المصطلح النقدي في كتاب البديع  الابن المعتز 

 

الدكتور: عمر بن طرية

قسم اللغة والأدب العربي- جامعة قاصدي مرباح ــ ورقلة

توطئة:

 

لا شك أن التمازج الحضاري الواقع بين الحضارة العربية والحضارات الأخرى حمل مصطلحات مختلفة و متباينة ، نشأ في كنفها علوم متنوعة أمام مصطلحات جمة ومتعددة ومتنوعة ، فعن للتفسير مصطلحات ، و للفقه ، و للحضارة مصطلحات ، وللعلوم كلها مصطلحات ، إلا أن الكتب التي ألفت في المصطلح اقتصرت في البداية على كتب مصطلح التفسير ، و الحديث ، و الفقه ، و عند هذه  الثلاثة وقف التأليف الاصطلاحي ، حتى امتد الزمن آمادا والحال كذلك إلى أن بدأ التأليف الاصطلاحي الجامع كما الحال في ( مفاتيح العلوم ) للخوارزمي  ، والتعريفات للجرجاني وغيرهما ، إلا أن هذا التأليف الجماعي لم يتسع ذاك الكم الهائل من المصطلحات  ، وبقي التأليف في المصطلح لا يفي بالغرض المطلوب إلى أن ظهر ( التهانوي ) في موسوعته الموسومة بـــ ( كشاف مصطلحات الفنون ) الذي حوى جمعا من المصطلحات الواسعة ، و على الرغم من ذلك لم يتناول من البحر الاصطلاحي الخضم إلا قطرات .

و من هذا المنطلق تتجلى إشكالية المصطلح التي يكاد يجمع الدارسون على أنها معضلة المعضلات التي شكلت عقبه كؤود أمام تقنين و ضبط المصطلح النقدي العربي ، التي تبدو في تناثر المصطلحات النقدية داخل الدراسة التطبيقية ، مما يستلزم الروية والأناة حتى يمكن لم هذا الشتات المصطلحاتي من جهة ، و الكثير من المصطلحات يصعب تحديدها ، لأنها تتلون في تشكلات كثيرة ، و متنوعة ، و متعددة من جهة أخرى.

وفي أثناء الحديث عن المصطلح  في كتاب البديع لابن المعتز واجهت إشكالية تحديد المصطلحات ، و علة ذلك تعدد الآراء و التعاريف لتلك المصطلحات من دارس إلى أخر، ومن ناقد إلى ناقد مما جعل الإلمام بالشروحات الوافية ضربا من الاستحالة ، و مطلبا من الصعوبة بمكان الوقوف عند نهايته .

  1. إن دراسة المصطلح في كتاب البديع لابن المعتز يطرح إشكالية عويصة تمثلث في تداخل المصطلحات عند هذا الأخير ، مما يدفع الباحث ، أو الدارس إلى تتبع هذه المصطلحات للوقوف على حقيقة دلالاتها و معانيها 

إن المنهج المعتمد في هذه المداخلة المتواضعة يبرز من خلال تتبع المصطلحات في الغالب الأعم لغويا ، و اصطلاحيا ، و نقديا ، و عليه فإن  المنهج كان تاريخيا ، ولقد حاولت جاهدا أن أجمع شتات بعض الشروح لتلك المصطلحات ، و أن أحدد معانيها ، و أتبين دلالاتها على قدر ما مد في الجهد ، ووسع من الوقت ، ووقع  بين يدي من مراجع و مصادر مختلفة .

وتأسست هذه المداخلة على عناصر رئيسة تحوصلت في النقاط الآتية:

- توطئة

 

- تعريف المصطلح 

 

- علاقة البلاغة  بالنقد

 

- مصطلح البديع 

 

- الفنون الخمسة

 

- محاسن الكلام

 

- خاتمة

 

المصطلح مفهومه و أهميته

قيل : ( لكل صناعة ألفاظ ) و على ضوء العبارة يتجلى لكل ذي بصر و بصيرة أن التحديد الدقيق للألفاظ و دلالاتها ووضوحها عامل أساسي في دقة الكلام ووضوحه ، و من ثمة أن الوضوح و الدقة معياران أساسيان في كل معرفة صحيحة .

و من هنا برزت إشكالية التعامل مع العلوم و الفنون تعاملا دقيقا محددا ، لأن المصطلحات المعبربها عن تلك العلوم و الفنون لم تحدد مفاهيمها بدقة ، و تميز دلالاتها تبعا للسياقات الواردة فيها ، مما جعل ذلك مدعاة للتأويل و الاختلاف .

1- المصطلح لغة:

 يقال اصطلح الناس على شيء أي اتفقوا عليه و من هنا قالوا : اللغة اصطلاح بين الناس )

المصطلح اصطلاحا : المعنى مأخوذ من الصلح اتفاق على أن هذه اللفظة تدل على هذا.

المصطلح لفظ موضوعي يؤدي معنى معينا بوضوح و دقة بحيث لا يقع أي ليس في ذهن القارئ أو السامع[1]    

فالمصطلح له دلالتان : الدلالة اللغوية وهي مأخوذة من أصل المادة ( صلح ) قال الأزهري : الصلح : تصالح القوم بينهم ، و الصلاح نقيض الفساد .

و الإصلاح نقيض الإفساد ، و تصالح القوم ، و أصالحوا بمعنى واحد[2]

2- الدلالة العلمية : ( الاصطلاحية ):

 و تعني اتفاق جماعة على أمر مخصوص لا تختلف اثنان على أن لكل علم ، أو فن ، أو حرفة ألفاظ خاصة تدور على أمور معينة لا علاقة بذلك العلم ، أو الفن ، أو الحرفة و يطلق على مجموعها اسم : مصطلح : مثل مصطلح الأدب  مصطلح الهندسة ، مصطلح النقد......)و المصطلح يتخذ للتعبير بلفظ واحد في الغالب الاعمم ، عن معنى أو فكرة لا تستوعبا في العادة لفظة واحدة ، أي أن يصطلح به على تأدية المقصود و بعبارة أخرى ، اتفاق طائفة من الناس ، أو من المختصين حول أمر مخصوص يتصل بتعبير مدلولات الألفاظ أحيانا  و إن تم بين جماعة المحدثين تفتق عن مصطلح في الحديث ، و أن قام بين جماعة الفقهاء على مسائل في الفقه نتج عنه مصطلح في الفقه ، و أن كان بين جماعة البلاغين صنعوا مصطلحا بلاغيا ، و قل شل ذلك في سائر العلوم و الفنون و المعارف الأخرى .

إن الاصطلاح يجعل للألفاظ مدلولات جديدة غير مدلولاتها اللغوية ، أو الأصلية ، فالصلاة في اللغة بمعنى الدعاء ، و في الاصطلاح بمعنى الفرائض التي فرضها الإسلام على المسلمين ، وجب عليهم القيام بها.

إن المصطلحات لا توضع ارتجالا ، و لابد في كل مصطلح من وجود مناسبة ، أو مشاركة ، أو مشابهة صغيرة كانت أو كبيرة بين مدلوله اللغوي و مدلوله الاصطلاحي [3]

فالاصطلاح لفظ محدد يستخدم للدلالة على ظاهرة معينة و قد تتعدد الاصطلاحات للدلالة على ظاهرة واحدة .

النقد و البلاغة :

تناولت الكتب النقدية المؤلفة في القرن الثاني و الثالث للهجرة ، قبل ظهور ( نقد الشعر ) لقدامة بن جعفر ، قضية مهمة و شائكة تمثلت في علاقة النقد بالبلاغة و حظيت باهتمام الدارسين من أجل تثبيت النقد و بيان أسبقيته على البلاغة ، و دار جدل كبير حول هذه القصية و تبيانت الآراء خاصة حول النقد الأدبي ، و النثر العربي بصفة عامة لدى نقادنا المعاصرين و التي كان رائدها ( طه حسن ) من خلال كتابه ( من حديث الشعر و النثر ) و (البيان العربي من الجاحظ إلى عبد القاهر) و صنفت هذه الجهود من قبل النقاد على أنها جهود ترمي إلى إنشاء البيان و قواعده ، و التي غلبت على هذه الجهود هي عناصر تأثير فارسية و يونانية هذا في المرحلة الأولى ، أما في الثانية فأثرت ( الهيلينية ) بطريقة غير مباشرة خاصة على المعتزلة الذين كانوا أئمة البلاغة.

و منه برز اتجاهان اعتنقا البيان هما 

أ- عربي محافظ لا يقرب الفلسفة اليونانية إلا بتحفظ.

ب – يوناني تجاهر بالأخذ من أرسطو ، و استهدف بذلك حملات المحافظين.

إن طه حسين لا يفصل بين النقد و البلاغة ، و إنما يقر بتدخل عناصر التأثير الأجنبية في البيان العربي ، و من ثم إلى النقد العربي ، لأن العرب في القرن الثاني الهجري لم يفرقوا بين النقد والبيان .

و من خلال مفهوم البيان قديما ( المعاني البديع ، البيان ) ، و النتيجة التي توصل إليها بعض الباحثين ، أن النقد الأدبي عربي محض ، أما علم البيان ممزوج بصبغة ليست عربية.

و على الرغم من هذا لا يمكن الفصل بين النقد و البلاغة ، لأن الفصل بين النقد بقولنا عربي محض ، والبيان ممزوج ، هذه الدراسة تستقصي الجانب الموضوعي للعلاقة بين النقد و البلاغة ، وأي محاولة للفصل بينهما يجب أن تراعى ارتباط النقد بعلوم أخرى مثل :( الروية ، العروض ، و النحو ) و غيرها.

و الحقيقة التي لا مناص منها يجب الاعتراف بأن النقد و البلاغة على علاقة تمازج و تكامل تاريخي على الرغم من فوارق التطبيق بينهما وطبيعية كل منهما.

إن البلاغة – ولا شك – أمدت النقد بمصطلحات جديدة و مفاهيم لكشف خصائص النصوص ، و النقد عمل على توسيع البلاغة و تطوير مناهجها .

و خلاصة القول : النقد و البلاغة متكاملان.

 البديع :

 ( ب – د – ع ) ورد في لسان العرب لابن منظور : أبدع الشئ يبدعه بدعا وابتدعه : أنشأه وبدأه ، و البديع و البدع : الشئ الذي يكون أولا ، و فلان بدع في هذا الأمر ، أي أول لم يسبقه أحد .

 

وقال رؤبة : إن كنت لله التقى الأطوعا     فليس وجه الحق أن تبدعا

 

و البديع المحدث العجيب ، و سقاء بديع : جديد ، و كذلك زمام جديد 4

 

و منه البديع لغة : الجديد ، و المخترع على غير مثال سابق .

 

و لفظة البديع التي وسم بها ابن المعتز كتابه لم يكن أول مستعمل لها ، بل استعملتها العرب في كلامها و أطلقتها على كل شيء  يستحسن لطرافته و في الذكر الحكيم قال تعالى : ( بديع السموات و الأرض ) أي مبدعهما و خالقهما على غير مثال سابق .

 و استعملها الجاحظ قبل ابن المعتز بمعناها الأدبي حين قال : ( إن البديع مقصور على العرب  و من أجله فاقت لغتهم كل لغة و أربت على كل لسان )5

 و ذكر الجاحظ في معرض حديثه عن البديع في كتابه البيان و التبيين ، أن البديع لفظ كان يطلق لذلك العهد على وجوه البلاغة كلها .

 يعتبر ابن المعتز أول من صنف كتابا جمع فيه شتات البديع ، لقوله : ( و ما جمع قبلي فنون البديع أحد و لا سبقني إلى تأليفه مؤلف )6

 قال محمد منذور : ( فابن المعتز قد ساعد على خلق النقد المنهجي بتحديده لخصائص مذهب البديع ووضعه اصطلاحات لتلك الخصائص )7

 تجلت أولى المصطلحات الفنية للمذهب البديعي بكتاب ابن المعتز، و ذكر الخطيب القزويني في كتابه التلخيص أن البديع : ( هو علم يعرف به وجو تحسين الكلام بعد رعاية تطبيقية على مقتضى الحال ، ووضوح الدلالة )8

 و عرفه صاحب جواهر البلاغة للهاشمي بقوله : ( هو علم يعرف به الوجوه ، و المزايا التي تزيد الكلام حسنا و طلاوة ، و تكسوه بهاء ورونقا بعد مطابقته لمقتضى الحال ) 9  

 الاستعارة

 ( ع – و – ر ) : تكاد تجمع معاجم اللغة على إن كلمة الاستعارة لغة تعني : الطلب و الانتقال و التردد

 رفع الشئ و تحويله من مكان الى آخر

 يقال : استعار فلان سهما من كنانته

 و يقال : استعار المال ، طلبه عارية

 أما الاستعارة اصطلاحا تعني : استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة المشابهة مع قرينه مانعة من إرادة المعنى الحقيقي ، أو هي تشبيه حذف أحد طرفيه ) 10

 من التعريف الأول يتبين لنا أن هناك علاقة وطيدة بين المعنى الحقيقي واللغوي للاستعارة وبين معناها المجازي ، أو الاصطلاحي ، لأنه لا يستعار أحد اللفظين للآخر في واقع الأمر إلا إذا كانت هناك صلة معنوية جامعة بينهما.

 اعتبر الدارسون الجاحظ من الأوائل الذين تحدثوا عن الاستعارة و عرفها بقوله : ( هي تسمية الشئ باسم غيره إذا قام مقامه) 11

 و يرى الجرجاني : ( أن الاستعارة ضرب من التشبيه ، و نمط من التمثيل) [4]

 أما الرماني فعرفها بقوله : ( الاستعارة تعليق العبارة على غيرما وضعت له في أصل اللغة على جهة النقل للإبانة) 12

 يرى أبو هلال العسكري : ( أن الاستعارة أصلها التشبيه) 13

 و جعل الاستعارة أول أبواب البديع ، و سار على نهجه ابن شيق القيرواني في ذلك فقال: ( الاستعارة أفضل المجاز ، و أول أبواب البديع ، و ليس في حلي الشعر أعذب منها) 14

 ويرى الرماني : أن كل استعارة فلا بد فيها من مستعار ، و مستعار له و مستعار منه.

  عرفها ابن قتيبة قائلا : ( إن العرب تستعير الكلمة فتضعها مكان الكلمة إذا كان المسمى بها سبب من الأخرى ، أو مجاورا لها ، أو مشاكلا) 15

 إن أبا هلال العسكري : لا يجعل التشبيه من البديع ، بل يجعله بابا مستقلا من أبواب البلاغة ، ثم يجعل الاستعارة أول أبواب البديع.

  و عرفها البحراني : ( أنها استعمال اللفظ في غير ما اصطلح عليه في أصل المواضعة التي بها التخاطب لأجل المبالغة في التشبيه) 16

 و نلاحظ من خلال العبارة الأخيرة في قول البحراني : ( لأجل المبالغة في التشبيه ) انفصلت الاستعارة عن سائر وجوه المجاز .

 أما الاستعارة عند ابن الأثير : ( في تشبيه محذوف ) بمعنى : ( أن يذكر المشبه به دون المشبه ، ويسمى استعارة)  17

 من خلال هذا التعريف أرى قد اقتصر على نوع من الاستعارة فقط ، و هو ما يعرف بالاستعارة المكنية .

 و في كتاب : ( البديع ) عرف ابن المعتز الاستعارة : ( بأنها استعارة الكلمة لشيء لم يعرف بها من شيء قد عرف) 18

 لم يكتف ابن المعتز بذكر وجوه الاستعارة الجميلة ، و إنما راح يضرب أمثلة للاستعارة القبيحة  وبين ما فيها من عيوب و بهذا كما قال شوقي صيف: و بذلك سن للبلاغين بعده أن يتحدثوا عن العيوب التي وقعت في بعض الفنون البلاغية ) والملاحظ أيضا أن ابن المعتز حين أورد الشواهد ممثلا للاستعارة ، جاء أغلبها من باب الاستعارة المكنية.

 من أمثلة الاستعارة : قال تعالى : (......... أم الكتاب ........).

 و قول عز من قائل : ( جناح الذل ) .

 و قولهم : ( الفكرة مخ العمل ) و قولهم أيضا ( المال عابس )

 ومن الاستعارة قول امرئ القيس :

 وليل كموج البحر مرح سدوله ()   علي بأنواع الهموم ليبتلي

      فقلت لما تمطي  بصلبه      ()   وأردف إعجازا و ناء بكلكل

 هذا من الاستعارة ، لأن الليل لا صلب ل و لا عجز.

 و من معيب الاستعارة قول الشاعر يزيد بن مفرغ :

 و يوم فتحت سيفك من بعيد () أضعت و كل أمرك للضياع

  و قال عبيد الله أيضا لسويد بن منجوف : ( اقعد على إست الأرض ) فقال السويد : ( ما أعلم للأرض إستا) 19

 و مما لا ريب في أن الاستعارة ظلت زمنا ضمن باب البديع ، حتى جاء  المتأخرون وجعلوها في موقعها من علم البيان  حين استواء التقاسيم و استقرارها .

 و تعتبر الاستعارة في كتاب ً البديع ً أول باب من أبوابه، و جاراه في ذلك العسكري ، و ابن رشيق القيرواني .

 و يبدو من الناحية التاريخية إن ابن المعتز سبق إلى هذا المصطلح ، و قيل : أن أول من سبق إليه  : أبو عمرو بن العلاء ، لقول ابن رشيق : «و كان أبو عمرو بن العلاء لا يرى أن لأحد مثل قول ذي الرمة :

 أقامت به حتى ذوى العود و التوى ( )  و لف الثريا في ملاءته الفجر

 وعد قول ذي الرمة من باب الاستعارة البليغة.

 عرض لها الجاحظ في كتابه البيان والتبيين ، ثم ابن قتيبة في كتابه : مشكل القرآن ، ثم المبرد.

 

و الظاهر إن لفظة ( الاستعارة ) كانت مرادفه للفظة المجاز و تطلق اطلاقاتها.

 التجنيس :

 ( ج – ن – س ) ورد في المعجم الوسيط ، الجنس بمعنى النوع ، و جانسه أي شاكله ويقال : جنست الرطبة جنسا أي نضجت كلها ، فكأنها جنس واحد .

 المجانس و المجانسة لغة ، المشاكلة و المشابهة . يقال ، فلان يجانس البهائم و لا يجانس الناس إذا لم يكن له تمييز و لا عقل .

 الجناس في اصطلاح البديعيين هو اتفاق الكلمتين في اللفظ ، و اختلافهما في المعنى.

 وعد الخليل بن أحمد أول من عرفه بقوله : الجنس لكل ضرب من الناس والطير و العروض و النحو)20

 و يرى قدامة التجنيس أن يكون في الشعر معان متغايرة قد اشتركت في لفظة واحدة ، و ألفاظ متجانسة مشتقة)21

 و عرفه ابن الأثير بقوله : ( الجناس أن يكون اللفظ واحدا ، و المعنى مختلفا)22

 الجناس هو تشابه اللفظين في النطق و اختلافهما في المعنى .

 ويعتبر ابن المعتز من الأوائل الذين فطنوا إليه ، وعده في كتابه ثاني أبواب البديع ، و لقد عرفه بقوله : ( التجنيس أن تجئ الكلمة تجانس أخرى في بيت شعر و كلام ، و مجانستهما لها أن تشبهها في تأليف حروفها) 23

 من هذا التعريف يفهم أن الجناس عند ابن المعتز مقصور على تشابه الكلمات في تأليف حروفها من غير إيضاح عما إذا كان هذا التشابه.يمتد إلى معاني الكلمات المتشابهة الحروف أو لا.

 و من العلماء من يسمي هذا الفن تجنيسا ، و منهم يسميه مجانسا ، و منهم يسميه جناسا ، تعددت الأسماء ، و المسمى واحد.

  و من أمثلة التجنيس التي أوردها ابن المعتز ، و هي كثيرة ، نكتفي ببعضها للتمثيل فحسب .

 ( إن لوم العاشق اللوم ) فالجناس بين لفظتي لوم ، اللوم

 و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( عصية عصت الله وغفار غفر الله له ) و قال : ( الظلم ظلمات )24

 وقول  الشاعر : و سميته يحي ليحي ولم يكف () الى رد أمر الله فيه سبيل 25

 فالتجنيس التام واقع في لفظتي : ( يحي ) اسم ابنه ) و ( يحي ) فعل الحياة العيش .

 المطابقة :

 ( ط – ب –ق ) ورد في قاموس المحيط للفيروز آبادي : المطابقة بمعنى الموافقة ، و مشي المقيد ، ووضع الفرس رجليه موضع يديه .

 و ذكر صاحب المعجم الوسيط ، طايق الفرس في مشيه أو جريه مطابقة و طباقا ، وضع رجليه موضع يديه . و المقيد مشى في القيد و قارب الخطو.

 و يقال : طابق البعير بمعنى وضع رجله موضع يده.

 و قال الأصمعي : ( المطابقة أصلها وضع الرجل موضع اليد في مشي ذوات الأربع )26

 وقال الخليل بن أحمد : ( طابقت بين الشيئين ، إذا أجمعت بينهما على حذو واحد) 27

 الطباق في الاصطلاح : الجمع بين الضدين ، أو بين الشيء وضده في كلام أو بيت شعر .

 وقال زكي الدين بن الأصبع المصري : ( المطابقة ضربان : ضرب يأتي بألفاظ الحقيقة ، و ضرب يأتي بألفاظ المجاز) 28

 يرى قدامة أن المطابقة نوع من الجناس ، و يسميها بالتكافؤ.

 يرى ثعلب : أن المطابق تكرير اللفظة بمعنيين ، و هو المعنى نفسه عند قدامة في المطابق.

 أما ابن المعتز جعل المطابقة في كتابه الباب الثالث من أبواب البديع ، و اكتفى بتعريف الخليل بن أحمد و لم يضف شيئيا جديدا من أمثلة ذلك ، قال أبو سعيد لصاحبه : ( أتيناك لتسلك بنا سبيل التوسع فأدخلتنا في ضيق الضمان ) نراه قد طابق بين السعة و الضيق.

 و قال الله تعالى : ( و لكم في القصاص حياة يا أولي الألباب )

 و قال رسول الله صلى الله عليه و سلم للأنصار: ( أنكم لتكثرون عند الفزع، و تقلون عند الطمع ) وجه الطباق واقع بين ( تكثرون وتقلون) 29

 إعجاز الكلام على ما تقدمها :

 رد العجز على الصدر : هو الكلام الذي يوجد في نصفه الأخير لفظ يشبه لفظا موجودا في نصفه الأول) 30

 أقسامه :

 1- إنفاق لفظ الصدر و العجز صورة و معنى و يكونا طرفين كقولهم : ( الحيلة ترك الحيلة ).

 2- اتفاق لفظ الصدر و العجز صورة لا معنى ، و هما طرفان كقول الشاعر :

 يسار من سجيتها المنايا () و يمنى من عطيتها اليسار

 3- بالعكس ، و هما طرفان كقول الشاعر :

 واستبدت مرة واحدة () إنما العاجز من لا يستبد 31

 و سماه المتأخرون من أصحاب البديع بـــ( رد العجز على الصدر) و منهم من سماه التصدير كما ورد ذلك عند ابن رشيق القيرواني.

  ذكر الخطيب القزويني ، أن رد العجز على الصدر يرد في النثر و الشعر على السواء ، ثم أبان عن ذلك قائلا : ( و هوفي النثر أن يجعل أحد اللفظين المكررين، أو المتجانسين ، أو الملحقين بهما في أول الفقرة،  و الآخر في أخرها.

 و هو في النظم أن يكون أحد هما في آخر البيت و الآخر في صدر المصراع الأول ، أو آخره أو صدر المصرع الثاني).

 أما ابن المعتز ، فجعله الباب الرابع من علم البديع و سماه رد إعجاز الكلام 32

 على ما تقدمها ، و قسمه إلى ثلاثة أقسام :

 1- أولها ما يوافق آخر كلمة من البيت آخر كلمة في نصفه الأول ، و مثل له بقول الشاعر : تلقى إذا ما الأمر كان عرمرما        في جيش رأى لا يفل عرمرم

 2- و منه ما يوافق آخر كلمة منه أول كلمة في نصفه الأول ، و استشهد له بقول الشاعر :

 سريع إلى ابن العم يشتم عرضه ( ) و ليس إلى داعي الندى بسريع

 

3- و منه ما يوافق آخر كلمة فيه بعض ما فيه ، كقول الشاعر:

عميد بني سليم أقصدته () سهام الموت وهي له سهام 33

 وفي هذا الفن قال ابن المقفع : ( و ليكن في صدر كلامك دليل على حاجتك ، كما أن خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته) 34

المذهب الكلامي

هو اصطناع مذهب المتكلمين العقلي في الجدل ، و الاستدلال ، و إيراد الحجج ، و التماس العلل ، و ذلك بأن يأتي البليغ على صحة دعواه بحجة قاطعة أيا كان نوعها .

و عرفه القز ويني بقوله : ( هو إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام ).

 نحو قوله تعالى : ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا)35

أما ابن رشيق يقرر أنه: ( مذهب كلامي فلسفي) 36

و بالعودة إلى قوله تعالى السالف الذكر نستشف الدليل القاطع علي وحدانية الله ، و تمام الدليل أن تقول : لكنهما لم تفسدا ، فليس فيهما آلهة غير الله .

أما ابن المعتز فيعترف منذ الوهلة الأولى بأن هذا المذهب عرفه الجاحظ فيقول : ( و هو مذهب سماه عمرو الجاحظ )37

ثم يقول : و هذا باب ما أعلم أني وجدت في القرآن منه شيئا ، وهو ينسب إلى التكلف تعالى الله عن ذلك علوا كبير.

و من هنا يتبين لنا أن ابن المعتز لم يقدم تعريفا لهذا النوع من البديع ، وإنما اكتفى بسرد الشواهد عليه ، واستثنى من ذلك القرآن الكريم.

من الأمثلة قول الفرزدق :

لكل امرئ نفسان نفس كريمة            وأخرى يعاصيها الفتى ويطيعها

ونفسك من نفسيك تشفع للندى           إذا قـل من أحرارهن شفيعها38

الالتفات

( ل- ف –ت ) من معاني اللفت في اللغة ، الصرف ، و من قوله تعالى : ( أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا )

و هو بمعنى لي الشئ عن جهته ، كما تقبض عنق إنسان فتلفته

أما في الاصطلاح الالتفات هو الإعراض و الاستدراك .

بمعنى أن يكون الشاعر شرع في معنى ثم يعرض له رأي آخر ، فيلتفت عنه إليه.

 ذكر عبد العزيز عتيق أن أول من ذكر الالتفات ( الأصمعي ) ( حكي عن إسحاق الموصلي  أنه قال : قال لي الأصمعي : أتعرف التفات جرير ؟  قلت :وما هو ؟ فأنشدني قوله :

أتنسى إذ تودعنا سليمى () بعود بشامة ؟ سقي البشام 39

 وصنف قدامة الالتفات ضمن نعوت المعاني ، و عرفه بقوله : ( هو أن يكون الشاعر آخذا في معنى فكأنه يعترضه إما شك فيه، أو ظن بأن رادا يرد عليه قوله ، أو سائلا يسأله عن سببه ، فيعود راجعا إلى ما قد مه ، فإما أن يذكر سببه، أو يحل الشك فيه)

يسمي البعض الالتفات بالاعتراض ، والبعض الآخر ، الاستدراك وعد ابن المعتز الالتفات من محاسن الكلام و بديعه فعرفه بقوله : ( الالتفات هو انصراف المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار  و عن الإخبار ‘إلى المخاطبة و ما يشبه ذلك. و من الالتفات الانصراف عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر 40

و قسمه إلى نوعين :

أ- نوع ينصرف فيه المتكلم عن المخاطبة إلى الإخبار و عن الإخبار إلى المخاطبة ، و ما يشبه ذلك ، و مثل له بقوله تعالى : ( حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة( أي بكم ) و قال ابن الأثير : ( و لو أنه قال : و جرين بكم ) و ساق الخطاب معهم إلى آخر الآية لذهبت تلك الفائدة التي أنتجها خطاب الغيبة) 41

ب- و نوع ثان ينصرف فيه المتكلم عن معنى يكون فيه إلى معنى آخر ، و استدل عليه بقول أبي تمام : و أنجدتم من بعد اتهام داركم () فيا دمع انجدني على ساكني نجد

يتضح من البيت أن الشاعر هو المتكلم يخبر من يخاطبهم بأنه يعلم أنهم قد اتخذوا دارهم في نجد بعد أن كانت في تهامة ، ثم ينصرف أو يلتفت بعد ذلك إلى معنى آخر يتمثل في دعاء الدمع و مطالبته بأن يسعفه على ساكني نجد.

و سماه بعضهم ( شجاعة العربية ) و سمي بذلك لأن الشجاعة هي الإقدام و ذاك أن الرجل الشجاع يركب ما لا يستطيعه غيره ، و يتورد مالا يتورده سواه ، و كذلك الالتفات في الكلام تختص به اللغة العربية دون غيرها 42

و يعتبر ابن الأثير خير من تكلم في موضوع ( الالتفات ) و جعله ثلاثة أقسام و ذكر شوقي ضيف: ( أن الأصمعي يعد أول من اقتراح للالتفات اسمه الاصطلاحي في البلاغة 43

الاعتراض :

سماه قدامة في كتابه : التتميم ( التمام) و عرفه بقوله : ( هو أن يذكر الشاعر المعنى فلا يدع من الأحوال التي تتم بها صحته و تكمل معها جودته شيئا إلا أتى به ) و مثل له بقول طرفة : فسقى ديارك – غير مفسدها-    صوب  الربيع و ديمة تهمي44

فقوله : ( غير مفسدها ) إتمام لجودة ما قاله

و عرفه الإمام البحراني بقوله : ( و هو أن يتدرج في الكلام ما يتم الغرض دونه) 45ومثل له بقوله تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم) وسماه المتأخرون :التكميل ، أو الاحتراس.

أما ابن المعتز فعرفه بقوله : ( وهو اعتراض كلام في كلام لم يتم معناه)45

ومثل له بقول كثير :

لو أن الباخلين ، و أنت منهم   رأوك تعلموا منك المطالا

و يبدو من الناحية التاريخية أن ابن المعتز لم يكن سبقا إلى هذا الفن ، بل سبقه الأصمعي ، ولكن ابن المعتز له فضل التسمية ليس إلا .

الرجوع :

عرفه ابن المعتز بقوله : ( هو أن يقول شيئا ويرجع عنه ) وساق أمثلة منها قول بشار :

نبئت فاضح أمه يغتابني    عند الأمير ، و هل عليه أمير ؟ 46

و من الناحية التاريخية تبين أن ابن المعتز سبق إلى هذا المصطلح .سبقه أبو عبيدة ، قال الباقلاني : كان أبو عبيدة : يقول عن امرئ القيس في بيته :

و إن شفائي عبرة مهراقة () فهل عند رسم دارس من معول

أنه رجع فأكذب نفسه47

حسن الخروج :

سماه أبو تمام بالاستطراد , و مثل له بقول السمؤال : 

و إنا لقوم ما نرى القتل سبة ()  إذا ما رأته عامر و سلول 48

و لقد قيل : إن ابن المعتز يكون استعار هذه التسمية  (حسن الخروج ) من ً ثعلب ً حيث ذكر في كتابه قواعد الشعر  :" و حسن الخروج و التلطف في الانتقال من غرض إلى غرض" 49

و لكن المصادر تكاد تجمع على أن ابن المعتز هو السابق إلى هذه التسمية .

و عرفه ابن المعتز بقوله : " حسن الخروج من معنى إلى معنى " . و مثل له يقول أبي العتاهية: و أحببت من حبها الباخلين  حتى و مقت ابن سليم سعيدا  50

تأكيد المدح بما يشبه الذم :

سماه ابن رشيق ( الاستثناء )

وذكر بعض البلاغين أن حسنه المعنوي ناشئ من اثر أداة الاستثناء التي يبنى عليها ، و لكن حقيقة الأمر أن تسميه ابن المعتز أدل في الواقع عليه من تسميته : ( بالاستثناء ) .

وحقيقة الأمر أن ابن المعتزهو مبتكر هذا الفن ، و اكتفى بضرب مثالين له ، الأول قول النابغة: لا عيب فيهم غير أن سيوفهم () بهن فلول من قراع الكتائب 51

والثاني قول الجعدي :

متى كملت أخلاقه غير أنه () جواد فما يبقي من المال باقيا 52

و منه نستشف أن تأكيد المدح بما يشبهه الذم نوعان :

أ- أن يستثنى من صفة ذم منفية عن الشئ صفة مدح بتقدير دخولها فيها كما ورد في المثال الأول :

ب-أن يثبت لشئ صفة مدح ، ثم يؤتى بعدها بأداة استثناء تليها صفة مدح أخرى، كماهو الحال في المثال الثاني.

تجاهل العارف :

عرفه أبو هلال العسكري بقوله : ( هو إخراج ما يعرف صحته مخرج ما يشك فيه ليزيد بذلك تأكيدا)  53

لم يزد على ابن المعتز إلا إضافة "مزج الشك باليقين "

و سماه المتأخرون : الإعنات و التشكيك

و قد ذكر بعضهم أنه من ابتكار ابن المعتز. و من أمثلته قول زهير :

و ما أدري وسوف إخال أدري ()  أقوم آل حض أم نساء 54

هزل يراد به الجد :

استمده ابن المعتز من الجاحظ.

و عرفه القزويني بقوله : "و الهزل الذي يراد به الجد هو أن يقصد المتكلم مدح إنسان ، أو ذمه فيخرج من ذلك مخرج الذل و المجون اللائق بالحال"55

قال الشاعر :

و البين هازلني بالجد حين رأى       دمعي وقال تبرد أنت بالديم 56

أما ابن حجة الحموي لم يضف شيئيا على ما قدمه القزويني

ومثل له ابن المعتز بقول أبي العتاهية يهجو هازئا :

أرقيك أرقيك بسم الله أرقيكا     من بخل نفسي لعل الله يشفيكا

ما سلم نفسك إلا من يتاركها     وما عدوك إلا من يرجيكا57

حسن التضمين :

هو استعارة الشاعر الأبيات و أنصافها ، أو بعض الألفاظ في حشوها من شعر غيره ، و إدخالها في أثناء أبيات قصيدته .

وورد في صحيفة البلاغة الهندية إشارة إلى أن التضمين معيب ، و كرر ذلك الجاحظ في كلامه  وعد من عيوب الكلام لا من محاسنه 58

أما ابن المعتز اكتفى بذكر الأمثلة على ذلك كقول الشاعر :

و لقد سما للخرمي فلم يقل     يعد الوغى لكن تضايق مقدمي

فكلمة :"لكن تضايق مقدمي " ضمنها الشاعر من قول عنترة :

إذ يتقون بي الأسنة لم أخم    عنها و لكني تضايق مقدمي 59

التعريض و الكناية :

عرفها أبو هلال العسكري بقوله : "هو أن يكنى عن الشيء و يعرض به ، و لا يصرح على حسب ما عملوا باللحن و التورية عن الشئ"60

و مثل لها بقوله تعالى : "أو لامستم النساء " كناية عن الجماع .

و ذكر ابن الأثير أن الكناية هي كل لفظة دلت على معنى يجوز حمله على جانبي الحقيقة و المجاز بوصف جامع بين الحقيقة و المجاز61

يرى أن كل مقام ترد فيه الكناية يتجاذبة جانب الحقيقة ، وجانب المجاز ، مثل بقوله تعالى : (

أو لمستم النساء ) يجوز حمله على الحقيقة والمجاز.

والكناية عنده جزء من الاستعارة.

وفرق الزمخشري بين الكناية و التعريض حيث قال :"الكناية أن تذكر الشئ بغير لفظه الموضوع له ، و التعريض أن تذكر شيئا يدل به على شئ لم تذكره  "  

و مثل لذلك بقوله : "كقول المحتاج للمحتاج إليه : ( حئتك لأسلم عليك ) فكأنه إمالة الكلام الى عرض يدل على المقصود و يسمى التلويح ، لأنه يلوح منه ما يريده"62

 و من الناحية التاريخية دار هذا المصطلح كثيرا في كتابات الجاحظ و اللغويين و مثل له ابن المعتز بقوله :

إذا عوج الكتاب يوما سطورهم    فليس بمعوج له أبدا سطر 63

الإفراط في الصفة :

سماها قدامة ( المبالغة )

 و عرفها أبو هلال العسكري بقوله :"المبالغة أن تبلغ بالمعنى أقصى غاياته ، و أبعد نهاياته ، و لا تقتصر في العمارة عنه على أدني منازله ، و أقرب مراميه"64

أما السكاكي و من جاراه من أمثال القزويني فيعدون المبالغة المقبولة  من محاسن الكلام

و بديعه.

و الأمثلة التي ساقها ابن المعتز تنطبق على المبالغة ، وهو مسبوق إليها من الأصمعي قال ابن رشيق قيل للأصمعي : "من أشعر الناس ؟ قال الذي يجعل المعنى الخسيس بلفظه كثيرا ، أو يأتي إلى المعنى الكبير فيجعله خسيسا "65

  واكتفى ابن المعتز بالتمثيل لها ، من ذلك قول أبي نواس :

ملك أغر إذا اجتبى بنجاده      غمر الجماجم والسماط قيام 66

حسن التشبيه :

ابن المعتز سبق إلى هذا المصطلح من قبل سيويه حيث قال :

تقول : "مررت برجل أسد أبوه إذا كنت تريد أن تجعله شديدا ، و مررت برجل مثل الأسد إذا كنت تشبهه " ثم استعمل الجاحظ كلمة "التشبيه " في مقابلة "الحقيقة "67

ذكر المبرد في كتاب الكامل : "و التشبيه جار كثير في كلام العرب حتى و لو قال قائل هو أكثر كلامهم لم يبعد"68

 و من أمثلته في البديع قول الشاعر في الذباب :

هزجا تحك ذراعه بذراعه     قدح المكب على الزناد الأجذم 69

إعنات الشاعر نفسه :

 عرفه القز ويني بقوله : "هو أن يجئ قبل حرف الروي أو ما في معناه من الفاصلة ماليس بلازم في السجع "70

 و معناه أن يلتزم الناثر في نثره ، و الشاعر في شعره بحرف قبل حرف الروي .أو بأكثر من حرف بالنسبة إلى قدرته مع عدم التكلف.

وعرفه ابن لأثير بقوله :"لزوم مالا يلزم  من أشق هذه الصناعة مذهبا، و أبعدها مسلكا ، و ذلك لأن مؤلفه يلتزم مالا يلزمه "71 وسماه بعضهم : ( الالتزام ) و ( لزوم ما لا يلزم )".

و عرفه ابن المعتز بقوله : "إعنات الشاعر نفسه في القوافي و تكلفه من ذلك ماليس له [5]" ثم يسوق الأمثلة التي تنطبق على لزوم مالا يلزم

قال الشاعر : يقولون في البستان للعين لذة        و في الخمر و الماء الذي غير آسن

             فإن شئت أن تلقى المحاسن كلها      ففي وجه من تهوي جميع المحاسن 72

و الواضح من البيتين أن الشاعر التزم السين قبل النون .

و اشتهر من الشعراء في هذا الباب المعري بلزومياته

حسن الابتداءات :

أشار إليه شبيب بن شيبة في بعض حديثه الذي حكاه الجاحظ ، و لقد نقل الجاحظ عن شبيب بن شيبة قوله :"و الناس موكلون بتفضيل جودة الابتداء و بمدح صاحبه ، و أنا موكل بتفضيل  جودة القطع و بمدح صاحبه "73

قال ابن رشيق :"إن حسن الافتتاح داعية للانشراح ، و مطية النجاح "74

و تزادا براعة المطلع حسنا إذا دلت على المقصود بإشارة لطيفة.

 و عرفه القز ويني بقوله : "و هو ما ناسب المقصود "75

 وسماه البعض : "براعة الاستهلال  " و حسن المطالع .

لم يقدم ابن المعتز تعريفا لهذا المصطلح ، و إنما اكتفى بضرب الأمثلة على ذلك ، منها قول النابغة في مطلع قصيدته الشهيرة :

كليني لهم يا أميمة ناصب      و ليل أقاسيه بطئ الكواكب.

الخاتمة :

البحث في حقل المصطلحات لا يعد بدعا في الدارسات ، على مختلف مشاربها و مصباتها ، وإنما يشكل حجر الزاوية ، و مفتاح العلوم ، فدراسة المصطلح ضرورة ملحة لا مندوحة للدارس من معرفتها وتدوينها .

فالدراسات المتخصصة في المصطلح تعد قليلة و نادرة إذا قورنت بالدراسات الأخرى .

إن تحديد المصطلحات يعد فرعا أساسيا من فروع البحوث العلمية ، و عليه يتوقف النهوض بالدارسات و التجديد فيها ، لأن تطور العلوم و تجدد الفنون مرهون بمصطلحاتها.

إن الجولة التي اصطحبنا فيها ابن المعتز في كتابه البديع كانت من أمتع الجولات على الرغم من العقبات الكؤود التي صادفتنا في الطريق ، و التي من خلالها تبين لنا أن العمل الذي قام به ابن المعتز يعتبر محاولة أولى في سبيل استقلال الدرس البلاغي و تحديد مباحثه التي كانت من قبل ممزوجة بمباحث أخرى من جهة ، و مما استحدثه ابن المعتز في كتابه وضع مصطلحات لأنواع البديع في زمانه ، ونقد المعيب  من كل نوع من جهة أخرى .

اعتبر الدارسون كتاب البديع نقطة انعراج خطير في مسار الدراسات البلاغية ، و سمة بارزة في مجال النظرية الأدبية عند العرب .و منزلته في تاريخ البلاغة بمنزلة "كتاب سيبويه".في تاريخ البحوث اللغوية و النحوية, فهو بإجماع الباحثين أول كتاب جعل من البلاغة غاية تأليفه , و محاولة فريدة لإرساء أصول البلاغة على أسس عربية صرفة .

إن قيمة الكتاب تكمن في رؤية صاحبه الواعية الواضحة في منطلقاتها و غاياتها التي جعلت مادته خاضعة لتلك الرؤية لا تتجاوزها , فجاء الكتاب موجزا منقحا بعيدا عن الحشو والإطناب.

 إن مرتكز هذا الكتاب قضية نقدية شائكة حمي وطيسها في القرن الثالث الهجري تمثلت في : "الخصومة بين القدماء و المحدثين " و من ثم تجلت الروح التي أمالت الكتاب , فهي روح نقدية، لا بلاغية، بل هي روح تعكس تمازج الفنيين بكيفية فريدة .

و زبده القول : يعتبر الكتاب بلا ريب محاولة جادة تلقفها البلاغيون و النقاد من بعده , و استكملوا حلقاتها ، و مباحثها ، و قضاياها.

 إن كتاب البديع على صغره و قلة إضافاته يعتبر منعرجا حاسما في التأليف البلاغي ، و مساهمة في بلورة حدود العلم و تخليصه من تبعية العلوم الأخرى.

الإحالات


 [1] -   ينظر، جبور عبد النور، المعجم الأدبي ، دار العلم للملايين ، د ط ، ص 252

2  -  ينظر، ابن منظور، لسان العرب ، ج2 مادة ( صلح)

3  - ينظر، عوض حمد القوزي ، المصطلح النحوي نشأته وتطوره،  ط1/1981، ص 23

4-  ينظر، لسان العرب مادة ( ب – د –ع )

5-  أحمد إبراهيم موسى ،  الصبغ البديعي  في اللغة العربية ، د ط ، 1969 ، ص 95

6- عبد الله ابن المعتز ،  البديع ، دار المسيرة ، ط3 ،   1982ص 58

7- رجاء عيد ، المصطلح في التراث النقدي  ، منشأة المعارف الإسكندرية ، ص 217 ، 218

8  - الخطيب القزويني ، الإيضاح في علوم البلاغة ، دار الجيل ، د ت ، ص 192

9  - السيد أحمد الهاشمي ، جواهر البلاغة ، ص 360

10-  يتظر، لسان العرب ، مادة ع – و -ر

11-  إدريس الناقوري ،  المصطلح النقدي في نقد الشعر ،  ط 2 .1984 ص 333

12- المرجع نفس ص 355

13-ينظر، الصبغ البديعي ،  ص 224

14-مصطفى عليان عبد الرحيم  تيارات النقد الأدبي في الأندلس في نقد ( ق– 5 ) هــ ، ط2 / 1986 م ص 485

15- يدوي طبانة ، أبو هلال العسكري و مقاييسه البلاغية و النقدية ، ص 202

16- م ، نفسه ،  ص 203

17- بدوي  طبانة ، البيان العربي ،  ط / 3/1962 / ص 92

18 - الإمام البحراني ، أصول البلاغة ،  ط1 /1981  ص 66

19  -ينظر الصبغ البديعي ص 266

20-  البديع ،  ص 2

21  - المصدر نفسه ، 2، 3، 7، 23

22- الصبغ البديعي  ص156*

23- ينظر  المعجم الوسيط مادة _ ج – ن س )

24  - المصطلح النقدي في نقد الشعر ، ص 115

25 - ينظر المعجم الوسيط مادة ( ج – ن س )

26  -  المصدر نفسه ، ص ، 116

27  - عبد العزيز عتيق ، علم البديع ،  ط 1، 1974 ص 187

28  -البديع ، عبد العزيز المعتز ، ص 25

29  - المصدر نفسه ،  ص 25

30  - المصدر نفسه ص 26

31- ينظر قاموس المحيط ، و المعجم الوسيط مادة ( ط – ب –ق )

32  -علم البديع ،  ص 66

33  - المرجع نفسه ،  ص 66

34  - المرجع نفسه  ، ص 66

35  - المرجع نفسه ، ص 67

36  -البديع لابن المعتز ص 36

37  - أصول البلاغة ،  ص 48

38  - المرجع نفسه  ، ص 49

39  - الإيضاح في علوم البلاغة ،  ص 216

40  - البديع ،  ص 47

41- المصدر نفسه ، ص 48

42  -  شوقي ضيف ،البلاغة تطور و تاريخ ،  ص 71

43  - الإيضاح في علوم البلاغة ، ص 274

44  -  البديع ، ص 53

45- المصدر نفسه ، ص 54

46  -  ينظر لسان العرب مادة ( ل – ف – ت )

47  -علم البديع ،  ص 135

48  - الصبغ البديعي ص 151

49 -   البشام : شجر ذو ساق و افنان وورق و لا ثمر له

50- البديع ص 58

51  - علم البديع ص 136

52  - ينظر المرجع نفسه ص 138

53  - ينظر البلاغة تطور و تاريخ ، ص 30

54   -   الصبغ البديعي ، ص 150

55  - أصول البلاغة ، ص 83    

56 -   البديع ، ص 59، 60   

57 -   المصدر نفسه ، 60

58  - الصبغ البديعي ص 136، 137

59  - المرجع نفسه ص 137

60- المرجع نفسه ص 137   البديع ، 60، 61

61 -  الصبغ البديعي ص 170

62-   ينظر البلاغة تطور و تاريخ ص 73

63- الصبغ البديعي ص 167

64- ينظر، م ، ن  ، ص 270

65  - ينظر، م ، نفسه ص 271

66  - علم البديع ، ص 83

67  - الصيغ البديعي ، ص 139

68  - المرجع نفسه ، ص 139

69  - المرجع نفسه ، ص 140

 70  - علم البديع ، ص 223

 71  - علم البديع ، ص 228

 72- البديع ، ص 74

 73  - الصبغ البديعي ، ص 141

 74  - ينظر جواهر البلاغة ، ص 419

 75  - الإيضاح في علوم البلاغة ، ص 242



التحميل