مصطلحا الشعرية والأدبية في سياق المقارنية والعالمية

أ.د/عيسى بريهمات

جامعة ثليجي عمار / الأغواط

معرفة المصطلح هي اللازم المحتم والمهم

  المقدم لعموم الحاجة إليه واقتصار القاصر عليه

أحمد بن علي القلقشندي

صبح الأعشى في صناعة الإنشاء

     هذه المقاربة وهي تتقصى و تمتحن المصطلحات الأساسية – الشعرية والأدبية – في إطار أعم (الجمالية) ترى بما لا يدع مجال للشك أن المصطلحات  النقدية هي بمثابة معدات وأدوات جراحية فائقة الحساسية ،تُنتدبُ لمعالجة النصوص والخطابات الأدبية ،وتؤسس الأرضية لممارسة نقدية سليمة ومحكمة . فليحذرْ المتوَسلون بالمصطلحات حَدَّها وحرفها الحافيين  ، وعليهم سنها وطرقها وتهذيبها من الشوائب في كل مرحلة تاريخية ،وذلك لتحفيز عبقرية النصوص ،والمحافظة على ذوقها وأدبيتها ،والدفع  بها إلى النجاعة . يجب اتقاء حـدود المصطلحات والحيلولة دون أن تصبح ربـما أداة إعاقة أو شلل يأتي على فاعلية وشعرية نصوصنا العربية.

          من مسلمات النقد الأساسية فهم المصطلحات والمفاهيم، لكونها مفاتيح العلوم والمعارف. إن المفهوم هو المعنى الذي ينقل إلى الذهن بواسطة مصطلح معين، مما يجعله، من ثم، خزانا لمجموعة من المقولات الأساسية التي توظفها النظريات الشعرية مع العلم أن الضرورة تقتضي فهم هذه المسألة من زاوية النظر إلى علاقة المفهوم، أو المصطلح، بواقع وسياقات نصوصنا الإبداعية.

       والناقد المتتبع لإشكالية المصطلحات والمفاهيم يلاحظ أنها ليست حالة مفردة ،بل ظاهرة متواسعة تفاقمت مع المثاقفة والإنإخاذ بالآخر على الخصوص في الكتابات ذات النزوع التغريبي والتي لا ترى الحل إلا في اقتراض واستعارة ما عند الآخر من

مفاهيم ومصطلحات ونظريات ...متناسين اختلاف التجربة التاريخية والفروق الحضارية والتفاوت الثقافي الذي لا يسمح حتى بالمقارنة بين الأنا والآخر بل تصبح  المقارنة منافية بل ومجافية  للحجة تأسيسا على أرضية كتاب المقارن الفرنسي "روني إتيونبل"  «Comparaison n’est pas raison»  "المقارنة ليست حجة"[1].

         و من أبرز المصطلحات والمفاهيم التي نرى ضرورة إعادة تصحيح الأفهام بخصوصها، مفهوما " الشعرية والأدبية"، لما حملا من تأويلات وتفسيرات، جافت إطارهما الصحيح، وابتعدت أحيانا عن جادة الصواب.

         شَكَّل الاشتغال بالشعرية ، على مر العصور والحضارات، مجالا رحبا تدافعت وتنافست فيه البحوث والدراسات ،ولا عجب في هذا لأن الصلة بين الشعرية والأدبية وثيقة وعضوية . وقد عُرفت هذه الصلة منذ أمد بعيد ينتهي إلى عهد أرسطو وكتابه "فن الشعر" أو الشعرية.

     والراصد لحركة النقد يستشعر الأزمة المصطلحية بسبب اجتراح ترجمات عديدة لمصطلح غربي واحد Poétique[2] مثلا ومفاهيم عديدة لمصطلح واحد ومصطلحات عديدة لمفهوم واحد كلها ساهمت في تضخم لغوي وإسهال نقدي. وليس هذا فحسب بل سبب الأزمة قد يعود كذلك إلى تعدد المنطلقات والمرجعيات واستدعاء  الروافد المصطلحية الأجنبية المؤسسة  على خلفيات تجارب حضارية ومذاهب أدبية واتجاهات نقدية غريبة عن ثقافتنا ومجتمعاتنا.بالإضافة لهذا يؤخذ عليها أنها لا ترتبط بتجربة الإنسان العربي ولا بموروثه الهرمي التدرجي .أما تكريس وتعميم التجربة الأوروبية ورفعها إلى درجة النموذج فيفضي إلى جعل كل ما هو غير أوروبي هامشيا وثانويا، بما فيه منظومة المصطلحات  النقدية العربية.[3]  

    بغير ما جهد كبير وبعيدا عن مجال المقارنة و المفاضلة بين الشعرية العربية والشعرية المعاصرة، يدرك الملاحظ الرهيف الحس أنه بالرغم من اختلاف الأزمنة والأمكنة واللغات والثقافات.. بالإضافة إلى تعدد النظريات والمذاهب يظل الشعرُ واحداً في جوهره، ويتميز أساسا بالحرية الواسعة في استعمال وتوظيف اللغة .

     وإذا كانت معظم المصطلحات النقدية تعتمد مفهومات أوروبية ترجع إلى حضارة الإغريق والرومان وما نشأ من آداب أوروبية منذ عصر النهضة، فإن ترجمتها إلى العربية  لا يمكن أن تتخذ صيغة نهائية تقف عندها ، كما وقفت في الغالب الصيغ 

الأوروبية المشتقة من الإغريقية واللاتينية. لذلك لا مفر من التوسل بالاشتقاق والنحت والتعريب إلى جانب الترجمة ولكن بعيدا عن تصعيد جدل الاصطلاح الذي يعقد الأزمة .ينبغي الإجماع مثلا على لفظة (الشعرية )بوصفها مقابلا مناسبا  لـ poétics كرسه الاستعمال ورسخه.

.  وهذا لا يعني إطلاقا أنه لا يوجد مصطلحات محددة لمفهوم الشعرية في تراثنا القديم بل إذا تأملنا أية (شعرية) لا نجدها تخرج بعيدا عن حدِّ" قُداَمة" للشعر بالأركان الأربعة بأنه: "قول موزون مُقفَّى يدلّ على معنى" «فكان بهذا فيما نعتقد، منسجماً مع كينونة الشعر العربي، ومع ثقافة عصره. ولسنا نرى أن قدامة كان بحاجة إلى الثقافة اليونانية ـ حتى لو كان متأثراً بالمنطق الأرسطوطاليسي»[4].وهنا يظهر "قدامه" بشكل جلي فهو«ناقد يُولي الشكلَ اهتماماً متميزاً، ويرد عِلّة الجمال في الشعر إلى ما ينطوي عليه الشعر من إيقاع وتجانس بين العناصر والأجزاء»[5]

     من المتعارف عليه أن الجمالية عموما والشعرية والأدبية على الخصوص عادة ما تضفي قيمة عالية على (الشكل) في الفن عموما والشعر والنثر خصوصا، إذ تكون قيمة العمل الفني معتمدة على الشكل دون الموضوع. في هذا السياق نلج إلى حقل يصعب فيه توظيف واستعمال المصطلحات بشكل دقيق ومحدد كما نجد أراء شتى حول المسألة المحيرة التي تعالج علاقة الشكل بالموضوع _ أين يبدأ الشكل وأين ينتهي الموضوع. بصورة عامة ، نستطيع القول أن النظرة الجمالية حول المسألة تتراوح بين احتمالين اثنين .الأول يرى أن الشكل شيء يمكن فصله بوضوح عندما يتعلق الأمر بالخاصية الفنية.

     هذه النظرة تفترض أن ثمة خصائص شكلية معينة – في الشعر أشياء من قبيل أنماط القوافي والأوزان ،مؤثرات الإيقاع، مما يدعى الآن (النسيج اللفظي)،المفردات، الصور الشعرية – مما يمكن تثمينها لذاتها بشكل مطلق ،مستقلة عن الفكرة التي تكون تلك الخصائص الشكلية وساطة لها .

   كان من المألوف في نظرية الأدب في القرن الثامن عشر اعتبار اللغة (لباس الفكرة) مما يتضمن القول أن الفكرة هي المهمة. ولكن الموقف الجمالي الحديث عكس شعار القرن الثامن عشر وقدم اللباس(اللفظ) على أنه الشيء المهم فعلا، والفكرة مجرد عارضة في شباك حانوت يعرض عليها اللباس.[6]

 انفصل الأدب في القــــــرن 19،عن العالم الخـــــارجي،(كما يبينه تحليل "دومينيك كومب" للنظريات الجمـــالية المتعلقة بالــــرومنسية الألمانيـــــــــــة مثلا في مؤلفها الأجناس الأدبية،. وأعطىت مفاهيم جديدة للشعرية أو الشعريات[7].

قبل ظهور اللسانيات الحديثة ، اعتبر (الشكلانيون )العمل الأدبي بنية شكلية تتكون من مجموع الخصائص الفنية التي تقوم بمجموعة من الوظائف داخل نسق البنية نفسها، وهذا ما أطلقوا عليه  "الأدبية ". ولم يقلل "ياوس " من أهمية التصور الشكلاني والماركسي بل ذهب إلى أن مفهوم التطور الأدبي ومعه الأدبية عند تانيانوف على سبيل المثال يكشف بالفعل عن تشكل ذاتي- جدلي للأشكال الأدبية وللأدبية[8].

      يتميز الوعي الأدبي المعــــاصر، بفكرة استقلالية العمل الفني ولا تعـــدى الأدب خـــارج حدود النص. من "فلوبير" الى الرواية الجديدة نجد الحلم نفسه يراود الكتاب وهو كتـابة "كتاب" أو ّ"عمل "إبداعي في لا شيء" أي لا يحيل على هدف أو موضوع. أثر إبداعي بدون رابط خارجي قائم بذاته بالقوى الداخلية لأسلوبه كالأرض لا عمد لها وتستقر في الهــــــــــواء. كتاب لا يشتمل على موضــــــوع أو على الأقل يكون فيه الموضوع خفيا إذا كان هذا ممكنا[9].

          أما النظرة الثانية والأكثر قبولا تقول أن في تجربتنا المباشرة مع العمل الفني لا يمكن فصل الشكل عن المادة بصورة واضحة. فقد يكون من المناسب عند الحديث عن عمل فني اختيار عناصر شتى ووضع جزء منها تحت عنوان (الشكل ) وجزء آخر تحت عنوان (المادة ).ولكن في استجابتنا المباشرة، يندمج الشكل بالمادة في مجمل الانطباع الذي يتركه العمل فينا.

فعندما استمتع بقراءة قصيدة ،لا أستطيع الجزم أنني مدين في هذا الجزء من تجربتي إلى الفكرة،وفي ذلك الجزء إلى اللغة،أو الصور الشعرية، أو الإيقاع الذي ينقل التجربة .مجمل تجربتنا مع القصيد أو النص عموما لا تقبل التجزئة فهي تؤثر فينا مجتمعة مع بعضها.[10] وحدة التجربة هذه ،في الأعمال الفنية ،هي التي أوحت إلى  "والتر بيتر "  بمقولته الشهيرة ォالفن جميعا يطمح إلى حالة الموسيقى ،حيث الحدود زئبقية فلا نميز بين الشكل والمادة  ».[11]

  بغير ما جهد كبير يدرك الناقد العربي أن  تاريخ الثقافة والأدب العربين في حاجة مستمرة إلى المراجعات التقويمية بل الثورة النقدية التي تعيد وضع المصطلحات ومفاهيمها والنصوص والمكونات الثقافية الأخرى  موضعة جديدة ، بعد زلزلت استقرارها أمدا في الوعي والممارسة .حدث هـذا ،مثلا كما يـقول "إدوارد سعيد "،مع مجيء المدرسة التقويضة أو التفكيكية  بعد البنيوية ممثلة موقفا نقديا يهدم ليصل إلى معمار ولبناء يستجيب لتطلعات المرحلة  .

       فبعد التركيز على البناء النصي ووحدته  وقفت التفكيكية منادية  بأن النص ميدان تباينات لا بيانات  فيه يفجر المعنى .وأحسب أن الثورة أو الفوضى الخلاقة  أو عنصر الهدم في الحالات التي يكون فيها المصطلح بمفهومه ولم يقلل "ياوس "من أهمية التصور الشكلاني النقدي أداة تشويه وغموض أو  سيفا مسلطا يهدد انطلاق الفكر وبساطته وحريته . تقوم الثورة النقدية في واقع الأمر بإزاحة القيم التقليدية المتعارف عليها ويصبح النقد اكتشافا مستمرا.[12]

   والمصطلح على المصطلح كالكلام على الكلام صعب . وفي هذا السياق  من يحاول تقصي حدود و حيثيات الشعرية والأدبية  تواجهه صعوبات جمة . فمن المسلم به تاريخيا أن الشعرية نشأت كضرورة تواصلية ملحة ظلت تمارس بصورة ذوقية انطباعية دون أن تستند على أسس موضوعية و منهجية ،لكنها كانت تسعى و تطمح دائما إلى أن ترقى إلى مستوى القانون و العلم الدقيق .

    لقد تأسست في إطار الممارسة على عاتق النصوص الشعرية الناجحة و الفاشلة نسبيا . في أول الأمر كانت الشعرية نسقيا  ممارسة تطبيقية و مجرد خبرة أو معرفة تجريبية تقليدية تستند على نصوص أدبية وشعرية  يعتد بها تاريخيا و عرفيا في غياب المقاييس المضبوطة[13].

     وفي هذا السياق لم تتعزز أساليب الارتقاء بالشعرية إلا عبر مراكمة المحاولات و التجارب التي كانت تتفادى باستمرار النقائص و الإخفاقات و تسدد مسار النشاط الشعري .وانتهت المحاولات إلى صياغة قالب معتمد قابل للتشكل في بنية تجريدية

  والشائع لدى المختصين في هذا الحقل أن عود الشعرية في الأنساق الشعرية و الأدبية لم يشتد إلا حديثا ، عندما تجنب النقد الأحكام المعيارية و التقديرات الاعتباطية

إلى أحكام و مقاييس علمية تسنده الشكلية والبنيوية  ونظريات اللسان (التوليدية التحويلية ) و النحو الوظيفي و المقارن بالإضافة إلى التداولية La Pragmatique  و نظريات الاتصال.

     من الأهمية بمكان أن نشير إلى أن ضرورة خلق نظرية منهجية   تطرح إطارا علميا لمعالجة شعرية التراث لكي نتخلص من تشوهات المناهج المؤدلجة  التي ابتسرت أدبية تراثنا  أو عممتها أو ضيقت حدودها من أجل الحصول على مكاسب  هزيلة ومحدودة الأفق . وعلى عاتق هذه النظرية أيضا يتم تجاوز المناهج النقدية  الآكاديمية التقليدية  غير القادرة على التطور حتى يتسنى لنا فهم شعرية التراث  فهما واعيا خلاقا .

      في هذا السياق النقدي نحتاج ،في واقع الأمر، إلى نظرية تتجاوز الأساليب النقدية الغربية فلا تكتفي  بها بشكل مطلق بل تضيف إليها إضافة نابعة من خصوصية  موقعنا على خريطة الثقافة العالمية[14] . الشعرية على علاقة وطيدة بمصطلح الجمالية فالجميل هو ما يرتب الروح والنفس والعقل وكل الجوانب السيكولوجية.ومن هنا يتبادر إلى أذهاننا سؤالا يبدو مشروعا .هل الشعرية علم الشعر أم علم الأدب؟ لقد انتهت معالجة معظم المنظرين لظاهرة الشعرية إلى أن الشعرية هي علم الأدب عامة وذلك لأنها تبحث عن قوانين الخطاب الأدبي في كل من الشعر والنثر وذلك لأن الحدود زئبقية بين الشعر والنثر.

      وفي هذا المضمار عجزت الشعريات الحديثة بمختلف مشاربها ومفاهيمها النظرية أن تفسر أو تجلي الوسائل الشعرية كلها دون استثناء ،فما هي في واقع الأمر سوى إعادة قراءة وتفسير للنص الأرسطي[15] بل نجد  حتى الشكليين والبنيويين,المسلحين بعلم اللسانيات الحديث والدقيق  لا يقرون بوجود ثبات نظري لمفاهيمهم بل إن المفاهيم تتطور جدليا عبر الممارسات النصية وعبر التلاقح المخصب.

      إن كل ذي بصر غير أعشى يدرك أن الشعرية العربية ليست استثناء غير أن مجازها الكثيف يزيح الكلمات عن حدودها الحقيقية، ويعدد معانيها الاحتمالية مما يولد اختلافاً في الفهم، يؤدي إلى اختلاف في الرأي وفي التقويم . ومن هنا يكون المجاز حائلا دون إعطاء جواب نهائي وذلك« لأنه في ذاته مجال لصراع التناقضات

الدلالية"، وهو سمة واضحة في لغة النص العربي ، وهكذا يظل المجاز عامل توليد للأسئلة، وهو من هنا عامل (بلبلة وتوتر) بالنسبة إلى المعرفة (الشعرية) التي تريد أن تكون علمية يقينية»[16].

   ومن جهة أخرى،وعند البحث عن الحداثة الشعرية العربية نجد الشعرية العربية تخالف مثيلتها الغربية.. «إن جذور الحداثة الشعرية العربية بخاصة والحداثة الكتابية بعامة، كامنة في النصّ القرآني، من حيث أن الشعرية الشفوية الجاهلية تمثل القدم الشعري وأن الدراسات القرآنية وضعت أسساً نقدية جديدة لدراسة   النص، بل ابتكرت علماً للجمال جديداً ممهدة بذلك لنشوء شعرية عربية جديدة»[17].

    وتجدر الإشارة بداءة إلى أن هناك "جمالية التلقي " في مقابل "جمالية الإنتاج" – وهي في بعض جوانبها ذات طبيعة سجالية  نادرة – تنبني في نشوئها على إثبات أساس مفاده  أن مناهج تاريخ الأدب  ومقاربة النص الأدبي ظلت إجمالا ،وإلى غاية  منتهى الستينات من القرن العشرين،قاصرة عن إدراك الظاهرة الأدبية في شموليتها ، بسبب إحتفائها بالجواهر والخصوصيات ،وإهمالها الروابط العلائقية ،ذات الخاصية الدينامية ،بين محافل هذه الظاهرة .[18]

     وفي سياق النص المتواسع  Hypertexte وبحثا عـن الأدبية في شكله وهيكـله يـرى Bakhtine" باختين" أن الرواية مثلا ما هي إلا نموذج من الخطاب لا يتأسس جوهريا على ما يسرد من وقائع وأحداث ولكن يتأسس فعليا على ما يرتب وينظم جماليا مجموع الخطابات التي ينتجها المجتمع .[19]

       وحسب تعريف باختين أدبية الرواية على خصوصيتها  تنحصر في النجاعة والقدرة الفائقة على تنظيم وتنسيق أصوات اللغة والخطابات وفي هذا السياق يركز على ما يجعل الرواية رواية (الروائية) ترجمة لمصطلحه  (Romanitude  ) الذي لا  نعرف مقابلا له في العربية وهو هنا يعوض  مصطلح الأدبية أو الشعرية الخاص بجنس الرواية . والناقد "باختين "بمصطلحه هذا يشتغل على خصوصية شعرية الرواية  و يهمل بل يتحاشى مفهوم الشعرية المتعارف عليه   كلاسيا عند أرسطو.[20] واستناد على ما سلف  يجوز لنا أن نسأل  فيما إذا كانت الأدبية نظرية للأنواع أم للأجناس أم للنثر والشعر ؟وهل هي جزئية أم شاملة ؟

أسهمت المنهجيات الحداثية في تدشين عصر جديد للدرس النقدي، حين قدمت الكثير من التقنيات والآليات والمناهج التي دفعت بالقراءة والتلقي إلى تعمق متاهات النصوص الأدبية لاستجلاء كوامنها. وتطمح هذه الدراسة البحث في (مكوّنات الخطاب الروائي الجديد) على ضوء المنهج البنيوي، كما تطمح إلى استعمال أدوات ومفاهيم جديدة تمتح من السرديات التي يعمل الباحثون على بلورتها لتصبح اتجاهاً متميزاً في تحليل الخطاب السردي.

      تعتمد هذه المقاربة على ما أنجزته اللسانيات في تحليل الخطاب السردي، وتسعى إلى استنباط (الأدبية) من النصّ السردي، ومعالجة تقنيات الأسلوب الذي يقدم فيه السرد مادته الحكائية، مستفيداً من الأبحاث البنيوية، والدراسات اللسانية في تحليل النصوص السردية، باعتبار النصّ بنية دلالية تولدت في مهاد بنية سوسيو -  نصيّة.

     تعالج هذه المداخلة شريحة مهمة من المصطلحات النقدية الأساسية ،  وتقف مليا عند الشعرية والأدبية كمدخل لدراسة الأدب عموماً والنص والخطاب على وجه الخصوص. تختلف شعريتنا العربية  عمّا  تطرحه الشعرية  الأوروبية مفهوما و رؤية ومنهجاً لتباين أصولهما التاريخية  المكونة للشعرية ، ولكن هذين المسارين المختلفين ليس حجة  مطلقة تدفع بنا وبهم إلى غلق الباب أمام رياح التأثير والتأثر ،والتشابه الفطري ،والتاريخ الجدلي أو التدافع الجدلي الذي تعرفه النصوص والخطابات عبر العالم .

      وذلك لإيماننا بأن متغيرات الحضارة تدخل وتخترق الحدود اللغوية والثقافية.وبدون ما جهد نخلص من هذا إلى أنه لا ينبغي أن نقلد الآخرين في رؤيتهم النقدية أو نسلك الطريق ذاته فذاك لا يعرب عن تطور وإنما تبعية لا تصنع  أدباً فيه ميسمنا ويمثل هويتنا .

       الشعرية والأدبية بوصفهما مصطلحين أو نظريتين هما على صلة وشيجة بالمناهج لقد ظل يناوس مفهومهما متراوحا بين مناهج ذات بعد ذاتي وتارة بين مناهج ذات بعد خارجي أو سياقي وتارة أخرى بين مناهج ذات بعد نصي أي نسقيه.

  أما المنهج البنيوي الذي هيمن على معظم الأجناس الأدبية فلقد كان له أثر حاسم على الشعر وخاصة على فنون النثر المختلفة كالرواية والقصة والقصة القصيرة .ذلك أن القصيدة نفسها أصبحت منفتحة على تقنيات سردية متنوعة ،علاوة على أنها أصبحت منفتحة على تقنيات شتى مستمدة من الفنون الإبداعية المختلفة، كالموسيقى والسينما والنحت وما إلى ذلك ...

     وليس هذا فحسب وإنما نجد معظم الفنون الإبداعية والسردية المختلفة تسعى حثيثا إلى الانفتاح على تقنيات القصيدة وأبرزها الإيقاع[21] والتكثيف المجازي والتناص . وفي هذا السياق نجد النقاد اليوم يتحدثون عن الرواية الشعرية أو عن القصة القصيدة فيما يطلقون عليه بالنص المفتوح أو الكتابة عبر النوعية.

     وننطلق في هذا السياق  من مناقشة الأساس النقدي – شعرية وأدبية - الذي بموجبه منحت جائزة نوبل العالمية للأديب العربي "نجيب محفوظ" أواخر عام 1988 .وذلك لانتشال المصطلحات التأسيسية للآداب من سلطة المركزية الأوروبية ومن المفاهيم المقارنية الاستعمارية الجائرة  (التأثير والتأثر... ) والتي لا تخدم الظاهرة الأدبية لا وطنيا ولا قوميا ولا عالميا.

    ونرى في هذا المضمار أن مفاهيم مثل "الأدبية المقارنة" و"الشعرية المقارنة" و"الأسلوبية المقارنة "...إذا كانت على أسس موضوعية سترسخ أدبية عادلة يرتاح لها الجميع .أدبية  تنتمي إلى الأدب العالمي، لكن بدون تمييز وإقصاء ،تساعد أدبنا العربي على مراجعة وإحكام البعد التاريخي لـشعريته وأدبيته من داخل أنساق النصوص والخطابات الأدبية ،لا من سياقاتها الخارجية .

    في سياق الأدبية أو الشعرية  التي نال بموجبها "نجيب مفحوظ" جائزة نوبل ،سأل "الروضاخي" "أندري ميكال " ،البروفيسار بـ "Collège de France" والمختص في الأدب العربي ،عن من هو الأديب العربي القمين بجائزة نوبل العالمية  الدكتور "طه حسين" أم الروائي " نجيب محفوظ"؟. فكان جواب "أندري ميكال  " معللا ومؤسسا على مقياس الأدبية [22].إن جائزة نوبل الأدبية تمنح تقديرا للإبداعات الأدبية ولا تمنح على مقتضى الدراسات والبحوث الأدبية .وعميد الأدب طه حسين" دارس للأدب وعالم فيه وليس مبدعا أدبيا متميزا فهو يكتب بلغة تقليدية تراثية لا تسمح له اعتلاء منصة نوبل للآداب.

   إن الجائزة لا تُنال على كثرة النتاج ولا على المحتوى بل على الشكل الأدبي على الأدبية. وفي هذا المضمار مسار "طه حسين" متواضع جماليا على الرغم من كثرة ما أنتج ، فشكل الكتابة عنده كلاسي تقليدي، فهو لم يغادر الأساليب والأعراف الفصيحة التي تحكمها البلاغة العربية ، ولم يأت بالجديد في هذا السياق ولم يبدع شكلا في الكتابة يتميز به عن إبداعية التراث .

   والدليل على ذلك أنك إذا قست المسافة النثرية أو السردية أو اللغوية بينه وبين الجاحظ وجدت أنه يتطابق مع الجاحظ فشغله على اللغة أو الشكل عموما ضعيف فمازال خاضعا للأنساق التراثية وأسيرا للبيان والبلاغة العربية التقليدية .

   أما الروائي "نجيب محفوظ " فهو جدير بالجائزة، إبداعاته كثيرة، وجاوز عددها ما ينيف عن 140 عملا إبداعيا معظمها مترجم إلى اللغات الأوروبية. بالإضافة إلى هذا فإنك إذا قست المسافة الأدبية أو الشكلية بينه وبين" الجاحظ " وجدته بذل جهدا عظيما في الشكل ، نهض باللغة العربية وقطع مسافة نثرية وأدبية معتبرة ، وأنشأ لغة عربية أخرى وسطى  حرة ومتحررة من الأنساق و"الكليشيهات" القديمة ،منحها إيقاعا جديدا ميزها عن لغة الجاحظ وخطاباته الأدبية وقربها من النماذج الغربية والأنساق العالمية الحية.

    "نجيب محفوظ فجر النثر والسردية العربية، وخلص اللغة من أسر البلاغة والبديع والمحسنات والوعظيات ،وجعل منها لغة حديثة معاصرة  قابلة للتداول كما اللغات الأوروبية الحديثة . كانت رواياته ،التي وجدت سبيلا إلى الشاشة وهيمنت عليها، بمثابة المَخْبَرِ الذي امتلكت فيه اللغة العربية (عَضْليِات)جديدة .لقد سار بها وبالخطاب العربي مسافة معتبرة ،خلَّصهما من شوائب التراث، ووضعهما على سكة الحداثة والعالمية... .

    نستشف من مجريات هذه المقابلة التي سبقت الجائزة  أن "نجيب محفوظ" أهلا لها أدبيا ،لأنه قرب الشكل والأدبية من الآداب المركزية  الأوروبية وهو مقياس - في واقع الأمر - مجحف ،فوقي عمودي، تسلطي... يقول بتأثير أدبية على أدبية وشعرية على شعرية ، لكن المؤثر هو الآداب الغربية

 

 

(الغالبة )،بينما المتأثر هي آداب المستعمرات ،وآداب العالم الثالث ،بل آداب الشرق عموما قديمها وحديثها ..

    بهذا الحكم يكون النقد الغربي والأدبية الغربية هما المصدر هما المنبع . أما المسطرة النقدية السائدة والسيدة فهي مسطرة الأقطار الأوروبية والنزعة القومية الغربية . أما أدب اللغة العربية فيقع في المصب ولا يرقى إلى مستوى التأثير فهو دائما المتأثر والمنضوي وقد نهضت به الأدبية الغربية واستثمرت فيه حتى أوصلته أخيرا وبشق الأنفس إلى "جائزة نوبل"، إلى العالمية .

   وفي هذا المضمار نلاحظ أن الأديب "نجيب محفوظ" أنجز الرواية بينما القراء والنقاد العرب  عجزوا عن قراءة وتأويل روايتيه ( زقاق المدق ،أولاد حارتنا)،التي نال بموجبهما جائزة نوبل ،لأن زادهم من الشعرية والجمالية عموما كان تراثيا كلاسيا ولذلك حاكموه في محكمة لم تكن واعية بمسألة الإبداع ووظائفه وتحتكم إلى شعرية أخلاقية أساسا وفقه -لغوية ."نجيب محفوظ " فاجأ النقاد والقراء العرب وخيب أفق انتظارهم في مراحل عديدة من عمره الفني المديد.

      إن الاتفاق على كلمة ومفهوم سواء حول الأدبية مستبعد، مادام الغرب ضمنيا يؤمن بأدبية أوروبية  فوقية تترجمها آداب مركزية وأخرى تحتية أو خانعة  توصف بانها «"صغرى " و"قاصرة "و"هامشية " و"المهمشة "و"ذات الإنتشار غير العالمي "و"الأقل مألوفية" و"المعروفة بشكل قليل"، إلخ .لا شيء من هذا نجده لدى – الناقد المقارن - "روني إتيامبل "الذي يعتقد فعلا بالحقيقة الجمالية للآداب "الصغرى" »[23]. وظل يناضل من أجل سياق أدبي عادل يرتب الآداب على مستوى أفقي لا على مستوى عمودي يكرس التبعية  والدونية لآداب الشعوب التي كانت مستعمرة في إفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا[24]

  ويترتب عن هذه المقاييس النقدية الغربية الجائرة سلوكا مضادا يدفع بنا إلى المقارنة والمفاضلة وتفضيل مقارنية على أخرى- تقليدية ،نقدية ،هرمنوتيقية (Herméneutique)أو جدلية (Dialectique)-، ففي حقل الأدب والأدبية «لا وجود لأمم كبرى وصغرى إلا على مستوى التعبير الإحصائي »[25].

   فالجوهر والصفاء والإنشائية والغنائية ،وكذا التعريفات الأخرى للخصوصية الأدبية ،تنزع نحو الاستعاضة عن نفسها بمصطلح جديد ،يزعم أنه الأكثر خصوصية من المصطلحات الأخرى إنه مصطلح الأدبية ،الذي يستهدف تفكيك واستعاضة  المعاني الأخرى، معلنا نفسه جوهرا أو نواة فكرة الأدب .

     وانطلاقا من هذا الموقع المركزي لم تعد الأدبية ترغب في مجرد إزاحة وامتصاص كل التعاريف الأخرى الممكنة لخصوصية الأدب، بل إنها أصبحت ترغب أيضا في أن تصبح الموضوع الوحيد للنظرية والنقد الأدبيين .

  إن مصطلحات من قبيل :"الشعرية المقارنية " و"الأسلوبية المقارنية " و"الأدبية المقارنية " من شأنها خدمة الأدب والنقد ، أي ما هو أدبي في الآداب الدولية  ومن ضمنها الأدب العربي .

     في هذا السياق ما أحوج أدبنا العربي إلى مثل هذه المقارناتComparaisons    والمقارنيات comparatismes التي تعيد له ألقه وحقه المهضوم وتخرجه من الدونية والهامش إلى الفضاء الأدبي العالمي . من خصائص البعد المقارني ضبط البعد التاريخي الداخلي لأدبنا العربي وذلك بغية خلق أدبية تاريخية تساعد قيام « تاريخ أدبي للأدبية العربية » ومعرفة نقاط اللقاء والتأثير والتأثر .

   في هذا المضمار علينا الاقتداء بـ المقارن المجري الثائر" أدريان مارينو"Adrian Marino الذي حاول التأسيس لمصطلحات ومفاهيم عادلة لا تمليها سياسة ولا تدعمها قوى اقتصادية ،ولا هيمنة استعمارية ،ولا عولمة ،ولا أبعاد جغرافية . منظومة مصطلحية نقدية تتأسس فقط على الظاهرة الأدبية  على الجمالية والأدبية فحسب  مهما كانت اللغة هامشية .« ذلك أن ما يمكن أن يكونه الأدب المقارن نادرا ما حصل .فلا وجود لـ "آداب صغرى"مثلما لا وجود لـ"لغات دونية ".»[26]

     المصطلحات النقدية الناجعة لا يكفي فيها استخدام الذوق والحكم الصائب بل لا بد وأن تستند على جهاز مفاهيمي مقنع للأطراف التي تتداول قراءة أو تحليل النصوص . وإذا شئنا التمثيل بمصطلحات متقاربة من حيث الدلالة قارنا بين مفهوم "جمالية النص" L’ésthetique du texteو"أدبية النص"La litterarité du texte ، نلفي المفهوم الأول يحيل على قيم خارج نصية  متعلقة بالذوات  المتذوقة وربما ببعد

 ميتافيزيقي ، بينما يحيل مفهوم الأدبية بالدرجة الأولى على خصائص نسقية نصية ثم بعد ذلك إلى مقارنة بنماذج أخرى تعد معيارا كالنصوص العادية .

    فالأدبية بالمعنى الحقيقي Littérarité  مفهوم حداثي نسبيا نشأ في أجواء الشكلانية الروسية (ر. جاكوبسون،1921)"[27] .إن موضوع الأدب ليس هو الأدب  وإنما الأدبية ،أي ما يجعل من عمل ما عملا أدبيا " .لم يقلل "ياوس " من أهمية التصور الشكلاني للأدبية والأدب ،بل ذهب إلى أن مفهوم التطور الأدبي أو الأدبية عند تانيانوف Tanianov على سبيل المثال ،يكشف بالفعل عن تشكيل ذاتي –جدلي .للأشكال الأدبية .[28]

         ومن أبرز القضايا التي عالجها "موكاروفسكي " في هذا المقام ،نذكر الفارق بين الصنيع Art fact والموضوع الجمالي ،فالأول هو المظهر المادي والثابت للعمل الأدبي ويتميز بتعقده وبنائه المحكم .أما الثاني فيمثل نقطة التقاء النص والمتلقي بواسطة التحقق الذي ينجزه هذا الأخير في مضمار التلقي المنتج ،ويتميز بكونه يتحول عبر التاريخ وتتحول معه الأدبية[29].

     قد لا يجادل أحد إذا ما اعتبرنا الأدبية خاصية محايثة تتغير فقط بحسب التحققات الأدبية لعصر ما .هذه التحققات التي تتحدد وتتميز بعلاقتها المباشرة بالتصور المسبق الراهن للأدب والأدبية .أما العنصر الآخر المتغير ،الذي يتطور بالفعل والذي له تاريخ  ،هو فكرة الأدب ،التي يتوقف عليها اليوم تعرفنا أو عدمه على أدبية النصوص القديمة والوسيطة أو الحديثة والمعاصرة .

   ففي القديم ،كان الرئع هو الذي يوضح حد الأدبية ،وبالمثل كانت توضحه بعض العناصر البلاغية .وقد وجدت عصرئذ ،تعريفات أخرى للخصوصية الأدبية ،أدبية محاكاتية Mimésis وأخرى تخيلية Fictionnel ... بينيوية structurel سيميائية Sémiotique ...،.وفي هذا السياق من الممكن قيام تاريخ أدبي للأدبية ،بالمعنى المزدوج للمورفولوجيا ،وللتصور القائم  على الأدبية .

        نستشف مما سبق أن العمل الأدبي سواء كان نصا أو خليط نصوص يتميز بخاصية تقديرية : فهو شعرية أو أدبية  كامنة لا تجسدها أو تحققها إلا صيرورة القراءة ،وأن الشعرية دينامية متحركة في سياقات التاريخ، وهي  ليست وديعة 

  يحتكرها النص أو المؤلف أو المتلقي لنفسه  على نحو نهائي  وأبدي، بل هي صنيع أو نتيجة تفاعل  بين نص واشتغال التلقي المنتج الذي يحققها تصورا وممارسة .

    وتشير الشروح اللاحقة الواحدة تلو الأخرى إلى كل التعاريف الممكنة لخصوصية الأدب« " خصوصية العمل الأدبي ""نوعية الوجود الأدبي (l’être littéraire)، "مجموع الخصائص المميز للنص الفني "، و"الأدب باعتباره أدبا "،"الأدب ذاته "الخاصية العامة لكل عمل أدبي أي نظامه ،أدبي الأدب (Le littéraire de la littérature)، "المظهر الذي يصبح الأدب بفضله أدبا "»[30]                    

      من بين العقبات المنهجية التي تعترض سبيل أي دارس وقد تسم عمله بالعشوائية وتعسفات النمذجة و إرغامات التنميط ،هي تلك المتمثلة  في عدم تعرفنا بالقدر الكافي على حدود أدبية المنظومات الكائنة والمحتملة  التي تحتضنها خارطة الإبداع  العربي في حقل الأدب[31] .  إن الأدبية أو الشعرية »  ليست مجرد أدلة لغوية سوداء خرساء على الصفحة أو آلة كسول كما يحلو لـ امبرتوايكوUmberto –eco  أن يقول»[32]  الأدبية والشعرية تتجلى «حيث الكلمة تتجاوز نفسها مُفْلتة من حدود حروفها، وحيث الشيء يأخذ صورة جديدة ومعنى آخر»[33].

    ويكفي لمن رام استطلاع الكوامن الحافزة أن يلحظ وبيسر أنه «خارج أشكال و نعوت مثل قصة  ورواية ومسرح وشعر ... لا نواجه سوى بعماء نقدي معتم وملغز .بل حتى ضمن تلك التصنيفات .مازلنا عاجزين على أن نعرف بالفعل النماذج الممكنة للإبداع العربي»[34] والتي تجسد الأدبية .

إذا كانت الأدبية صنيع الأدب فالأدب يتفق الجميع هو  »ما تصنعه اللغة يعني أنه مصنوع بمادة سبق لها و أن كانت دالة في أنواع وأشكال سابقة في اللحظة التي احتلها الأديب «[35]بارت Barthes  . فعبقرية فلوبير الأدبية في رواية ً مدام بوفاري ً Bovary  ما هي إلا ًعبقرية نحوية ً حسب مقولات بروست Proust  و ينكر بودلير، بوصفه مترجما لنص Edgar-Poe  المعنون ً تركيب القصيد ً، صدق و شفافية الأثر الأدبي المكتوب من وحي المعيش فالأديب عنده دجال و بدل الاعتراف يلبس القناع و في وسعه أن يبلغ عواطفه حتى و هو لا يشعر بها لأنه يتقن قوانين اللعبة أو الخداع . إن بودلير لم يستدل في ترجمته من الأثر الإبداعي إلى الرجل بل من الأثر الإبداعي إلى

  القناع و من القناع إلى ً آلة الخداع ً موظفا التأثيرات الصوتية اللغوية، التركيبية و المجازية حسب التوفيقات الحسابية للآلة التي تحدث عنها "بول فالري،  .[36]

 يتوقف تحقق الأدبية في النص أو الخطاب بوصفه معطى ظاهراتي على خبراتنا الجمالية في إدراكه وتـبين الآليات والاستراتيجيات التي اشتغلت بها نصيته بامتدادات متخيلها الفضائي .

         و في هـذا السياق فإن لغة النص الأدبي تتأبى عـلى التحديد و الترجمة فهي غالبا مـا تغيب المعنى بالرمز و الكناية و بالابتعاد عن الوجهة التداولية و بالتكرار  [37]و التضمين Mise en abime   [38]و أشـكال النظم والإيقاع و هي لهذا تعد لغة مستنفرة تكسر التوقعات و سنن التخاطب و تضفي الغموض على ظروف التلفظ ( Décontextualisation )  و لهذه الأسباب و غيرها تستنفر القارئ أو الناقد إلى تأويلها و محاولة ترهينها » فهي بنية كل شيء فيها منداح مرتبط بغيره و هي تتغير باستمرار كما و نوعا استجابة لصراع الأضداد فيـها و خارجها «  [39]   وبناء على هذا الأدبية  تتميز بديناميكية وتحول فهي دائمة الحراك .

        و أمـا النص الأدبـي فمن حدوده التي يقع عليها إجماع نسبي إنه مغلق على نفسه ليس له حدود مرجعية و خلافا للغات الطبيعة لغته موحية Hjemslev غير أن ًجـاك دريداً  J . Derrida  لا يحدده بالوجود الفيزيائي و إنما بالحضور الكثيف لكل مراحله الممكنة حتى و إن كان بلا أب نسق من الجذور[40]. و من جهة أخرى فهو مفتوح ليس له معنى و لا يحيل إلى فكرة محددة بريئة، كل قراءة وكل منهج نقدي يولدان فيه معاني جديدة و الناقد بوصفه قارئا هو مبدع جديد يشارك في صنع النص وفي تحقيق أدبيته .  

الخلاصه

      الكتابة الشعرية أو الأدبية أضحت مفتوحة على اللانهائي من مصادر التعبير التي تخترق وتتجاوز التنظير الكلاسي القديم. اليوم الشعرية لا تقتصر على مساءلة الأنواع واختراق الشعري للنثري  فإن الإلمام بالتجارب الأدبية يقتضي تناول قضايا أخرى تصنع الشعرية والأدبية مثل:العتبات ،التناص ،التأويل، عناصر المخطط التواصلي بما

  فيه من محاور متشابكة كمحاور الرغبات ومحاور الصراع بالإضافة إلى محور التواصل عندما ينم عن عبقرية .

       ومهما تكن خصوصية الأدب فإن البحث يسعى في زمن العولمة إلى أن تكون الأدبية تنتمي إلى الأدب العالمي كله ،دون تمييز .وذلك لأن الأدبية لا تقتصر على أدب دون آخر .فالأدبية توجد في كل الفضاءات الأدبية ،وفي كل النصوص التي تمتلك هذه الخاصية ،كما تنتمي إلى كل آداب العالم .

  والأصالة الأدبية القومية لا تظهر ،ولا تنبثق وتتجلى على الوجه السليم ،إلا في سياق عالمي،تبعا لإحداثيات فوق - قومية ،وفي علاقة مع قيم عالمية.الجوهر القومي لكل أدب ينبثق من المقارنية فهي المسطرة العادلة،مسطرة التنقيح  والرابط بعدل ما بين أدبية قومية وأخرى عالمية .فلا ينبغي طمس الآداب القومية ،وتجاهل تفردها ،الذي لا يظهر ويبرز إلا فوق وعبر جسر المقارنية  الذي يفضي إلى الأفق العالمي  الذي يخدم الأبعاد الإنسانية في أي نقطة من الكون .

    على الرغم من كل الجهود التنظيرية قديما وحديثا سيبقى البحث في شعرية النصوص الإبداعية دائما مجالا خصبا لتصورات ونظريات مختلفة ذلك لأنه على حد قول يونس بن حبيب: « الشعر كالسراء والشجاعة والجمال لا ينتهى منه إلى غاية» وسيبقى البحث في الشعرية أو الأدبية مجرد محاولة فحسب. والشعرية لا تحصر في ذلك العلم الذي تحدد بدقة غير متناهية عند الشعريين الأوروبيين منذ أثار "ياكوبسون "أدبية الأدب وشعرية الشعر، بتحديد دقيق.



[1]-Voir :René  Etiemble ,Comparaison n’est pas raison,Gallimard,Les Essais,Paris,1963 .

[2]  -اجترح النقاد والمترجمون العرب مقابلات عديدة للمصطلح الغربي poétiqueأو بصيغة انجليزيةPoetics   نذكر بعضها على سبيل التمثيل للتضخم المصطلحي (الشعرية ،الشاعرية، الإنشائية ،فن الشعر،  نظرية الشعر ،بويطيقا ، الإبداع ،الفن الإبداعي ،علم الأدب)

ينظر:  -         علوش    سعيد ،معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة ،الدار البيضاء ، 2002،ص70-80.

                 - تودوروف تزفتان ،الشعرية ، ترجمة شكري المبخوت ورجاء بن سلامه ،الدار البيضاء ، ص18-26.

[3] - Edward w.Said.The world the text the critic.Harvard University Press.Cambridge ,Massachusetts,1983,p.188

[4] - إحسان عباس تاريخ النقد الأدبي عند العرب ص191-192 -

 - جابر عصفور، مفهوم الشعر،ص84.[5]

 [6] - ر.ق.جونسون ،موسوعة المصطلح النقدي ،الجمالية،تر عبد الواحد لؤلؤة،منشورات وزارة الثقافة والفنون ،العراق دار الحرية للطباعة بغداد،1978،

[7]Dominique combe -,Les Genres litteraires,Contours litteraires ,hachette,1994.pp65-85

[8] - Jauss,Pour une esthétique de la réception.p43.

  [9]- ينظر: رسالة الى  لويز كولت louise colet في 16 جانفي 1831.

 -م.ن ،ص21،22.  [10]

 - م.ن ،ص24.[11]

[12] - فريال غزول ،إدوارد سعيد ،العالم النص الناقد ،مجلة فصول ،المجلد 4،عدد1،أكتوبر 1983 ،ص.187.

[13] - ينظر :حمادي صمود ،في نظرية الأدب عند العرب ،النادي الأدبي الثقافي ،جدة،ط1،1990.

 [14] - ينظر : أمجد ريان /صلاح فضل والشعرية العربية ،دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع،القاهرة ،عام 2000،ص26.

[15] Todorv,T.Encyclopedie Dictionary of the sciences of languge,p.80.

[16]  - إبراهيم السامرائي،البنية اللغوية في الشعر العربي المعاص، دار الشروق للنشر والتوزيع ـ عمان 2002 ،ص15.

[17]  م.ن،ص16.

[18] -علامات ،القوام الإبستمولوجي لجمالية التلقي،رشيد بن حدو،عدد36،ماي2000،ص.379.

[19] -Louise  Milot, Fernand Roy, Muséé de la civilisation ,,Quebec,université le val,1991,280.

[20] - ينظر:باختين ، شعرية دوستويفسكي ،ترجمة جميلنصيف التكريتي،الدارالبيضاء ،توبقال ،1988.

 - في سياق إيقاع السرد عموما والرواية خصوصا ذكر "ج.جينت" أن هناك أربع علاقات أساسية قد تبلورت في التراث السردي لمعدل السرعة وأسماها( بالحركات اربع للرواية،منها  اثنتان تقعان على طرفي نقيض وهما الحذف والوقفة والاثنتان تتوسطانهما،وهما المشهد أو الحوار،والتلخيص. ومن خلالها يمكن ملاحظة إيقاع السرد أو وتيرته في معالجة الأحداث من خلال مظهرين أساسيين هما تسريع السرد  الذي يشمل تقنيتي الخلاصة والحذف،حيث مقطع صغير من الخطاب يغطي فترة زمنية طويلة من القصة ،ثم تعطيل الحركة أو إبطاء السرد،ويشمل تقنيتي المشهد والوقفة،حيث مقطع طويل من الخطاب يقابل فترة قصصية ضئيلة ) ينظر:السيد إبراهيم ، نظرية الرواية ،القاهرة دار قباء،1988ً  ص117.ينظر: حسن بحراوي، بنية الشكل الروائي ،بيروت المركز الثقافي العربي 1990،ص125.[21]

[22] -ينظر :Magazine litteraire ,Ecrivains arabes d’aujourd’hui, mars,1988.

[23] - أدريان مارينو،مراجعة الأدب العالمي،ترجمة وتقديم عبد النبي ذاكر ،در الغرب للنشر والتوزيع ،وهران ،   ص.11،2005.

[24] -  عزز توجه روني أتيمبال من قبل أولئك المهجرين والمتشردين والعلماء الرحالين ،الذين شكلوا فئة نشيطة  وغير قليلة  خاصة بعد الحرب العالمية الثانية .وعلى كل حال ،فإن حلفاء  إتيامبل " "الموضوعيين " يندرجون على الخصوص  ضمن هذه العقول  المقدامة والمناظرة والراغبة  في التخلص من عقدة "الآداب  الصغرى ". ذلك أن لكلأدب تجربته  الفنية التي لها قيمتها وخاصيتها .وإن آثار أي أدب  من هذه الآداب لترفض حدود التخوم السياسية والجغرافية .كما أن الحديث عن " الأمم الصغرى" بالمعنى الثقافي دليل مكر ،إلخ .

ينظر : جوزف ريمينيي ، أدب الأمم الصغرى،ضمن ،Y.A.A.C،12،1953،ص.121،122،125.

[25] - تودور فيانو، دراسات في الأدب العالمي والمقارن نبوخرست 1969،ص25ن226،227،أدريان مارينو : الحضور الروماني والحقائق الأوروبية ،بوخريست،1978،ص343.

[26] - فانسان ماك غروسن ، ما على الأدب المقارن أن يكونه وما كانه في النادر ، ضمن الأدب المقارن ،شابل هيل،1،1959،ص204-215.

-         جورج شتاينر ،ضمن ،بلاد صغرى ،آداب كبرى ؟ الكتاب الهنغاري ،1969،ص.79.

-         هاري ليفن،حدود المقارنة ،كامبريدج ،1972،ص.79.

[27] -Man(P. De).- «Impasse de la critique formaliste»,Critique, juin1956.p25-69.

[28] -Jauss,Pour une esthétique de la réception,p.43.

[29] -F.Decerus, Structuralisme Tcheque,chapitre1,poétique ,Méthodes du texte ,introduction aux études litteraires ,ouvrage dirigé par Maurice Delroix et Fernand Hallyn, Edition Duclot,Paris(1987),p15-27.

[30] -أدريان مارينو ةم.س ،ص.123.

[31] -ينظر: سعيد يقطين،التحولات الحكائية والسردية ، http://www.nizwa.com/browse17.html

[32] - U . ECO : La structure absente Paris 1972 P 170- 190

[33]  - أدونيس ، الشعرية العربية، دار العودة، بيروت 1985،ص78.

-علامات ،م.س،ص.314. [34]

[35] ـ م . ن، ص 42 .

[36] -voir Jean Cohen, Le Haut Langage, théorie de la poéticité,  Flammarion, Nouvelle Bibliothèque Scientifique, 1979, p.266 et sq.

[37] ـ ٍٍٍVoir Cohen ,Le haut langage,1979.

[38] ـ A . Dallenbach , Le récit spéculaire seuil 1977 .

[39] ـ عز الدين إسماعيل، النقد الأدبي بين المعيارية و الوصفية، فصول، القاهرة، مج1، ع2 جانفي 1981، ص 21-22 .

[40] ـ مجلة الفكر العربي المعاصر، التأويل و التفكيك مدخل و لقاء مع جاك دريدا، هاشم صالح، العدد 54-55 1988، ص 110-116 .


التحميل