إشكالية الانتقال من المفهوم إلى المصطلح

د. بوشعيب الساوري

ملخص المداخلة

 تحاول هذه المداخلة رصد العلاقة بين المصطلح(terme)  والمفهوم (concept)، المختلفين في الطبيعة؛ باعتبار الأول هو من يعطي للثاني وجوده وتحققه المادي واللغوي، فهو من يثبته ويسميه وينقله من وجوده الذهني التصوري التجريدي الكلي إلى الوجود العيني الجزئي إلى عالم الإدراك الحسي المادي ويمنحه بعده التداولي.

السؤال الموجه لنا هو كيف يتم هذا الانتقال من الذهني المجرد إلى المادي والملموس؟ وكيف يتم نحت المصطلح وما هي العوائق التي توجه هذه العملية؟ هل يتم التركيز على خصوصيات اللغة المعجمية والاشتقاقية آم أن الأمر يقتضي الانفتاح على الثقافة والتاريخ؟ خصوصا في عملية نحت المصطلح نجد أن التعامل مع المفاهيم في غير لغاتها يخلق صعوبة في فهمها وتوظيفها لأنها نتاج تاريخ وثقافة لغتها. على الرغم من كون المفهوم ذي طبيعة كونية بحكم طابعه الذهني المجرد (فكرة وتصور) يتعلق الأمر باتفاق تلقائي حوله، فإن التعبير عنه اصطلاحا يختلف من لغة إلى أخرى، ويتطلب اتفاقا داخل جماعة لغوية. كما أن تغليب العمل الاصطلاحي على العمل المفهومي وعدم الوعي الكافي بالمفهوم يؤدي إلى خلل في بناء المصطلح ويؤدي إلى تشويهات للمفاهيم.

1-  تقديم

من الإشكالات التي تواجه الدارسين والباحثين في المجال الأدبي إشكالية ضبط المصطلح النقدي ونحته، وهي إشكالية ظلت ثابتة وملازمة للفكر العربي المعاصر عموماً، والدرس النقدي خصوصاً، ومما يعوّص هذه الإشكالية أسباب داخلية ذاتية مرتبطة باللغة وشروط البحث في المنطقة العربية والخلل في الوعيين المفهومي والمنهجي، وأخرى خارجية مرتبطة بانفتاح الدرس النقدي العربي على نظيره الغربي، مما أدى إلى استيراده لإشكالات أخرى مرتبطة بالترجمة والتفاعل بين الثقافات.

قبل الخوض في هذه الإشكالات لا بد لنا في البداية من ضبط مفهومي لكل من المفهوم والمصطلح وتحديد العلاقة القائمة بينهما.

2-المفهوم والمصطلح

للحديث عن المفهوم لا بد من الوعي بأبعاده الثلاثة؛ أولها النظري العقلي وثانيها التاريخي وثالثها المادي اللغوي وهو ما يجعلنا ننفتح على المصطلح.

 بالنسبة للبعد النظري، فقد جاء في المعجم الفلسفي لجميل صليبا أن المفهوم هو: "ما يمكن تصوره، وهو عند المنطقيين، ما حصل في العقل، سواء حصل فيه بالقوة أم بالفعل."1 وعليه يُعد المفهوم بناء عقلياً أو تجريداً ذهنياً أو صورة ذهنية يُنشئها العقل نتيجة تعميم لسمات وخصائص مجردة مشتركة استنتجت من أشياء مختلفة تتقاطع في صفة معينة، والذي يمكن أن نعممه على كل موضوع يمتلك نفس السمات؛ مثل مفهوم البياض المستقى من كل ما هو أبيض، ومفهوم الجمال من كل ما هو جميل. أو بصيغة أخرى المفهوم هو فكرة مجردة تشير إلى مجموعة من العناصر التي تلتقي جميعها في مجموعة من السمات المميزة المشتركة.

وتبعاً لذلك يتميز المفهوم بمجموعة من الخصائص أهمها:

-       التجريد: هو انتقال من المحسوس إلى المعقول،

-   التعميم: هو جمع خصائص مشتركة بين موضوعات مفهوم واحد وسحبها عبر فئة لا متناهية من الموضوعات الممكنة المتشابهة لها،

-       الأبعاد: له بعدان نظري وتطبيقي يشير إلى موضوعات تطبيقية.

وبخصوص البعد التاريخي السياقي جاء في الموسوعة الفلسفية أن المفهوم: "شكل من أشكال انعكاس العالم في العقل يمكن به معرفة الظواهر والعمليات، وتعميم جوانبها وصفتها الجوهرية... ويتحدد المفهوم من خلال معرفة متطورة تاريخياً. ويساعد تاريخ الممارسة على تعميق وإغناء المفهوم."2 نستنتج من هذا التعريف أن للمفاهيم سياقاتها الفكرية والمعرفية التي ظهرت فيها أي حيثيات نشأتها.. لأنها نتاج لمعرفة متطورة تاريخياً. فالمفاهيم ليست جامدة وليست نهائية وليست مطلقة، بل هي في عملية تطور وتغيير ترقى إلى رتبة الانعكاس المطابق لتحولات الواقع والتاريخ.

وتتميز المفاهيم بكونها ذات طابع تنظيمي، ترتبط بحقل علمي، وتشكل نظرياً ولكنها تؤول إلى التطبيق العملي. وهي نتيجة مجهود للعلماء، يتبلور على شكل تراكم معرفي عبر التاريخ وهي أساس كل بناء معرفي، ودون المفاهيم تكون المعرفة سطحية.

وأخيرا البعد المادي واللفظي؛ فالمفهوم هو متصور عقلي أو فكرة لم تتحول بعد إلى مصطلح، بينما المصطلح هو المتصور أو الفكرة وقد تبلورت في قالب لفظي قابل للتداول. من هنا يجب التأكيد على الأسبقية الزمنية للمفهوم على المصطلح الذي يخرجه من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.

لكي يكتسب المفهوم "وجوده اللغوي، لا بد من تأطيره وتسميته، لكي يتحدد في عالم التواصل اللغوي والمعرفي. ويقوم بهذا التأطير والتثبيت دال يعرف بالمصطلح."3 والمصطلح كلمة تُستخدم في سياق نوعي متخصص وتشير إلى مفهوم دقيق ومحدد في هذا السياق، للمصطلح هوية تلازمه، إذ ينشأ في وضع ما وينتقل من بلد إلى بلد ومن علم إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى ومن عصر لآخر.4

وتسهم هذه الرحلات في إحداث عُدولات بنائية وصوتية ودلالية واضحة وقد تخرج المصطلح من دلالته الوضعية إلى دلالة جديدة ترتبط بكيفيات الاسثتمار وبالسياقات.5 لكن قد يخلق مشكلة عندما "يُؤخذ بشكل عارض أو بإدراك طارئ لا يؤسس على خلفية معرفية شمولية تدرك المحيط الثقافي الذي أنتج المصطلح."6

         ويُعرّف الباحث يوسف وغليسي المصطلح النقدي مؤكدا أنه: "رمز لغوي (مفرد أو مركب) أحادي الدلالة، منزاح نسبياً عن دلالته المعجمية الأولى، يعبر عن مفهوم نقدي محدد وواضح، متفق عليه بين أهل هذا الحقل المعرفي، أو يرجى منه ذلك."7

ويؤكد، في مكان آخر بشكل دقيق، أن المصطلح "علامة لغوية خاصة تقوم على ركنين أساسيين، لا سبيل إلى فصل دالها التعبيري عن مدلولها المضموني، أو حدّها عن مفهومها، أحدهما: الشكل (Forme) أو التسمية (Dénomination) والآخر المعنى(Sens) أو المفهوم (Notion) أو التصور (Concept)... يوحدهما "التحديد" أو التعريف (Définition)؛ أي الوصف اللفظي للمتصور الذهني."8

انطلاقا مما سبق يتبين لنا أن سبيل المفهوم هو الفكرة والعقل والمعرفة، في حين أن سبيل المصطلح هو اللغة التي توضح وتقرب المفهوم في الكلمة والجملة، وبذلك يكون المصطلح متداخلاً مع المفهوم ومكمّلاً له باعتباره تحققاً مادياً له. وجاء في أحد التعريفات أن المصطلح "عبارة عن لفظة أو أكثر يستخدمها الباحث للتعبير عن مفهوم أو معني معين، والمفهوم عبارة عن لفظة تعكس تجريداً يلخص عدداً من الملاحظات."9 ففي الوقت الذي يساعد فيه المفهوم كثيراً على توليد المصطلحات وضبطها، يُسهم المصطلح في إخراج المفهوم إلى الوجود المادي ويساهم في توضيح وتقريب معناه. لكن تعتري تلك العملية عدة معيقات وهو ما يؤدي إلى غموض المصطلح وتشويهه أحياناً وابتعاده عن الدقة.

2- إشكالية الانتقال من المفهوم إلى المصطلح

باعتبار المصطلح لغة العلم أو مفتاح العلوم بلغة القدامى تبقى من أهم وظائفه التواصل. لكن الارتباك الاصطلاحي يؤدي إلى خلق خلل في التواصل. والمتتبع اليقظ يلمس اضطراباً واضحاً في وضع المصطلحات في الثقافة العربية المعاصرة وعدم تناسق المقابلات المقترحة للمفردات الأجنبية.10 ينقل المفهوم الغربي الواحد بعشرات المصطلحات العربية.11 وقد نجد لمفهوم واحد عدة مصطلحات مما يؤدي إلى ضبابية المفهوم.

مثلا نجد لمصطلح (L’ecart) الفرنسي عند جون كوهن عدة مقابلات: المجاوزة لدى محمود درويش في كتابه بناء لغة الشعر/ العدول عند عبد الله صولة/ البعد عند شكري المبخوت ورجاء بن سلامة/ الانزياح لدى يمنى العيد وعبد السلام المسدي ومحمد الولي.

ويمكن للقارئ أن يلمس هذا الإرتباك أيضاً في تحديد معاني القصة، القصة القصيرة، القصة القصيرة جداً، الأقصوصة، القصة الومضة. كما يمكنه تلمس الإشكالية في تعريف الشعر المرسل، الشعر المنثور، النثر الشعري، قصيدة النثر. وأيضا في مجال الرحلة نجد أدب الرحلة، أدب الرحلات، أدب السفر، محكي السفر، النص الرحلي.

وذلك ناتج عن مجموعة من الأسباب التي يمكن أن ندرجها كما يلي:

1- عدم مراعاة الحمولة الدلالية والمفهومية والمعرفية للمفاهيم، وهو السبب الرئيس. فالمفاهيم تتحول وتنتقل من زمان إلى آخر ومن مكان إلى آخر مما يؤدي إلى اختلافها الدلالي وتتعدد دلالتها نظرا لكونها تتمتع بتاريخ خاص بها. فمن "المعروف أن المصطلح النقدي لغة داخل اللغة، وأنه يستمد وجوده من علوم عصره، ومن المدرك الحسي المنتمي إلى واقعه."12 ينعكس ذلك على تحول المصطلحات المجسدة لها. لا تتم عملية انتقال المفاهيم دائما بشكل علمي فقد تُنتج أحيانا نقيض قصدها الأصلي.13

2- في الغالب ما يتم اعتبار عملية نحت مصطلحات عملا لسانيا مع إغفال بعدها المفهومي.

3- عدم مراعاة تطور اللغة وتغير دلالاتها في ارتباط بالمتغيرات التي يعرفها الفرد والتاريخ. وهو ما يخلق ارتباكا في المصطلح ويؤدي إلى الغموض والالتباس في اللغة النقدية. وهو ما يفسر صعوبة قراءة كثير من الكتب.

4- مشكلة الاتصال بلغات المصطلحات إما عن طريق مباشر بأخذ المصطلح من لغته الأصلية أو عن طريق غير مباشر بأخذه عن لغة أخرى وما يترتب عن ذلك صعوبة ضبط المصطلح.

5- وهذا الأمر بدوره متولد عن التسرع في السبق إلى نقل النظريات الغربية مع تغييب سياقها الابستمولوجي، ونحن نعلم الدور الذي يطلع به الوعي الابستمولوجي في الضبط الاصطلاحي للمفاهيم. لأن هذه المصطلحات لا تتحقق إلا في المجال النظري الذي تنتظم فيه ولا تتجسد إلا في إطار الحقل الدلالي والشبكة النسقية التي تنتمي إليها.‏

6- يتم في الغالب وضع مقابل للمفاهيم الغربية وفق مجهودات فردية مع تغييب لروح المصطلح التي تقتضي الاتفاق والاصطلاح بين مجموعة من المشتغلين في حقل مخصوص. "ذلك أن واضعي المقابلات الخاصة بالمصطلحات الأجنبية هم أفراد، والفرد مهما كان اجتهاده لن يكون بمقدوره، وحده أن يجد المصطلح النقدي الدقيق الذي ينبغي أن يحصل حوله الإجماع."14 وهو ما يؤدي إلى تباين المصطلحات وعدم دقتها ناهيك عن تباين تكوين الباحثين. كما يمكن الحديث عن انانية الباحثين، ورفضهم أحيانا التوجيهات التي تقدم لهم.

7- وأيضا الاختلاف بين بلدان المشرق التي تنفتح، في الغالب، على الثقافة الغربية عبر اللغة الانجليزية وبين بلدان المغرب العربي التي تضطر إلى اعتماد اللغة الفرنسية لأسباب استعمارية.

8- من أسباب التشوه في المصطلحات والتباين أن الذين يعملون على نقل المصطلحات تختلف مهماتهم وأهدافهم ونميز بين فريقين: الأول ويتكون من المتخصصين في المجال الذي يتم نقل مصطلحاته أي الدارسين وهم في الغالب ما يكونون على وعي، ولو نسبي، بملابسات تشكل المصطلح والخلفيات الابستمولوجية لتشكل مفهومه وأيضا تطور النظريات المعرفية. والثاني يتكون من المترجمين الذين يكون عملهم معجمياً في الغالب. "لأن الأفكار تتغير وتتحول، حينما تخرج من سياقها الجغرافي والتاريخي، بل واللغوي أيضا."15 الأمر الذي يتطلب مراعاة منطقين في عملية الانتقال من المفهوم إلى المصطلح، منطق خاص باللغة وبنيتها وتطورها، ومنطق خاص بالثقافة والفكر لأن المفاهيم وليدة تجربة اجتماعية.16

وختاما يجب التأكيد على أن أي اشتغال اصطلاحي يجب أن يكون مؤسساً على مفاهيم وليس على مصطلحات لأن علم المصطلح مرتبط بشكل مباشر بنظرية المفهوم التي لها دور كبير في تأسيسه. مع ضرورة الوعي بالخلفيات المعرفية والنظرية والتاريخية لكل مفهوم.

الهوامش

1- جميل صليبا، المعجم الفلسفي "الجزء الثاني." . بيروت : دار الكتاب اللبناني، 1982 م، ص. 403.

2- الموسوعة الفلسفية، بإشراف م. روزنتال و. بودين، ترجمة سمير كرم، دار الطليعة، بيروت، 1974، ص.484-449.

3- أحمد بوحسن، العرب وتاريخ الأدب، نموذج كتاب الأغاني، دار توبقال الدار البيضاء، 2003، ص.22.

4- بوطاجين، السعيد بوطاجين، الترجمة والمصطلح دراسة في إشكالية ترجمة المصطلح النقدي الجديد، منشورات الاختلاف الجزائر، الدار العربية للعلوم، بيروت، 2009، ص. ص.115.

5 - نفسه، ص.115.

 6- نفسه، ص.115.

7- يوسف وغليسي، إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، منشورات الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت/ منشورات الاختلاف، الجزائر، 2008، ص.24.

8- نفسه، ص.27-28.

9 - مصطفي عمر التير، أسس البحث الاجتماعي،  الطبعة الأولى، 1989 ، ص.30.

10- يوسف وغليسي، م. م، ص.53.

11- نفسه، ص.53.

12- ادريس الناقوري، "تأملات في النقد والمصطلح النقدي"، ضمن الأدب المغربي الحديث علامات ومقاصد، منشورات رابطة أدباء المغرب،2006، ص.38.

13- عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، ط.1، 1983، ص.166.

14- محمد ازهري، "واقع ترجمة المصطلح النقدي" ضمن الترجمة والاصطلاح والتعريب، وقائع ندوة نظمها معهد الدراسات والأبحاث للتعريب سنة 1999، منشورات معهد الدراسات والأبحاث للتعريب، الرباط، 2000، ص.127.

15- أحمد بوحسن، ص.21.

16- عبد الله العروي، ثقافتنا في ضوء التاريخ، م. م، ص.222.


التحميل