Imprimer
Affichages : 6184

المنظومة الاصطلاحية للبلاغة العربية وأهميتها في التحليل البلاغي

الدكتور مسعود بودوخة

كلية الآداب/ جامعة سطيف/ الجزائر

ملخص:

في هذه الدراسة أردنا أن نتناول المنظومة الاصطلاحية للبلاغة العربية، وذلك من خلال دراسة الدلالات العامة والمحاور الكبرى للمصطلحات البلاغية، ونحن نرى أن هذه المصطلحات ـ على كثرتها ـ مرجعها إلى أربع دلالات عامة:

فمن المصطلحات ذات الصّلة بظاهرة العدول والانزياح؛ العدولإيحاء؛ التلميح، والتلويح، والتورية، والكناية، والتخييل، والإيماء، والتَّضمين، والتعريض، والإشارة، والإيهام، والإضمار، فهي مصطلحات تندرج ضمن المفهوم العام للإيحاء، وتدل على طريقة من طرائقه، أو آلية من آلياته، أو نوع من أنواعه.

أما جانب الحجاج والإقناع فقد كان له حضوره في البلاغة العربية، ومن مصطلحاته : الاحتجاج، والاستدلال، والإلجاء، والاستدراج، ومجاراة الخصم، وسنحاول تناول كل محور من هذه المحاور التي تشكل منظومة اصطلاحية يمكن أن تشكل أداة مثلى في الممارسات التطبيقية للتحليل البلاغي.

الدلالات العامة للمصطلحات البلاغية.

1/ العدول والانزياح:

هناك كثير من المصطلحات ذات الصّلة بظاهرة الانزياح؛ من مثل العدول، والتحويل، والاتساع، والمجاز،([1]) والتغيير، والانحراف، والتحريف، والخروج، واللحن،([2])والنّقل، والانتقال، والرّجوع، والالتفات، والصَّرف، والانصراف، والتلوين، ومخالفة مقتضى الظاهر، وشجاعة العربية، والحمل على المعنى، والترك، ونقض العادة([3])، فهذه المصطلحات كلها تلتقي حول مفهوم واحد عام هو العدول عن أصل مفترض إلى استعمال خاص، وهذه الكثرة في المصطلحات الدالة على العدول والانزياح ليس لها من الدَّلالة أقل من أن وعي البلاغيّين لامس ظاهرة الانزياح بوضوح.

ويزخر التراث البلاغيّ بإشارات إلى ظاهرة الانزياح وأهميتها في عملية الإبداع الفنِّي، فهذا الانزياح يتبدى عندهم في مظاهر شتى، تبدأ من أدنى تغيّر صوتي وتنتهي بتغيّر النَّوع الأدبيّ للخطاب برمته.

و هذا دليل على أن البلاغيّين عرفوا ظاهرة الانزياح، وتناولوها من خلال مباحث كثيرة، ومصطلحات متعددة، وكانت لهم إشارات واضحة تدل على وعيهم بالانزياح بوصفه ظاهرة فنية، وضرورة أدبية، ويعد الحذف والزيادة نوعين هامين من أنواع الانزياح التَّركيبي، وهما ذوا صلة وثيقة بظاهرتي الإيجاز والإطناب اللتين تمثلان نوعا من العدول عن أصل مثالي مفترض تمثله المساواة.

 أما الانزياح الدَّلالي فتمثله صور البيان عامَّة؛ فالتَّشبيه يتأكد بعده الفنِّي من خلال أنواع العدول والانزياحات التي تعتريه، سواء كان ذلك بحذف بعض عناصره، أم بالإغراب في تشبيه المتباعدات، أم في قلب طرفي الصّورة التَّشبيهية، كما تعد الاستعارة أهم أنواع الانزياح الدَّلالي، من حيث هي نقل للفظ عن مسمَّاه الأصلي إلى اسم آخر، وتشبيهٌ حذف أحد طرفيه، وخرج بذلك عن التقرير والمباشرة، فكانت أعلى مراتب التَّشبيه هي أولى مراتب الاستعارة، ولذلك فضلت الاستعارة قديما وحديثا على التَّشبيه، من حيث قيمتها الفنِّية التي تحققها بذلك التفاعل الحي في الدَّلالة، وذلك الثراء الذي تتميز به، ويعزى إلى أنَّها تمثل أقصى درجات الانزياح الدَّلالي، أما الكناية فهي أحد أشكال الانزياح الدَّلالي وتتلخص في أنَّها عدو علن إفادة المعنى مباشرة إلى إفادته عن طريق لازم من لوازمه.

2/ التَّناسب والتشاكل:

يعد مبدأ التَّناسب من أشهر المبادئ وأقدمها في تفسير ظاهرة الجمال والفن، حتى غدا مرادفا للجمال عبر العصور([4])، وغاية تسعى إلى تجسيدها جميع الفنون.

ومن المصطلحات البلاغيّة ذات الصّلة بالتَّناسب، من حيث الدَّلالة اللُّغوية على الأقل: الائتلاف والاتساق، والالتئام، والتجانس، والتَّشابه، والتعادل، والتنسيق، والتَّوافق، وصحة المقابلة، والمؤاخاة، والتوازن، والمساواة، والمشاكلة، والمطابقة، والمماثلة، إضافة إلى مصطلح التَّناسب نفسه ([5])، وهذه المصطلحات ذكرناها باعتبار مفهومها اللغوي العام الذي يحمل معنى التَّناسب أو يقرب منه، ولو أخذنا كلّ ما يمت إلى التَّناسب بصلة، لشمل ذلك أكثر مصطلحات البلاغة وأنواع البديع خاصة؛ إذ إن المحسنات التي عالجها البلاغيّون في باب البديع يقوم أغلبها على مراعاة علاقة صوتية أو دلالية يحكمها التَّماثل أو التَّخالف بين الوحدات، مما يجعل مباحث البديع لا تقل أهمية عن مباحث المعاني والبيان من حيث تحقيق الغرض الفنِّي الجماليّ، بل إننا يمكن أن نزعم أن البديع أقرب إلى مبادئ التشكيل الجماليّ الخالص من قسيميه، مادام الجمال قد ارتبط عند أكثر الفلاسفة والمفكرين بالتَّناسب والتناسق بين أجزاء العمل الفنِّي.

والبلاغيّون وإن لم يقفوا عند كلّ نوع من أنواع البديع بالتوجيه الفنِّي والتعليل الجماليّ، فإنهم انطلقوا من مبدإ أن هذه الأنواع البديعية إنَّما يؤتى بها لتحقيق فنية النّص وجماله، فسموها محسنات، وهذه المحسنات عندهم ذات غاية فنية وحاجة جماليّة تطمح إليها جميع الفنون، وهي تحقيق التَّناسب بين جميع أجزاء العمل، يقول محمد بن علي الجرجاني: «وجه حسن جميع المحسنات اللَّفظيَّة هو وجه حسن الشّعر، وهو التَّناسب؛ فإن الجنس ميال إلى الجنس، والطبع ميال إلى إيقاع المناسبة بين الأشياء، ونفاره من المتنافرات، فإن التَّناسب من الاعتدال، والنّفس الكاملة مفطورة على محبتـه»([6]).

ويعمق حازم القرطاجني هذه الفكرة، حين يشير إلى أن التَّناسب لا يقتصر على المماثلة أو المشابهة، بل يتضمن المخالفة والتضاد أيضا، ويذكر وجه الحسن في ذلك بقوله: «فإن للنفوس في تقارن المتماثلات وتشافعها، والمتشابهات والمتضادات وما جرى مجراها تحريكا وإيلاعا بالانفعال إلى مقتضى الكلام، وإن تناظر الحسن في المستحسَنَيْن المتماثلين والمتشابهين أمكن من النّفس موقعا من سنوح ذلك لها في شيء واحد»([7]).

و من بين ما تظهر فيه ملامح الاهتمام بالتَّناسب لدى البلاغيّين بعض تعريفات البلاغة نفسها؛ كالذي ذكره صاحب العمدة من أن «البلاغة أن يكون أول كلامك يدل على آخره، وآخره يربط بأوله»([8])، فهذا يشير إلى التَّناسب بين أجزاء النّص.

كما يظهر التَّركيز على التَّناسب في تعريف الخطابي للبلاغة بأنَّها: «وضع كلّ نوع من الألفاظ التي تشتمل عليها فصول الكلام موضعه الأخص الأشكل به الذي إذا أبدل مكانه غيره جاء منه إما تبدل المعنى الذي يكون منه فساد الكلام، وإما ذهاب الرَّونق الذي يكون معه سقوط البلاغة»([9]).

وقام مفهوم الفصاحة على أساس من مبدإ التَّناسب أيضا؛ فإن هذه الفصاحة لا تتحقَّق إلا بخلوص المفردة من تنافر الحروف، والغرابة ومخالفة القياس اللغوي([10])، ومعنى ذلك أن هذه المفردة حققت أنواعا ثلاثة من التَّناسب على الأقل:

ـ تناسب صوتي؛ بخلوصها من تنافر الحروف.

ـ وتناسب مع المستعمل من الألفاظ؛ بخلوصها من الغرابة.

ـ وتناسب مع المستعمل من قواعد اللُّغة، حتى تبرأ من مخالفة القياس اللغوي، ثم إن مصطلحات البلاغيّين حفلت بما يدور حول التَّناسب فيؤدي معناه أو ينحو منحاه؛ من ذلك مصطلح التلاؤم، الذي جعله الرماني والباقلاني أحد أوجه البلاغة والإعجاز([11]).

وظواهر البديع تمثل في مجملها عناصر تناسبية اهتم بها البلاغيّون، وحاولوا اكتشاف أنواعها وقوانينها.

ويبدو أن الوزن الشّعري كان أهم مظاهر التناسب التي اهتم بها القدماء، لِمَا لمسوا فيها من بعد إيقاعي واضح وصريح، يتجلَّى في التَّناسب الزمني بين الحركة والسكون، وفي تكرار التفعيلات أفقيا وعموديا، ولذلك «مثلت فكرة التَّناسب منطلق الفلاسفة في معاينة ظاهرة الإيقاع الشّعري، وترتب على ذلك أن نظر الفلاسفة إلى هذه المسألة من منظور موسيقي، بعد أن عادلوا بين الإيقاع الشّعري والإيقاع الموسيقي على تمايز المواد التي يتشكَّل منها الإيقاعان»([12]). على أن الوزن الشّعري ليس سوى أحد مظاهر الإيقاع التي حفلت بها مباحث البلاغة ومصطلحاتها، وهذه المظاهر لا تخص الشّعر دون النَّثر، ولكنها يمكن أن توجد ـ على تفاوت ـ في جميع أنواع الفنّ القولي.

على أن التَّناسب ـ بوصفه مبدأً عاما في البلاغة العربية ـ لم يقتصر على البنية الداخلية للنص، والعلاقة بين وحداته الصَّوتية والتَّركيبية والدَّلالية، وإن كان هذا هو الاتِّجاه العام لدى الدارسين المحدثين في مقاربتهم للظاهرة؛ إن التَّناسب تمتد مساحته عند البلاغيّين إلى ما هو أعم من بنية النّص ليشمل المقام بجميع عناصره، من متكلم ومتلق ومقاصد للخطاب وغيرها، وهذا النَّوع من التَّناسب يمكن أن نسمِّيَه التَّناسب العام؛ لأنَّه أعم من التَّناسب الذي تمثله أكثر المحسنات البديعية، والذي يمكن أن نعده تناسبا خاصا، ويمكن أن نتصور اندراج أنواع التَّناسب وتدرجها وفق هذا المخطط:

التَّناسب الصَّوتي ـــ  التَّناسب التَّركيبي ـــ  التَّناسب الدَّلالي ـــ   التَّناسب العام فكلّ نوع من أنواع التَّناسب متضمّن بالضَّرورة في النَّوع الذي بعده، وعليه فإن ما دعوناه  التَّناسب العام يتضمن التَّناسب الخاص بأبعاده الصَّوتية والتَّركيبية  والدَّلالية.

إن الأنواع التي رصدها البلاغيّون تقوم في عمومها على تناسب بين طرفين أو أكثر في النّص، وهي تحقق هذا التَّناسب بوصفه مقياسا جماليّا له أهميته في التَّأثير الإيجابي على المتلقي وكسب تفاعله وإعجابه، ومما يؤيد هذه النتيجة، أن تلك المحسنات البديعية ارتبطت عند أكثر البلاغيّين، بما أسموه المناسبة، والملاءمة والترابط والتلاحم.

وهذه الظَّواهر منها ما يغلب عليه الجانب الصَّوتي، كالوزن والقافية والموازنة والسَّجع والترصيع، وقد عددناها تناسبات صوتية، ومنها ما له جانبان؛ صوتي ودلالي، كالجناس والطباق والتّكرار والتعديد، وقد تناولناها ضمن التَّناسبات الصَّوتية الدَّلالية.

وهناك نوع من التَّناسب أعمّ، هو التَّناسب بين أجزاء النّص بصفة عامَّة، والتَّناسب بين بنية النّص وعناصر المقام المختلفة، وهذا المبدأ ينتظم مباحث الإعجاز قديما وحديثا؛ حيث تناول علماء القرآن والتفسير النّص القرآني بوصفه نصا منسجما تترابط فيه الوحدات ترابطا محكما، بدءا بالصيغ والحروف والأدوات، ومرورا بالمقاطع والفواصل والكلمات، وانتهاء بالسور والآيات ، وهذا التَّناسب ذو بعد داخلي يتجلَّى في التناغم بين الوحدات الواردة ضمن النّص مع مقصد الخطاب والدَّلالات الجزئية التي يراد إبلاغها، وبعد خارجي تتناسب وفقه وحدات النّص وتراكيبه مع العوامل الخارجية للخطاب، وما اكتنف نزول الآيات من ظروف وأحوال تمثلها أسباب النزول وملابساته.

وعلى أساس فكرة التَّناسب هذه قامت نظرية النَّظم التي ألح فيها الجرجاني على ضرورة المطابقة بين جزئيات النّص داخليا، من حيث إن القدرة على تحقيق التَّناسب بين أجزاء الصّورة هي ميدان التَّفاوت بين أصحاب الفنون القولية، فيُحكم على النّص الأدبيّ بصفة عامَّة والشّعر بصفة خاصة بناء على ما يتوفر عليه من تناسب بين أجزائه، ولحمة بين عناصره.

والنَّوع الآخر من التَّناسب في نظرية النَّظم، هو التطابق بين البنية اللسانية والمقام بما يتضمنه وما ينطوي عليه من ظروف المتكلم ومقاصده، وحال المخاطب وغير ذلك مما يدخل ضمن مفهوم المقام، وهذه المناسبة شرط آخر يسمو به الكلام من مرتبة الصَّواب النَّحوي إلى مرتبة الفنّ البلاغيّ.

3/ التكثيف والإيحاء:

 والإيحاء من حيث المفهوم، يمكن أن نعده «إشارة إلى معنى غير مباشر بطريق التلميح والتعريض والكناية والرمز، وما تحمله الكلمات من تاريخ نفسي أو دلالي، يفضي إلى معان وصور في ذهن المتلقي، بطريق التذكر والتداعي، هي غير المعاني الحرفية التي تدل عليها هذه الكلمات»([13]).

وقد كان للإيحاء حضوره البارز في البلاغة العربية، رغم ميل البلاغيّين أحيانا إلى الإعلاء من شأن التصريح والوضوح، وأول ملامح الإيحاء عند البلاغيّين يتجلَّى في كثرة المصطلحات الدالة عليه أو الدائرة في فلكه من قبيل التلميح، والتلويح، والتورية، والكناية، والتخييل، والإيماء، والتَّضمين، والتعريض، والإشارة، والإيهام، والإضمار([14])، فهي مصطلحات تندرج ضمن المفهوم العام للإيحاء، وتدل على طريقة من طرائقه، أو آلية من آلياته، أو نوع من أنواعه.

كما يتجلى احتفاء البلاغيين بالإيحاء من خلال بعض تعريفات البلاغة نفسها، من أنَّها الإيجاز، وأنَّها اللَّمحة الدالة([15]) .

ولا يعدم الباحث في ثنايا  كتب البلاغة عبارات وإشارات تبرز احتفاءهم بالطاقات الإيحائيّة للغة، وأن «من مميزات لغة الخلق الفنِّي ... أن تعتمد على الطاقات الإيحائيّة في الظَّاهرة اللُّغوية أكثر من اقتصارها على طاقاتها التصريحية»([16])، ونجد عند الجاحظ بالذّات ما يشير إلى إيحاء اللُّغة كقوله: «أحسن الكلام ما كان قليله يغنيك عن كثيره»([17])، وقوله: «ورب قليل يغني عن الكثير... بل رب كلمة تغني عن خطبة... بل رب كناية تربي على إفصاح»([18]).

وقوله: «ومما مدحوا به، الإيجازُ والكلامُ الذي كالوحي والإشارة»([19])، وقوله: «قلة اللَّفظ مع كثرة المعاني»([20])، فهذه النّصوص تدل على وعي بما ينبغي أن تكون عليه لغة الأدب والإبداع من إيجاز وكثافة وإيحاء.

إن الإيحاء خاصية ترتبط أشد الارتباط بعملية الإبداع، وهو مقوم من أهم المقومات الجماليّة التي تنبه إليها البلاغيّون، وبرزت عندهم تنظيرا وتطبيقا، ويبدو هذا من بعض تعريفات البلاغة التي ركزت على الإيجاز والمجاز وتكثيف الدَّلالة، ومن خلال كثرة المصطلحات الدالة على الإيحاء؛ كالتلميح والتورية والتخييل والإيماء والتَّضمين والتعريض والإشارة وغيرها.

وأبرز أشكال الإيحاء عندهم التَّشبيه والاستعارة والكناية؛ فالتَّشبيه يمثّل شكلا من أشكال الإيحاء، تكمن خاصيته الإيحائيّة فيما يمتاز به من إيجاز واختصار للمعاني، وهو ما جعل بعض البلاغيّين يدرجه ضمن أنواع المجاز، وتماشيا مع البعد الإيحائيّ للتشبيه أعلى البلاغيّون من شأن أنواعه التي تتصف بأكبر قدر من الإيحاء، كتشبيه صورة بصورة، وما انتزع وجه الشبه فيه من متعدد، حتى يحدث في المتلقين ما يُرجى له من هزة وأريحية، وشغف وتحريك للنفوس. 

وتعد الاستعارة أهم أشكال الإيحاء وصوره، وهي أقدر من التَّشبيه على التصوير والتخييل، ونقل المشاعر والإيحاءات، ولذلك كانت أعلى مراتب التَّشبيه هي أولى مراتب الاستعارة، وإذا كان التَّشبيه يحافظ على استقلال طرفيه، فإن الاستعارة قد تدمج طرفي الصّورة محدثة نوعا من التفاعل الحي بينهما، وهذا ما يعزز خاصية الإيحاء التي تمتاز بها .

أما الكناية فيتحقَّق إيحاؤها بالانتقال من المعنى الذي يفيده اللَّفظ بحرفيته إلى ما يستلزمه ويترتب عليه؛ أي الانتقال من المعنى إلى معنى المعنى، وقد ربط البلاغيّون بين الكناية وعدد من الأنواع الأخرى التي تشترك معها في التلميح وعدم التصريح بالمعنى، بأن يعبر عنه بطريق غير مباشر، أو يكون اللَّفظ القليل دالا على المعاني الكثيرة، أو يغمض الكلام فتتعدد دلالالته، ولا يتبين إلا ببعض القرائن، ولا تخفى صلة جميع هذه الظَّواهر بالإيحاء.

4 / الحجاج والإقناع:

إذا كانت اللغة هي وسيلة التواصل المثلى، فإن الحجاج هو شكل من أشكال هذا التواصل، وحالة من حالاته التي يسعى فيها المتكلم إلى التأثير على السامع بجلب انتباهه أولا وإقناعه وكسب تأييده، أو إفحامه وغلبته ...وانطلاقا من هذا المفهوم يمكن أن ندرك سمات النص الحجاجي، فهو نص "يسعى إلى الإقناع، ويقدم البراهين التي تسمح لفكر ما أن يعلو على فكر أو غلبة موقف على موقف، أو رأي على رأي. ([21])

ولا شك أن الحجاج ـ مثله كمثل أي عملية تواصلية ـ لا يمكن أن يتم وتتحدد طبيعته إلا في ضوء المعطيات التي يتضمنها السياق أوالمقام.

ولقد كان للحجاج حضوره في البلاغة العربية التي شكل البرهان والإقناع أحد أهم مباحثها، ويمكن القول إن البلاغة العربية ظل يتجاذبها جانبان أساسيان هما جانب التواصل والإبلاغ، وجانب الفن والجمال؛ الدلالة والإبلاغ بما يعنيانه من دقة ومباشرة ووضوح وإقناع، والفن والجمال بما يفرضانه من غموض وتخييل وإمتاع.

وأول ما يبرز أمامنا من ظواهر البعد الحجاجي للبلاغة ما نجده في ثنايا تعريفاتها من إشارة إلى جانب الحجة والإقناع، أو الغلبة والإفحام، فابن المقفع يجعل الاحتجاج وجها من أوجه البلاغة وحالة من حالاتها، حين سئل ما البلاغة؟ فقال: "البلاغة اسمٌ جامعٌ لمعانٍ تجري في وجوهٍ كثيرة، فمنها ما يكون في السُّكوت، ومنها ما يكون في الاستماع، ومنها ما يكون في الإشارة، ومنها ما يكون في الاحتجاج، ومنها ما يكون جواباً، ومنها ما يكون ابتداءً، ومنها ما يكون شعراً، ومنها ما يكون سَجعْاً وخُطباً، ومنها ما يكون رسائل".([22])

وخالد بن صفوان يجعل الحجة ركنا في تعريفه للبلاغة، فقد جاء في كتاب العمدة : "...وقيل لخالد بن صفوان: ما البلاغة؟ قال: إصابة المعنى، والقصد إلى الحجة". فالحجة هنا وسيلة من وسائل الحجاج وآلية من آلياته. ([23])

وفي حديث الجاحظ عن البلاغة نلمس تركيزه على جانب الحجة والإقناع بقوة تكاد توازي جانب الفن والتخييل؛ من ذلك قوله: "وليس، حَفِظك اللَّه، مضرَّةُ سلاطة اللسان عند المنازعة، وسَقَطات الخطل يوم إطالة الخُطبة، بأعظمَ مما يحدُث عن العيّ من اختلال الحجّة، وعن الحَصَر مِنْ فوت دَرَك الحاجة، والناس لا يعيِّرون الخُرس، ولا يلومون مَن استولى على بيانه العجز، وهم يذمون الحَصِرَ، ويؤنِّبون العييّ، فإن تكلّفا مع ذلك مقاماتِِ الخطباء، وتعاطَيَا مناظرة البلغاء، تضاعف عليهما الذمّ وترادَفَ عليهما التأنيب." ([24])

وكذلك قوله: "وكانوا يمدحون شِدّةَ العَارضة، وقوةَ المُنَّة، وظهورَ الحُجَّة، وثَباتَ الجَنَانِ، وكثرةَ الرِّيق، والعلُوَّ على الخَصْم؛ ويهْجُون بخلافِ ذلك".([25])

ويتدرج الناس في البلاغة والقدرة على الحجاج حتى يكون بإمكان بعضهم "تصوير الباطل في صورة الحق" كما جاء في عبارة للجاحظ، وهو يبدو من حديثه عن هذه القضية معترفا لمن بلغ هذه المرتبة بالسبق والتفوق، والتمكن والاقتدار... 

ومن أهم الظواهر الدالة على البعد الحجاجي في البلاغة العربية تلك المصطلحات التي يغلب عليها طابع البرهان والحجاج والإقناع، فهذه المصطلحات تركز على الحجة والإقناع أكثر من تركيزها على الفن والإمتاع، وفيما يأتي عرض لأبرز هذه المصطلحات.

ـ الاحتجاج: وهو لون م� 19c5 � ألوان الكلام عند جماعة منهم ابن قيم الجوزية ([26])،وسماه الزركشي إلجام الخصم بالحجة، وسماه بعض البلاغيين "المذهب الكلامي"، وحقيقته احتجاج المتكلم على خصمه بحجة تقطع عناده وتوجب له الاعتراف بما ادعاه المتكلم وإبطال ما أورده الخصم، وسمي المذهب الكلامي لأنه يسلك فيه مذهب أهل الكلام في استدلالهم على إبطال حجج خصومهم. ([27])

أما المذهب الكلامي عند المتأخرين فهو إيراد حجة للمطلوب على طريقة أهل الكلام، وذلك أن يكون بعد تسليم المقدمات مقدمة مستلزمة للمطلوب،وقد تحدث العسكري في كتاب الصناعتين عن وضوح الدلالة وقرع الحجة  وجعل منه قوله تعال: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها لذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم)،

فهذه دلالة واضحة على أن الله تعالى قادر على إعادة الخلق مستغنية بنفسها عن الزيادة فيها، لأن الإعادة ليست بأصعب في العقول من الابتداء. ([1])

الاستدلال: الاستدلال هو تقرير الدليل لإثبات المدلول سواء كان ذلك من الأثر إلى المؤثر أو بالعكس([2])وهذا المصطلح ـ كما هو واضح ـ مصطلح وثيق الصلة بالجانب الحجاجي المنطقي،

وقد ذكر ابن سنان الاستدلال بالتعليل وجعل منه قول أبي الحسن التهامي:

لو لم يكن ريقه خمرة          لما تثنى عطفه وهو صاح

وقوله:

لو لم يكن أقحوانا ثغر مبسمها      ما كان يزداد طيبا ساعة السحر

ـ الإلجاء: الإلجاء هو الاضطرار، وألجأه إلى الشيء: اضطره إليه([3]) ،

 وقد عرف المصري الإلجاء بقوله:" هو أن تكون صحة الكلام المدخول ظاهره موقوفة على الإتيان فيه بما يبادر الخصم إلى رده بشيء يلجئه إلى الاعتراف بصحته. كقوله تعالى:( ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر) قال تعالى في جواب هذا القول: ( لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين)، فإن للخصم أن يقول : نحن إنما أردنا القصص والأخبار... فظاهر الكلام لا يصلح أن يكون ردا على المشركين فيقال لهم: هب أن الأعجمي علمه المعاني فهذه العبارة الهائلة التي قطعت أطماعكم عن الإتيان بمثلها من علمها له؟ فإن كان هو الذي أتى بها من قبل نفسه كما زعمتم فقد أقررتم أن رجلا واحدا منكم أتى بهذا المقدار من الكلام وقد عجزتم بأجمعكم وكل من تدعونه من دون الله عن الإتيان بأقصر سورة. ([4])

الاستدراج: ذكره ابن الأثير وقال إنه "مخادعات الأقوال التي تقوم مقام مخادعات الأفعال. والكلام فيه وإن تضمن بلاغة فليس الغرض ههنا ذكر بلاغته فقط، بل الغرض ذكر ما تضمنه من النكت الدقيقة في استدراج الخصم إلى الإذعان والتسليم، وإذا حقق النظر فيه علم أن مدار البلاغة كلها عليه، لأنه لا انتفاع بإيراد الألفاظ المليحة الرائقة ولا المعاني اللطيفة الدقيقة دون أن تكون مستجلبة لبلوغ غرض المخاطب بها ... فإذا لم يتصرف الكاتب في استدراج الخصم إلى إلقاء يده فليس بكاتب ولا شبيه له إلا صاحب الجدل، فكما أن ذاك يتصرف في المغالطات القياسية فكذلك هذا يتصرف في المغالطات الخطابية" ([5])

وقال في تعريف الاستدراج:" هو التوصل إلى حصول الغرض من المخاطب والملاطفة له في بلوغ المعنى المقصود من حيث لا يشعر به" ([6])ومثل ابن الأثير لذلك من قصة إبراهيم وحواره لأبيه

وعرف ابن الأثير الحلبي الاستدراج بقوله:" يقال استدرج فلان فلانا إذا توصل إلى حصول مقصوده من غير أن يشعره من أول وهلة" وذكره العلوي في الطراز وأورد شواهد من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وكلام علي رضي الله عنه وشعر المتنبي ([7])، وذكره ابن القيم  في الفوائد وذكر أمثلة عنه([8])...  

مجاراة الخصم: وهو من المصطلحات التي عرفت في علم الجدل، قال السيوطي:" ومنهل مجاراة الخصم ليعثر بأن يسلم بعض مقدماته حيث يراد تبكيته وإلزامه" كقوله تعالى: ( إن انتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فاتونا بسلطان مبين قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده)، فقوله: ( إن نحن إلا بشر مثلكم) فيه اعتراف الرسل بكونهم مقصورين على البشرية فكأنهم سلموا انتفاء الرسالة عنهم، وليس مرادا بل هو مجاراة الخصم ليعثر، فكأنهم قالوا: ما ادعيتم من كوننا بشرا حق لا ننكره ولكن هذا لا ينافي أن يمن الله علينا بالرسالة. ([9])

وهكذا فإن هذه المحاور الأربعة: العدول، والتناسب، والإيحاء، والحجاج،  تشكل منظومة اصطلاحية يمكن أن تشكل أداة مثلى ومدخلا في الممارسات التطبيقية للتحليل البلاغي والأسلوبي للنصوص.

 مراجع الدراسة:

  1. 1.    أحمد محمد ويس: الانزياح في التراث النقدي والبلاغي. اتحاد الكتاب العرب. دمشق.(د ت).
  2. 2.    حسن طبل: أسلوب الالتفات في البلاغة القرآنية. دار الفكر العربي. القاهرة. 1418هـ/1998م.
  3. 3.    عطية محسن محمد، غاية الفن، دار المعارف، مصر، 1991م.
  4. 4.  الجرجاني محمد بن علي، الإشارات والتنبيهات في علم البلاغة، تحقيق: عبد القادر حسين، دار نهضة مصر، القاهرة، 1982م
  5. 5.  القرطاجنّي حازم، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق: محمد الحبيب بن خوجة، دارالكتب الشرقية، تونس،1966م
  6. 6.  الخطابي حمد بن محمد: بيان إعجاز القرآن. ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن. تحقيق: محمد خلف الله ومحمد زغلول سلام.دار المعارف. القاهرة. ط4. (د ت).
  7. 7.  القزويني جلال الدين، الإيضاح في علوم البلاغة، تحقيق: علي أبو ملحم، دار ومكتبة الهلال، بيروت، 2000م
  8. 8.  الرماني علي بن عيسى ، النكت في إعجاز القرآن، ضمن ثلاث رسائل في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد خلف الله، ومحمد زغلول سلام، دار المعارف، ط4، القاهرة،(د ت).
  9. 9.    الباقلاّني، إعجاز القرآن، دار ومكتبة الهلال بيروت، ط 1، 1993م.
  10. 10.         الأخضر جمعي: نظرية الشّعر عند الفلاسفة الإسلاميين. ديوان المطبوعات الجامعية. الجزائر. 1999م.
  11. 11.                      المسدي عبد السلام، الأسلوبية والأسلوب، الدار العربية للكتاب، ط2، تونس 1982.
  12. 12.         ابن قيم الجوزية، كتاب الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1402هـ/ 1982م
  13. 13.                      أحمد مطلوب، معجم المصطلحات البلاغية وتطورها، مكتبة لبنان ناشرون، ط2، بيروت (د ت)
  14. 14.         العسكري أبو هلال، كتاب الصناعتين، تحقيق: منير قميحة، دار الكتب العلمية، ط2، بيروت، 1409هـ/ 1989م
  15. 15.         الجرجاني السيد الشريف، التعريفات، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1424هـ/2002م
  16. 16.                      ابن منظور الإفريقي، لسان العرب، دار صادر، بيروت، (دت)
  17. 17.         ابن الأثير ضياء الدين، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق: كامل محمد عويضة، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1419 هـ/ 1998م
  18. 18.          ابن الأثير ضياء الدين، الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام المنثور، تحقيق: مصطفى جواد وجميل سعيد، مطبعة المجمع العلمي العراقي، 1375هـ/1956م
  19. 19.         العلوي يحيى بن حمزة، الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، المكتبة العصرية ط1، صيدا بيروت ، 1423 هـ/ 2002 م
  20. 20.                      ابن القيم ، الفوائد المشوق إلى علوم القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1402هـ/ 1982م
  21. 21.         السيوطي جلال الدين، معترك الأقران في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد علي البجاوي، دار الفكر العربي، بيروت (د ت).
  22. 22.                      محمد مكسي، استراتيجيات الخطاب الديداكتيكي، منشورات رمسيس، الرباط، 1998م
  23. 23.         الجاحظ أبوعثمان عمرو بن بحر، البيان والتبيين، تحقيق: درويش الجندي، المكتبة العصرية، صيدا بيروت 1423هـ/2005م
  24. 24.         ابن رشيق، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده، تحقيق:عبد القادر أحمد عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1422هـ/2001م
  25. 25.                      مصطفى السعدني: العدول أسلوب تراثي في نقد الشّعر. منشأة المعارف. الإسكندرية.1990م.

 



     ([1]) العسكري أبو هلال، كتاب الصناعتين، تحقيق: منير قميحة، دار الكتب العلمية، ط2، بيروت، 1409هـ/ 1989م، ص410

         ([2]) الجرجاني السيد الشريف، التعريفات، منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، بيروت، ط2، 1424هـ/2002م، ص21

       ([3]) ابن منظور الإفريقي، لسان العرب، دار صادر، بيروت، (دت)، مادة ( لجأ)

 ([4]) أحمد مطلوب، معجم المصطلحات البلاغية، ص169

([5]) ابن الأثير ضياء الدين، المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر، تحقيق: كامل محمد عويضة، دار الكتب العلمية، ط1، بيروت، 1419 هـ/ 1998م، 2/68

([6]) ابن الأثير ضياء الدين، الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام المنثور، تحقيق: مصطفى جواد وجميل سعيد، مطبعة المجمع العلمي العراقي، 1375هـ/1956م، ص235

([7]) العلوي يحيى بن حمزة، الطراز المتضمن لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز، تحقيق: عبد الحميد هنداوي، المكتبة العصرية ط1، صيدا بيروت ، 1423 هـ/ 2002 م، 2/281

([8]) ابن القيم ، الفوائد المشوق إلى علوم القرآن، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1402هـ/ 1982م، ص 212

 ([9]) السيوطي جلال الدين، معترك الأقران في إعجاز القرآن، تحقيق: محمد علي البجاوي، دار الفكر العربي، بيروت (د ت).


التحميل