مكونات الخطاب الأصولي في شعر ابن هاني المغربي.

 

فاتح حمبلي

يقوم الخطاب الشعري عند ابن هاني المغربي، على توظيف ملفوظات لغوية ذات دلالات أصولية، باطنية، تخرق قواعد الاتصال و تتلاعب بشروط تداوله، ذلك أن هذا الخطاب يصدم المتلقي المسلم في ابسط مقومات عقيدته، و يخلخل منظومة القيم الراسخة في وجدانه.

فما هي مكونات الخطاب الأصولي –الباطني- الذي سخر له الشاعر فنه الشعري؟

وما هي آليات تأويل شفرات هذا الخطاب؟

تسعى المداخلة لتحديد مكونات الخطاب الأصولي- الباطني في شعر ابن هاني المغربي من خلال تحليل نماذج من شعره للوصول إلى الكشف عن الشروط السياقية،و الأنساق المرجعية التي تحقق تأويل خطابه الأصولي وتضمن تداوله.

عاش ابن هاني المغربي الأندلسي فترتين متباينتين في حياته الشعرية تميز الطور الأول من حياته بركوبه الخطاب التقليدي القائم على المديح و على ما يحمله خطاب المديح الكلاسيكي من دلالات تنتمي إلى جملة القيم التي تعد الإطار العام لتلك المعاني المترددة في الشعر العربي القديم تعود عليها المتلقي {الممدوح}وشكلت الصورة المثالية التي ينتعش فيها وجدان المتلقي، و يرغب في تخليد اسمه في قائمة الإبطال إن حقا أو نفاقا.

 فلما انتقل الشاعر ابن هاني  إلى دار الخلافة الفاطمية و في رحاب المعز لدين الله الفاطمي و بفعل تشبعه بالمقولات الأصولية الإسماعيلية أضحى هذا الشاعر يواجه المتلقي العربي بخطاب مميز أقل ما يقال عنه أنه خطاب صدامي ، يصدم المتلقي في منظومة عقيدته ويخرق أفق انتظاره بما لا تستجيب له ثقافته ، وبما لا يألفه حسه ووجدانه، فإذا نحن أمام خطاب مشحون بدلالات متضاعفة و مستويات متباينة، نسج هذا الخطاب بلغة رامزة و مصطلحات غريبة عن قاموس المتلقي المسلم العادي.

فما هي مكونات الخطاب الأصولي في شعر ابن هاني؟

أولا- الإمامة:

 يعتقد ابن هاني المغربي أن ممدوحه المعز هو إمام مقدس ، طاعته و إتباعه ركن أساسي من أركان الدين، لا تقبل صلاته ولا زكاته ولا صومه إذا لم يقر بوجوب انتهاج طريق الإمامة قال المؤيد في دين هبه الله الشيرازي في مجالسه" فلو أن رجلا عمل بفرائض الله تعالى و سننه التي جاء بها الرسول كلها ثم لم يقترن بعمله اعتقاد ولاية الإمام لم يغن ما عمل فتيلا، إذ الولاية هي الأصل التي تدور عليها موضوع الفرائض.(1)

انطلاقا من هذا المنطق العقدي، يرى الشاعر ابن هاني أن حياته قبل ملاقاة إمامه المعز كانت حياة حيرة يسودها التوتر وعندما يلتقي بالإمام ينقذه من حيرته و ضلاله يقول(2)

أتبعته  فكري  حتى إذا بلغت  ~    غاياتها بين تصويب و تصعيد

رأيت موضع برهان يبين وما  ~   رأيت موضع تكييف  و  تحديد

 وكان منقذ نفسي من عمايتها    ~   فقلت   فيه  بعلم  لا    بتقليد

فإيمان الشاعر بالإمامة هو إيمان بمبدأ الولاية التي تجسدت في شخص المعز، فهو إيمان صادر عن تأمل و بحث ، و صادر عن وعي و اقتناع لا عن جهل و تقليد فقبل أن يرى الشاعر إمامه كان في ضلال لم ينتفع بإيمانه و لا عقيدته و مع المعز وجد الإيمان الحق (3)

ما أجزل الله ذخري قبل رؤيته   ~    وما انتفعت بإيمان و توحيد

هادي رشاد و برهان و موعظة   ~    وبيان و توفيق وتسديد

فان كان الإمام هو مصدر الهداية فانه أيضا سبب النجاة في دار الآخرة

 يقول الشاعر(4)

لو لم تكن سبب النجاة لأهلها  ~   لم يغن إيمان العباد فتيلا

لو لم تعرفنا بذات نفوسنا    ~      كانت لدينا عالما مجهولا

لم يعد خطاب الشاعر نافلة من القول يرجى به العطاء و الرفد.

بل أضحى خطابا يفرضه الدين و توجبه العقيدة لأن الإيمان بالإمام ينال به الأجر و يحط بها الوزر.                                                                 

 

 يقول الشاعر (5)

إمام رأيت الدين مرتبط به  ~      فطاعته فوز وعصيانه خسر

يقول أيضا:(6) 

فرضان من صوم وشكر خليفة(2)   ~    هذا بهذا عندنا مقرون

إن المتلقي أمام خطاب يحمل ثقافة جديدة و موقف مغاير لما اكتسبه تاريخيا، وإذا كانت مهمة الأنبياء و الرسل فيما يعتقده المتلقي المسلم هي مهمة الهداية، هداية البيان "فهديناه النجدين إما شاكرا و إما كفورا"

فإن هداية التوفيق إلى الإيمان فقد خص الله بها من يشاء من عباده"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء"

فالشاعر يخلخل في المتلقي هذه العقيدة الراسخة بما ينسبه من صفات القدرة الإلهية للإمام وهو بشر كالبشر لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا فالشاعر ابن هاني لا يبالي بما يصدرعنه من خطاب التقديس لإمامة لأنه في مدح المعز طاعة دينيه  تدنيه من الله و تبلغه مقام الشاكرين

 يقول:(7)

بلغت بك العلياء فلم أدن مادحا  ~   لأسال لكن دنوت لأشكرا

وصدق فيك الله ما أنا قائل         ~ فلست أبالي من أقل أو أكثرا

فخطاب الشاعر  كما يفهم هو خطاب صادر عن شعور صادق لا يحس معه بأي حرج ولا يخشى الاتهام بالتملق فكلماته كما يرى الدكتور محمد يعلاوي

"تنبثق عن اعتقاد  راسخ بصحة الدعوة و صواب المذهب الاسماعيلي و ليست صادرة عن تعليمات رسمية تتغير حسب مقتضيات الأحداث مثل سوانخ الصحف اليومية أو الحكومية"(8)

في المقابل يرى بعض المؤرخين أن الخطاب الأصولي في شعر ابن هاني قد أخرجه عن ملة الأمة الإسلامية و كان سببا في طرده من الأندلس كما يذكر صاحب نفخ الطيب إنه لما"تعدى الحق المجلو فمجته الأنفس و أزعجته الأندلس فخرج على غير اختيار"(9)

ثانيا: مبدأ التأويل (المثل و الممثول)

 مبدأ التأويل هو العلم الذي خصت به الايسماعيلية نفسها و سميت من اجله بالباطنية.و التأويل حسب المفهوم الاسماعيلي يختلف عن التفسير كما تفهمه عامة الفرق الإسلامية فالتفسير يقصد به ترجمة معنى كلمة أو جملة لا يفهم معناها إلا في حدود عرف اللغة بينما التأويل هو باطن المعنى أو رموزه و إشاراته أو الجوهر الخفي وراء الكلمة التي لا  تدل عليه(10) ولا تنعجب من ذلك إذ علمنا أن المذهب الاسماعيلي جعل من الرسول- صلى الله عليه و سلم- كما يدعيه الشيعة –يقاتل على  التنزيل فان علي يقاتل على تأويل التنزيل أي أن محمدا هو الناطق الذي يفسر ظاهر القران للشيعة و لعامة الناس أما علي فهو من تولى مهمة التأويل بإظهار أسرار القران و شرح رموزه وقد خص الرسول-صلى الله عليه و سلم- عليا بهذه المهمة ومن بعده الأئمة من أهل بيته الذين بدورهم يدلون أتباعهم على هذه الأسرار يقول صاحب كتاب" أساس التأويل"(  إنه لابد لكل  محسوس من ظاهر و باطن فظاهره ما تقع عليه الحواس و باطنه ما يحتويه و يحيط العلم به  و ظاهره مشتمل عليه وهو زوجه و قرينه فالجسد هو الظاهر و الروح هي الباطن و كل واحد من الاثنين مركب من شيئين، فالجسد مركب من البرودة و اليبوسة و الروح مركب من الحرارة و الرطوبة(11) و بناءا على ذلك جعلوا لآيات القران ظاهرا و باطنا ومثل و ممثولا  فالدنيا مثل و الآخرة ممثول و الجسم مثل و الروح ممثول .يقول المؤيد في دين الله داعي الدعاة (معشر المؤمنين إن الله تعالى ضرب لكم الأمثال جملا و تفصيلا ولم يستح من صغر المثال إذا بين به ممثولا وجعل ظاهر القرآن على باطنه دليلا

أقصد حمى ممثوله دون المثل   ~  ذا إبر النحل وهذا كالعسل(12)

و بناءا على  نظرية المثل و الممثول التي أصبحت تطبق في التأويل الإسماعيلي   

يرى الاسماعيليون أن العالم الأرضي يمثل العالم الجسماني الظاهر الذي يماثل العالم الروحاني الباطن فالإمام هو مثل سابق و حجته مثل تالي وكل خصائص العقل الأول السابق جعلت للإمام و قالوا أن الظاهر هو العبادة العملية من طهارة و إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة و غيرها من العبادات لذلك يجب على المريد المؤمن أن يؤدي هذه الفرائض العملية الظاهرة و في الوقت نفسه يجب أن يؤمن بعلم الباطن الذي هو العبادة الباطنية التي خص بها الوصي و الأئمة و على الرغم من أن الإسماعيلين آتوا بأدلة من القرآن على التأويل و على نظرية المثل و الممثول فإن هذه النظرية وإن كانت قد صبغت بالصبغة الإسلامية فإنها هي نظرية المثل الأفلاطونية القديمة أدخلوها في عقائدهم بعد أن غيروا فيها بما يتفق مع تعاليمهم و عقائدهم الإسلامية (13).

 لو رحنا نحلل الخطاب الأصولي في شعرا بن هاني كرسالة فإننا نجد أن نص الخطاب لا يمكن للمتلقي المسلم أن يفكك شفراته إلا إذا أسعفناه بالسياق الذي يمثل الطاقة المرجعية و الرصيد الحضاري للخطاب لأنه مادة حياته و بقائه على حد قول ياكبسون(14) ومن ثمة لا تكون الرسالة بذات وظيفة و المرء الذي لا يعرف مقولات التأويل الإسماعيلي لا يستطيع فهم قصائد إبن هاني و إن استمع إليها ألف مرة لأنه لا يملك سياق هذه القصائد وهو الشعر الإسماعيلي و لكل نص أدبي سياق يحتويه و يشكل حالة انتماء و حالة إدراك و لذالك فإن الرسالة في تحويلها إلى نص تأخذ معها السياق وتحل فيه و يساعد على تحويل توجهها إلى داخل نفسها و ذلك لان السياق أسبق على رسالة في الوجود و هو القناة التي يتحرك فيها الخطاب و يضمن له شروط تداوله.  

و الشفرة هي اللغة الخاصة بالسياق و هي خاصية إبدالية فريدة قابلة للتغيير و التجدد حتى وإن ظلت داخل سياقها (15).

 كما تسهم إسهاما فعالا في بناء السياق و نموه و ازدهاره، و تعمل على حماية الخطاب في الوقت نفسه من الذوبان في السياق.

 فمعرفة السياق و إدراكه عملية ضرورية لتذوق النص و تفسيره ذلك أن النص  علاقة متشابكة من عناصر الاتصال اللغوي يتحد فيها السياق مع الشفرة و يتلاقى فيها المرسل مع المتلقي في تحريك الحياة في هذه الرسالة و بعثها من جديد في تفسيرها و استقبالها و الغاية في ذلك هي الرسالة نفسها.

 كل نص هو انبثاق عن نصوص سابقة عليه وهو خلاصة تأليف لعدد من الكلمات و الكلمات هذه سابقة للنص في وجودها كما أنها قابلة للانتقال من نص إلى آخر مما يعرضها للانزياح عند نقلها إلى نص جديد، و لذلك نجد الشاعر ابن هاني  يمتح من نصوص المقولات الإسماعيلية و يستدعيها في خطابه الشعري بأشكال عديدة و متنوعة ففي اقتباسه من القرآن لا يحافظ على دلالاته التي تستفاد من معاني ألفاظه ولا من سياقات أسباب النزول، إنما يلون هذه الاقتباسات مما يتناغم مع تأويلات مذهبه الباطني.

فلا غرابة بعدئذ إن اصطدم خطابه الشعري مع المعطيات الإسلامية المعهودة عند سلخه للنص الشعري من سياقه القرآني و يعطي له قدرا من الحرية و الحركية في سياقه الشعري الجديد يقول على سبيل المثال مخاطبا ممدوحه(16)

و لما تجلى جعفر صعقت له    ~     و أقبل منها طور سيناء ينهد.

شهدت له أن الملائك حوله     ~     مسومة و الله من خلفه رد.

هذا الخطاب الشعري يستدعي مجموعة من النصوص القرآنية المتنافرة في معطياتها المتباينة في سياقاتها إلا أنها تنبع كلها من قصة موسى عليه السلام في القرآن الكريم.

فالشاعر يراوغ في استخدام الدوال القرآنية و يعمل على تحريفها تحريفا مغايرا لسياقها الأصلي خلال تركيبها الجديد في بنية خطابه الشعري.

فلفظة (رد) مأخوذة من قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام حينما دعا ربّه أن ينصر دعوته بمساعدة أخيه هارون فالنص الغائب المستدعي قوله تعالى:"و أخي هارون هو أفصح منّي لسانا فأرسله معي ردءاََ يصدّقني إنّي  أخاف أن يكذّبون". القصص34.

وقبل ذلك استوحى الشاعر حوار موسى عليه السلام مع ربّه على جبل الطور فوظّف في الآية القرآنية عبارة "لمّا تجلّى" فحافظ على صيغتها كما في النص القرآني و لكنه صرف مدلولها بما ينسجم مع موقفه الأصولي فأسند ما خصّ الله به ذاته إلى ممدوحه.وفي مقام آخر يضفي الشاعر على ممدوحه الصفات القدسية يقول (17)                                                   ذا ضمير النشأة الأولى التي  ~ بدأ الإله وغيبها المكنون.

من أجل هذا قدّر المقدور في ~ أم الكتاب وكوّن التكوين.

و بذا    تلقى   آدم   من   ربّه   ~ عفواََ وفاء ليونس اليقظين.

 وظف الشاغر ملفوظات تنتمى إلى الخطاب القرآني و أدمجها في بنية خطابه الشعري باستخدام تراكيب لغوية جزئية هي قوله"تلقى آدم" اليقطين فهذه التراكيب تستدعي ما يحيط   من دلالات دينية و مشاهد معينة من النص  القرآني فعبارة" تلقى ادم" مستلهمة من النص القرآني في قوله تعالى :"فتلقّى ءادم من رّبّه كلمات فتاب عليه إنّه هو التّوّاب الرّحيم."البقرة 37.

و يستدعي لفظة اليقطين الآية الكريمة في قوله تعالى:"فنبذناه بالعراء و هو سقيم(145) و أنبتنا عليه شجرة من يقطين(146)"الصّافّات.

فشحن الشاعر لخطابه بهذه الملفوظات القرآنية ورد على سبيل تناص المخالفة الذي يجرد من خلاله الشاعر النص الأصلي من دلالته و يعطيه دلالات مخالفة للمرجعية التاريخية.

وعلى هذا النمط من الخطاب يقول الشاعر في موضع آخر موجها خطابه لممدوحه (18).

أنت  أصفيتهّن  حب   سليما   ~     ن قديما  للصافنات  الجياد.

لو رأى ما رأيت منها إلى أن    ~  تتوارى شمس بسجف الغساق

لم يقل ردها علي و لايط       ~    فق مسحا بالسيوق و الأعناق.

 الشاعر وظف تناص التخالف حيث حرّف دلالة النص القرآني إلى دلالة أخرى ليؤكد أن النبي سليمان و إن كان يشترك مع المعز في حبهما للخيل إلا أن المعز لا يطيب خاطره للتضحية بها خلافا للنبي سليمان و في ذلك انزياح واضح و إن لم يكن على مستوى البنية اللغوية في نص الآية القرآنية فهو انزياح في الدلالة و الآية قوله تعالى :"إذْ عُرِضَ عَلَيْه باْلعَشيِّ الصاّفناتُ الجيَاد(31) فقالَ إِنِّى~ أحببْتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّى' توَارَتْ بِالحِجَابِ (32)رٌدُّوهَا عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ و الأَعْنَاقِ" سورة ص~ُ(33)

 يرتكز الخطاب الشعري عند ابن هاني بشكل آخرعلى جملة  الإستدعاءات للخطابات الغائية باعتماده الألفاظ و الاصطلاحات التي تحيل إليه فالمفردات الدالة على الخطاب الآخر هي مقولات المذهب الباطني دمجها الشاعر في بنية خطابه الشعري من ذلك مثلاٌ" السريرة" الحجاب علم الغيوم و المبهم، الصحيف، المختم، سر الوحي، سر الله، المصون، المكنون ،و "ظهور و بطون" يقول في ذلك (19)

وعلمت من مكنون علم الله ما   ~   لم يؤت جبريل و ميكائيلا

لله فبك سريرة لو أعلنت  ~          أحيا بذكرك قاتل مقتولا

لو كان أعطي الخلق ما آويته    ~   لم يخلق التشبيه و التمثيلا

لولا حجاب دون علمك حاجز  ~   وجدوا إلى علم الغيوب سبيلا

إن المتلقي لا يستجيب فهمه لهذه الدلالات التي ألفها في سياق عقيدته

أنها ذات مرجعية دينية، فالحياة و الموت و علم الغيوب هي صفات اختصت بها الذات الإلهية فكيف تستند إلى الإنسان، هنا نقطة المفارقة بين الخطاب التداولي في الثقافة الإسلامية السنية و بين هذا النوع من الخطاب المغاير لها.

   إن فهم المتلقي يقف قاصرا عن حل هذه المفارقات و لذلك استمر الشاعر في إنكاره على خصومه قصور فهمهم لآيات القرآن لأنهم لم يمتلكوا الآليات التي تؤهلهم لتأويل خطاب الله يقول (20)

ماذا تريد من الكتاب نواصب.   ~     وله ظهور دونها و بطون

هي بغية أضللتموها فارجعوا. ~     في آل ياسين ثوت ياسين

ردوا عليهم حكمهم  فعليهم   ~   نزل البيان و فيهم التبيين

البيت بيت الله وهو معظم   ~    و النور، نور الله وهو مبين

والستر ستر الغيب وهو محجب   ~   والسر سر الوحي وهو مصون

فالإمام في اعتقاد الشاعر هو (21)

هو علة الدنيا ومن خلقت له  ~ و لعلة ما كانت الأشياء

 فالإمام كما يدعي الاسماعيليون(هو علة المخترعات و حياة الكل و به ترتب الخلق و الدين وهو موجود غير مخلوق)(22)

و حقيقة الامام لا تدرك ولا تعلم من البشر فكم حاول ابن هاني الظفر بحقيقة ممدوحه لكنه يقر بعجزه فيقول (23)

                        غامرته فعجزت عن إدراكه  ~ لكنه ضمائري معقول.

 أما بقية البشر فهم:     الناس إن قيسوا إليه فإنهم  ~ عرض له في جوهر محمول

و الناس لغو و الإمام حقيقة:

و أرى الناس لغوا و أنت حقيقة   ~ ما يستوي المعلوم و المجهول.

 يحيل الشاعر في خطابه السالف إلى مقولات فلسفية خاصة بإخوان الصفا فإشارته إلى لفظتي العرض ."و الجوهر" يومئ بتسرب الفكر الفلسفي إلى عقيدة الباطنية و امتزاجها بها و الكثير من مقولات الشاعر مصدرها الأول الفلسفة اليونانية ومبادئ أخوان الصفا فلفظة العرض مقابل الجوهر لهما اتصال وثيق بما شاع من خلاف بين المعتزلة   وغيرهم من الفرق الكلامية حول ذات الله و صفاته و تلتقي و آراء المذاهب الكلامية الإسلامية مع قال به النصارى" لذات الباري تعالى جوهر واحد موصوف بثلاث اقانيم وهي ما يعبر عنها النصارى بالأب و الابن و روح القدس فالأب جوهر مع صفة الابوه و الابن هو جوهر مع صفة البنوة و روح القدس هو هذا الجوهر الواحد مع صفة الانبثاق فالموضوع واحد و المحمول أي الصفات المعبر عنها بالاقانيم الثلاثة و الجوهر قائم بذاته و الأقانيم قائمة بالجوهر"(24).

فالمخاطب (الممدوح) في اعتقاد الشاعر واحد دهره لا يدانيه احد ولا يعاد له عالم ولا يوجد له مثل و لا نظير (25 لهذا الوصف يحل الإمام محل الإله فكل ما يأتيه الإمام إنما هو من عند الله و بإرادته.

فالإمام بشر فوق طينة البشر نسبه متصل بالله و روحه من نور الوحي نفسه من أيكة الفردوس و سلالته من معدن القدس و أصله من جوهر الملكوت فكل هذه الدلالات القدسية يوظفها الشاعر في خطابه على شكل  دوال ممتزجة بنصه الحاضر يقول(26) .

من صفو ماء  الوحي وهو مجاجة ~  من حوضة الينبوع وهو شفاء

من  أيكة  الفردوس  حيث   تفتقت ~   ثمراتهاو تفيا الافياء

من شعلة القبس التي عرضت على ~ موسى وقد حارت به الظلماء

من معدن القدس وهو   سلالة    ~ من جوهر الملكوت وهو ضياء

من حيث يقتبس النهارلمبصر   ~   وتشق من مكنونها الأنباء

  أن هذه الملفوظات ذات الصلة بالثقافة الروحية تجعل من خطاب الشاعر عائما في فضاء من الدلالات تسبح في عالم الرمز الصوفي، و تحيل على مرجعيته الثقافية في الوقت ذاته تجاوز ما تعارف عليه الصوفية

فنحن إذن إزاء خطاب صوفي مغلف بالفلسفة الاستشراقية.

 خلاصة القــول :

 إن المتلقي لا يسعفه فك خيوط هذا الخطاب إلا إذا كان على قدر واسع من  الثقافة الصوفية و الفلسفية والباطنية فلوفرضنا أن المتلقي مستوعب  للثقافة اللازمة لمواجهة مثل هذا الخطاب فإن فهمه وتفسيره  له يبقى مجرد قراءة مفتوحة على ما لا حصر له من الدلالات وهذا ما يؤهل مثل هذا الخطاب الشعري للاستجابة لمناهج القراءة الحديثة كالسميائية و التفكيكية وغيرها من المناهج المعاصرة .

الهوامش:

-1-القاضي النعمان بن محمد. كتاب المجالس و المسايرات. تحقيق حبيب الفقيه و إبراهيم شبوح محمد: منشورات الجامعة التونسية 1974م-ص:143.

-2- ابن هاني الأندلسي: تحقيق محمد اليعلاوي.ط1.دار المغرب الإسلامية 1995م-ص:08.

-3- الديوان نفسه.ص:154.

-4- الديوان نفسه .ص.:89

-5-الديوان نفسه.ص:210

-6-الديوان نفسه.ص:210

-7- الديوان نفسه.ص:101

-8- اليعلاوي محمد. ابن هاني المغربي الأندلسي (شاعر الدولة الفاطمية). دار المغرب الإسلامية ببيروت 1985 ص: 213

-9- المقري. نفخ الطيب من غضن الأندلسي الرطيب تحقيق إحسان عباس ج ع ص 243

-10- القاضي النعمان. المصدر السابق ، ص:146

-11- تامر عارف. جامعة الجامعة :ط2. تحقيق و تعليق دار مكتبة الحياة 1967 م ص :55

-12- الصبيحي احمد محمود. نظرية الإمامة لدى الشيعة الاثنى عشرية دار المعارف القاهرة 1969مص112

-13- كامل محمد حسين. طائفة الإسماعيلية. مكتبة النهضة المصرية القاهرة 1959ص19

-14- الغذامي عبد الله محمد. الخطيئة و التكفير من البنيوية إلى التشريحية .دار سعاد الصباح. الكويت سنة 2000ص 08

-15- المرجع نفسه ص09

-16- ديوان ابن هاني .ص :66

-17- ديوان ابن هاني نفسه ص:214

-18- الديوان نفسه ص:218

-19- الديوان نفسه.ص:154

-20- الديوان نفسه.ص:213

-21- الديوان نفسه .ص:38

-22- غالب مصطفى. الحركات الباطنية في الإسلام. دار الأندلس للطباعة و النشر 1982 م ص 195

-23- ديوان ابن هاني نفسه ص:141

-24-  محسن عبد الناظر. مسألة الإمامة و الوضع في الحديث عند الفرق الإسلامية. دار العربية للكتاب . 1983م ص :99

-25- احمد أمين . ضحى الإسلام. ط 10 دار الكتاب العربي بيروت ص 156

-26-  ديوان ابن هاني ص:158


التحميل