المقاربة التداولية، المصطلح والمنهج

الأستاذة: هاجر مدقن

قسم اللغة و الأدب العربي

جامعة قاصدي مرباح، ورقلة

-       مدخـــل:

لقد كانت نتائج الدراسات التي تناولت تحليل الخطاب لبنة أساسية لبداية التحليل التداولي للخطاب. فالتداولية تعد بمثابة المعرفة العميقة أو هي خاصيتها الأساسية، أي المعرفة العميقة بدلالة الكلمات والمفاهيم، ومعرفة عميقة بالماضي والحاضر، ومعرفة عميقة بالعلاقات القائمة بين الأشياء والظواهر والأفكار والأحداث والوقائع، ومعرفة عميقة بالقضايا علمية كانت أو فنية أو سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية...، ومعرفة عميقة بعلاقة الإنسان بالإنسان وعلاقة الإنسان بالعالم.

         لذلك أخذت التداولية خلال تطورها مسارا آخر، يدرس اللغة في شموليتها وفي علاقتها بالعالم وبالإنسان، باعتبار هذه العلاقة شكلا من السلوك البشري، ومن ثم أصبحت تشتغل على ظواهر مرتبطة بالأسئلة الثقافية مثل الحقيقة والفعل والعلاقات الإنسانية، وعملية تحريك الأفراد والجماعات نحو فعل أو فكرة أو سلوك، ثم التركيز على النسبية الثقافية إننا نجد اليوم حضور التداولية بكل تلك الأبعاد التي ألمحنا إليها في مشهد الدراسات التي تتناول القضايا المرتبطة بالتواصل اللساني وغير اللساني وهي لا تعطيه فقط الإطار النظري لمعالجة قضايا مثل أفعال الكلام أو الحجاج أو قواعد الحوار، ولكنها تقدم صيغة لمقارنة جزئية للمشاكل التي كانت تعتبر تقليديا في صلب الدلالة مثل المرجع والسياق والاقتضاءات، ومن هنا تدخل التداولية في اهتمامها دراسة القدرة الإنجازية والقدرة التأويلية وقدرة الفهم عما تدرس كيف يصل المخاطب إلى المعنى المراد دون إغفال الجانب الثقافي ودون الخروج عن نظام العرف والاتفاق الذي كان يؤخذ على التداولية الكلاسيكية، لأن الإنسان يفكر دائما في إطار تداولي وهو معروف بأنه إطار متغير.[1]

         هذا التنوع يطرح إشكالية المنهج لدى كل استعمال لآليات النظرية التداولية، كونها لا تمتلك أدوات منهجية موحدة للتحليل، إنما استعمالها رهن للموضوع وخصوصية النص، لذا يمكننا أن نطلق على منهج تحليلنا تسمية"المقاربة".

1-   مفهوم المقاربة:

         لقد دعا محللو الخطابات إلى اعتماد تعدد منهجي تشييدي في كل مقاربة تطمح من جهة إلى الإحاطة والإلمام بالقضايا الأساسية والجزئية للموضوع، وتصبو من جهة أخرى إلى تقديم نتائج مرضية لا تخدم فقط جوانب الموضوع والمنهج، بل تتطلع أساسا إلى خدمة المصالح العامة للناس بهدف إغناء أنظمتهم الثقافية والعلمية والأخلاقية، وتنمية الفكر النقدي للعقل العربي، تنظيرا وممارسة. ومن هنا يدعو "Platin" إلى استبعاد الحذر اتجاه توظيف المقاربات المتعددة <<Pluridisciplinaire>> وتبنيها لصالح تعدد منهجي مرن وفعال بحيث تسعى هذه المقاربات المتعددة إلى تشييد حقائق جديدة وناجعة[2]، << وليست التداولية "حقلا فرعيا" يحدد موضوع دراسة جديدا، إنها "مقاربة" مستجدة، تتأس على تعددية منهجية (ذهاب وإياب استنتاجي/ تأليف) لكامل الحقل، ونتبين من خلال مفهوم التواصل أن موضوع التداولية هو الإنسان نفسه وهو يباشر أدواره الاجتماعية، وفي إعادة صياغة أخيرة، نقول إن "المقاربة التداولية" هي "علم المواضع السياقي" فهي "علم المواضع"* أي "وجهة نظر"، "اقتراب" له جانب "الخطوة الأولى"، الابتعاد "وهو غير ملائم، وهي "سياقية" لأن مفهوم السياق هو أحسن ما يسم هذه الطوبيقا>>.[3]

وإذا كانت هذه التعددية المنهجية مرتبطة بالسياق، والذي يتوقف على أساسه فهمنا للنص، وتأويلنا لمعانيه ودلالاته، فهذا يعني أن مجال المقاربة مفتوح كذلك؛ << إذ يتحدد مجال المقاربة في ما وراء البنية النصية، فنتجاوز النص كبنية مغلقة، لا تحيل إلا على ذاتها، وتستند في تشكيلها والتحامها وتماسكها على إمكانياتها وطاقاتها الداخلية الصوتية والصرفية والتركيبية، إلى الخطاب كبنية منفتحة على سياقات خارجية في علاقة تفاعلية  مشتركة>>[4]. هذا الكلام يحيلنا إلى المنهج التداولي المعرفي الذي يعكس مفهوم المقاربة عن طريق مستوياته تحليلية، والمقاربتين الترميزية والاستنتاجية المرتبطتين به.

2-    التداولية المعرفية والمنهج التداولي المعرفي:

والمنهج التداولي المعرفي << عبارة عن تداخل متكامل ومنسجم، بين مجموعة من المناهج والنظريات، أبرزها العلم المعرفي (الذي انبثقت عنه التداوليات المعرفية) واللسانيات المعرفية (الجيل الثالث للسانيات)، وهذا المنهج عبارة عن توظيف مجموعة من آليات ومفاهيم وطرائق العلوم النظرية العلمية كالمنطق والمعلوميات والعلوم الاجتماعية أو الإنسانية كالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم السياسة وغيرها. وهذا التعدد المنهجي للتداوليات المعرفية يجد له منطلقا منهجيا فيما ذهب إليه المفكر الفرنسي "إدغار موران" حيث تعمل التداوليات (التي هي أشكال الفعل والحياة أو هي معرفة كل ما يفكر فيه الآخر) على تحليل هذا الفكر مع ضمان النظام والدقة والوضوح في المعرفة واستبعاد كل النتائج المبتورة ذات البعد والواحد. إن الاشتغال وفق هذا المنهج المتعدد، هو استثمار لبعض المناهج المتخصصة وإعمال لنتائجها في المحاور والإشكالات التي اقتضتها الإجراءات المنهجية >>[5].

 تشتغل النظرية التداولية المعرفية على مستويين تحليلين:

1-  المستوى الذهني: أي كل ما يتعلق بالمعلومات: الاستقبال والتخزين والربط وغيرها، وكل ما هو مرتبط بالأنظمة القالبية المتخصصة: أي الفهم الحرفي؛ حيث يعالج القول في المستوى الذهني بداية عن طريق النواقل العصبية، التي تعطيه شكلا يجعله قابلا للدخول في العملية العصبية، وبعد ذلك يعالج عن طريق القالب اللساني المتخصص، الذي يوافق تقليديا الميادين التي تغطيها الفونولوجيا والتركيب والدلالة، والتي تقدم الشكل المنطقي للقول (متوالية مبنية من المفاهيم) وهذا الأخير يصلح بعد ذلك للدخول في العملية التداولية المعرفية لتأويل القول، حيث ينتظم التأويل التداولي المعرفي في إطار مسار استقرائي، يأخذ كمقدمات الشكل المنطقي للقول من جهة، ومن جهة أخرى السياق، الذي يتكون من اقتراحات توافق المعلومات المأخوذة من المحيط الفيزيقي للمخاطبين انطلاقا من تأويل الأقوال السابقة ومن المعلومات المأخوذة من المعارف العامة من العالم، وبذلك نكون أمام نظام تأويلي مشكل من طابقين:

- الأول: لساني قالبي يغطي ميادين الفونولوجيا والتركيب والدلالة، وهو يوافق الكل المنطقي للقول؛ أي الفهم الحرفي.

-الثاني: مركزي معرفي، يتكفل بالتأويل التداولي للقول، وهو يوافق الشكل القضوي والمعرفي للقول، أي التأويل الكامل[6].

2-   المستوى المعرفي: أي كل ما يتعلق بالمعطيات الداخلية (الذاكرة والمراكز الخلفية)، والخارجية (السياقات والمقامات والظروف العامة للقول) وكل ما هو مرتبط بالأنظمة المركزية غير المتخصصة؛ أي التأويل، وهذا المستوى الثاني يوافق ما يسمى بالتأويل التداولي، وهو متعلق بمجموعة من المفاهيم التي تتم معناه التداولي:

أ‌-     التأويل ونظرية الإصابية:

           مبدأ الإصابية: هو مفهوم ذو خصوصية سيكولوجية، يعمل على اختيار ما يأخذ باهتمام المتخاطبين وما يؤثر فيهم من أقوال وحجج، فالكائنات البشرية تمتلك حدس الإصابية بأن تستطيع التمييز بين المعلومات الملائمة وغير الملائمة، على الأقل بالنسبة لسياق معين. ولا يتطلب الإصابية معرفة مسبقة من طرف المتخاطبين من أجل تحقيق التواصل الملائم، لأنها موجودة مسبقا عند الإنسان ولا تعرف الاستثناء وهي –الإصابية- علاقة ترتبط بمجموعة من البراميترات السياقية والقولية (معرفية ومنطقية) تعتبر ذات وظيفة توجيهية للقول ضمن مجموع القيم الخارجية، تتمظهر وفق الأشكال والطرق التالية:

1- قول ¬ سياق.

2- قول ¬ خطاب.

3- ذات (فرد) ¬ سياق / خطاب.

         وهكذا فالإصابية تحدد بالنسبة للسياق حيث تعد مبدءًا يكون أصلا في كل تواصل، وهذا المبدأ مؤسس على التصور الاستدلالي والمعرفي ومدعم في نفس الوقت بأسباب سيكولوجية ومنطقية، يصعب خرقها، ومن هنا فالإصابية قاعدة الفعل التواصلي بامتياز. فالنظرية الإصابية هي نظرية التأويل، هدفها الرئيسي هو وصف كيف؟ ولماذا يؤول قول بطريقة اختيارية معينة : (أي تلائم هذا الشكل أو لا تلائم الآخر).

         إن التحليل التداولي للأقوال حسب النظرية الإصابية، يأتي في آخر المراحل التي تشكل عملية تأويل القول، فبعد ترجمة القول عن طريق النوافل انطلاقا من التحليل اللساني الذي يقدمه النظام المداري اللساني، يقوم النظام المركزي، غير المتخصص بإتمام وإنهاء عملية التأويل، وذلك بتقديم التأويل اللساني الكامل للقول، وهذا لا يعني أن التحليل اللساني هو المعطى الوحيد الذي يشتغل عليه النظام المركزي، بل هناك معطيات أخرى يقوم بمعالجتها أثناء التأويل التداولي، وهذه المعطيات هي التي شكلت المواضيع التي عالجها "سبيربر" و"لسون" "wilson" و"sperber" في كتابهما (الإصابية: التواصل والمعرفة)، حيث انطلاقا من دراسة النظام المداري اللساني، واعتبرا أنه يقدم تحليلا لسانيا أوليا للقول، باعتباره متوالية مبنية من المفاهيم، وكل مفهوم هو عنوان في ذاكرة النظام المركزي،[7] وتمكن هذه العناوين من التوصل إلى المعلومة الموجودة في المفاهيم المعينة، وتنتظم هذه المعلومة في شكل مداخل مختلفة موافقة لأنماط مختلفة من المعلومات:

- أولا: يجمع المدخل المنطقي معلومات تتعلق بالعلاقات المنطقية التي يقيمها المفهوم مع مفاهيم أخرى (تناقض، استلزام...الخ).

- ثانيا: يجمع المدخل الموسوعي مجمل المعلومات المتوافرة لدنيا عن الأشياء التي توافق المفهوم.

- ثالثا: يجمع المدخل المعجمي المقابل أو المقابلات للمفهوم في لغة أو لغات طبيعية (تبعا لكون الفرد متعددة اللغات أم لا). [8]

  ب- التأويل والسياق:

         إن القول في التحليل التداولي ليس جملا معزولة، يتم تأويلها في استقلال عن السياق، بل تظهر داخله على شكل قضوي، وتتفاعل على بعض المعلومات التي توجد في كنف عناوين المفاهيم، وهذا ما يجعل السياق في هذه النظرية معطى غير ثابت، إنه يبنى قولا بعد قول؛ إذ << ليست المعلومات المفهومية هي المعلومات الوحيدة التي تدخل في تشكيل السياق، بل تتدخل أيضا إلى جانب تأويل الأقوال المباشرة، المعلومات المرتبطة بالمحيط الفيزيقي الذي يأخذ فيه التواصل مكانه، وهي معلومات متراكمة في النظام المركزي الذي يضم الذاكرة بأنواعها الثلاثة:

-       الأولى: ذاكرة العمل وهي ذاكرة قصيرة المدى وتوافق السياق الآني.

-       الثانية: ذاكرة متوسطة المدى، حيث تتراكم فيها تأويلات الأقوال المباشرة.

-       الثالثة: ذاكر بعيدة المدى، حيث توجد المعلومات المفهومية.

  ج- التأويل والمحيط المعرفي:

         يتشكل المحيط المعرفي من المعلومات الثلاث المستخرجة من الذاكرة والمكونة للسياق وهي توافق ثلاث مراحل زمنية:

1- المعلومات المستخرجة من الذاكرة البعيدة المدى.

2- المعلومات المستخرجة من الذاكرة المتوسطة المدى.

3- المعلومات المستمدة من المحيط الفيزيقي؛ أي المعلومات التصورية المستمدة من الوضع التواصلي.

  د- التأويل والآثار السياقية:

         إن الآثار السياقية في النظرية التداولية المعرفية هي التي تنتج عملية التأويل انطلاقا من المقدمات (التي هي الأشكال المنطقية للأقوال) وانطلاقا من القضايا التي يتكون منها السياق، والتي يمكن إجمالها في ثلاثة أنواع:

1- التضمينات السياقية: وهي النتاج الجديدة التي نحصل عليها انطلاقا من الأقوال والسياق مجتمعين.

2- إعادة تقييم المعلومات التي يتوفر عليها الإنسان من قبل، إذ يمكن تغييرها بتعديل أو تأكيد ما كان يعتقده الإنسان.

3-   إلغاء القضية الضعيفة في الحالات التي تتناقض فيها القضايا الموجودة في الذاكرة انطلاقا من التضمين السياقي.

         ومن هنا تكون فائدة النظام المركزي في عملية الاختيار والتأويل ناجعة، حيث يسمح باختزال (كلفة معالجة) الأقوال بفعل تقليصه لجزء من عملية التأويل اللساني بحيث لا يؤول النظام المركزي كل كلمة على حدا ولا يجمع تأويلاتها ويركبها... بل يقدم تأويلا شاملا يكون فيه مبدأ الإصابية حاضرا بقوة، لاختيار ما يلائم  السياق والقول مجتمعين سواء كان هذا السياق مصغرا متعلقا بظرفية لحظية أو سياقا مكبرا يرتبط بسياقات أخرى ماضية، كونية، افتراضية... إلخ. 

3-   التداولية المعرفية بين المقاربة الترميزية والمقاربة الاستنتاجية:

أ‌-   المقاربة الترميزية:

         إن أرقى ضروب التواصل هو التواصل باللسان الذي يتوسل باللغة الطبيعية، فالإنسان هو الكائن الذي يرمز (symbolise)، حيث يرمز للأشياء بأصوات وعلامات وصور، وهي آلية تجعله يختزن ما يدركه في الكون جميعا، ومن المعلوم أن الترميز اللساني يأتي على رأس أنساق الترميزات الأخرى نظرا لقدرته على استيعاب وتأطير وتفسير ونقل باقي الأنساق الترميزية[9]، حتى إنها تبدو لنا موضوعية على قانونه ومفهومه على مقتضاه[10] فمعرفة كيف يتم التواصل يعتبر أكثر أهمية من معرفة ما يتم إيصاله فكيف يكون مثير فيزيقي يستعمله فرد ويدركه الآخر قادرا على جعل بعض أفكار المتكلم مشابهة لما عند المستمع؟ وهذا ما يعرف في نظرية الاتصال بالسنن (code)، إذ كل سنن تضبطه علاقات دلالية وقواعد تركيبية، تجعل منه سننا خاصا بلغة من اللغات يستعملها مجتمع من المجتمعات، كالعربية أو الفرنسية...الخ كما يجري ذلك على اللغات الاصطناعية.

         إن المقاربة الترميزية تقوم على ضمان النموذج الترميزي لنجاح الاتصال، حيث تكون المعرفة المشتركة شرطا للوصول إلى المعنى الصريح أو بداية للتفسير.

ب‌-      المقاربة الاستنتاجية:

         أو الاستدلالية كما يسميها "غرايس"، وهو المرحلة التابعة للمقاربة الترميزية، إذ تحدث بواسطة مؤشرات Indices يقدمها القائل حتى يستطيع المستمع الاستدلال بها على مقاصد الأول، انطلاقا من مجموع المقدمات التي تجعل العملية الاستدلالية تتسع لتشمل كل الإمكانيات التي يوفرها القول بدلالة كلماته وطريقة تركيبها وأبعادها وإيحاءاتها وما تحركه وما تثيره من رغبات ونوازع وتطلعات وتوقعات متفاعلة مع الإمكانات التي تكونها وتشحطها العناصر الحاضرة أو المبنية في المحيط المعرفي في المؤول. وهكذا يبدو أن عملية الفهم الاستدلالي عملية غير برهانية، حيث ينطلق المؤول فيها من صياغة فرضية ما، انطلاقا من المؤشرات المقدمة، وهي فرضية يمكن تأكيدها دون البرهنة عليها، فعملية الاستدلال إذن هي شكل من أشكال تثبيت الاعتقادات، وهي معقدة لا يستطيع المنطق تفسيرها فهو قادر مثلا أن يستنتج الإنسان من خلالها دون حجة أو دليل (Preuve)، ويقيس في غياب المعارف مادام المعيار ليس هو الصحة المنطقية  (La validité) بل هو ما يصل إليه الفرد من نتائج سارة في إطار الضوابط التنظيمية و الأخلاقية. وفي هذا السياق يرى "غرايس Grice" وهو من منظري النموذج الاستدلالي أن المعنى المتواضع عليه يتطور انطلاقا من استدلال طبيعي؛ إذ هناك مستوى الخبر الذي يمكن أن يتعلق بشيء، وهناك مستوى ثان، مكون عن الخبر يمكن الوصول إليه عن طريق عمليات استدلالية بواسطة طرق منطقية تداولية تسمح باكتشاف المعاني الضمنية التداولية، وتقوم هذه المقاربة الاستدلالية على ثلاثة أفكار هي:

1- أن المعنى المراد من القول هو في الغالب ضمني Implicite .

2- أن الوصول إلى المعنى المراد يتم عن طريق حساب استدلالي تثيره عوامل تداولية مبنية على مبدأ التعاون وقواعد الحوار التي وضعها "غرايس" وقواعد أخرى مرتبطة بالجانب المعرفي والسياقي.

3- أن المعلومات السياقية ضرورية من أجل حساب ما هو ضمني.

         إن المعنى الضمني لا يقتضي الإشارة اللسانية، بل هو معنى أكثر خفاء لا يؤول إلا بحسب معطيات الخلفيات المشتركة والسياق الذي قيل فيه القول، وهو بذلك الغاية من القول والحكمة منه، يتم التوصل إليه عن طريق عمليات استدلالية تداولية بفعل تشغيل عدة معلومات مرتبطة بالذات ومصلحتها.[11]

         لقد طور الإنسان أشكال وأجناس الصيغ الكلامية والقولية تبعا لغايات وأهداف معينة، فتعددت هذه الأشكال وانفرد كل منها بميزات ترتبط بهدفها وتختلف حسب طبيعة القضايا التي تطرحها والأدوات التي تتوسل بها. فللشعر وسائله وقضاياه وأدواته، وللقصة معاييرها وقضاياها وللخطبة تقنياتها وتفاعلاتها مع الآخرين في مقام يستحضر عناصرها الخاصة، والشئ نفسه بالنسبة للمقالة الصحفية أو الخطاب الإشهاري أو الخطاب السياسي الذي ينبني على الحجاج باعتباره جنسا من أجناس التواصل يتميز بطبيعة المبادئ التي تحكمه والبنيات التي تحدد القضايا التداولية التي تعطيه هويته كقيمة تواصلية اجتماعية تقتضي مجموعة من المفاتيح المحورية التي توفقه في إرضاء العقل وإرضاء الآخر المُخَاطَب:

أ‌-     إرضاء العقل:

يتعلق الأمر هنا بتقديم خطاب واضح مبني يوافق منطقه الداخلي الحاجيات العقلانية للمخاطبين، الأمر الذي يقتضي وضع مخطط تحدد فيه نقط اللقاء التي تفصح عنها العلاقات العقلية في الجمل المفتاح، كما تفصح عن مختلف الجوانب التي يجب معالجتها في الخطاب، بحيث تسمح بانتقالات تحكمها ضوابط العقلانية المنطقية، انطلاقا من التسلسل الذي يقترحه الخطاب، هذا الخطاب الذي ينبغي أن تكون تعابيره، شديدة الارتباط بطبيعة الموضوع، وطبيعة الظرفية التي تجعل المخاطب يقبل على الاستماع من خلال إشراكه، بإثارة ردود أفعاله بشكل لا يجعله يقع في اختلال عقلي في الفهم.

ب‌-         معرفة الفضاء:

إن أول ما ينبغي أن يفكر فيه، في الخطاب الحجاجي، هو تحليل الوضعية العامة، بما تعنيه من معرفة الطبيعة الداخلية للمخاطبين (شعورا وانتظارات، ومواقف) ومن معرفة المسافة التي تغطي عملية التخاطب (زمان ومكان) وطبيعة الفضاء الذي يجري فيه الخطاب (اجتماعي، سياسي، ثقافي) وحدود الخطاب وإكراهاته، ومعرفة الأشياء التي يمكن إبرازها والأشياء التي يجب التلميح إليها، والأشياء التي يجب معارضتها والاعتراض عليها، والأشياء التي يضمها السياق... كل هذه الأشياء وغيرها يجب أن تدمج في دينامية الخطاب الحجاجي واستراتيجيته.

ج‌-      إرضاء الآخر:

                   إن معرفة طبيعة الموضوع تقتضي معرفة اهتمام المخاطب به، ومصلحته في ذلك، ونوع المعرفة التي يكونها حوله (درجة معرفة الموضوع لدى المخاطب)، ومدى استفادته من هذا الموضوع، والأهداف التي يتوخاها، والحوافز التي يقدمها، والمعتقدات التي يتضمنها، والمواقف الإيديولوجية والثقافية والثوابت المبدئية التي ينطلق منها، ودرجات اهتمام المخاطب بمكونات ومضمون هذا الموضوع، ومدى مصداقية الخطاب في عملية التخاطب. كل ذلك من أجل تحقيق مجموعة من الأهداف، التي ينبغي أن تكون داخل استراتيجية الحجاج، أي النتيجة التي يتوخى الخطاب بلوغها، وهي لا تعدو أن تكون إما ملموسة أو عقلانية تؤكدها الوقائع والحقائق أو المواقف والقواعد والأخلاق.

                   إن تحقيق الأهداف قد يكون الوصول إليه عبر عملية حجاجية مباشرة أو عبر أهداف وسيطة، إذا كانت الوضعية الحجاجية تسمح بذلك، مثل: تهيئ المناخ المناسب للفكرة أو الموقف أو السلوك أو خلق جو من الثقة أو الفائدة أو حب الاستطلاع أو خلق الرغبة في تقبل الفكرة أو الأطروحة.[12]    

          ومن بين الوسائط الحجاجية غير المباشرة لتحقيق الأهداف الخطابية لأي خطاب؛ نجد بنيات ووقائع خارجية تتمثل في: التمثيل والمثل والشاهد والاستعارة... تعتمد على مخزون التجارب الإنسانية والأحداث التاريخية أو الشخصية، وعلى قيم مجتمعية تحظى بالاحترام والاهتمام الفردي والجماعي، تستخدم للإقناع بما تقدمه من تصور وتجريد للأشياء والأحداث، وما تتضمنه من مشابهة يستدعيها سياق القول الحجاجي؛ نظرا لما تحدثه هذه البنيات من تماثلات عامة بينها وبين الأهداف من إدراجها وسوقها. وهي بذلك تدخل في إطار التمثيل الحجاجي المستخدم في القياس الإضماري، كما تختلف توظيفاتها في الحجاج حسب الخصائص المميزة لها ووفق الضرورة السياقية والمقامية.[13]

-       الخـــاتمة:

إن هذه المفاهيم التداولية متنوعة بين مقومات النظرية التداولية، ومعطيات مفهوم المقاربة المتكئ على المنهج التداولي المعرفي بمقاربتيه: الترميزية والاستنتاجية، أسهمت في توضيح المعطى النظري والبنائي للخطابات عامة على اختلاف صيغها التواصلية مباشرة كانت أو غير مباشرة. هذه المعطيات النظرية والبنائية حددت لنا كيفية بناء واشتغال الخطابات، والبنيات الوسيطة لتحقيق أهداف هذه الخطابات، والتي تتوزع وظائفها التوصيلية في أشكال تتنوع وتتداخل بتداخل المقامات والضرورات الموضوعية والمنهجية معا لتحقيق المعنى.   

-       قائمة المراجع:

1- عبد السلام عشير، عندما نتواصل نغيّر، مقاربة تداولية لآليات التواصل والحجاج، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، د ط، 2006.

2- فيليب بلانشيه، التداولية من أوستن إلى غوفمان، ترجمة صابر الحباشة، دار الحوار للنشر والتوزيع، سورية، ط1، 2007 م.

3- محمد طروس، النظرية الحجاجية من خلال الدراسات البلاغية والمنطقية واللسانية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، المغرب ، ط1، 2005 م.

4- آن روبول موشلار، التداولية اليوم، علم جديد في التواصل، ترجمة : سيف الدين دغفوس، محمد الشيباني، المنظمة العربية للترجمة، لبنان، ط1، 2003 م.

طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي, المركز الثقافي العربي، المغرب، لبنان، ط1، 1998

 



[1] ينظر: عبد السلام عشير، عندما نتواصل نغيّر، مقاربة تداولية لآليات التواصل والحجاج، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، د ط، 2006، ص: 64.

[2] ينظر: عبد السلام عشير، عندما نتوصل نغير، ص:15.

[3] فيليب بلانشيه، التداولية من أوستن إلى غوفمان، ص: 185. * الطوبيقا: علم المواضع، من الإغريقية القديمة (موضع topos=)، وهذا الاستعمال يعود إلى أرسطو، الطوبيقا: نظرية المقولات العامة. (المترجم).

[4] محمد طروس، النظرية الحجاجية من خلال الدراسات البلاغية والمنطقية واللسانية، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الدار البيضاء، المغرب ، ط1، 2005م، ص:04.

 

[5] عبد السلام عشير، عندما نتواصل نغير، ص ص : 15، 16.                                     

[6] ينظر: السابق، ص ص: 32، 33.

[7] ينظر: عبد السلام عشير، عندما نتواصل نغير، ص ص: 32،33، 34، 35.

[8] ينظر: آن روبول موشلار، التداولية اليوم، علم جديد في التواصل، ترجمة : سيف الدين دغفوس، محمد الشيباني، المنظمة العربية للترجمة، لبنان، ط1، 2003م، ص:78.

[9] ينظر: عبد السلام عشير، عندما نتواصل نغير، ص ص: 35، 36، 37، 38.

[10] ينظر: طه عبد الرحمن، اللسان والميزان أو التكوثر العقلي، ص:213.

[11] ينظر: عبد السلام عشير،عندما نتوصل نغير، ص ص : 46، 47، 48.

[12]  ينظر: عبد السلام عشير، السابق، ص ص: 127، 128.

[13]  نفسه، ص: 94.

 


التحميل