شهادة في وضع المصطلح

أحمد السماوي

سبق للسيّد إمام أن ترجم قاموس السرديّات لجيرالد برانس[1] وسبق للطيف الزيتونيّ أن وضع معجم مصطلحات نقد الرواية[2]. ورغم ذلك أقدم مجموعةٌ من السرديّين في تونس على وضع معجم للسرديّات يكون ثمرة مجهود جماعيّ، أوّلاً، وثمرة بحث ووضع لا ترجمةٍ ونقلٍ، ثانياً. فقد أسهم فيه ثمانية سرديّين ديدنهم البحث في المراجع عمّا يؤسّس لمداخل تكون محيطةً بالمفاهيم ما أمكن.

وقد تخمّرت فكرة إنجاز هذا المعجم منذ أواخر التسعينات عندما كان مؤسِّس الوحدة، الأستاذ محمّد القاضي، يفكّر في تشكيل عناصرها. فأبى أن تكون مقصورةً على العاصمة. وأرادها أن تكون ممثِّلةً لمدن جامعيّة عدّة ولجامعات في تونس العاصمة مختلفة. فكان لكلّيّات الآداب بالقيروان وبسوسة وبصفاقس أن تُمثَّل إلى جانب كلّيّات الآداب بتونس الكبرى (منّوبة والمنار أساساً). والرغبة في تشكيل نواة الوحدة من عناصر ثمانية أملاها الاختصاص في السرديّات، أوّلا والبحث عن حدّ أدنى من الانسجام، ثانياً. وهو الانسجام المتأتّي من الأعمال التي أنشأها الأعضاء. ولم تكن ثمّة رغبةٌ في مزيد توسيع الوحدة حتّى لا تكون الكثرة سبباً في تعثّر العمل، دون أن يعني ذلك امتناع أعضاء الوحدة عن الإنصات إلى أصوات أخرى.

والتفكير في وضع معجم موسوعيّ للسرديّات على غرار المعاجم الأجنبيّة فرنسيّةً كانت أو إنجليزيّة مردّه إلى تقريب المفاهيم السرديّة من القارئ العربيّ والعملِ على الحدّ، ما أمكن، من الاضطراب المصطلحيّ. ذلك أنّ السرديّات ليست حديثة عهد بالدخول إلى الثقافة العربيّة. فقد مضى على معرفة الجامعة التونسيّة ببعض المصطلحات السرديّة عقودٌ ثلاثة أو تزيد. وعرف العرب في ثلاثة العقود هذه ظهور مجلّتي فصول المصريّة وعلامات السعوديّة، على سبيل المثال لا الحصر. وقد روّجتا لهذا العلم المستحدث. وشارك آنذاك من شارك في نحت المصطلح السرديّ. فكان لزاماً على السرديّين أن يتصدّوا لوضع هذا المصطلح ويحدّوا، ما أمكن، من سوء استعماله.

وربّما كان وضع معجم أعسر من ترجمته لا بسبب توافر المصطلح المرضيّ من عدمه بل بسبب كون الوضع يقتضي إحاطةً بالمتصوَّر لدى عديد الباحثين ليكون المدخل المعدّ لهذا المصطلح أو ذاك أكثر ما يكون صدقاً في نقل المعرفة الأجنبيّة إلى العرب. ووضع معجم هو أعقد أيضاً لأنّه يراد له أن يكون تناوله من القارئ، طالباً جامعيّاً أو باحثاً أكاديميّاً، ميسوراً. وقد اقتضى العمل على تيسير المفهوم المشاركين في هذا المعجم أن يوردوا شواهد من الأدب العربيّ ويضربوا أمثلةً من روايات أو أقاصيص أو مقالات أو محاكيات ساخرة أو سواها.

وقد بُدئ العمل في الوحدة بتحديد أوّليّ للمصطلحات السرديّة الأجنبيّة المطلوب الاشتغال عليها. وتوزّع الأعضاء هذه المصطلحات حسب محاور وتُرِك لهم مطلق الحرّيّة في اختيار هذا المحور أو ذاك. ولعلّ المطّلع على موادّ المعجم الممهورة بإمضاء منشئها أن يعرف بشكل تقريبيّ إلام كان ميله. فثمّة من اختصّ في المصطلحات السيميائيّة، وثمّة من بحث في تصنيف الرواية، وثمّة من اهتمّ بما له صلةٌ بالقارئ، وثمّة من اشتغل على المؤلِّف، وثمّة من عُني بأساليب القول، وثمّة من تضلّع من السرديّات التلفّظيّة، وثمّة من نظر في مقولات الزمن المختلفة، وثمّة من ركّز اهتمامه على الأجناس السرديّة قديمها والحديث. إلاّ أنّ هذه المحاور التي تلفت انتباه من يدقّق النظر في المعجم لا تعني أنّها مقصورةٌ حصراً على صاحبها لا تُخلِفه. وإنّما هي تقريباً تمثّل وجهاً من وجوه الاختصاص داخل الاختصاص.

بيد أنّ المدخل الذي يوكَل أمره إلى من يأنس في نفسه القدرة على أن يقدّم فيه شيئاً ذا بال لا يمرّ دون عرض على المجموعة ودون تمحيص ومراجعة. فالمدخل منسوبٌ حقّاً إلى منشئه لكنّه يُلزِم المجموعة في كلّيتها.

ورضا الجماعة بعرض أعمالهم وبتنقيحها في ضوء الملاحظات المسوقة هو الذي عزّز اللحمة بينهم وفوّق جانب الاحترام المتبادَل والعمل المشترك. ولم تكن الروح السائدة بين ثمانية الأعضاء على مدى السنوات العديدة إلاّ وئاماً وتقديراً متبادَلا.

ولمنشئ المدخل أن يقترح المصطلح الذي يراه أهلا بنقل المفهوم الأجنبيّ. لكنّ هذا الاقتراح يخضع للمداولة والنقاش. وقد يقع اللجوء إلى القواميس الأحاديّة اللسان للتثبّت. وهذا يتمّ متى اقتضى الأمر ترجمة المصطلح الأجنبيّ. أمّا متى تعذّرت ترجمته أو بدا أنّ الترجمة تفقده شحنته الدلاليّة وقع الاعتياض عن المفردة العربيّة المقابلة بالتعريب تصحيحاً لمفهوم أو حفاظاً على ما يتوافر فيه من معنى إيحائيّ. ومثال التصحيح "الموتيف" ومثال الحفاظ "الكولاّج" و"المونولوغ". وما دام ثمّة مصطلحات قد جرت على ألسنة نقّاد الأدب سرديّين كانوا أو غير سرديّين فقد اقتضت الضرورة إلى الإقرار بمثل هذه المصطلحات لا طمسِها أو التغاضي عنها حتّى يتسنّى للقارئ الذي يعرض لها أن يقف على وجه الخطإ فيها أو يُقنَع، على الأقلّ، بمبرّر تخلّي أعضاء المعجم عنها. وقد وقع التعبير عن ذلك بلفظة (راجع). فما يلي العبارة هو اللفظ المراد أن يَرْسَخ في ذهن المتلقّي.

والعمل على الإقرار بوجود المصطلحات والتنبيهِ عليها يدلّ على رغبة أعضاء الوحدة في توحيد المصطلح السرديّ. وغيرُ خافٍ أنّ ثمّة كثيراً من المتلقّين يرفضون الأخذ بالمصطلح المقترح على أساس أنّ أعضاء الوحدة هؤلاء، مهما ينـزَّهوا عن فرض الرأي، مستبدّون. لذلك لا نعدم أصواتا تعلو هنا وهناك لترفض مصطلحاً بعينه وقع اقتراحه. وهذا، بالطبع، أمرٌ مقبولٌ لأنّ غاية ما فعله الأعضاء اجتهاد في نحت المصطلح. والكفيل بنخل جيّد المصطلحات من رديئها هو الاستعمال.

على أنّ أهمّ ما يلفت إليه الأعضاء الانتباه هو تكفّلهم لا فقط بتصحيح الترجمة بل بتصحيح العبارة. فهم يوجّهون خطابهم إلى أبناء العربيّة. وأدنى شروط المصطلح المقترح أن يكون صحيح البنية اللغويّة. فكثيراً ما راج لفظ "الحكي" في مغرب العرب ومشرقهم على أنّه مصدر من "حكى يحكي حكياً". والواقع أنّ "الحكي" لفظ عامّيّ شاميٌّ للحكاية الفصيحة. فمصدر "حكى" هو "حكاية" لا سواها. لذلك اختير هذا اللفظ لترجمة (Histoire). ومتى أُريد الكلام على (Conte) أردفت اللفظة بنعت "شعبيّة". فقيل "حكاية شعبيّة". وللدلالة على الحكاية بما هي سردٌ اختير لفظ "القصّ".

ومثلما أريد للمصطلح أن يكون فصيح العبارة عمل أعضاء الوحدة على أن تكون كتابة الأسماء الأعلام الأجنبيّة خاضعةً لما اتّفقت بخصوصه المجامع اللغويّة العربيّة. من ذلك تحاشي تسمية الأعلام على غرار ما ينطقها به الفرنسيّون شأن "جاكبسون" و"جاب" و"تشيكوف". فقالوا "ياكبسون" و"ياب" و"تشيخوف". ومن ذلك الاتّفاق على رسم للحروف غير المتوافرة في العربيّة حسب المتّفق عليه في إدارة التقييس (التونسيّة) انطلاقاً من اتّفاقات عربيّة . فحرف (g) له أن يُكتَب بطرائق أربع مختلفة هي الڤاف السائدة في المغربين الأدنى والأوسط والكاف الفارسيّة والجيم المصريّة والغين المعمول بها في إدارة التقييس هذه. فوقع الاتّفاق على استعمال الغين.

ولم يكن الهاجس البيداغوجيّ ليسيطر فيغمط حقّ الجانب العلميّ. فبما أنّ الهدف من وضع المعجم هو إقرار مصطلحات تفي بحقّ المتصوَّرات فلا بدّ من تحديد الطريق المثلى لنحت هذا المصطلح. وتقوم هذه الطريق على ثلاثة عناصر أساسيّة هي: "الترجمة"، وهي صوغ المفهوم الأجنبيّ بلفظ عربيّ و"التعريب"، وهو الإبقاء على اللفظ الأجنبيّ مع إخضاعه لقواعد العربيّة صوتيّةً وصرفيّةً ونحويةً و"النحت" وهو ضمّ أجزاء الألفاظ بعضها إلى بعض[3].

ففي ما يتّصل بالترجمة، وهي الصيغة الأساسيّة لوضع المصطلح العربيّ المقابل للأجنبيّ، تَوافَق أعضاء اللجنة على التالي: متى كان اللفظ بسيطاً جيء بما يقابله في اللسان العربيّ. أمّا إذا جاء مركّباً، وما أكثر ما يأتي كذلك باعتبار الألسنة الأجنبيّة تركيبيّة لا اشتقاقيّة، عمد أعضاء اللجنة إلى تفكيك المصطلح الأجنبيّ المركّب ليأتوا بما يقابله شأنهم مع (Homodiégétique) مثلا. فهو كلمة مكوّنة من ثلاثة لفاظم هي السابقة أو الصدر (Homo) بمعنى مماثل أو مثليّ والحشو (Diégèse) بمعنى حكاية واللاحقة (que) المفيدة النسبة. فهم لم يلتزموا بالمتابعة الحرفيّة للفاظم الثلاثة هذه بل اختاروا الدلالة الكلّيّة للعبارة الفرنسيّة. فقالوا "مشارك في الحكاية".

وقد يلجؤون إلى النحت مع ما تقتضيه هذه الآليّة من حذف حتّى يتمّ تركيب اللفظ بما لا ينبو عن الذوق ولا يمسّ من الدلالة. لذلك عمدوا إلى عبارات من قبيل "سيرذاتيّ" ترجمة لـ (Autobiographique). فقد أصبح مثل هذا اللفظ متردّداً على الألسنة بعد أن مهّد له لفظ "الترجذاتيّ" الطريق. إلاّ أنّهم تحاشوا، ما أمكن، ما يسمّيه عبد السلام المسدّي «الانضمام التركيبيّ الذي يسبك اللفظة على نمط اللغات الالتصاقيّة»[4] من قبيل "ميتاروائيّ" التي كثر استعمالها في الكتابات النقديّة اليوم أو "ميتاحكائيّ". فقد رغبوا عن هذه الآليّة ليبدوا صفويّين، ربّما، عندما يلجؤون إلى "الروائيّ الواصف" و"القصّ في القصّ".

والنحت، مثلما هو نادر الاستعمال في اللغة العربيّة باعتبارها لغة اشتقاقيّةً، رغب عنه أعضاء اللجنة واعتاضوا عنه بالتركيب النعتيّ أو بالتركيب الإضافيّ أو بالاسم خالصاً رغم ما قد تؤثّر به هذه الآليّة سلباً في دلالة بعض الألفاظ. فترجمة (Métalepse) مثلا بالخارقة –وقد ترجمها بعضُهم بالانصراف- قد لا يفيها حقّها. لذلك جيء بالنعت "السرديّة" ليرفع أيّ لبس يمكن أن يمسّ اللفظ ذاته.

والواقع أنّ هذه الآليّات الثلاث، الترجمة والتعريب والنحت، لا تخرج عمّا هو مألوفٌ في وضع المصطلح في أيّ من العلوم الدقيقة أو الإنسانيّة. لكنّ أهمّ ما ينبغي لفت الانتباه إليه هو خدمة العلوم الإنسانيّة بعضِها بعضاً. ولعلّ تطعيم السرديّات التقليديّة التي تتلمذ عليها أعضاء الوحدة جميعُهم بلسانيّات الخطاب وبنتائج التداوليّة اليومَ أن يكون سبباً في إخراج المعجم مُخرَجاً جديداً. ورغم ما قد يبدو عليه الانفتاح على هذه اللسانيّات التلفّظيّة من إغراء فقد وضع أعضاء الوحدة نصب أعينهم خدمةَ هذه النتائج ما هو سرديٌّ. فليس يكفي الكلام على مقولات التلفّظ في ذاتها. بل لا بدّ من الإفادة منها في كشف الدلالة السرديّة المطلوبة. ولعلّ مصطلحات من قبيل "المقول له" و"الجهة" مثلاً أن تكون نتاج تصحيح لما دأب السرديّون التقليديّون يقولونه عن "المرويّ له" و"الصيغة" منظوراً إليهما في بعدهما العامّ لا التفصيليّ.

وهكذا فقد مثّلت وحدة الدراسات السرديّة التابعة لكلّيّة الآداب والفنون والإنسانيّات بمنّوبة عيّنةً لما يجتهد باحثون في استيعابه وتمثّله، من ناحية، وفي إبلاغه إلى الآخرين، من ناحية أخرى. وما الطرائق المتوخّاة في وضع المصطلح السرديّ بجارية على نهج مختلف عمّا هو سائدٌ في العلوم الأخرى جميعِها. ولكنّها، في اشتراكها مع هذه العلوم في النهج، تتميّز منها بالسعي إلى توحيد المصطلح وفصاحته وإيفائه بحقّ المفهوم أو المتصوَّر، ما أمكن.



[1]  جيرالد برانس، قاموس السرديّات، ترجمة السيّد إمام، القاهرة، ميريت للنشر والمعلومات، ط 1، 2003.

[2]  لطيف الزيتونيّ، معجم مصطلحات نقد الرواية، بيروت، مكتبة لبنان ناشرون ودار النهار للنشر، 2002.

[3]  انظر عبد السلام المسدّي، المصطلح النقديّ، تونس، مؤسّسات عبد الكريم بن عبد الله للنشر والتوزيع، 1994، ص 25.

[4]  م. ن.، ص 27.


التحميل