المثل في كتاب " كليلة ودمنة " بين الإخبارية والتوصيلية  

تقريب تداولي

الأستــاذة : هـــاجر مدقـّـن .

( الجزائر )

-        مدخــــل:

إن الغرض من وضع أمثال " كليلة ودمنة " رهن الدرس ، هو القيم الإفادية المتعددة التي تصدر عنها من حجاج وإخبار وتوصيل وقصّ ونصح وتقويم وإمتاع  وإبداع كذلك ، ولاسيما من حيث طابع النصوص وشخوصها .

يهمنا في هذه المداخلة النظر إلى القيمتين الإخبارية والتوصيلية في هذه الأمثال بمنظار تداولي ، وذلك برصد أثر كل قيمة منهما في تشكيل الأخرى ، حيث لا نصل إلى قمة هرم التواصل ( التوصيل ) ، إلا عبر اكتمال عناصر الإخبارالخبَر، المُخبِر، المُخبَرُ،  المُخبَر عنهُ ، المُخبَرُ عبرَهُ ، ولا تكتمل قيمة الإخبار ، أو المقصدية الإخبارية إلا لتضمنها غرضا توصيليا في عباءة حجاجية قدّمت كتاب " كليلة ودمنة " كنص من نصوص " الآداب السلطانية " في شكل جديد ، متعدد القيم والمقصديات المتكاملة.  

هدف هذه المداخلة إذن ، هو محاولة تلمس المقصديتين الإخبارية و التوصيلية من خلال التمثيل  في كتاب " كليلة ودمنة " .

-     مفهوم التمثيل :

يعده " أرسطو " أضعف حلقات آليات بناء المعرفة العلمية ، وهي: الاستنباط والاستقراء،ويرجعه إلى التعقل بالمثال ؛ في حين يرى أن العلم يقوم على البرهان ( خصوصا الاستنباط) لأنه يبحث عن اليقين، بينما يلاحظ الباحثون المنكبون على دراسة العملية التعرُّفية والتدليلية العادية أن العقل يشتغل عبر المزج بين التداعي والاستعارة والمثال والعلامة والاستنباط في مستويات مختلفة متداخلة ؛ ويبرزون أن التعقُّل بالتمثيل يحتل مكانة مركزية في الإنشاءات العقلية (1) . وكما يقول " برلمان " : « التمثيل ، الذي لا أحد قد نفى دوره في الابتكار، يقدم نمطا أساسيا من الدليل بالنسبة للبعض ، في حين يُنظر إليه بحذر من طرف آخرين ؛ لكن يبدو أنه من المحال جدا الاستغناء عنه ، كلما تطرق العقل لميدان جديد أو مألوف قليلا » (2). فالتمثيل حاضر في كل فاعلية فكرية كيفما كانت « إن التعقل بواسطة التمثيل هو بناء للفكر في جميع الدرجات ، منذ المحاولات المتواضعة للتفكير الطفو لي الذي يستعمل التمثيل استعمالا مفرطا ، وإلى الأشكال الأكثر سموا من التفكير العلمي » .

فالتفكير بالصور والمثال والنموذج السابق والخبرة المكتسبة ، وإسقاط المألوف على النوازل  والتداعيات القائمة على التشابه والتناظر ، أسبق لدى الإنسان من التعقل الصارم الذي يحصر موضوعه . وهل يستطيع المرء أن يتخلص من هذه العمليات التي تكوّن شخصيته المبكرة وتشحذ ذهنه في كل مراحل نموه ؟ إنما يكون كل نمو طارئ على فكر الإنسان مشروطا بدرجة ما بتلك العمليات المبكرة نفسها (3) .

-      القياس التداولي :

  هو ممارسة استدلالية استكشافية للمعرفة، تجعلنا ننتقل من حكم إلى لآخر، كقياس مفرد على مفرد أو حدث على حدث أو بنية على بنية ... ممارسين حريتنا في اختيار ما نحتاجه من ألفاظ وتراكيب ومقارنات وصور ، متجاوزين منطق الحدود ومنفتحين على منطق العلاقات ، الذي يأخذ بعين الاعتبار متغيرات الوضع اللساني ن ومتغيرات المحيط المعرفي للأشخاص المشاركين في عملية التواصل ، إلى حد أن بعض الباحثين ذهبوا إلى اعتبار النماذج والصور والاستعارات ، قياسات ينتقل فيها الذهن من المعروف إلى اللا معروف ...، وإذا كان القياس التداولي يربط بين موضوعين ( مقيس ومقيس عليه ) أو ظاهرتين أو فكرتين ينتميان إلى مجالين ، هما في التداول متباعدين ، فإن ذلك الربط يتم عن طريق علاقة القياس التي تتصف بالمغايرة لا بالمجانسة ، مما يجعلها تحافظ على وجوه الاختلاف بين الطرفين ، في العملية ذاتها ، وفي نفس الوقت تثبيت وجود مظاهر التشابه بينهما ، الشئ الذي يفتح الباب أمام كل الاحتمالات والقراءات والتأويلات الممكنة ، فلا يلجأ المتكلم إلى هذا النوع من القياس ، إلا إذا تعذر عليه إيجاد المطابقة في القضايا التي يروم التعبير عنها ، لا لأنه يجهل طبيعة الغائب ، وإنما يريد طرح إشكالية من خلال مقارنته بالشاهد . وبذلك لا يكمن هدف القياس التداولي بكل أنواعه في حمل الخبر ونقله لمن لا يعلمه نقلا مستقلا ، وإنما مرجع فائدته أن المتكلم يريد حمل المخاطب على الاستفادة من القياس استفادة سلوكية معينة ، لأنه يشتمل على عنصر القيمة الفكرية التي ترتبط بتغيير المحيط التداولي للفرد عن طريق الإقناع ، بمضمون القول عملا به أو كفًّا عنه (4).

- التمثيل الحجاجــي :  

إن التمثيل يسقط علاقات مستفادة سابقا على مجال مجهول أو يبدع علاقات جديدة من منطلق تشابه ما ، فالذهن ينظر إلى ما يجري " أمامه " من خلال الأحكام التي تكونت فيه على ضوء الخبرة السابقة ؛ ولا تعرَّف بدون إسقاط المعروف ، ولا وجود لذهن فارغ . وكما يقول " برلمان " :  « يلعب التمثيل دورا في الابتكار والتدليل و" الحجاج " ، عبر عمليات التطوير والتمديد التي يسمح بها ؛ لكن أين يجب التوقف في هذا التطوير ؟ فباعتباره عنصر ابتكار ، يمكن تمديده بدون تحديد ؛ لكن من أجل الحفاظ على قيمته ، هناك حدود لا يمكن تجاوزها » (5) .

فالتمثيل الحجاجي طريقة حجاجية تعلو قيمتها على مفهوم المشابهة المستهلك ، حيث لا يرتبط التمثيل بعلاقة المشابهة دائما ، وإنما يرتبط بتشابه العلاقة بين أشياء ما كان لها أن تكون مترابطة أبدا ، ومن ثمة اعتبر عاملا أساسيا في عملية الإبداع يستعمل في الحجاج ( فهو قريب من الحجاج المقارني ) دون أن تكون له علاقة بالمنطق الصوري ، حيث لا يطرح معادلة صورية خالصة ، ولكنه ينطلق من التجربة بهدف إفهام الفكرة، أو العمل على أن تكون الفكرة مقبولة ، وذلك بنقلها من مجال إلى مجال مغاير ، جريا على مبدأ الاستعارة ... وقلما كان العرب حين يسوقون خبرا أو قصة مثلا يكنون به عن معنى أو عبارة أو حكمة أو موعظة حسنة قلما يضعون النقط على الحروف (6) .

 ويحدد " روبريو " مجموعة من الخصائص العامة للتمثيل يمكن إجمالها فيما يلي :

  1. يرتكز التمثيل على استدعاء صور تحكي أحداثا من أجل نقل أفكار مرجعية ذات قيمة رمزية .
  2. تقوم العلاقة فيه على مماثلة تتحقق بين عناصر أو بنيات تنتمي إلى مجالات مختلفة.
  3. يتجه نحو مخيلة الإبداع ويتجاوز اللغة وحدود الواقع ويفهم عن طريق تحريك الذهن ، مما يتطلب معالجة دينامية وإبداعية .
  4. إن الأساس في التمثيل يكمن في العلاقة بين الموضوع والحامل ( وجه الشبه phore) وتوتر العلاقة بينهما .

إن التمثيل بصفة عامة يعتبر منبعا للإبداع والأفكار الجديدة ، وأصلا لكل الصور التخيلية ، غير أنه قد يكون خاطئا ، أو مرفوضا ، أو غير مفهوم في الواقع ، إذا خرج عن إطاره التداولي ؛ إذ لا يمكن إقامة علاقة المشابهة انطلاقا من الخصائص العامة الملازمة ، وإنما يتم ذلك عن طريق تفكيك الأجزاء الدقيقة لمكوني التمثيل ( الموضوع والحامل phore)  ، واستعمال الخيط للربط بينهما ، مثل المشابهة بين الطفل والبراءة...

يمكن هنا استحضار الخلاصة التي خرج بها " الجاحظ " في هذا الباب والتوجيه الذي أشار به على مربي النشء « بأن لا يشغلوا قلب الصبي بالنحو إلا بقدر ما يؤديه إلى السلامة من فاحش اللحن ، وما زاد على ذلك فهو مشغلة عما هو أولى به ومذهل عما هو أرد عليه من رواية المثل والشاهد والخبر الصادق والتعبير البارع » (7) .

-      أمثال " كليلة ودمنة " بين الإخبارية والتوصيلية :

لقد اعتبر " ابن وهب " الأمثال وسيلة من وسائل الإبانة والتعبير ، حيث يقول : << ... وأما الأمثال والقصص فإن الحكماء والعلماء والأدباء لم يزالوا يضربون الأمثال ، ويبينون للناس تصرف الأحوال بالنظائر والأشباه والأشكال ويرون هذا النوع من القول أنجح مطلبا ، وأقرب مذهبا ، ولذلك قال الله عز وجل وَلَقَد صَرَّفنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا القُرآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ... وإنما فعلت العلماء ذلك لأن الخبر في نفسه إذا كان ممكنا فهو يحتاج إلى ما يدل على صحته والمثل مقرون بالحجة ، ولذلك جعلت القدماء أكثر آدابها وما دونته من علومها بالأمثال والقصص عن الأمم ، ونطقت ببعضه على ألسنة الطير والوحش ، وإنما أرادوا بذلك أن يجعلوا الأخبار مقرونة بذكر عواقبها ، والمقدمات مضمونة إلى نتائجها ... >> (8) .

يبين " ابن وهب " في هذا القول ارتباط الأمثال بالقصص ، وغايتها عنده إبراز النظائر والأشباه ، حتى يأخذ المستمع العبرة من ذلك ، ويعنينا هنا النموذج الثاني وهو قصص الحيوان والذي اشتهر به على الخصوص كتاب " كليلة ودمنة " ، حيث يضرب الكاتب الأمثال على ألسنة الحيوانات والطير . ومن ثمَّ فهذه القصص لم تأت عبثا ، وليست غايتها التسلية ، بل تهدف إلى الوعظ والإرشاد . ويمكننا اعتبار المثل في هذا الكتاب خبرا حجاجيا توصيليا ، لأن التوصيل فعل الاتصال الملح الذي لا يكتفي بآلية واحدة للوصول ,بل قد تتفرع أوجه تمظهره .

وهو كما يعرفه "عمر أوكان ": "نقل الخبر مع اعتبار المخبر والمخبر إليه, والمخبر عبره أيضا"*. ويتضح أكثر من خلال هذا المخطط :

التواصل

الوصل

الإيصال

الاتصال

التوصيل

الخَبَرُ

المُخَبرُ

المُخْبَرٌ إليه

المخبر عبره عبرهلىتلا عبره عبره

فقصة المثل هي الخبر , والمثل كشكل من أشكال الخبر والتوصيل مخبر عبره.

الخبر إذن في ارتباطه بالمقوم الصيغي يمثل جنسا عاما تندرج تحته كل الأنواع الأخرى ذات الصيغة الإخبارية ، إلا أن تداول المفهوم ضمن الثقافة العربية القديمة ، وارتباطه بمصنفات بعينها جعله يفقد هذه الدلالة الشمولية كجنس عام ، ليتخصص بعض الشئ ، ويشتغل في تواز نسبي مع مفاهيم ترادفه ، وهي : القصة ، الحكاية ، السيرة ، ومن ثم فقد مبدأ الثبات الكلي الذي يمكن أن تمنحه له الصيغة الإخبارية ، ليحل محله مفهوم آخر شمل هذه المفاهيم جميعا ، ويمكن أن يرقى إلى مفهوم " صيغي " عام وهو " القص "، حيث أصبح يتضمن كل فعل إخباري ، سواء كان حكائيا أو سيريا أو غير ذلك ، وتحت مفهوم " القص " ، يقع " الخبر" كمفهوم يحيل على الوحدات القصصية البسيطة ...(9).

                   فالسرد هو معنى عام جامع ، يمكن أن يتضمن كل كلام ذي طبيعة إخبارية ، والكلام الإخباري ... تأطر ضمن مفاهيم متعددة " حكاية – قصة – خبر – سيرة ...  "                                     

                                                      الخبر

السرد                       الحكاية

                                 القصة

                                                السيرة                               

فالخبر إذن هو " نوع " ثابت ، ونواة مركزية في كل عمل سردي ، وتطوره يجعله يتحول من شكله البسيط إلى شكل مركب أكثر تعقيدا وتفصيلا يفقده نسبيا خصوصياته النوعية ، ويدفعه بالضرورة إلى الاندماج في نوع آخر قد يكون " قصة "    أو " حكاية " (10) .

إن كتاب " كليلة ودمنة " جاء في صورة  تمثيلية ؛ بمعنى أنها تتخذ المثل وسيلتها للتوصيل ، فهي قصص امتزجت فيها الأخبار بالأمثال ؛ وذلك لحجية المثل ودلالته على صحة الخبر في ذهن المتلقي .

نموذج تطبيقي:

وإنما حلية الملوك وزينتهم قرابتهم إذا كثروا وصلحوا . وإنك أردت أن لا يدبر أمر الأسد غيرك وإنما السلطان بأصحابه كالبحر بأمواجه . والخرق التماس الرجل الإخوان بغير وفاء والأخذ بالرياء ومودة النساء بالغلظة ونفع الناس بضر نفسه والعلم والفضل بالدعة والحفظ . ولكن ما نفع هذه المقالة وما حد هذه العظة وأنا أعلم أن الأمر في ذلك كما قال الرجل لطائر : لا تطلب تقويم ما لا يستقيم ولا تأديب ما لا يرعوي .

قال دمنة : وكيف كان ذلك ؟

* مثل القرود والطائر والرجل *

قال كليلة : زعموا أن جماعة من القرود كانوا في جبل من الجبال فأبصروا ذات ليلة يراعة تطير فظنوا أنها شرارة فجمعوا حطبا فوضعوه عليها ثم أقبلوا ينفخون . وكان قريب منهم شجرة فيها طائر فجعل يناديهم : أن الذي رأيتم ليس بنار . فأبوا أن يسمعوا منه فنزل إليهم ليعلمهم . فمر عليه رجل فقال : أيها الطائر لا تلتمس تقويم ما لا يستقيم ولا تأديب ما لا يتأدب فإنه من عالج ما لايستقيم بالمعالجة ندم . فإن الحجر الذي لا ينقطع لا تجرب عليه السيوف . والعود الذي لا ينحني لا يعالج انحناؤه ومن عالج ما لا يستقيم ندم . فأبى ذلك الطائر أن يسمع من ذلك الرجل وينتفع بشئ من قوله حتى دنا من القردة ليفهمهم أمر اليراعة أنها ليست بنار . فتناوله بعض القردة فقطع رأسه .

فهذا مثلك في قلة انتفاعك بالأدب والموعظة . وأنك يا دمنة قد غلب عليك الخب والعجز . والخب والعجز خلتا سوء . والخب أشدهما عاقبة . فأشبهها أمرا بالخب شريك المغفل .

قال دمنة : وكيف كان ذلك ؟   ... (11).

التمثيل في كتاب " كليلة ودمنة " ، قائم على مقصديتين :

1-    الإخبارية : 

 انطلاقا من عناصر الإخبار : الخَبَر ، المُخبِر ، المُخبَر إليه ، المُخبَر عبره .

أ‌-       الخبر : لا تطلب تقويم ما لا يستقيم ولا تأديب ما لا يرعوي .

ب‌-    المُخبِر : كليلة .

ت‌-    المُخبَر إليه : دمنة .

ث‌-    المُخبَر عبره : مثل في صورة قصة متكاملة العناصر , وهي هنا حجَّة مصدِّقة للخبر .

فهذه العناصر المتوفرة في المثل لها قدرة عالية على خلق تواصل خلاق ومنتج بين الباث والمتلقي؛ لأنه يحدث المتعة أوَّلا والإقناع ثانيا ، فضلا عن تحريكه لذاكرة المتلقي وخياله ليستحضر القصة المفترضة للمثل ولكن بطريقته الخاصة  .

ولأن كتاب " كليلة ودمنة  " من كتب النصح السياسي ، وما يسمى كذلك بالآداب السلطانية ، أو مرايا الأمراء ، فإننا نجد طبيعة هذا النصح تتخذ مقصديات شتى تختلف أشكال تمظهرها ، وهنا تواجدت المقصدية الإخبارية في شكل أمثال ؛ القدماء لم يجدوا حرجا من توظيفها في السياسة بغرض النقد والتوجيه دون استعمال للكلام الجارح : << وقالوا : ينبغي لمن صحب السلطان أن لا يكتم عنه نصيحة وإن استثقلها ، وليكن كلام رفق لا كلام خرق ، حتى يخبره بعيبه من غير أن يواجهه بذلك ، ولكن يضرب له الأمثال ويخبره بعيب غيره ليعرف عيب نفسه  >> . (12)

وهذه العناصر في اجتماعها تحقق التوصيلية ، انطلاقا من المخطط أعلاه  ، ولكننا سنقتصر على حصرها في المقصدية الإخبارية  ، ونخص المقصدية التوصيلية بآليتي التشخيص والمقام التداوليتين .

2-  التوصيلية :

لم ينفرد مصطلح التوصيل بمفهوم خاص يميزه عن المصطلحات التي تشاركه الجذر اللغوي الواحد ( وصل ) ، وإن لم تخرج كلها عن مفهوم الاتصال والتواصل  Communication .

فمصطلح التواصل " يكتنفه بعض الغموض بسبب غناه المعجمي ، نظرا لدخوله في علاقة ترادف واشتراك مع مجموعة من المصطلحات التي تشاركه في الدلالة سواء من حيث الجذر أو من حيث الحقل الدلالي . وذلك مثل : التواصل ، الإيصال ، الاتصال ، الوصل ، التواصل ، الإبلاغ ، الإخبار،  التخاطب ( أو المخاطبة ) ، التحاور ( أو المحاورة ) ، وهلم جرا ."(13)

ومع أن الدكتور " طه عبد الرحمان " وحد بين التوصيل والتواصل في المخطط أعلاه ، حيث يحويان كلاهما عناصر الإخبار الأربعة : نقل الخبر مع اعتبار المخبِر ، والمُخبر إليه ، والمُخبَر عبره أيضا.

 إلا أننا نرى أن المقصدية التوصيلية في كتاب " كليلة ودمنة "لابن المقفع ، تتمثل في آليتي المحاورة الخاصتين بالخطاب الحجاجي التداولي في الكتاب ، وهما : التشخيص ، والمقام .

-أ- التشخيص :

يعرفه " جورج لايكوف " و" مارك جونسن "في كتابهما " الاستعارات التي نحيا بها " بأنه : < مقولة عامة تغطي عددا كبيرا من الاستعارات حيث تنتقي كل منها مظاهر مختلفة لشخص ما أو طرقا مختلفة للنظر إليه ، وما تشترك فيه كل هذه الاستعارات أنها تسمح لنا بأن نعطي معنى للظواهر في هذا العالم عن طريق ما هو بشري ، فنفهمها اعتمادا على محفزاتنا وأهدافنا وأنشطتنا وخصائصنا .> (14)

التّشخيص لدى " بانفنيست " خاصّية تلفّظية ، أو هو الإطار التّشخيصي للتّلفظ ؛ لاقتضاء التّلفظ كبنية حوارية لصورتين هما : مصدر التّلفظ وهدفه (15) . و هو نوع من أنواع الحجاج ، سمّاه " طه عبد الرّحمن ":  " الحجـاج الّتقـويمي " ، الذي يعمد المستدل فيه إلى تجريد ذات ثانية من ذاته ينزّلها منزلة المعترض على قوله ، يستنبط من فعل التّلقي لديها كلّ ردود الفعل المحتملة : استفسارات ، و اعتراضات ، ويستحضر بهذا مختلف الأجوبة عليها و مستكشفا في الوقت نفسه إمكانات تقبّلها واقتناع المخاطب بـها (16) . و التّشخيص عند " بيرلمان " دراسة لطبيعة العقول تستدعي أحسن السبل لمحاورتها ولإصغاء إليها وحيازة انسجامها الإيجابيL ‘adihision positive والتحامها مع الطّرح المعروض . وهذه الأمور النّفسية و الاجتماعية تفقد بغيابها الحجـاج تأثيره و غـايته (17) ؛ لذا فهذا النّوع من الحوارات الإقناعية يبرز على صورتين : صريحـة وضمنية .

والحوار الضمني هوالنوع الذي انبنى عليه التشخيص في كليلة ودمنة ، انطلاقا من :

-   تجريده من نفسه مجموعة من المتحاجِّين  يستدل بهم على نقائض الطرح وعيوب الخطاب .؛ ممثلين في شخصيتي كليلة ودمنة ، وباقي الشخوص التي تستدعيها المواقف  الخطابية .

-       البنية المؤطرة ، كالاستهلال وحسن التخلص والختام الذي ينتهي باستهلال جديد .

-      الخطابية ، وتتمثل في محاورة الشخوص فيما بينها .

بنية الاستدراج بالسؤال ، تتمثل في أفعال " النّداء " و " الأمر " و " النّهي " وغيرها كفيلة << بكشف ظاهرة التنازع بين ذاتين ، حيث يفترض الكاتب طرفا آخر يحاوره و يقدر أفعـال كلامه ويبني عليها التّواصـل ، كمـا تؤدي هذه الأفعال إلى مستوى دلالي أكبر هو فعل الكلام ذو الطّبيعة الشّاملة أو فعل الكلام الجامع ( Macro de Langage  ) ،وهو فعل السّؤال الذي يعكس هـاجس ثقافة السّـؤال ، وهـاجس اللّـغة التي بها الحوار وبها السّؤال وبهـا الجـواب >> (18) ، وإلى جانب دور ظاهرة تقدير السّؤال من قبل المتكلّم في إبراز سلطته الخطابيّة الطبيعيـّة في موضع المخاطب المفترض ، فهي كذلك – ظاهرة تقدير السؤال – معبر أساس للمحاججـة ، والتي ينزاح بها إلى اعتبارات تتعلّق بالمتلقّي نستخلصها من قول " السّكـاكيّ " : " إن تنزيل السّؤال بالفحوى منزلة الواقع لا يصار إليها إلاّ لجهـات لطيفـة :

-     إمّـا لتنبيـه السـّامع على موقعـه .

-      أو لإغنـائـه أن يسـأل

-     أو لئلا يسمع منه شيئا. .

-      أو لئـلا ينقطـع كـلامـه بكـلامـه .

-      أو للقصـد إلى تكثـير المعنـى بتقليـل اللّفـظ (19) .

والملاحظ في هذه الاعتبارات – مثلما ذهب إلى ذلك  " محمّـد خطّابي " – أن الجهات الثلاث اعتبارات تتعلّق بالسّامع ويمكن إجمالها في ثلاثة : تنبيه السّامع ، وإغناء السّامع ( عن السؤال ) ، وإسكات السّامع ( عن الكلام ) ، بينمـا يتعلـّق الـرّابع بسلطة المتكلّم وتنبئه بإمكان إثـارة الكـلام المقـول استفهـاما في ذهن السّامع ، فيبادر إلى الجواب قبل السّؤال لضمـان الاستمـرار في الكـلام ( نفس الكلام ) . أمّا الاعتبار الخامس فيتعلّق بالخطـاب نفسه ، بحيث يستغني عن تكـرير السّؤال بين كلّ قولين ؛ إذا لو تكرّر لأثقل الخطاب بكلام حقّه أن يستغني عنه اعتمـادا على مـا يقتضيـه المقـام ؛ أي الاستغنـاء عن إظهار رابط لفظيّ بتقدير زوج السؤال ( المقدر ) / الجواب الذي يظلّ ثاويا في عمق الخطـاب المخرج على           هـذا النّحو (20 ) .

-ب- المقام :

" المقــام " شرط تداولي يعنى بضرورة موافقة أفعال القول لمقتضى الحال والموقف الخاص به ؛ أي التّرابـط البرهاني بين بنية النّص وعناصر الموقف الاتصـالي ، و التي تعدّ الأفعال الكلامية بوصفها أحداثا – وفق مفهـوم الحدث – و في حال إصابتها ، وقبولها وكفايتها ، وفي تساوقها مع مقاصد المتكلمين ، تعدّ فاعلة في تغيير معارف السّامع ؛ أي أن يعرف أننا نتحدث وننطق هذا النّص ، ونعّبر مـن خـلال ذلك عـن معـنى معيّن ، و نحيل إلى شيء مـا (21) .

ولكلّ طرح خطابي مقام وموضوع يحققان انسجامه بشرط استخدام المتكلّم لمقدمات عقليّة في بداية طرحه لبناء

أوّل جسور التّواصل المقنع بينه وبين مخاطبيه .

وبما أن مقام كتاب ابن المقفع واضح ، ويندرج ضمن آداب النصح السياسي ، أو الآداب السلطانية كما تسمى ، ولكنّ التّصريح لا يكفي ما لم يركّز المتكلّم على معـايير الأولـويّة – كما يسمّيها " بيرلمان " – فيما يتعلّق بالعلاقة مع المقـام والموضوع معا ، المتمثلة في :

1-ذكر حقائق فعليّة وأحداث معنيّة لا يشك المخاطبون في ثبوتيتها المرجعيّة  لكن ذكرها في الخطـاب أو النّصّ لابدّ أن يكون لـه طـابع حجـاجـيّ .

2- لن يتوفّر الطّابع الحجاجي إلاّ إذا أحدث ذكر تلك الحقائق صراعـا جدليّا مع أحداث أخرى كان المخاطب يتوقّع ذكرها ، لكنّ المتكلّم رغب عنها لأجل خلق إطار منطقي للحقائق التي اختارها ، وكذلك لكي تصير فعلا هي الملائمــة للمقـام (22).

وهذا ما يبّرر لجوء صاحب الكتاب في تطبيقه لهذين الشرطين التداوليين إلى مجموع الطروحات والحجج المتنوعة والمكثّفة ، والتي تتّضح على مستويين :

1-تعداد موضوعات الكتاب ، وكلها متفرعة عن الموضوع الأساس الذي لأجله وضع .

2-تعداد الأفكار والطّروحات في كلّ موضوع مرفقة بكم من الحجج والتّمثيلات الحجاجية .

 إن دراسة المقام كمكون حواري تقتضي دراسة "النظام القولي" بما يضمه من قرائن ، كونها وسيلة من وسائل التحليل الأساسية ، وهذه القرائن تعمل على كشف مجموع القيم المكونة للمقام أو مجموع المقامات الموزعة على مستوى النص .وقرائن الدراسة تتمثل في :

أولا : قرائن القول :  تظهر وضعية المتكلم على مستوى اللغة من خلال :

1- السمات الذاتية : تنقسم إلى : أسماء الإشارة : تحيلنا على المتخاطبين ؛ أي ضمائر الشخص الأول ( المرسل ) : أنا ، والشخص الثاني  ( المتلقي ) : إنك . نظام الزمن :أو علامات التحديد الزمني : زمن الإلقاء ( الحكي ) : زعموا ، وزمن وقوع الأحداث : ذات ليلة .

2- المخصصات : وهي العبارات التي تحيل إلى درجة ثقة المتكلم فيما سيقول ، وهي نفسها التي يؤثر بها في سامعه : أنا أعلم ، لا تلتمس ، فهذا مَثَلك ، إنك يا دمنة قد غلب عليك ...

3- الأفعال الذاتية : هي الأفعال أوالصفات التي يظهر بها المتكلم أو صاحب النص رد فعله بألفاظ شعورية أو تقييمية لشئ ما : فهذا مثلك في قلة انتفاعك بالأدب والموعظة ، قد غلب عليك الخب والعجز ، ...

ثانيا : قرائن التنظيم : الغرض الأول والأخير منها هو تبيان وتوضيح مدى تناسق الأقوال  الحجج وترتيبها على صعيدين :

1- الصعيد الخارجي : يظهر في شكل تقديم النص ، ومن خلال العناوين خاصة .

2- الصعيد الداخلي : يكون فيه التّـركيز على " الرّوابط الحجاجيّة " ، و على كلّ ما يدل على مناحي الحجاج ، كعبارات " التقديم " ، و " الانتقـال " ، و " الاختتـام " .

 ثالثا : قرائن المعجم :  و هي مفردات النّص الحجاجي النّاتجة عن التّقابل في وجهات النّظر، و تكون هذه المفردات متضادة نظرا لكونها تعكس تضادا في الأطروحــات ، يرتبط بمختلف خصائص الشخصيات ، كما تعكس أيضا موقف المؤلف من شخوصه ، وذلك بأن يجعل لكل منها حقلا دلاليا خاصا بها يتماشى مع حالتها ومواقفها ،وواقعها المحيط بها .   

مراجع المداخــلة :

1-   بناصر البعزاتي ، الصلة بين التمثيل والاستنباط ، ضمن كتاب : التحاجج طبيعت

ه ومجالاته ووظائفه ، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية ، بالرباط ، سلسلة : ندوات ومناظرات ، رقم : 134 ، جامعة محمد الخامس ، الرباط ، المغرب ، مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء ، المغرب ، ط1 ، 2006م،  ص : 28.

2-   نفسه ، ص : 29.

3-   نفسه ، ص :  31.

4-    عبد السلام عشير ، عندما نتواصل نغير ، مقاربة تداولية معرفية لآليات التواصل والحجاج ، إفريقيا الشرق ، المغرب ، د ط ، 2006م ، ص ص : 99 ، 100 ، 101  .

5-   بناصر البعزاتي ، الصلة بين التمثيل والاستنباط ، ص ص: 29 ، 30 .

6-    عبد السلام عشير ، عندما نتواصل نغير ، ص ص : 97 ، 98 .

7-    نفسه ، ص : 98 .

8-    أبو الحسن إسحاق ابن وهب ، البرهان في وجوه البيان ، تقديم و تحقيق : جفني محمّد شرف ، مطبعة الرسالة ، عابدين ، مصر  د ط ، د ت ط ، ص ص : 117، 119.

*  عمر أو گان , اللغة والخطاب , إفريقيا الشرق , المغرب , لبنان , د ط , 2001م ,  ص: 35 .

9-    سعيد جبار ، الخبر في السرد العربي ، الثوابت والمتغيرات ، شركة النشر والتوزيع ، المدارس ، الدار البيضاء ، المغرب ، ط1، 2004م ، ص : 96.

10 –  نفسه ، ص ص : 97 ، 98 ، 101 .

11 – ابن المقفع ، كليلة ودمنة ، عني بتنقيحها ونشرها مع شرح ألفاظها لويس شيخو ، دار المشرق ش م م ، بيروت ، لينان ، ط14 ، 1994 ، ص ص : 107، 108 .

12- محمد بلاجي ، المثل في الخطاب السياسي المغربي ، مجلة فكر ونقد ،

13- عمر أوگان ، السابق ، ص : 35 .

14-  جورج لايكوف ، مارك جونسن ، الاستعارات التي نحيا بها ، ترجمة : عبد المجيد جحفة ، دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء ، المغرب ، ط1 ، 1996، ص : 54

15- حبيب أعراب ، الحجاج و الاستدلال الحجاجي (( عناصر استقصاء نظري )) ، مجلة عالم الفكر،  الكويت،  ع1 ، يوليو ، سبتمبر ، 2001 ، ص: 104.

16- طه عبد الرحمان ، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي ، المركز الثقافي العربي ، الدّار البيضاء ، بيروت ، ط1 ، 1998 م ، 228 .

17- محمد سالم ولد محمد الأمين ، مفهوم الحجاج عند بيرلمان ، وتطوّره في البلاغة المعاصرة ، عالم الفكر ، الكويت، ع2 ، يناير ، مارس ، 2000 م ، ص : 68 .

18- آمنة بلعلى ، تحليل الخطاب الصّوفي في ضوء المناهج النقديّة المعاصرة ، منشورات الإختلاف ، الجزائر ، ط1 ، 2002 م ، ص ص: 122 ، 123

19-   السّكاكي (محمّد بن علي ) ، مفتاح العلوم ، ضبط وتعليق : نعم زرزور ، دار الكتب العلميّة ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، 1983 م،  ص : 110.

20- محمد خطابي ، لسانيات النّص ، مدخل إلى انسجام الخطاب ، المركز الثقافي العربي ، الدّار البيضاء ، بيروت ، ط1 ، 1991 م ، ص: 116.

21-   فان دايك ، علم النّص،  مدخل متدخل الاختصاصات ، ترجمة وتعليق : سعيد حسن بحيري ، دار القاهرة ، القاهرة ، مصر ، ط1 ، 2001 م ، ص ص : 130 ،131.

22- محمدّ سالم ولد محمدّ الأمين ، مفهوم الحجاج عند " بيرلمان " ، ص ص : 84 ، 85 .     

 


* عمر أو كان , اللغة والخطاب , إفريقيا الشرق , المغرب , لبنان , د ط,2001م, ص:35.

 


التحميل