التداولية عن العرب القدامى:

رؤيا في ضوء اللسانيات الحديثة

 

الأستاذ: البار عبد القادر

  جامعة قاصدي مرباح ورقلة الجزائر

 

البلاغـة علـم كلـي

قال حازم القرطاجني :"وكيف يظن إنسان أن صناعة البلاغة يتأتى تحصيلها في الزمن القريب, وهي البحر الذي لم يصل احد إلى نهايته مع استنفاد الأعمار"[i]

وكان حازم قد شبه حال من يظن إمكان تحصيلها و الاستفادة منها،في وقت قريب بحال الرجل الذي قضى ليلته في تصفح كتب الطب، ثم أصبح وهو يحرر وصفة طبية لإسعاف صديقه المريض ،فعجل بنهايته ،إن بو+

*سع إنسان ذكي أن يحصل بالاجتهاد في علم من العلوم خلال شهر أو عام شيئا يعتد به في ذلك العلم وليس ذلك ممكنا في علم البلاغة."إذ أكثر ما يستحسن ويستقبح في علم البلاغة له اعتبارات شتى بحسب المواضع"[ii]

 

مفاهيم أساسية:

  لقد طرح علماؤنا الأوائل أمثال: الجرجاني، والخفاجي و،السكاكي وحازم مصطلح بلاغة في كونها علم الخطاب الاحتمالي بنوعيه :التخيلي ،والتداولي أما في الثقافة الغربية فقد تردد المصطلح بين ثلاثة مفاهيم كبرى ،المفهوم الأرسطي الذي يخصصها لمجال الإقناع وآلياته حيث تشتغل على النص الخطابي في المقامات الثلاثة المعروفة(المشاورة، والمشاجرة ،والمفاضلة) وهنا تلتقي بالشعرية التي تهتم بالخطاب المحاكي المخيل (الشعر). والمفهوم الأدبي الذي يجعلها بحثا في صور الأسلوب الذي يرسم رولان بارث خطوطه العامة في محاضراته الشهيرة.

أما المفهوم النسقي والدي يسعى لجعل البلاغة علما أعلى يشمل التخييل والحجاج معا ،فبعد أن انكمش مفهوم البلاغة في الأسلوب توسع نطاقه واسترجع بعده الفلسفي التداولي وحدث تجاذب بين المجال الأدبي الذي يسيطر عليه التخييل والمجال الفلسفي والمنطقي،واللساني حيث يسيطر عليه التداول.

الخيال والتداول في البلاغة العربية:

كانت البلاغة مسيطرة على التفكير اللغوي ،فقد ظهرت الملاحظات الأسلوبية قبل ظهور العروض والنحو والمنطق،وكان من مظاهر هدا التفكير ربط الشعر بالعوالم غير العادية، بالجن والشياطين والتنبيه إلى العيوب الإيقاعية والحجاجية فيه ومن أمثلة دلك تنبيه أهل المدينة النابغة الذبياني إلى ما في شعره من كسر لموسيقى عن طريق الغناء.

زعم البوارح أن رحلتنا غدا              وبداك خبرنا الغراب الأسود

كما نبه أيضا النابغة حسان بن ثابت إلى عدم مناسبة الصيغة الصرفية –جفنات- للمعنى الذي يود التعبير عنه

لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى               وأسيافنا يقطرن من نجدة دما

كما حاول العلماء وضع لبنات أولى من أجل تقعيد اللغة لبيان الانسجام الخطابي للنص القرآني مما استدعى اللجوء إلى المنطق اليوناني والبلاغة الأرسطية وفي ظل هدا السياق الفكري اللغوي المنطقي ظهر الطموح إلى صياغة نظرية عامة للفهم والإفهام أو للبيان والتبيين،فللبلاغة العربية مهدان كبيران أنتجا مسارين كبيرين ،مسار البديع يغذيه الشعر ،ومسار البيان تغذيه الخطابة.كما أن البحث عن بلاغة القرآن من خلال الشعر العربي،دلك السراب الذي جرى خلفه الأشاعرة وتخلص منه بعض المعتزلة بالقول بالصرفة.

ولعل عبد القاهر الجرجاني هو الأوحد الذي بحث عن الخصيصة البلاغية من خلال الشعر والقرآن في آن واحد.وانتقل في دراسته للقرآن من خلال مؤلفه دلائل الإعجاز من الغرابة الشعرية (أي من التخييل) إلى المناسبة المقامية أو السياقية (أي إلى تداولية لسانية).

وكذلك فعل السكاكي حيث جعل مركز البلاغة في التراكيب والمقاصد (علم المعاني) وامتدادها في التحويلات الدلالية (علم البيان) وجعل ما أقصاه الجرجاني (الأصوات) (المقابلات الدلالية) هي هامش البلاغة (علم البديع).

حازم القرطاجني وجهوده البلاغية:

بدل الفلاسفة العرب في إطار قراءتهم لعمل أرسطو في الشعر و الخطابة جهدا محمودا لبيان الخصوصية الشعرية (التخييل) والخصوصية الخطابية (التصديق)، غير أن هيمنة الخلفيات الدينية وتراجع الحضارة الإسلامية حال دون استثمار هدا التراث في مجال البلاغة.

ولعل المحاولة التنظيرية الوحيدة الجادة هي تلك الذي بدلها حازم القرطاجني في بيان منطقة تقاطع الشعر والخطابة باعتبارهما بعدين بلاغيين متداخلين تداخل التخييل والإقناع يقول في هدا الصدد:"لما كان علم البلاغة مشتملا على صناعتي الشعر والخطابة،وكان الشعر والخطابة يشتركان في مادة المعاني ويفترقان بصورتي التخييل و الإقناع ......وكان القصد في التخييل والإقناع حمل النفوس على فعل شئ أو اعتقاده أو التخلي عن فعله واعتقاده.....وكانت علقة جل أغراض الناس وآرائهم بالأشياء التي أشترك الخاصة والجمهور في اعتقادهم أنها خير أو شر.....وجب أن تكون أعرق المعاني في الصناعة الشعرية ما اشتدت علقته بأغراض الناس....فأما بالنظر إلى حقيقة الشعر فلا فرق بين ما انفرد به الخاصة دون العامة وبين ما شاركوهم فيه ،ولا ميزة بين ما اشتدت علقته بالأغراض المألوفة وبين ما ليس له علقة ،إدا كان التخييل في جميع دلك على حد واحد،اد المعتبر في حقيقة الشعر إنما هو التخييل والمحاكاة في أي معنى اتفق دلك."[iii]

وعلى الرغم من  كل هدا التداخل الوظيفي بين الشعري والخطابي ،فان كل واحد منهما يحتفظ بخصوصيته ومن هنا يتحدث حازم عن العمدة والتابع في الاتجاهين،حيث تكون الأقاويل المقنعة،الواقعة في الشعر، تابعة لأقاويل مخيلة، مؤكدة لمعانيها،مناسبة لها فيما قصد بها من الأغراض،وأن تكون المخيلة هي العمدة.وكذلك الخطابة،ينبغي أن تكون الأقاويل المخيلة الواقعة فيها تابعة لأقاويل مقنعة،مناسبة لها،مؤكدة لمعانيها،وأن تكون الأقاويل المقنعة هي العمدة. 
ويجدر بنا في المقام أن نشير إلى ملاحظات هامة في تاريخ البلاغة العربية،فبقطع النظر عن علم العروض الذي يدخل في حيز الأنظمة المقننة المطردة."فان أول كلمة تربعت لوصف الخطاب هي كلمة بديع مع عبد الله بن المعتز اد يقول:"وما جمع فنون البديع ،ولا سبقني أليه أحد وألفته سنة أربع وسبعين ومائتين"[iv]

وظل علم البديع غير عابئ طيلة أربعة قرون بالأبعاد التداولية للخطاب وهو يضم كل صور التعبير اللسانية إلى أن جاء السكاكي فقلصه بضم الصور غير المنضبطة لتعريف المعاني والبيان اللذين اقتسما أرض البلاغة.وحين يقول تودوروف بصدد الحضارة الغربية:"بأن التأمل البلاغي هو أقدم تأمل في اللغة"[v]

وهدا _في رأيينا_لا يمكن إلا أن يقابل البديع في العربية برغم ارتباط كلمة ريطورية في التقليد الغربي بالخطابة.

واللفظة الأخرى التي سيطرت على الجانب الخطابي هي: البيان الذي وظفه الجاحظ في الفهم والإفهام،من أجل المشروع والطموح إلى نظرية في المعرفة من اجل التأثير والإقناع

وصولا إلى كلمة بلاغة إلى أن ينتهي إلى تحصيل كلمة الخطابة.

ولقد نجح الجاحظ في دلك نجاحا محمودا في تحديد الخطاب الناجح مهما كان سياسيا، أو فكريا مراعاة لأحوال المخاطبين"وقد كان الجاحظ يركز على أهم مكونيـين للخطاب الإقناعي،وهما:المناسبة والاعتدال"[vi]

 

بلاغة السخرية الأدبية:

السخرية بين التخييل والإقناع:

إشكالية التعريف:"هناك من يعرف السخرية انطلاقا من المعنى المعجمي فيصطدم بالموقف الأخلاقي أو الديني،وهناك من يعرفها انطلاقا من أصلها الاغريقي"ايروني" وهناك من يعرفها انطلاقا من زاوية فلسفية عدمية،والأدب عنده مجرد مجال للتجارب،والبلاغة عرض مجرد لا يمس الجوهر.

فبقي مفهوم السخرية مضطربا في تحديده ، فهو متغير من زمان إلى آخر ومن مكان إلى مكان غيره،ومن ناقد أدبي إلى آخر"[vii]

وعليه فان هدا الاضطراب وعدم الاستقرار في تحديد مفهوم السخرية انعكس أثره على الدراسات النقدية التطبيقية فأتت في أكثرها انطباعية تحس بالظاهرة دون المساس بخيوطها.

وليس في تراثنا العربي ألفاظ تستوعب مفهوم السخرية،اللهم إلا ألفاظ الهزل بالنظر إلى أنه يرتبط بالسخرية البلاغية.

وبالرغم من هدا فقد حاول البلاغيون المحدثون أن يوسعوا مجال السخرية انطلاقا من أنساق بلاغية ذات قدرة تفسيرية،ودلك من خلال حوار مع معطيين _المتن النصي واللآلية الحوارية.

1 _المتن الساخر:"وهو عبارة عن متن شاسع في اللغة وخارج اللغة مثله مثل:الرسم الكريكاتيري، والديكور المرفق للعروض الهزلية،والإشارات الجسدية كالتصفيق،والموسيقى"[viii]

2 _البعد الحواري للسخرية:"وهو الحالة الوجدانية المتميزة التي تعتبر جانبا تقويميا،كضحك الاستخفاف أو غصته."[ix]

مكونات الخطاب الساخر

أ_مكون انفعالي أو تأثيري أو مقصدي :"وهو عبارة عن الاستخفاف المشتمل على الضحك والاستهجان،أو مجرد الإحساس بالمفارقة"[x]

ب_ مكون بنائي أو لساني:"وهو يتجسد من خلال المفارقة الدلالية وما يترتب عنها من غموض والتباس." [xi]

واعتمادا على هدين المكونين عرفت جماعة "مي"السخرية بقولها:"ليست السخرية شيئا آخر غير تقاطع بنية ضدية مع انفعال هازئ."[xii]

ادن هو تقاطع هدين المكونين، كما بينه هدا المخطط:

"فيظهر هدا المخطط تقاطع المكون الدلالي الذي يمتد من أقصى درجات الوضوح إلى أقصى درجات الغموض والمفارقة،والمكون الانفعالي الممتد من الضحك إلى الاشمئزاز،ويمكن اتساع دائرة السخرية في اتجاه هدا الطرف أ وداك متكون أكثر غموضا أو إيضاحا،أو تميل إلى الضحك أو إلى الاشمئزاز والاستهجان"[xiii]

وقد حدد "بير أليمان"السخرية الأدبية من زاوية الوضوح والالتباس بقوله:"النص الساخر المثالي هو النص الدي تكون السخرية فيه افتراضية نظرا لغياب القرائن فيه غيابا كليا."[xiv]

وعليه فان استعمال العمد يضر بالسخرية ويقلل من قيمتها،لكن لا يهمل المعنى تماما،بل لا بد من قدر من الشفافية،كما تعتمد السخرية الخلط بين الضحك المقترن بالفرح،والضحك المقترن بالحزن.وكل مكون مشروط بمقابلتة الضحك مشروط بالمرارة،والالتباس مشروط بالوضوح،والمبالغة في جانب ما على حساب الجانب الآخر.وهناك عناصر متفاعلة في إنتاج الخطاب الساخر،فالعلاقة بين الساخر والهدف،وكفاءة المتلقي الواقعي أو المفترض لها دور فعال في تحديد القدر الذي تاخده السخرية من هدا المكون أو داك،ويمكن النظر إلى هدا التفاعل من عدة زوايا:

1– حال المخاطب:وهو قدرته على تفكيك الرموز،وتحديد الغرض من السخرية،وهدا يظهر جليا في السخرية الشفوية على خشبة المسرح.

2-حال الساخر:ومستواه الثقافي يحدد قدرته على بناء السخرية،فكلما ارتفع مستواه كلما أعتمد وسائط متعددة،بعيدة الدلالة،وكلما تدنى كلما اختل التوازن بالميل إلى النقد الفج.

3-الظروف المحيطة بالخطاب:وهو ما يترك فيه قدر من الحرية للخيال في بعض أنواع السخرية، كالسخرية السياسية الفكرية المكتوبة أو المرسومة.ويكتفي فيها بإشارات قليلة أو غير ملحوظة،ويعنى بها قراء خاصون.

4- العلاقة بين الساخر والهدف:وتخضع لاعتبارات منها:هل يتعلق الأمر بموقف من سياسة أو فكر أو واقع ما؟أم الشخص في ذاته؟ وهل للهدف سلطة نافدة؟.....

استرجاع السخرية في المجال الأدبي  :

ركز المحدثون في البلاغة واللسانيات التداولية على الطبيعة الأدبية و الجدالية لسخرية،واستبعدوا المفهوم الفلسفي والميتافيزيقي من ثلاث طرق وهي:

1-تجاهل البعد الفلسفي الميتافيزيقي،وحصروا الحديث في المكونات اللسانية والسياقية،أو المكونات السيميائية لصيغة عامة.

2-مناقشة المفهوم الفلسفي وأبعاده وتأكيد الطبيعة الأدبية للسخرية.

3-الاحتفاظ بالطابع الفلسفي للسخرية محررا من معاني العدمية والسلبية.باعتبار السخرية وسيلة اختيارية تشاكس كل صور الجمود والغفلة.

وبتأمل السخرية في اسمي صورها،كآلية دفاعية ضد القهر،فيمكن القول بأنها إحدى الخصوصيات القليلة التي تميز الإنسان عن الحيوان باعتبارها تعديلا للسلوك الغريزي.فالإنسان وحده هو الذي يتخد من المأساة والشدة موقفا للامبالاة.

تفسيرالضحك الساخر: حاول برجسون تفسير الضحك الساخر بأن تناول جانبا من بعده الاجتماعي "الذي ينطوي على نقد مظهر من مظاهر التألي(التشبه بالآلة) والتحجر في سلوك الإنسان اللغوي والحركي الناتج عن تحجر فكري أو جسدي فيكون الضحك احتجاجا أو عقابا لدلك الواقع غير المرن،فيمكن أن نلاحظ أن الشخصية تكون مضحكة على قدر ما تجهل نفسها تماما.

فالمضحك لا يشعر بنفسه وكأنه يستعمل طاقية الإخفاء بطريقة معكوسة فيحتجب عن نفسه ويظهر لكافة الناس"[xv]

ويرجع"كوهن"ضحك الهزل إلى اللامبالاة والاستخفاف،أو عدم الاهتمام الذي يبديه الهازل إزاء موضوعه"[xvi]

اشتغال السخرية في البلاغة الحديثة:

يمكن في هدا المجال أن نميز ثلاثة اتجاهات كبرى:

1-    السخرية مفارقة: بحسب هدا الاتجاه السخرية مفارقة ذات صبغة وجدانية باعتبارها قول ضد المراد لغرض الهزء، فالتضاد أصل، والهزء فصل.

2-    السخرية استرجاع

"يقوم الاسترجاع إجمالا على اعتبار السخرية حوارا مع موقف أو رأي سابق،فقول القائل:الجو جميل؟في سياق غير مناسب كظهور عاصفة مثلا هو استرجاع لرأي يدعي أن الجو سيكون جميلا أو لاعتقاد دلك،ومن الاسترجاع قول عز وجل:"دق انك أنت العزيز الكريم"لأن أبا جهل قال ما بين جبليها أعز مني ولا أكرم"[xvii]

السخرية مفارقة استرجاعية إحالية:ومعنى الاسترجاع هنا ينصرف إلى إحالة طرفي المفارقة الساخرة بعضها على بعض في حلقة مفرغة ، فهي في نظر"ألن بيرونضوني""أكثر من تعدد دلالي عادي ،وأكثر من مجرد التباس مألوف يخل بإقامة تراتبية بين مدلولين كما ادا حياك صديق بابتسامة ساخرة قائلا:(تحية لك أيها العجوز المحطم الأحمق التافه) فما هو المعنى الحقيقي؟هل هو سب أم إهانة؟ وهل تحس بالإهانة لأجل السب أم بالسعادة لأجل الضحك والابتسامة؟"[xviii]

السخرية والنقد:

مستويات النقد الساخر:هناك بعد مواجهة للضحك في السخرية؛ وهو العنف؛ والرفض ،أو الانتقاد الذي يصل إلى حد المرارة التي تخنق الضحك ويسمى غصة ،مثل أن يتوقع المرء الكثير فيتفاجأ بالنقيض فيقول:تبارك الله قضينا غرض ،صافي ا فهده التعابير وأمثاتها تكتم أنفاس ضحكة موجودة،وهناك ثلاثة مستويات في مجال السخرية انطلاقا من مستوى النقد ومدى قربه وبعده:

1-    مستوى الإضحاك اعتمادا على المفارقات وتعارض القيم الوجدانية.

2-  مستوى أقوى من الناحية النقدية لكن قوة النقد تذهب من خلال حميمية واتصال مباشر يقدم ضمانات سياقية تجعل النقد مقبولا كمزاح الأصدقاء ومداعباتهم حيث يسوء منطق :ادا كنا نخوض ونلعب.

3-  مستوى يتوجه من النقد نحو الهدف،وهنا نستعمل عبارات التهكم والسخرية بمعناها الخاص الضيق،وهدا المستوى جعل الأدب يقول بأن:" السخرية نشيد النصر"

 

السخرية في البلاغة العربية

1-    بين الهزل والاستهزاء:استعمل الاستهزاء في الجانب النقدي بمعى قدحي في التراث العربي،واستعمل الهزل والسخرية تعويضا عن الضحك.

والهزل يمثل الأساس المعرفي للسخرية باعتبارها آلية حجاجية وبيداغوجيا تعليمية متصلة بطبيعة النفس الإنسانية حيث تتجاذب طاقتان:الجد والهزل ،والهزل وسيلة لشحن النفس بالطاقة وتجديد نشاطها لتعيد سعيها الجاد.ومن أشهر من خاض في مجال الهزل من العرب ؛الجاحظ ،وابن الجوزي، وقد استفاد الخطاب الساخر من تردي المجتمع الإسلامي العربي فدخلت السخرية الخطاب الأدبي ،فهيمنت الطرافة، والمجانة، والتفاحش ، والهجاء المقدع ،والإلغاز. وبالرجوع إلى المجال الأدبي والبلاغي نجد أن ثنائية الجد والهزل قد فسرت بمفهومين:الحماسة والفحولة من جهة:والطرافة والظرافة من جهة ثانية،وبرز هددان المفهومان في الاختيارات الشعرية،فا"لحماسة" لأبي تمام مثلا يمثل الجد،وكتاب "الزهرة"لابن داود يمثل الطرافة

وقد استعملت ثنائية أخرى في تمييز الخطابين الجدلي والهزلي،وهي ثنائية الجزل والسخيف،مثلما ذكر الجاحظ بأن لكل نوع من العلم أهلا يقصدونه ويؤثرونه،وأصناف العلم لا تحصى،منها الهزل والسخيف،فادا كان موضوع الحديث على أنه مضحك،وداخل في باب المزح فأبدلت السخافة بالجزالة انقلب عن وجهه.وصار الحديث الذي وضع على أن يسبر النفوس يكربها ويغمها.

السخرية في نقد الشعر العربي:

لم تحظ السخرية بعناية النقاد العرب القدامى والحدثين إلا محاولة لحازم القرطاجني في منهاج البلغاء،"ومن أقدم الحوادث البلاغية في الالتباس بين الهجاء والسخرية في البيئة النقدية ،بيت الحطيئة الوجه للزبرقان بن بدر،في صدر الإسلام:

   دع المكارم لا ترحل لبغيتها                  واقعد فانك أنت الطاعم الكاسي

فشكاه أي عمر بن الخطاب، إلا أن عمر طلب رأي حسان بن ثابت،هل هدا البيت هجاء أم لا؟

فقال حسان هدا هجاء لادع جدا، فألقاه عمر في حفرة اتخذها حبسا عقابا له"[xix]

ومن المعروف أن الزبرقان لم يف بوعده للحطيئة بأن يكرمه بالطعام والكسوة في حين دهب إلى الحجاز سعيا وراء المجد،ومؤدى كلام الشاعر:يكفيك مجدا هدا الكرم الذي يمارس في حماك وهو كرم في درجة الصفر هدا وقد لجأ الكثير من الشعراء إلى التلويح في هدا المجال والسبب في دلك أنهم اصطدموا بالرقابة الإسلامية فسلكوا طريق الرمز في الشعر.

وقد واكب نقاد الشعر القدماء ممارسة الشعر الملتبسة بالسخرية(أي التعريض)فنصحوا الشعراء باستعمالها،ودعوا إليها،حتى قال جرير:"إدا هجوت فأضحك" [xx]

ويقول ابن رشيق:"وأنا أرى أن التعريض أهجى من التصريح"[xxi]

وقد جمع صاحب الوساطة بين الإضحاك والإلغاز ،حيث يستشهد ابن رشيق لدلك بقول زهير في تشككه وتهزله وتجاهله ما يعلم في قوله:

وما أدري وسوف أخال أدري                  أقوم آل حصن أم نساء

فان تكن النساء محجبات                        فحق لكل محصنة هداء  

ففي البيتين مكونان:بنائي وانفعالي...في أعدل صورة كلاسيكية.

وعموما فان البلاغيين القدامى في تعاملهم مع السخرية الأدبية لم يتجاوزوا،المستوى التطبيقي،حتى جاء حازم القرطاجني مخصصا للهزل والجد مبحثا مستقلا في منهاج البلغاء بقصد وضع قوانين مقنعة فيما يتعلق بالطريقة الجدية،وما يتعلق بالطريقة الهزلية وما يتعلق بهما

ويمكن رد قول حازم القرطاجني دلك إلى أمرين متداخلين:

1- النظر إلى الهزل باعتباره قسيما للجد في الخطاب كله،فهما يتداخلان ويتخارجان حسب المقامات والمقاصد،وليس الهزل طارئا على الجد فقط.

2-التمييز بين المعجمين الخاصين بكل من الطريقتين بأن يجتنب في طريقة الجد الساقط من الألفاظ  والمولد،ويشيع في طريقة الهزل استعمال العبارات الساقطة والألفاظ الخسيسة،كما هو موجود في مجون أبي نواس،ولم ينتقد عليه دلك لأنه لائق بالموضع الذي أورده فيه من أشعاره الهزلية، ومما يستساغ في الهزل خاصة التصرف في الصيغ الصرفية للكلمات في نحو قول القائل:

          شربربت بما خور                           على دف وطنبور

فقصد الشاعر العبث بالكلمة (شربت) وشوب الفصاحة باللكنة، والعروبة بالعجمية ومن خلال المعجم جعل حازم ضابطا لنسبة التداخل الممكنة بين الجد والهزل،حيث رأى أن الجد بساط يتدرج منه إلى الهزل حيث قال:فأما ما تأخذه طريقة الهزل من طريقة الجد فتأخذ منها المعاني التي ليس فيها تعرض للقدح،وجميع ما يتعلق بها من جهات وعبارات،ليجعل دلك بساطا للتدرج إلى الهزل.

 



 

الهوامش

[i]- حازم القرطاجني:منهاج البلغاء وسراج الأدباء.تقديم وتح محمد الحبيب ابن الخوجة.دار الغرب الإسلامي.بيروت.1986.ص88.

[ii]- حازم القرطاجني:منهاج البلغاء وسراج الأدباء.تقديم وتح محمد الحبيب ابن الخوجة.دار الغرب الإسلامي.بيروت.1986.ص88 

[iii] - حازم القرطاجني:منهاج البلغاء وسراج الأدباء.تقديم وتح محمد الحبيب ابن الخوجة.دار الغرب الإسلامي.بيروت.1986.ص19-20

[iv] - ابن العتز:عبد الله.كتاب البديع.تح كراتشقوفسكي.لندن ص:58

                      5-    Dictionnaie encyclopedique  .p.02    

[vi] - العمري محمد:البلاغة العربيةأصولها وامتداداتها.إفريقيا الشرق.بيروت الدارالبيضاء.ص431.

    7_mueke.d.c analyse de L ironie.in poétique.1978.p36.

[viii] - العمري محمد:البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول.أفريقيا الشرق-المغرب.2005.ص85

[ix] - العمري محمد:البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول.أفريقيا الشرق-المغرب.2005.ص86

   10-kerba.orecchionnie.proplemes de L ironie.p11.

[xi] - العمري محمد:البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول.أفريقيا الشرق-المغرب.2005.ص87

      12-groupe.mu.ironique et ironique.p428-429. 

[xiii] العمري محمد:البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول.أفريقيا الشرق-المغرب  2005 ص88.           

 14-beda allmon.de L ironie en tant que principe Litteraire.p395 

[xv] - برجسون هنري.الضحك.بحث في دلالة المضحك.ت.سامي الدروبي.دار العلم للملايين .القاهرة.1993.ص72

[xvi] -كوهن جان.الهزلي والشعري.ت محمد العمري الدار البيضاء.1996.

[xvii] -ابن قتيبة:تأويل مشكل القرآن.تح أحمد صقر.دار إحياء الكتب.مصر.ص143.

[xviii] - العمري محمد:البلاغة الجديدة بين التخييل والتداول.أفريقيا الشرق-المغرب    2005 ص103

[xix] -ابن سلام .طبقات فحول الشعراء..تح محمود شاكر.مطبعة المدني.القاهرة .1974ص116.

[xx] -ابن رشيق العمدة تح محمد قرقزان.دار المعرفة بيروت.1988ص182.

[xxi] - ابن رشيق العمدة تح محمد قرقزان.دار المعرفة بيروت.1988ص173.

تحميل