضفي على الخبر بعد الثقة.

فالفعل الكلامي الرئيس (الذي تعتبره في هذا الكتاب فعلا جامعا) الذي هو إسداء النصيحة، لم يكتب له النجاح لو لم ينبه على أساس إستراتيجية محكمة تخللها تقديم الحجج التي لا يمكن دحضها، وهي مصوغة في مجموعة من المقدمات، مكنت الملك من فهم الدلالات الضمنية لأقوال الفيلسوف، دون أن يصرح بها، لأنه يدرك أن التصريح ضمن هذه المواقف نهايته الهلاك؛ فهو لم يقل له إنك حاكم مستبد ومتجبر وصفاتك لا ترقى إلى مستوى صفات الملوك الأقوياء والعدول، وأن حكمك لن يدوم طويلا لأنك لم تلتزم بسنن وأخلاق الملوك والأمراء العدول؛ فالملك فهم عنه ذلك بجدارة، الأمر الذي أغضبه مما حمله على الأمر بقتله وصلبه. ولكون الأسلوب الذي جاءت عليه نصيحة بيدبا قد أعطى ثماره في مرحلة لاحقة، فقد فكر مليا فيما فعل، وأمر بإطلاق سراحه وأكرمه ورفع من قيمته ودرجته، بل وذهب إلى أبعد من ذلك حينما أمره بوضع كتاب "مشروع ينسب إليه وتذكر فيه أيامه كما ذكر آباؤه وأجداده من قبله" (ص21).

فقد جاء في آخر كلام بيدبا: "فلم أتكلم بهذا ابتغاء غرض تجازيني به ولا التماس معروف تسوقه إلي ولكن أتيتك ناصحا مشفقا عليك" (ص18)، وهذا يعكس صدقه فيما جاء به إليه، وهذا لا يبرر استخدام الحيلة بقدر ما يستدعي استخدام إستراتيجية ملائمة يحترم فيها "الطقوس" والعقود التي تنبني عليها هذه المواقف والمحادثات فمن بين هذه "الطقوس" على حد تعبير الأستاذ رشيد بن مالك احترام بيدبا لمقامه كفيلسوف ولمقام دبشليم باعتبارها ملكا. فبيدبا لم ينس أنه في مكان يلزمه باحترام قواعده وأعرافه وطقوسه، أي أن يكون خطابه مناسبا لمقتضى الحال، فحينما طلب منه ما حاجته عند الملك، قال: "إني رجل قصدت الملك في نصيحة" (ص11) وهو في نظرنا ضرب من الاحترام والتواضع، لأنه كان بإمكانه أن يقول بدل "إني رجل"، إني فيلسوف... وعندما دخل إلى مجلس الملك "وقف بين يديه وكفر وسجد له واستوى قائما وسكت" (ص12). لم يكن هذا السكوت، في رأينا، نتيجة لخشيته من الملك، فلو كان الأمر كذلك لما انتقل إليه لينتقده في وجهه، بل إنه يدرك أن المقام الذي هو فيه (مجلس الملك) يلزمه على أن لا يتلفظ بكلمة قبل أن يأذن له الملك. وفعلا هذا ما حدث فلم يقل شيئا إلا بعدما أذن له الملك بقوله: "وأنا قد فسحت لك في الكلام" (ص13)، يقول الأستاذ بن مالك: "ومن هذه المنطلقات، يمكن أن يدرك القارئ أن الامتناع عن الكلام في مقام يقتضي الكلام هو كلام في حد ذاته و(إستراتيجية حيلة) سخرها بيدبا لجس نبض الملك أولا، وحمله من دون أن يشعر على قبول الحوار ثانيا، ومن ثم جره إلى تنازلات كان مستحيلا أن يقوم بها قبل عزمه على الذهاب إليه ورفع التحدي بمواجهته"14. وخضع كلامه في بدايته إلى "طقس" آخر يتعلق بآداب الحديث إلى الملوك، ويتمثل في الدعوة له ببقاء الملك ودوامه نظرا لتشريفه إياه بسماعه لنصيحته: "أول ما أقول إني أسأل الله تعالى بقاء الملك على الأبد ودوام ملكه على الأمد، لأن الملك قد منحني في مقامي هذا محلا جعله شرفا لي على جميع من بعدي من العلماء وذكرا باقيا على الدهر عند الحكماء" (ص13). ويقصد بيدبا بهذا الأسلوب (أو الطقس) تحضير الملك من الناحية النفسية ليتقبل ما سيجيء به من خطاب قد يفشل في إنجازه إذا دخل مباشرة في مضمونه، لأن منطق بيدبا الفيلسوف يقتضي أن دوام الملك وبقائه ليس رهينا بسماح الملك لأن يجلسه في مجلسه ويسمع منه النصيحة، فهذه العملية تحتاج إلى أمور وخصائص أخرى ذكرها بيدبا في كلامه المسهب مع الملك.

وقد فرض المقام على الفيلسوف أن لا يذكر بعض الكلمات والتعابير التي تشير صراحة إلى فساد سياسة الملك وتجبره على الناس، إنما اكتفى بوضع أفكاره تلك في شكل اقتضاءات نصفها بالتداولية نظرا للأثر الذي أحدثته في نفس الملك.

وعند شروعه في فعل النصيحة، لم يشر مباشرة إلى أخلاق الملك وأفعاله وصفاته، بل تحدث بصفة عامة عن الأخلاق والصفات التي يتوجب على الإنسان التحلي بها لتكون أعماله راشدة وخيرة وصالحة للناس، معتبرا حديثه هذا واجبا من واجبات العلماء والفلاسفة اتجاه الحكام، فهذا الأسلوب لا يمكن له إلا أن يجعل الملك يفهم حقيقة معاني الفيلسوف ودلالاته حينما حضر بين يديه، رغم مخاطبته إياه بأسلوب يتجنب فيه (وهو ما يقتضيه المقام) الاستخدام المتواتر للضمير أنت: "إني أسأل الله تعالى بقاء الملك"، "لأن الملك قد منحني..."، "قد عطف علي الملك..."، "والأمر الذي دفعني إلى الدخول على الملك..." (ص13)، فهو في مقام يخاطب فيه شخصا أرفع منه درجة اجتماعية، تقتضي مخاطبته استخدام أسلوب يليق بمقامه.

إن لمعرفة بيدبا آداب الحديث وأخلاق الحوار، الأثر الإيجابي على الملك ويتمثل أولا: في إعادة النظر في قراره الذي  تمثل في قتل بيدبا وصلبه، ثم سجنه فقط، وبعدها إخراجه من السجن وتكريمه إياه، وثانيا، في طلبه أن يضع له كتابا يخلد اسمه على غرار آبائه وأجداده، وهذا كله بسبب حجج بيدبا التي لا تقبل الرد والدحض نتيجة انبنائها على ما هو مشترك بين العام والخاص، من جهة، وقدرته على إرسال خطابه باحترام القواعد التي تحكم الإنسان في ذلك المقام، من جهة أخرى.

ويمكن القول، انطلاقا من نظرية أفعال الكلام، إن الفعل الكلامي الجامع الذي طغى على كتاب كليلة ودمنة، هو فعل النصح، وذلك نظرا لطبيعة الموضوع ولمقاصد بيدبا في وضعه وابن المقفع، لاحقا، في ترجمته، والنصح في هذا المقام غايته إصلاح وضع سياسي واجتماعي سائد؛ غير أن هذا الفعل الكلامي الجامع تتخلله أفعال كلامية جزئية تقوم كلها بخدمته، معنى ذلك أن اختيار الكاتب الأفعال الكلامية الجزئية، لا يكون إلا لتدعيم الفعل الكلامي الجامع وتشكيله، وبأسلوب آخر، وكل الأفعال الكلامية الجزئية تخدم الغرض الذي من أجله صيغت في ذلك الخطاب.

ومن يقرأ كتاب كليلة ودمنة، يشده فعل كلامي آخر يصعب تصنيفه ضمن الأفعال الكلامية الجامعة، تماما أو الأفعال الكلامية الجزئية، إنه الاستعارة، فهي من حيث الصيغة لا يمكن لنا أن نأتي بها في عبارة أو جملة كأن نقول زيد أسد ولكن من حيث كثرتها ودلالتها في نص كليلة ودمنة وفي وضعها أساسا، فهي فعل كلامي جامع، فنص كليلة ودمنة نص استعاري بالنسبة لواضعه بيدبا، لأنه قصد منه استعارة دلالات جاءت على ألسنة الحيوانات تشبه دلالات وعوالم خاصة بعالم البشر، فنقول إن كليلة ودمنة هو استعارة الحكم الراشد والأخلاق الحسنة والسياسية الحكيمة.

هذا هو إذن السبب الذي جعلنا نتحدث عن الاستعارة باعتبارها فعلا كلاميا جامعا. ولا أدل على ذلك من إقدام ابن المقفع على ترجمتها، مبينا معانيها ودلالاتها، رغبة منه في تغيير وضعية حكامه الفاسدة، كما فعل بيدبا قبل ذلك بقرون، فإذا كانت الاستعارة تتشكل على نحو زيد ثعلب (للدلالة على مكر زيد وخبثه)، وهي فعل كلامي جزئي، فإن قولنا كتاب كليلة ودمنة هي الحكم الراشد وحسن أخلاق الحكام والعلماء، هي الفعل الكلامي الجامع.

وقد أثبتت التداولية في العديد من الدراسات التي أجريت على الاستعارة أن الغاية من وضع الخطاب الاستعاري هي التأثير في المستمعين15. لذلك اعتبرنا الاستعارة فعلا كلاميا، والعلاقة الاستعارية على حد تعبير الفيلسوف طه عبد الرحمن، هي أدل ضروب المجاز على ماهية الحجاج.

عليه سنستعرض في هذا المقام بعض العلاقات التي تخللت كتاب كليلة ودمنة، فهناك ما أسميناه استعارة السفينة التي جاءت للدلالة على حسن تسيير الملك وتدبيره لشؤون مملكته: "أرى السفينة لا تجري في البحر إلا لملاحين لأنهم يعدلونها، وإنها تسلك اللجة بمدبرها الذي تفرد بإمرتها ومتى شحنت بالركاب الكثيرين وكثر ملاحوها لم يؤمن عليها من الغرق" (ص23).

ثم هناك ما أسميناه استعارة الشخص الجامع للعلوم (وليس العالم) "من غير إعمال الروية فيما يقرؤه كان خليقا أن يصيبه ما أصاب الرجل الذي زعمت العلماء أنه اجتاز بعض المفاوز فظهر له بوضع آثار الكنوز، فجعل يحفر ويطلب فوقع على شيء من عين وورق فقال في نفسه، لئن أنا أخذت في نقل هذا المال قليلا طال علي وطمعني الاشتغال بنقله وإحرازه عن اللذة بما أصبت منه... ثم جاء بالحمالين فجعل يحمل كل واحد منهم ما يطيق وينطلق به إلى منزله فيفوز به حتى إذ لم يبق من الكنز شيء انطلق خلفهم إلى منزله فلم يجد فيه من المال شيئا لا قليلا ولا كثيرا، وإذا كل واحد من الحمالين قد فاز بما حمله لنفسه ولم يكن له من ذلك إلا العناء والتعب لأنه لم يفكر في آخر أمره" (ص 46).

والنص هو استعارة عن سوء جمع الشخص للعلوم وقراءة الكتب دون أن يعي ما يقرأ ويستفيد منه.

أما الاستعارة الثالثة فقد أسميتها "استعارة السارق"، التي تنطبق على الإنسان الذي يعرف مضامين كتاب كليلة ودمنة ولم ينتفع منه "وإن لم يفعل ذلك كان مثله كالرجل الذي زعموا أن سارقا تسور عليه وهو نائم في منامه فعلم به فقال: والله لأستكن حتى أنظر ما يصنع ولا أذعره ولا أعلمه أني قد علمت به، فإذا بلغ مراده قمت إليه ونغصت ذلك عليه، ثم إنه أمسك عنه وجعل السارق يتردد وطال تردده في جمع ما يجده، فغلب الرجل النعاس فنام وفرغ اللص مما أراد وأمكنه الذهاب، واستيقظ الرجل فوجد اللص قد أخذ المتاع وفاز به، فاقبل على نفسه يلومها وعرف أنه لم ينتفع بعلمه باللص إذ لم يستعمل في أمره ما يجب" (ص48)، هذه الاستعارة نعتبرها تحريضا من قبل ابن المقفع للقارئ الافتراضي أو الواقعي الموجود في عصره على الثوران على النظام السياسي الفاسد، وفي الوقت نفسه تحذيرا من عدم فعل ذلك.

فقد جاءت الاستعارات في هذا الكتاب كحجج لتدعيم المزاعم والأفكار التي يعلن عنها السارد، ونقصد بيدبا أثناء مخاطبته القارئ الافتراضي أو الواقعي، ونقصد به أيضا ابن المقفع بمخاطبته القارئ الواقعي في عصره.

الهوامش

1-         عبد الله ابن المقفع (2000)، كليلة ودمنة، دار الحكمة للنشر، الجزائر، تقديم: د. عمر عروة، ص 4.

2-         عبد الهادي بن ظافر الشهري (2004)، استراتيجيات الخطاب، ط1، دار الكتاب الجديد المتحدة، ص 180.

3-         كليلة ودمنة، ص 21.

4-         مقدمة الدكتور عمر عروة (طبعة 2000).

5-         استراتيجيات الخطاب، ص 186.

6-         رشيد بن مالك (2006)، قراءة سيميائية في كليلة ودمنة لعبد الله ابن المقفع، مجلة "بحوث سيميائية" مخبر عادات وأشكال التعبير الشعبي بالجزائر جامعة أبو بكر بلقايد –تلمسان- ومركز البحث العلمي والتقني لتطوير اللغة العربية الجزائر.

7-         عبد الهادي بن ظافر الشهري، المرجع السابق، ص 187.

8-         بلخير، عمر(2003)، تحليل الخطاب المسرحي في منظور النّظرية التّداولية، منشورات الاختلاف، الجزائر.

9-           D. maingueneau, P. Charaudeau (2002), dictionnaire d’analyse du    discours, paris, seuil, p549

10-     عمر بلخير (2006): معالم لدراسة تداولية وحجاجية للخطاب الصحافي الجزائري المكتوب ما بين 1988 و2000، رسالة أعدت لنيل شهادة الدكتوراه، جامعة الجزائر، ص 232.

11-     نفسه، الصفحة نفسها.

12-             P. Breton (1996), l’argumentation dans la communication,  paris,  la découverte, p.p 51-53 

13-     رشيد بن مالك، المرجع السابق، ص 35.

14-     المرجع نفسه، ص 37.

15-     أنظر في ذلك: طه عبد الرحمن (1998)، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الفصل الرابع من الباب الثاني.

أنظر أيضا G. Golder (1996), le développement du discours augmentatif, Lausanne- Delachaux et niestle.

  


التحميل