المصطلح النقدي بين التأصيل و تحديات الحداثة مصطلح وحدة القصيدة نموذجا

أ . د : زهيرة بنيني

جامعة الحاج لخضر باتنة

 

مقدمة :

 

إن التطور الواسع الذي تشهده الساحة النقدية المعاصرة بتعدد اتجاهاتها و مدارسها  فرضت على النقد العربي التحاور مع الظروف الراهنة  ، التاريخية و المعرفية ، و عوامل التحول و مرجعياته ، و الأبعاد الثقافية و عودته للتراث النقدي لأجل الدفاع عن الأصول الجمالية المتوارثة في ظل التحديات المعاصرة و التأكيد على الهوية من خلال عملية التأصيل . فيثبت بهذه الازدواجية بناء خصوصيته المعرفية في ضوء هذه التحولات و محاولة الوصول إلى مرتبة التميز .

 

من هنا كانت المصطلحات النقدية وليدة هذه التراكمات ، فارتبطت ارتباطا وثيقا بحقولها المعرفية التي تشكلت فيها ، فدعت الحاجة إلى استيعاب المفاهيم الاصطلاحية و أساسياتها الابستيمولوجية و مستوياتها و أشكالها المتعددة  ، حتى يتمكن النقد العربي من تشكيل أرضية نقدية تؤهله للمساهمة في إقامة حوار معرفي مع الآخر .

 

و تزخر الدراسات النقدية المعاصرة بالعديد من المصطلحات النقدية و المفاهيم التي تستدعي التعامل معها وفق رؤية و معايير معينة ، و التي تستلزم من مستخدمه وضوح المصطلح مع المرجعية النقدية التي تستند إليها . و التي تحتاج من الدارس الوقوف عندها و التأمل في أسرارها ، لكشف مستوياتها و البحث في نشأتها و استعمالاتها في النقد القديم و الحديث و المعاصر، و يعد مصطلح وحدة القصيدة واحدا من هذه المصطلحات الذي تعددت مسمياته بين الوحدة العضوية ، و الوحدة الفنية ، و الوحدة الحيوية ، و الوحدة الشعورية و الفكرية ...الخ ومن هنا تتبلور الرؤية و تتحدد الإشكالية أمام هذا الكم الهائل من التعدد اللفظي لنتساءل : هل هناك إشارات واضحة و تسمية صريحة لهذا المصطلح في التراث النقدي ؟ لم دعت الدراسات النقدية الحديثة بالوحدة العضوية للقصيدة التي نادي بها كوليريدج من خلال التأثر بالدراسات الغربية ؟ و هل استطاعت الدراسات المعاصرة أن تحد من هذه الفوضوية لتعطينا مصطلحا يضمن استقراره و ديمومته أمام التحديات الراهنة و إثبات الهوية النقدية العربية؟

 

 

 

الأصول العربية لمصطلح وحدة القصيدة :

 

إن الحديث عن وحدة القصيدة يأخذنا للحديث عن الوحدات المختلفة التي تتضمنها القصيدة ، و التي تتشكل عند المتلقي أنها ترتبط بالبناء الفني للقصيدة العربية ، و المفهوم و الرؤية النقدية التراثية . و خاصة في سياق المقارنة بين الآداب العربية و الآداب الغربية و الاتجاهات و النظريات الوافدة من أوروبا، لأن فعل المواجهات الحضارية دعوة إلى التأمل العميق في الذات ، و التراث ، و الواقع الذي يقف في صراع مع الآخر و الحاضر ، و أسئلة الواقع التي تسعى لإعادة الذات الجماعية إلى الماضي باستلهامه ، و بعثه بحثا عن الهوية التراثية في ظل الحاضر ، الذي يتمتع برؤية جديدة تساير الركب الحضاري بأدوات معرفية و منهج علمي دقيق حيث : " دخل التراث أيديولوجية الثورة العربية المعاصرة كجزء مهم و حيوي لا ينفصم عن المعاصرة ، فالعاجزون عن الابتكار هم الذين يقلدون و يستنتجون سواء عن القديم أو الجديد ، أما الذين يمتلكون القدرة على الإبداع و الممارسة الخلاقة فهم الذين يعيدون صياغة التراث ، و يجعلونه متفاعلا مع أفكار العصر حتى يخرجوا بصيغ و أفكار جديدة يتجسد فيها التحام تيار التراث المستمر من الداخل ، تيار الواقع الحاضر بكل ما يطرحه من أفكار و تحديات و تناقضات دون أن يضطر إلى تزوير التراث و اصطناعه أو تحميله ما ليس منه "1 ، خاصة أمام المثاقفة المفتوحة على المناهج النقدية العالمية . و مع بداية القرن 19 و بداية الثورة المعرفية و النهوض ضد الانحطاط ، اكتست الساحة العربية بثوب النهضة ، فمنحهم هذا العصر القوة للعودة إلى الماضي الذي طالما افتخروا به و بنى لهم مجدهم ، فكانت قوتهم من خلال التعامل معه بكل احترام ببعث الحياة فيه و المحافظة عليه فظهر المسعى التأصيلي ، و هو ما اتسمت به الثقافة العربية في بدايات نهضتها الحديثة ، لا سيما عند احتكاكها بأوروبا و توافد الكثير من مجالات المعرفة عليها بما تحمله من علوم و أفكار و مفاهيم و مناهج في البحث و التفكير . فكان من الطبيعي أو التلقائي إزاء ذلك أن يقوم من يبحث لتلك المجالات و ما تحمله عن أصول في الثقافة العربية في محاولة للحفاظ عليها و تقوية صمودها في وجه المستجدات 2 ، فعملية التواصل مع الآخر و التشبع بثقافته جسد الوعي بمعرفة الذات و البحث عن هذه الذات المبدعة و الفاعلة و المنتجة . و المتأمل في المتون العربية القديمة يلاحظ إن العرب كانوا على وعي بأن الشعر عندهم هو أرقى الكلام ، و المحافظ على ثقافتهم ، المعبر عن كيانهم و المحافظ على هويتهم حيث إنهم: " كانوا ينزلون الشاعر منزلة النبي فينقادون لحكمته و يصدقون بكهانته " 3 ، فرغم تقديس الشاعر إلا أن وعيهم الأكبر ببناء القصيدة و نظامها و اعتمادها على عمود الشعر ، الذي يعد أساس هندستها ، ففرضت عليهم لحظة قراءتها اكتشاف مصطلحات و مفاهيم تولدت عن هذا الوعي ، و منها وحدة القصيدة التي جاءت تفي بحاجات وجودهم و قراءاتهم . وليست غايتي من هذه القراءة الوقوف على الترتيب أو التسلسل الزمني لهذه التعريفات، بل غايتي الوقوف على مدى تنوعها و تحديدها لمفهوم الوحدة في القصيدة .

 

 كان نقادنا العرب يسعون لوجود مفهوم لوحدة القصيدة دون وضعهم لمصطلح الوحدة العضوية من خلال قراءاتهم المختلفة لقصائد متباينة ضمن معايير واضحة حيث تسعى الرؤية التراثية إلى إعطاء المكانة الحقيقية للشعر بالتأكيد على تلاحم أبيات قصائده لأن :" أجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء ، سهل المخارج ، فتعلم بذلك أنه أفرغ إفراغا واحدا ، و سبك سبكا واحدا ، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان " 4. فقضية الالتحام و السبك من المسائل التي اهتم بها النقد الحديث في  وجود الوحدة العضوية و النابع من وحدة المشاعر، و المعاني و ما يبرزه ابن رشيق تلاحم الأجزاء و تناغم الأصوات و سلاسة القراءة  . و ربما يكون عنده تلاحما بنائيا أو شكليا فقط دون اتحاد المبنى بالمعنى فالوحدة :  " تستلزم أن يفكر الشاعر تفكيرا طويلا في منهج القصيدة و في الأثر الذي يريد أن يحدثه في سامعيه ، و في الأجزاء التي تندرج في إحداث الأثر.....ثم في الأفكار و الصور التي يشتمل عليها كل جزء ، بحيث تتحرك به القصيدة إلى الأمام لإحداث الأثر المقصود منها "5، ، إن الهدف المنشود و الغاية المطلوبة من توفرها الأثر الذي تخلفه في نفسية السامع و القارئ  بعد تجانس أجزائها و تناسق أفكارها و صورها . فلحظة ولادة القصيدة الأولى، تكون بدايات التشكل والتلون والتنوع والتجدد والتغير والتحول، وفي خضم ذلك تصنع القصيدة قوانينها الخاصة بها . ‏و أكد ابن طباطبا على لحظة إبداع الشعر فطلب من الشاعر :" أن يتأمل تأليف شعره ، وتنسيق أبياته ، و يقف على حسن تجاورها أو قبحه فيلائم بينها لتنتظم له معانيها ، و يتصل كلامه فيها ، و لا يجعل بين ما قد ابتدأ وصفه و بين تمامه فضلا من حشو ليس من جنس ما هو فيه، فينسي السامع المعنى الذي يسوق القول إليه ، كما أنه يحترز من ذلك في كل بيت ، فلا يباعد كلمة عن أختها ، و لا يحجز بينها و بين تمامها بحشو يشينها و يتفقد كل مصراع ، هل يشاكله ما قبله ؟ " 6 . إشارة واضحة لمصطلح وحدة القصيدة التي تعتمد على النظام و الاتساق بين أبياتها ، و كأنها تسير وفق نسق واحد دون وجود حشو بين أبياتها و هنا  تظهر جودة الشعر حين : " ينتظم فيه القول انتظاما يتسق به أوله مع آخره على ما ينسقه قائله ، فإن قدم بيت على بيت دخله الخلل كما يدخل الرسائل و الخطب إذا نقض تأليفها،...... يجب أن تكون القصيدة كلها ككلمة واحدة في اشتباه أولها بآخرها ، نسجا و حسنا وفصاحة" إلى أن يقول  : " حتى تخرج القصيدة كأنها مفرغة إفراغا لا تناقض في معانيها و لا وهي في مبانيها و لا تكلف في نسجها " 7 .  القراءة للقصيدة العربية من المنظور التراثي أعطاها نكهة حداثية بمصطلحات مختلفة كالنسج و البناء و النسق و التي يتعاطاها أصحاب المناهج النقدية المعاصرة ، فكانت إبداعية الناقد في وضع قواعد متعددة ومنها : تنسيق أبيات القصيدة ، وجود رابط يربط بينها و يوحدها فلا يستطيع التقديم و التأخير في أبياتها و هي مثل الرسالة في طريقة كتابتها أو كالنسيج المتلاحم . فأبعد القصيدة عن التفكك في بنائها فكانت دعوته مستبطنة في وضع وحدة تجمع شتاتها ، ألا و هي الوحدة العضوية و التي يمكن لنا أن نميزها من خلال توحيد القصيدة بمعانيها و مبانيها ، الروح مع الجسد و الشكل مع المضمون .

 

و هذا إن دل على شيء فإنه يدل على الاهتمام القديم بوحدة القصيدة و تنسيقها . و نجد الحاتمي يؤيد ابن طباطبا في نظرته للقصيدة و ارتباط أجزائها فيشبهها بقوله : " مثل القصيدة مثل الإنسان في اتصال بعض أعضائه ببعض ، فمتى انفصل واحد عن الآخر و باينه في صحة التركيب ، غادر الجسم ذا عاهة تتخون محاسنه ، ........تأتي القصيدة في تناسب صدورها و أعجازها و انتظام نسيبها بمديحها ، كالرسالة البليغة و الخطبة الموجزة لا ينفصل جزء منها عن جزء " 8  ، فالقصيدة عنده بناء متكامل ترتبط أجزاؤها مثل ترابط أعضاء الإنسان ، حيث لكل جزء وظيفته و يؤدي بعضها إلى بعض عن طريق التسلسل الفكري و الشعوري ، و تنبض بالحياة كما تنبض المشاعر و الأحاسيس النابعة من ذات المبدع و هنا تكمن الفنية و القدرة الجمالية لأن حازم القرطاجني يبين بأنه :" لا يخلو الإبداع في المبادئ من أن يكون راجعا إلى ما يقع في الألفاظ من حسن مادة و استواء نسج و لطف انتقال و تشاكل اقتران و إيجاز عبارة و ما جرى مجرى ذلك مما يستحسن في الألفاظ أو على ما يرجع إلى المعاني من حسن محاكاة ....أو إلى ما يرجع إلى النظم من إحكام بنية و إبداع صيغة " 9  . و قد أثبت بعض النقاد المحدثين على وجود الوحدة العضوية في القصيدة القديمة بدراستهم للشعر الجاهلي حيث أكد طه حسين على وجودها في الشعر القديم فيقول : " إنكم تقولون يا سيدي إن القصيدة العربية مضطربة التكوين ، بحيث نستطيع أن تقدم منها و تؤخر و تضع أبياتها فيما تحب لها من المواضع ، دون أن يصيبها من ذلك فساد أو اعتلال" و يكمل قوله حين نقد قصيدة لبيد فيقول : " أنها بناء متقن محكم ، لا تغير منه شيئا إلا أفسدت البناء كله و نقضته نقضا ، فأنشأ لنفسه و لسامعيه و قارئيه هذه البيئة الشعرية التي يخرج فيها الإنسان عن أطوار الحياة الواقعة المادية و يرتفع إلى جو آخر فيه عواطف الحنين و الشوق " 10 . و يؤيده في رأيه محمد زكي العشماوي : لقد استطاعت معلقة لبيد أن تحقق الوحدة العضوية على رغم طول القصيدة و تعدد أقسامها و انتقالها من غرض إلى غرض ، فقد تمكنت بصيرة لبيد و قدرته على النفاذ إلى ما تحت حجاب عصره ، أن تعكس لنا صورة هذا الصراع بين الإنسان و الحياة " 11 . فالوحدة العضوية في قصيدة لبيد نابعة من الانسجام الواقع بين التجربة الشعرية و لحظة الإبداع و التي وضحها في صورة الصراع بين الإنسان و الحياة و هذا ما تجسده التجربة الشعرية للشاعر .

 

 يتجلى مصطلح الوحدة العضوية في رأيهم بعد استقرائهم للقصيدة القديمة ليوضحوا للقارئ بأن الشاعر لا يعلم بوجودها ، و الهدف رسم حدود للمصطلح  التي  تظهر في جذوره العربية قبل أن تكون غربية . فدراساتهم تؤكد على تقاطع الكثير من المصطلحات النّقديّة العربيّة القديمة مع مفهوم الوحدة العضوية وتدخل فيها،  وهذه المصطلحات والمفاهيم التي تتراوح بين التّنظير الصّريح أو التّلميح و إن اختلفت فيما بينها من حيث المعايير النّقدية قديما عند النّقاد العرب، إلاّ أنّها بنظرة خاطفة وبسيطة نرى بأنّ لها نفس المفهوم .

 

فالوقوف أمام هذا الموروث وقفة تأمل و دراسة يبين لنا توفر المصطلح تنظيرا و تطبيقا و يتقارب في معناه و دلالاته من المصطلح الذي نادت به الدراسات العربية المتأثرة بالتيارات النقدية الغربية و هذا ما سنبينه في طرح أفكارهم و مناقشتها .

 

المصطلح في الدراسات النقدية الحديثة :

 

نتيجة للتراكم المعرفي الذي أحدثته النهضة الأوروبية على جميع المستويات ، كانت الدعوة واضحة لتبني هذه التراكمات ، هذا ما جعل دعاة هذه الثورة يتساءلون لرصد الواقع الحالي و استشراف مستقبل النظرة إلى القيم التقليدية ، والثوابت المتوارثة الراسخة في بنيتها ، والإيمان بفاعليتها وجدواها في توجيه الحياة العامة وفق المنظور الجديد .  الذي له اتجاهاته وأفكاره وتصوراته ومفاهيمه ورؤاه الخاصة .  و التي يجب الالتزام بها ونبذ كل ما عداها . ومن هنا كانت الحاجة في الاحتكاك بالآخر نتيجة لتعدد الثقافات و التحولات الكبرى التي يشهدها عصرنا ، مما يقر بالضرورة المعرفية لهاته الأنماط الثقافية التي تحتاج للطرح والمراجعة الفكرية والذاتية ، وإعادة النظر في القواعد المنهجية والمقاربات النقدية الوافدة ، بدلا من التمسك بالأفكار النظرية المطلقة التي تعتبر تقليدية في نظرهم فتكون المتغيرات المختلفة وفق الصراع الثقافي الراهن.

 

و لمواجهة هذه التراكمات النقدية  تمسي الحاجة إلى التأمل فيها والتنقل معها من محطة إلى أخرى في مرحلة متفاوتة المظاهر،  و القدرة على استيعاب المكونات  الفكرية لها ، لإعطاء أبعاد التجربة إمكانات  التواصل والاستمرارية.

 

 و كانت معالم  التجديد في الشعر العربي واضحة بعد تواصل العرب مع الغرب .  خاصة أصحاب الاتجاه الرومانسي  ، و منهم جماعة الديوان الذين انطلقوا من الثقافة الغربية في تشكيل نظرتهم النقدية ، فاكتسبوا مفاهيم وقيم جديدة فأصبح الشعر في مفهومهم :"  تعبيرا عن الحياة الإنسانية العامة ، و ما تزخر من مشاعر الألم و اللذة و الخير و الشر ، كما أنه تصوير لحقائق الطبيعة و أسرارها ، فالشعر ليس أريحيات وطنية و قومية ، ولا هي تسجيل لحوادث الأمة و ما يجري فيها على أرقام السنين ، و إنما هي قبل كل شيء تصوير لعواطف إنسانية ،  تزدحم بها النفس الشاعرة ، و تندفع على لسان الشاعر لحنا خالدا يصور صلته بالعالم و الكون من حوله" 12 فالاطلاع على ثقافتهم و التشبع بأفكارهم ،  منحهم الحق في تجسيد هذه الرؤى على الأدب العربي برفضهم للموروث . و كانت ثورتهم على القصيدة العربية القديمة أولى هذه الدعوات ، لما فيها من تفكك في بنائها الداخلي الذي لا يتماشى وفق المعرفة الجديدة التي اكتسبوها ، فلم يجدوا في الشعر العربي : " ارتباطا بين المعاني التي تتضمنها القصيدة الواحدة و لا تلاحما بين أجزائها و لا مقاصد عامة تقام عليها أبنيتها و توطد أركانها " 13. نظرتهم لوحدة القصيدة نابع من اقتناعهم بالتفكك البنائي لها و  رؤيتهم النقدية الغربية ، فالتأثر واضح بهم حين نظروا للشعر مثلما نظر إليه كوليردج الذي اعتبر : " الفنان الحقيقي هو ذلك الفنان القادر عن طريق الخيال على أن يبدع عملا فنيا يتحقق فيه ذلك الشكل العضوي الذي يجمع كل أجزاء العمل الفني مكوناته، بحيث يعتمد كل منها على الآخر اعتمادا كليا ، و يرتبط بعضها بالبعض الأخر ارتباطا وثيقا ، فتنتشر الرؤية الشعرية في أرجاء العمل الفني كله و تنعكس فيها جميعا " 14  . إن رأي كوليريدج يضعنا أمام أدبية العمل الأدبي في تلك القدرة التي يمتلكها المبدع ، و التي تؤهله على تفجير الطاقات الإبداعية و خاصة انطلاق القصيدة من رؤية شعورية و فكرية لتتأتى في كل واحد : " فتظهر كحاصل جمع آلي للعناصر التي تؤلفه ، بل إن تفتيت هذه العناصر كل على حدة يترتب عليه فقدان قوام العمل بأكمله ، فكل عنصر لا يتحقق له وجوده إلا في علاقته ببقية العناصر ثم في علاقته بالكل البنائي للنص الأدبي " 15 . فانصهار العناصر في بوتقة واحدة يرسم الجمالية للقصيدة من خلال تآلفها و تلاحمها ، و الألفة التي تكون بينها مثلها مثل الإنسان الذي : " لا يمكن فينومينولوجيا تمييزه عن لحمه ، فهذا اللحم لا يمكن أن يعتبر ملكية ظرفية أن يجسد وجوده في العالم و بدونه لا يكون " 16 . إن التلاحم المطالب به في القصيدة من طرف الاتجاه الرومانسي الغربي ، كان له الأثر الواسع في الدراسات النقدية العربية ، فجسدوا مفهوم الوحدة العضوية في الشعر تجسيدا غربيا التي ترى ذات الشاعر متماهية مع العالم ، و متجلية في النص الذي تنتجه من خلال إحساسه ، فتعطيها أبعادا جمالية تأخذها من جوهر التجربة الروحية و انفعال الوجدان الذاتي مع مؤثرات العالم المحيط الخارجي و الداخلي الذي يوضحه كوليردج في العلاقة بين الفن و الطبيعة : " وسر العبقرية في الفنون إنما يظهر في إحلال الصورة محلها ، مجتمعة مقيدة بحدود الفكر الإنساني ، و بذا تصير الصور الخارجية أفكارا ذاتية و تصير الأفكار الداخلية صورا خارجية " 17 . فالتوحد بين المشاعر الإنسانية و الطبيعية يؤدي إلى وجود الوحدة العضوية في القصيدة فتمنحها التركيز و التكثيف و الشحن الشعوري الدائم الحيوية  . و لهذا نجد العقاد يبعد هذه الشحنة التي تتمتع بها القصيدة الغربية عن القصيدة العربية : " إنك ترى الارتباط قليلا بين معاني القصيدة العربية ، و لا ترى قصيدة أوروبية تخلو من رابطة تجمع بين أبياتها على موضوع واحد أو موضوعات متناسقة ، و من هنا كانت وحدة الشعر عندنا البيت و كانت وحدته عندهم القصيدة ، فالأبيات العربية طفرة طفرة ، و الأبيات الإنجليزية موجة تدخل موجة لا تنفصل من التيار المتسلسل الفياض " 18

 

تأثر العقاد بالشعر الإنجليزي و النقد الغربي للقصيدة التي " تتساند أجزاؤها فيما بينها ، و يفسر بعضها بعضا ، و تتساند جميعها و تنسجم كل على قدره مع الغرض  و التأثيرات المعروفة للنظام العروضي " 19 حسب ما وضحه كوليردج فهي : " تحتوي على نفس العناصر التي يحتوي عليها التأليف النثري و لهذا فالاختلاف بينهما لا بد أن يكون اختلافا في ضم بعضها إلى بعض نتيجة لاختلاف الهدف المطروح "20 . فالنظرة إلى القصيدة عند الغرب وجدت صداها في كتاباته فوجه أصابع الاتهام إلى القصيدة العربية لافتقارها للوحدة . و قد تجلى الهدف من وراء هذا النقد في إرساء قواعد جديدة للشعر تساير الحركة التجديدية و الرؤية المعرفية حيث أصبحت القصيدة عندهم :" عملا فنيا تاما يكمل فيه تصوير خاطر أو خواطر متجانسة ، كما يكمل التمثال بأعضائه ، و الصورة بأجزائها ، و اللحن الموسيقي بأنغامه....... فالقصيدة الشعرية كالجسم الحي يقوم كل قسم منها مقام جهاز من أجهزته، و لا يغنى عنه غيره في موضعه " 21 . فخاصية الترابط التي جعلها العقاد إحدى أساسيات القصيدة الجديدة تفطن إليها من قبله النقاد القدامى  ، الذين أشرنا إليهم حين شبهوا القصيدة أيضا بجسم الإنسان ، و ربطوا المعنى بالمبنى  ، هذا المقياس الذي كان له وجود في أذهان كثير من النقاد القدامى ،  مع تطبيقهم على كثير من الشعر ، و ذكروا منه ما توفر فيه الترابط الذي يجعل القصيدة عملا فنيا متكاملا بموضوع يعالجه و بهدف يسعى إلى تحقيقه .

 

و ما أضافه العقاد في وحدة القصيدة :  " الوحدة النفسية الشعورية و الفكرية للشاعر التي تجعله يصوغ قصيدته في معنى واحد أو موضوع تتفرع منه معان جزئية مترابطة تتحد جميعا في كل متسق متجاوب هو القصيدة " 22 . بين رؤيته النقدية بذكر أهم شروط القصيدة باعتبارها كائن حي نام ، تتنامى داخليا من خلال دفقات شعورية تجسدها قوة مركزية ،  و هذا ما دعاه لنقد قصائد شوقي حين وجد فيها عدم توافر الوحدة في قصائده فيقول : " فالعيوب المعنوية التي يكثر وقوع شوقي فيها و أضرابه فيها عديدة و لكن أشهرها و أقربها إلى الظهور : التفكك و الإحالة و التقليد ....و هذه العيوب هي التي صيرتهم أبعد عن الشعر الحقيقي الرفيع المترجم عن النفس الإنسانية في أصدق علاقاتها بالطبيعة و الحياة و الخلود "23  فبقاء القصيدة و خلودها على مر الأزمان بتوفر التجربة الشعرية الذاتية و الإنسانية مع معانقة أسرار الطبيعة  للوصول إلى الهدف عبر طاقة روحية تجمع بينها .فإلى جانب : " اللغة و الصورة و الإيقاع و التمظهر الخارجي ، حاضرة هناك لتشارك كل منها بطريقتها في تهيئة هذا الكل التآلفي الحي و هذا الكيان الشعري المتكامل " 24 ، فالقصيدة المعاصرة بحاجة إلى وحدة ضمنية تتحكم في ذاك التحرر الشكلي من قيود التقليد ، و بحثها في بنائها الجديد عن رؤية شاملة ، و هنا تظهر المفارقة بين القصيدة التقليدية و الحديثة : " الفارق الحاسم بين القصيدة المعاصرة بشتى أنماطها و القصيدة التقليدية يكمن في معمارية القصيدة المعاصرة التي ينتظمها خيط شعوري واحد " 25 فانطلاق الرؤية عندهم نابع من عدم وجود هندسة شعورية تبنى وفقها القصيدة ، لأنها ترتبط عندهم بالشعور الداخلي الذي يولد المعاني ، و يجعل القصيدة كاللوحة الفسيفسائية في تآلف قطعها الصغيرة لتعطينا جمالية الصورة الكبرى .

 

 و أكد خليل مطران في مقدمة الجزء الأول من ديوانه مرددا الوحدة العضوية للقصيدة : " هذا شعر عصري ، و فخره أنه عصري ، و له على سابق الشعر مزية زمانه على سالف الدهر ، هذا شعر ليس ناظمه بعبده ، و لا تحمله ضرورات الوزن و القافية على غير قصده ، يقال فيه المعنى الصحيح باللفظ الصحيح ، ولا ينظر قائله إلى جمال البيت المفرد ، و لو أنكر جاره ، و شاتم أخاه ، و دابر المطلع و قاطع المقطع و خالف الختام بل ينظر إلى جمال البيت في ذاته و في موضعه و إلى جملة القصيدة في تركيبها و في ترتيبها ، و في تناسق  معانيها و توافقها ، مع ندور التصور  و غرابة الموضوع و مطابقة كل ذلك للحقيقة ، و شفوفه عن الشعر الحر ، و تحري دقة الوصف ، و استيفائه فيه على قدر " 26 فموقع البيت الشعري يكون بعلاقته بهيكل القصيدة الذي من خلالها يؤدي وظيفته فيها و يمنحها دلالات جديدة ، لأن هذا الهيكل شكل أهم عناصرها و أكثرها تأثيرا فيها ، و وظيفته الكبرى أن يوحدها و يلمها داخل حاشية متميزة 27 حسب ما توضحه نازك الملائكة في نظرتها للقصيدة الحرة .

 

فهذه الرؤى المتعددة تسعى لتحقيق المصطلح في مجالات الدراسة ، فتعطيه المكانة  ليأخذ لنفسه موقعا يحقق به وجوده بأبعاد مختلفة  ، و من زوايا متعددة بإعادة صياغة علاقته بالكون ضمن سياقات تاريخية و اجتماعية و ثقافية ومعرفية  . و لذا فنحن مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى ، و بخاصة أننا نشهد تطور النظريات النقدية الحديثة ، و ما يصاحبها من اتساع في نظرية المعرفة بمحاولة استثمار الدال / الحاضر لإحضار المدلول /الغائب و أن نتجاوز المقول بحثا عن المسكوت عنه 28 فالبحث في تراثنا النقدي العربي قدم مفاهيم من المنظور الخاص النابع من ثقافتهم حتى و إن اختلفت التسمية فإن المفاهيم واردة بشكل واضح . و هذا ما يوضحه الشكل الآتي :

 

    وحدة  القصيدة

 

                                 الوحدة الفكرية            الوحدة الشعورية       الوحدة النفسية

 

    الوحدة العضوية

 

 إن وحدة القصيدة أو الوحدة العضوية تتطلب التجربة الشعرية سواء أكانت ذاتية ،  أم إنسانية تنصهر مع بعضها البعض في رحم النفس ، لتتولد تلك الدفقات الشعورية المتتالية النابعة من الداخل معلنة عن لحظة الإبداع ، التي تتشكل بها جمالية القصيدة الشعرية .  فالتعدد اللفظي لهذا المصطلح ، يقر بوجوده في الدراسات النقدية العربية القديمة ، و بوضوحه في الدراسات النقدية الحديثة المتأثرة بالمناهج الغربية  بالدلالة نفسها تنظيرا و تطبيقا .  

 

 خاتمة :

 

من خلال هذه المداخلة المتواضعة في طرحها وجدنا بأن :

 

 النقاد العرب القدامى و المحدثين ، قد توصلوا إلى تعاريف متقاربة لوحدة القصيدة نتيجة لتشابه رؤيتهم و مفاهيمهم لهذا المصطلح من خلال اعتنائهم بالنصوص الأدبية فحصا و دراسة و تمحيصا .

 

إن الأصول القديمة للمصطلح المدروس ، يقودنا إلى التفكير في عملية إحيائه و الإسهام في الإجابة على السؤال الذي طرحته تحولات الفكر الحداثي ، و منه تأسيس علاقة بين الماضي و الحاضر ، و تغيير النظرة إلى المعرفة المستقبلية من خلال رؤية إبداعية تجاوزية تضع الفكر العربي من جديد على تخوم المستقبل و في قلب الثورة المعرفية الراهنة .

 

تتغير دلالة المصطلح بتغير المناهج و الشروط الاجتماعية ، الثقافية و التداولية و القيمة المعرفية و العملية المتاحة لتداوله في الممارسة النقدية العربية ، ولهذا  فإن عملية التأصيل في النقد العربي الحديث تنطلق من استدعاء النصوص القديمة و استكشافها و مناقشة مصطلحاتها في ضوء ما يفرضه المنجز الحاضر ، و القادم من الثقافة الغربية . للوصول إلى محاولة التأسيس في مفهوم المصطلح، و تقديم صورة لضبطه و تجنب خطر الانزلاق الدلالي ، و إحالته إلى المصدر الأم ، و الوقوف أمام التباين الموجود في تداول المصطلحات في النقد العربي و النقد الغربي مع البحث عن جوهر هذا التباين .

 

 إن الانفتاح على الآخر يفتح أبوابا للتحولات في النقد العربي ، و الذي يفرض على أنساقه المختلفة تحديات التفاعل . فيبرز الهدف في السعي إلى توحيد المصطلح و تحقيق وجوده لبلوغ الغاية المنشودة في إثبات الهوية العربية دون إغفال الحاضر لأجل وضعها في المكانة التي تستحقها في هذا الوجود .

 

 الهوامش :         

 

 1- البعث و التراث ، مجلة أقلام ، العدد السابع ، سنة 1980، ص 154 .

 

2 - ميجان الرويلي ، سعد البازعي ، دليل الناقد الأدبي ، ط 3 ، المركز الثقافي العربي ، المغرب ، ص 83 .

 

 3 - حازم القرطاجني ، منهج البلغاء و سراج الأدباء ، تقديم و تحقيق محمد الحبيب بن خوجة ، دار الغرب الإسلامي، بيروت ، ص 132  .

 

4 - ابن رشيق ،  القيرواني ، العمدة في محاسن الشعر و آدابه و نقده ، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد ، دار الجيل بيروت ، ط 4 ، 1972 ، ص 414  .

 

5 - محمد غنيمي هلال ، النقد الأدبي الحديث ،دار نهضة مصر، القاهرة ، 1979،  ص 373  .

 

6 - محمد أحمد بن طباطبا العلوي، عيار الشعر ،شرح و تحقيق عباس الساتر، دار الكتب العلمية ، بيروت ، ط 1 ، 1982 ، ص 129  .

 

7 – المرجع السابق ، ص 131.

 

8 - محمد عبد المنعم خفاجي، مدارس النقد الأدبي الحديث ، الدار المصرية اللبنانية  القاهرة ، ط 1 ، 1995 ، ص 147.

 

9 - حازم القرطاجني ، منهج البلغاء و سراج الأدباء ، ص 309 .

 

10-  طه حسين ، حديث الأربعاء، ج 1 ، القاهرة ، 1962 ، ص 30 ، 31 ، 32 .

 

11 - محمد زكي العشماوي ، قضايا النقد الأدبي بين القديم و الحديث ، دارالنهضة  بيروت ، 1979 ، ص 192.

 

12 - المازني ، الشعر غاياته و وسائطه ، تحقيق فايز ترحيني ، دار الفكر اللبناني  بيروت ، ط2 ، 1990، ص 20 .

 

13 - محمد غنيمي هلال ، في النقد الأدبي الحديث ، ص 402     .

 

14 - مصطفى بهجت بدوي ، كوليردج ، سلسلة نوابغ الفكر الغربي 15 ، دار المعارف ، مصر ، ص 95 .

 

15 - يوري لوتمان ، تحليل النص الأدبي ، ترجمة محمد أحمد فتوح ، دارالمعارف مصر ، 1995 ، ص 27  .

 

16 - دافيد لوبتون ، أنثربولوجيا الجسد و الحداثة ،تر محمد عرب صاصيلا ، المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر ، بيروت ، 1993، ص 151  .

 

17 - محمد صايل حمدان ، قضايا النقد الحديث ، دار الأمل للنشر و التوزيع الأردن، ط 1 ، 1991 ، ص 50  .

 

18 – عباس محمود العقاد ، ساعات بين الكتب ، مطبعة السعادة ، القاهرة ، ط 3 ، ص 364 .

 

19 - كوليردج ، النظرية الرومانتيكية في الشعر ، ترجمة عبد الحكيم حسان ، دار المعارف ، مصر 1971 ص 249  .

 

20  - المرجع السابق ، ص 247 .

 

21، 22 -  محمد زغلول سلام ، النقد العربي الحديث ، أصوله ، قضاياه ومناهجه ، مكتبة الأنجلو المصرية  ص 246  ،ص 247 .

 

23 – المرجع السابق ،  ص 237     .

 

24 ،25 - محمد حمود ، الحداثة في الشعر العربي المعاصر ، دار الكتاب اللبناني ، بيروت 1986 ، ط1 ، ص 79 ، ص 80   .

 

26 - محمد عبد المنعم خفاجي ،مدارس النقد الأدبي الحديث ، ص 146 ،ص147  .

 

27 - نازك الملائكة ، قضايا الشعر المعاصر ، دار الملايين ، ص 235 .

28 - بسام قطوس ، استراتيجيات القراءة ، التأصيل و الإجراء ،مؤسسة حمادة و دار الكندي أربد ، ص 53  

 


التحميل