المصطلحات المحورية في النقدي العربي

بين جاذبية المعنى وإغراء الحداثة

د. عبد الملك بومنجل

قسم اللغة العربية وآدابها

جامعة فرحات عباس-سطيف

       المعنى أصل للمصطلح ومصدر له؛ إذ الأصل في ألفاظ اللغة أنها رموز دلالية على المعاني التي في النفوس، يتداولها الناس فيما بينهم على سبيل التواصل النفعي والتخاطب اليومي العادي، ثم تجدّ ظروف وتنشأ أفكار وتُستحدث علوم، فيصطلح أهل الاختصاص عليها بألفاظ من اللغة نفسها، لها معان أصلية مرجعية تُختار هي ذاتها دون غيرها لتمام دلالتها على المفاهيم التي هي موضع الاصطلاح؛ فيكون المعنى أصلا للمصطلح، ويكون من واجب المصطلح أن يكون وفيا لأصله، مهما اختلف عنه على سبيل التوسع أو الانحصار أو التعديل أو غير ذلك.

    غير أن حركة الفكر، وتواصل الثقافات، وهجرة المفاهيم من بيئة ثقافية إلى غيرها قد تؤدي إلى خلخلة في علاقة المصطلح بالمعنى، ومراوغة للمصطلح لثنيه عن الوفاء لأصله؛ كأن تنتقل المفاهيم والنظريات الحداثية الغربية إلى الثقافة العربية، فتغري أهلها بتغيير مفاهيمهم ونظرياتهم الموروثة استجابة لإغرائها وتكيفا معها؛ فيحدث الصراع الجدلي الثقافي بين جاذبية المعنى وإغراء الحداثة؛ أي: بين الوفاء للمعنى الذي أنتج المصطلح العربي وصبغه بصبغته ووضعه في إطاره وعجنه بسياقه، والوقوع في إغراء المواكبة والمماثلة لثقافة الآخر، فإذا المصطلح عربي اللفظ غربي الهوية، لا يكاد يجمعه رابط بمعناه الأصلي الذي أنتجه أول مرة.

        وتعظم المشكلة حين تكون المصطلحات التي يطالها هذا التحريف والتغريب مصطلحات محورية هي أركان لمنظومة فنية معرفية كاملة هي منظومة "علم الأدب"؛ فقد درج القارئ والكاتب العربيين على استعمال مصطلحات مثل "النقد" و"الشعر" و"الأدب" و"النص" و"الإبداع" و"الحداثة"، بمعان محددة معروفة ثابتة متفق عليها، فلا يضطرب مفهومها بين قارئين أو كاتبين، فإذا بالوافد الثقافي الغربي إلى الساحة النقدية والأدبية العربية يبلبل هذا الاستقرار، ويزلزل هذا الثبات؛ إذ يخلخل دلالات هذه المصطلحات، فيضيف إليها ما ليس في الأصل منها، أو يحاول تجريدها مما هو الأصل الجوهري فيها، أو يحوّلها من دلالة لغوية محصورة المعنى إلى دلالة فلسفية على منهج في الحياة.          

    إن المصطلحات المذكورة أعلاه قد خضعت جميعا إلى ألوان من هذا الإكراه على تحويل اتجاه الدلالة، تضييقا حينا وتوسيعا أحيانا كثيرة. وإن مهمتنا في هذا البحث هي مناقشة هذه الخلخلة التي نأت، أو حاولت أن تنأى بهذه المصطلحات المحورية عن دلالاتها الأصلية العريقة. ولا نحب أن نبادر منذ البداية إلى إغلاق الأبواب دون الاعتراف بهذا التغير، وإصدار الأحكام برفضه والتمرد عليه، بل نحب أن نستمع ونحلل ونناقش، حتى نشق طريقا إلى التمييز بين ما كان تعديلا من داخل السياق تقبله اللغة والثقافة وما كان مطابقة مع الآخر على كره من أصول المفاهيم العربية والخصوصية الثقافية.

1.النقد:

           حين يذكر مصطلح "النقد" يقفز إلى أذهان عامة الناس معنى ضيق يخص جانبا من جوانب النقد لا غير، هو "ذكر المساوئ". ويقفز إلى أذهان عامة أهل الأدب معنى أوسع هو "دراسة الأعمال الأدبية وتحليلها قصد التفسير والتقويم والتوجيه"(1). ويقفز إلى أذهان خاصة أهل الأدب، أو بعض الحداثيين منهم، معنى ضيق –وإن اتسع-، جديد –وإن كان مضمّنا في المفهوم القديم-؛ هو معنى "تحليل الأعمال الأدبية، ووصف بنيتها"، لا قصداً لتقويم وتوجيه، ولكن لمجرد الوصف والكشف.

          فأيُّ هذه المفاهيم هو أوفى بمعنى النقد وآصلُ في العلاقة به؟ وهل يصحّ أن تعتمد المفاهيم الثلاثة دلالةً لمصطلح واحد هو "النقد"؟

      أما مفهوم عامة الناس فهو على صلة وثيقة بأصل المعنى؛ إذ هو البحث في حقيقة الدرهم لامتحانه وكشف احتمال زيفه. فهو  تفتيش عن العيب الذي يمكن أن يكون في الدرهم، بالنقر عليه. قال ابن منظور: "والنقد والتنقاد: تمييز الدراهم وإخراج الزيف منها (...) ونقدتُ الدراهم وانتقدتها إذا أخرجتَ منها الزيف. (...) ونقَدَ الشيءَ ينقده نقداً إذا نقرَه بأصبعه كما تُنقر الجوزة"(2)  

     فالأصل في معنى النقد هو النقر، وبين الكلمتين تجانس صوتي واضح يؤكد تلبسهما بمعنى واحد. ولأن النقر على الدرهم إنما هو لكشف زيفه، فقد صار النقد مرتبطا بمعنى كشف العيوب أكثر من ارتباطه بمطلق النقر. ومن هنا يكون العامة على حق حين يذهبون إلى استنتاج دلالة "ذكر العيوب" من سماعهم مصطلح "النقد".

       وأما المفهوم الذي يدركه عامة أهل الأدب من مصطلح "النقد" فهو على صلة وثيقة بالتطور الطبيعي الذي عرفته الدلالة الأصلية لكلمة "النقد". إن النقر على الدرهم لاكتشاف احتمال زيفه سيؤدي إلى إحدى نتيجتين: كشف زيف الدرهم، أو إثبات صحته. وإن هذا الفعل الذي يسمى "نقدا" هو حصيلة لمعنيين أحدهما يشير إلى الوسيلة (وهي النقر) والثاني إلى الغاية (وهي اكتشاف حقيقة الشيء وتعيين قيمته). وإن الألفاظ المعجمية تتطور دلاليا بكيفيات شتى منها المجاز، فيكون من ذلك استعارة المعنوي من الحسي. فإذا راعينا كل ذلك أمكننا أن ننقل دلالة لفظ "النقد" من أصله اللغوي المثقل بالحسية، على غرار ألفاظ أخرى يتقاطع معها صوتيا مثل: نقر، ونقب، ونقط، ونقش..، إلى دلالة اصطلاحية على فعل معنوي، يكون النقر فيه ضربا في أعماق الأعمال الأدبية، وتنقيبا في أسرارها، ودراسة لأساليبها. وتكون النتيجة منه اكتشاف طبيعة العمل الأدبي، واستكناه حقيقته، وتقدير قيمته، وتمييز جيده من رديئه. وهذا هو المفهوم الذي استقر عليه مصطلح النقد الأدبي منذ وجد إلى الآن، مع توسع، يقتضيه الزمان، في المهام التي يضطلع بها الناقد الأدبي فلا تحصر في تقويم الأعمال، لولا أن نزعة من نزعات الحداثة، ونزغة من نزغات التمرد على القواعد والثوابت والمقاييس، أخذت تغيّر من وظيفة النقد بما يقطع صلته بدلالته المعجمية، ويوهّن علاقته بحبل الحضارة الإنسانية؛ فكان المفهوم الثالث ناتجَ هذه النزعة المتمردة، وكان تأثر عدد من النقاد والباحثين العرب بهذه النزعة موجبا لمناقشتها في ما بدا لها من تحديد لوظيفة النقد. 

      "النقد" في تقدير بعض الحداثيين العرب، المتأثرين بالحداثة الغربية، هو قراءة وتحليل ووصف للأعمال الأدبية، لكشف بنيتها، وتفجير مكنوناتها، وتحليل مكوناتها، وليس لتقويمها استنادا إلى معايير، وتفضيل بعضها على بعض، وتمييز جيدها من رديئها، وإصدار الأحكام على أصحابها، وإملاء التوجيهات والتعاليم. فهل يتسق ذلك مع الدلالة المعجمية لمصطلح النقد؟ وهل يحصل في ذهن القارئ العربي أن يتلقى مصطلح "النقد" دون أن يقفز إلى ذهنه دلالة "القيمة" ومفاهيم "التقويم" و"القواعد" و"المعايير"؟      

   إن تاريخ النقد الأدبي يحدثنا أنه كان في البداية تقييم بلا وصف، ثم ارتقى الإدراك العلمي لظواهر الحياة، ومنها الأدب والجمال، فكان في النقد تقييم وتعليل؛ بمعنى معيار مع وصف. ثم تراكمت التجارب والخبرات، وتكاثرت المعارف والنظريات، فصار في النقد تقييم وتعليل، وتقنين وتحليل. فلم يعزف النقد عن إصدار الأحكام القيمية قط، وإن جنح في الزمن المعاصر إلى أن يقلل من هذه الأحكام؛ فيعكف على تحليل عناصر العمل الأدبي، ووضع اليد على مكامن شعريته أو أدبيته، دون أن يصرح بحكم؛ وما ذلك في النهاية إلا لون من التقييم لابد أن يستند في عمله إلى قانون ومعيار.

     ما الذي يبتغيه الناقد الأدبي، وهو يقبل على قراءة نص أدبي، قصد دراسته وتحليله؟ أيبتغي أن يبيّن للناس أن جمله مؤلفة من فعل وفاعل ومفعول به، أومبتدأ وخبر وتمييز. وأن نسيجه مشكل من لغة وإيقاع وصورة، أو حيّز وزمان ومعجم. وأن بناءه يقوم على مفارقة وانزياح وترميز، أو على سردية وثنائيات ضدية وأسطرة وتعجيب؟

     لو كان هذا هو الهدف وحسب، لكان يكفي أن يُحلَّل عدد محدود من النماذج، تشتمل على هذه العناصر والتضاريس، وأن يترك الأمر، بعد ذلك للقارئ العادي؛ فما أسهل أن يكتشف أن في النص فاعلا ونغما وصورة، أو حيّزا ورمزا وسردية وأسطورة!

     أيبتغي أن يكشف للقارئ فلسفة الأديب، وبنية أفكاره السطحية والعميقة، وكيفية نظرته إلى الحياة وتصوره للوجود؟

     لقد كان، إذن، يمكن أن يتناول نصا لفيلسوف أو مؤرخ أو مصلح اجتماعي أو رجل دعوة أو سياسة، ثم لا يكون بين الأمرين فرق بيّن، يكون مدعاة إلى أن يُختار النص الأدبي دون سواه من نصوص كثيرة.

     وما الذي يحمل القارئ، أو الناقد، على اختيار نصوص أدبية دون غيرها؛ يقبل عليها مستمتعا وحسب، أو مستمتعا ومحاولا نقل المتعة إلى غيره، أو كشف مكامن المتعة والجمال، ومحاولة تدريب غيره على الوصول إلى أسرار هذا الجمال؟

    ليس من شئ يحمل على ذلك، ويدفع إليه دفعا، سوى البحث عن قيمة. ليختلف الناس في تحديد هذه القيمة، وما هو قيمة وما ليس قيمة. ولكن الباعث على قراءة الأدب، منذ القديم إلى الآن، إنما هو القيمة. فكل قراءة، أو دراسة، تعزف عن ملامسـة هذا الهدف لا يمكنها إلا أن تكون عقـيمة. وبالمقابل، فإن "كل نقد جيد، كتب أو يكتب أو سوف يكتب، إنما هو نقد مرتبط بالقيمة"(3). هكذا قال عياد، الذي خاض دفاعا قويا عن القيمة، فعدّها جوهر العمل الأدبي، وعدّ البحث عنها وكشفها جوهر العملية النقدية، وعدّ رعايتها، ومساعدة القراء على الفهم العقلي والتجاوب الوجداني معها، هي وظيفة الناقد الاجتماعية(4). ورأى أن البنيوية، التي تدعي أنها وصفية خالصة، لا تخلو من شبهة التقييم، حين تستخلص من الأعمال الأدبية قوانين هي بالضرورة أحكام قيمية(5). ورأى أن "الناقد كاتب يتجه إلى جمهور، ومهمته هي أن يساعد هذا الجمهور على تذوق الأعمال أو أن يربي ذوقه"(6)، وأن القارئ الجيد إنما يقرأ النقد "ليدله على مكامن القيمة وكيفية الوصول إليها"(7).   

        بل هكذا  قال أحد القائلين بالمفهوم الثالث، قبل أن يجرفه تيار الحداثة؛ عندما عد "الناقد بمثابة قاض يتبين الحق ما أمكنه الأمر في حكمه على الآثار"(8)، ومارس هذا النقد التقييمي، أو المعياري، شطرا من مشواره النقدي، قبل أن يجرفه تيار التحول؛ فينقلب ثورة هائجة على هذه التقييمية المعيارية: هذه المناهج "التقليدية" التي "تصدر أحكاما قضائية صارمة على صاحب النص أو له؛ وذلك كله من موقف علٍ؛ أي من موقف القاضي المتغطرس، أو الحكم المتجبر الذي لا مرد لحكمه"(9).

    أخذ بعض النقاد العرب المعاصرين يقعون تحت إغراء الحداثة فيحملهم ذلك على التحرر من جاذبية المعنى. أخذوا يحرفون النقد عن مساره ويراودونه عن وظيفته الأصيلة. أخذوا ينزعجون من التقويم، ويتمردون على المعيار، وينسبون إصدار أحكام القيمة إلى التقليد، ويدعون إلى الثورة على "وظيفة النقد التقليدية السلطوية"، وإلى "التدمير للمفهوم التقليدي للنقد"، يقول عبد الملك مرتاض:

     "ولعل أسوأ ما يوجه إلى المدرسة النقدية التقليدية أنها لم تكن ترعوي في الحكم على النتاج الأدبي بالجودة والرداءة كما يشاء لها هواها؛ مما جعلها تقع في فخ المفاضلة بين الكتابات بطريقة فجة ممجوجة. وكانت، عوض العناية بتحليل النص ودرسه، تنطلق إلى تعرية الناص وتجريحه إن غضبت عليه وسخطت، أما إن رضيت عنه فهو التمجيد والتقريظ؛ ثم لا شئ من بعد ذلك...

     لقد ضاق المعاصرون ذَرعا بهذه الطريقة العتيقة التي تجعل من الناقد أستاذا، سيدا، قاضيا، يحكم؛ ولا مرد لحكمه، ويقضي؛ ولا مرد لقضائه. على حين أنها تجعل من الناص، أو المبدع، أو الكاتب تلميذا متعلما، أو هو في مواقع المتعلم الذي يجب عليه أن يحترم أحكام أستاذه، ويعمل بها حين يبدع، ولا يعصي لسيده أمرا أمره به؛ وإلا فليأذن بحرب ضروس يشنها عليه توشك أن أن لا تبقي ولا تذر...

     إن العلاقة بين هذين الطرفين اللذين تتألف منهما، من بين من تتألف منهم المؤسسة الأدبية كانت غير متوازنة، ومتـوترة، وعدوانيـة. وذلك من العـلل التي أفضت إلى تقويض تلك المدرسة النقدية المتغطرسة المتعالية على المبدعين..."(10).

      فهل يقف مرتاض، ومن يشاركه الرأي، موقفا سليما من وظيفة النقد، ومن ثمّ، من دلالة مصطلح "النقد"؟ ليس من الرشد أن نترك الغذاء لأن بعضا من الناس يسرفون في الأكل إلى حد المرض. أو نتنزه عن الضحك لأن بعضا من الناس يبالغون في الضحك إلى حد السماجة. أو نتخلى عن نصيبنا من الدنيا لأن بعضا من الناس يتعلقون بالدنيا إلى حد العبادة. فكذلك ليس من الرشد أن نتخلى عن التقييم في دراساتنا النقدية لأن بعضا، قل أو كثر، من النقاد، يسرفون في التجريح أو المدح، ويتسرعون في إصدار الأحكام بحق وبلا حق، ويواجهون النص بغطرسة وعدوانية وتوتر. ليس من الرشد أن نفعل ذلك، وليس من العدل أن نضع النقد المعياري كله في سلة واحدة، وليس من الحق أن نتصور أن النقد الوصفي هو نقيض النقد المعياري، وأن نزعم أن مدرسة النقد التقييمي قد تقوضت، وأن القراءة قد "حلت، أو هي بصدد أن تحل، محل النقد"(11) كما يتصور عبد الملك مرتاض، أو أن وظيفة النقد ومفهومه قد تغيرا تماما، إذ لم يعد النقد هو فن التمييز بين النصوص، بل صار فن الحفر في البنية العميقة للنصوص، ولم يعد "يقدم الأدوات اللازمة لكي يفهم المتلقي النص ويتفاعل معه"، بل أصبح "يقدم نفسه نشاطا مساوقا للنص، محايثا له، منطلقا منه وراجعا إليه"(12)كما يتصور محمد رضا مبارك.

       ما الذي يمنع أن يكون النقد وصفيا ومعياريا في آن. وأن يتحرى العدل والمودة في التعامل مع النص، وقد كان. وأن يستكشف ما شاء، ويبدع في القراءة والتحليل، بلغة قد تضارع لغة النص، ما شاء؛ دون أن يزورّ عن القيمة ويسخر من الآخرين إذا احتفلوا بها ودلوا عليها؟

     إن المعيارية التي ينبذها بعض النقاد المعاصرين، هي معيارية متأصلة في طبيعة العمل النقدي، يستند إليها في ضبط قوانينه، كما يستند إليها في إصدار أحكامه، فإن لم يكن هذا ولا ذلك، فلا أقل من أن يستند إليها في اختيار نصوصه. وإن الازورار عن هذه المعيارية إلى مجرد الوصف، وعن التقويم والتوجيه إلى مجرد التفسير والتحليل، هو خروج بالمصطلح عن داره ومداره. ولقد أصاب يوسف وغليسي حين اقترح أن يطلق وصف (الناقد) على الناقد التقليدي فحسب(13)، لولا أنها إصابة المخطئ؛ فقد كان يدافع بحرارة عن تجريد النقد من وظيفته العريقة، ويرى أن الحداثة والمعيارية في النقد ضدان لا يجتمعان. وهكذا يقع مصطلح "النقد" تحت إغراء الحداثة فيخون معناه. وما يزال للنقد، رغما عن ذلك، دلالته العريقة الأصيلة في أذهان جمهور أهل الأدب؛ ولكن التنبيه على خطأ النزعة التي تجرد النقد من وظيفته التي بها كسب اصطلاحه لازم ومفيد، لئلا تتسع هذه النزعة فتشوش في الأذهان مفهوما مركزيا محوريا لا اختلاف فيه ولا غبار عليه. 

2. الشعر:

     لم يشتهر العرب بشيء اشتهارهم بالشعر. ولم ينشغلوا بفن من الفنون الراقية انشغالَهم بالشغر. ولم تحتفل دراساتهم ونظرياتهم النقدية بصناعةٍ احتفالَهم بصناعة الشعر. ومع ذلك لم يختلفوا، في عهدهم المعاصر، في ترجمة مصطلح غربي أدبي اختلافَهم في ترجمة مصطلح ذي صلة بفن الشعر!

      كان حريّا بالعرب أن يعلّموا العالم معنى الشعر وجوهرَه وفرقَ ما بينه وبين غيره من أجناس الكلام، وأن يحتفظوا بمفهومهم العربي للشعر إن لم يستطيعوا تصديره إلى غيرهم بسبب تخلفهم الحضاري. ولكن الذي وقع أن المصطلحات المتعلقة بالشعر صرنا نستوردها من الغرب، ثم نحار في ترجمتها إلى "اللغة الشاعرة"، على حد تسمية العقاد(14). وأن كثيرا منا صار لا يفرّق بين الشعر والنثر، نزولا عند رغبة الغرب في إزالة الحواجز وتمييع المفاهيم!

        "الشعر" في اصطلاح العرب هو الكلام الموزون المقفى(15)، أو الكلام المخيّل المؤلف من أقوال متساوية وعند العرب مقفاة(16)؛ فهو إذن ذلك الشيء الذي اجتمع فيه ركنان عند فريق، وثلاثة أركان عند فريق آخر: 1-الكلامية: أي أن مادته الكلام. 2- والإيقاعية الخاصة التي قوامها الوزن في الشعر مطلقا، والوزن والقافية عند العرب خاصة. 3- والتخييلية: وهي ركن يضيفه الفلاسفة المسلمون تأثرا بمفهوم الشعر عند الإغريق، ويعنون به تمثيل العواطف وتصوير المعاني بألوان من الأساليب.

      و"الشعر" في لسان العرب: العلِْمُ(17). ولا أظنهم قصدوا بالعلم هنا ما نقصده الآن به، بل قصدوا الإدراك والانتباه والفطنة والإحساس والشعور. و"الشعور" هو "علم الشيءِ علمَ حسّ"(18)؛ فالعلم الذي يدل عليه لفظ "الشعر" هو العلم المحسوس المرتبط بالوجدان خاصة. ولذلك ورد في "لسان العرب" أن الشاعر (الذي ينظم الشعر) سمي كذلك لفطنته(19)، وذكر ابن رشيق أن الشاعر سمّي شاعرا "لأنه يشعر بما لا يشعر به غيره"(20). فميزة الشاعر ليست كثرة علومه العقلية وقوة ذكائه الفكري، وإنما هي قوة إحساسه الوجداني وشدة انتباهه الحسي؛ وهو ما يتسق مع ما يغلب على الشعر من مضامين. ولا أرى ابن منظور مصيبا حين يقول في تعريف الشعر: "والشعر: منظوم القول، غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية، وإن كان كل علم شعرا من حيث غلب الفقه على علم الشرع، والعود على المندل، والنجم على الثريا.."(21).

    إن ربط الشعر بالشعور هو الذي يفسر تسمية الكلام الموزون المقفى شعرا؛ وذلك أن المشاعر التي تحمل الشاعر على نظم الشعر هي من الخصوصية قوة وعرامة واندفاقا بحيث تستجلب لها عبارة من غير جنس الكلام العادي الهادئ المسترسل: عبارة موزونة ومقفاة متموجة على نحو يحاكي الأمواج التي في الشعور. ولقد وفق المازني غاية التوفيق، وهو يدافع عن ضرورة الوزن في الشعر مستحضرا مقولة "هيجل": "الوزن أول ما يستوجبه الشعر ولعله ألزم مما عداه"، فيقول:

    "وتعليل ذلك فيما نعلم أن كل عاطفة تستولي على النفس وتتدفق تدفقا مستويا لا تزال تتلمس مستوية مثلها في تدفقها، فإما وفتْ إليها واطمأنت، وغما أحست بحاجة ونقص قد يعوقان تدفقها الطبيعي، وربما دفعاها إلى مجرى غير طبيعي فيضر ذلك بالجسم والنفس جميعا، كالحامل لا تزال تتمخض حتى تلد، وهذا هو السبب فيما يجده الشاعر من الرَّوح والخفة بعد أن ينظم إحساسه شعرا. ولم تزل العواطف العميقة الطويلة الأجل –مذ كان الإنسان- تبغي لها مخرجا وتتطلب لغة موزونة، وكلما كان الإحساس أعمق كان الوزن أظهر وأوضح وأوقع، ولكنه لابد لذلك من أن يجمع الإحساس بين العمق وطول البقاء فإن بادرة الغضب على حدتها ليس لها علاقة طبيعية بالوزن ولا بالموسيقى."(22)

       يحصل مما ذكرنا أن الأصل في الشعر هو ارتباطه بالشعور. وأن الشعور الذي يدفع إلى قول الشعر هو شعور متميز يستجلب الوزن استجلابا طبيعيا لا تكلف فيه. وأن ارتباط الشعر بالوزن، وبالقافية كذلك، هو ارتباط طبيعي جوهري، "لأن الإنسان لم يخترع الوزن –ولا القافية- ولكنهما نشآ منه، ولا شعر إلا بهما أو بالوزن على الأقل."(23) وأن المفهوم العربي العريق لمصطلح "الشعر" مفهوم دقيق وثيق الصلة بالأصل اللغوي للكلمة. وأن الإشكال هو فيما طرأ على مفهوم "الشعر" في العصر الحديث من توسيع وتمييع، كان وراءه إغراء الحداثة الغربية للأدباء والباحثين العرب باتخاذ مفاهيمها ومعاييرها (!) ومذاهبها مرجعا وأساسا.

     "الشعر" في الثقافة الغربية مرتبط بجذور مفهومية إغريقية تربط الشعر بالعمل والتأليف لا بالشعور. يقول جان ميشال غوفار بشأن كتاب "الشعرية" لأرسطو: ""الشعرية" ليست مقالا أو دراسة تتناول الشعر أو الخلق الشعري بالمعنى الذي نفهمه اليوم. فعبارة "الشعرية: Poètique" من اليونانية Poiètikos، تنحدر من الجذر الفعلي Poièin التي تعني "عمل، بنى، ألّف". فالشاعر (باليونانية: Poiètes) هو قبل كل شيء (من يصنع، من يعمل، من يؤلف) والشعر (Poièsis) هو فن التأليف. وهكذا فإن مؤلف أرسطو لا يقف عند حدود هذا النمط الخاص من النتاج المقول الذي نسميه اليوم "الشعر"، ولكنه يتعداه إلى كل نتاج فني يكون حصيلة نشاط تأليفي خاص."(24)

      الشعر الذي عني به أرسطو في كتابه المعروف ليس من قبيل الشعر العربي الذي قوامه الغناء (إيقاع العواطف)، ولكنه من قبيل الشعر الملحمي الإغريقي الذي قوامه تأليف الأحداث ومحاكاة الأفعال. والشعر في الدلالة اللغوية المعجمية عند الإغريق مرتبط بالصنع والبناء والتأليف لا بالشعور كما هو الشأن عند العرب. وقد أخطأ الفلاسفة المسلمون حين حاولوا أن يسقطوا ما قاله أرسطو في الشعر الملحمي على ما نظمه العرب من الشعر الغنائي فحصل ارتباك واضح في ترجمة "المأساة" و"الملهاة" إلى "الهجاء" و"المدح"، وفي إضافة ركن التخييل إلى حدّ الشعر، مع أن كثيرا من الشعر لا تخييل فيه. ولكن هؤلاء الفلاسفة، مع وقوعهم تحت إغراء المطابقة مع شعرية أرسطو، حافظوا على المفهوم العربي لمصطلح "الشعر"، فميزوا الشعر العربي بشرط القافية علاوة على شرط الوزن، وسموا الكلام الذي يستوفي شرط التخييل دون شرط الوزن "قولا شعريا"ورفضوا أن يدرجوه مع الشعر. فلم يحصل الانجذاب إلى المفهوم الغربي للشعر إلا في العصر الحديث، مع "الشعر المنثور" و"قصيدة النثر"(25) و"شعرية الرواية" وهلم جرا..

    "الشعر" عند بعض الحداثيين العرب لا يتحدد بالوزن والقافية، بل لا يتحدد بشكل إيقاعي مسبق، بل لا يتحدد بخاصية وقانون. "الشعر" هو ما يقوله "الشاعر" وحسب؛ فإذا قال الشاعر نثرا فهو شعر لا نثر. هذا ما يمكن أن يستنتج من قول أدونيس:

"ليس هناك وجود قائم بذاته نسميه الشعر، ونستمد منه المقاييس والقيم الشعرية الثابتة المطلقة. ليس هناك بالتالي خصائص أو قواعد تحدد الشعر ماهية وشكلا، تحديدا ثابتا مطلقا.

الوجود الحقيقي هو الشاعر، هو القصيدة: في تعاقب القصائد وإكمال بعضها البعض الآخر، ما يغير فهم الشعر أو النظر إليه، فالشعر أفق مفتوح، وكل شاعر مبدع يزيد في سعة هذا الأفق، إذ يضيف إليه وظيفة جديدة"(26).

إن الشعر عند أدونيس ليس وجودا قائما بذاته يمكن أن يعرف وأن يستدل على شكله وماهيته بعدد من الخصائص والثوابت، وأن يقاس لاحقه على سابقه بعدد من القيم والمقاييس. إنه وجود مائع، أو هو وجود مجازي حقيقته هي الشاعر.. الشاعر هو الشعر. فإذا صنع الشاعر شكلا كلاميا ما، وسماه قصيدة فذلك هو الشعر، ولا معنى لرفض تسميته ذلك الشكل شعرا لأنه هو الشاعر، والشاعر سابق على الشعر، وليس هناك وجود قائم بذاته اسمه الشعر!

والقضية، في واقع الأمر، هي أن الذين يدعون إلى تغيير مفهوم الشعر، من بوابة "قصيدة النثر"، إنما يدفعهم إلى ذلك الصدور عن فلسفة حداثية تنزع نحو التمرد على كل سلطة تحد من حرية الفرد ولو كانت هي سلطة النظام وقوانين الجمال، لذلك تراهم يؤسسون لهذه "القصيدة" على مبدأ رفض الثابت والمطلق ورفض الشكل. يقول أدونيس:

"لن تسكن القصيدة الحديثة في أي شكل، وهي جاهدة أبدا في الهرب من كل أنواع الانحباس في أوزان أو إيقاعات محددة، بحيث يتاح لها أن تكشف، بشكل أشمل، عن الإحساس بتموج العالم والإنسان، الذي لا يدرك إدراكا كليا ونهائيا. لم يعد الشكل مجرد جمال، ففكرة الجمال بمعناها القديم فكرة ماتت، إن للفعالية الشعرية غايات تتجاوز مثل هذا الجمال."(27)

ويقول أبوديب:

     "حين تأتي لحظة الانفجار، يتجسد– أول ما يتجسد- في البدء بتدمير المكون الإيقاعي للقصيدة– الطقس أي بتدمير الطقس في أكثر مكوناته جذرية: الإيقاع والتكرار. (...) جوهريا، يمثل هذا الانفجار تدميرا للطقس، لكنه على صعيد أعمق، يمثل تدميرا للسلطة التي يملكها الطقس، ونجد أنفسنا من جديد أمام حضور صراع الحداثة مع السلطة."(28)

      إن الوظيفة الأساسية لكل سلطة هي إشاعة النظام، وإن من مستلزمات النظام، تحدد الأدوار وتمايز الأشكال واتضاح المفاهيم. وإذ قامت الحداثة الغربية على فلسفة التمرد على سلطة الماضي من جهة، وسلطة الأشكال من جهة ثانية. فقد رأت أن الفصل الصارم بين الشعر والنثر  هو من مخلفات الماضي الذي ينبغي أن تزول سلطته على الحاضر، وأن تمييز الشعر عن النثر بخصائص شكلية خارجية هو من قبيل الإذعان لسلطة الأشكال والتوقف عن ممارسة الإبداع وحرية الاختيار؛ ومن هنا فقد اتجهت مسيرة الحداثة الأدبية في الغرب إلى إزالة الحدود بين الأشكال الأدبية. أو إلى إعادة النظر في طبيعة الفروق التي بينها؛ فهذه ناتالي ساروت (الكاتبة والناقدة الفرنسية) تقرر بأنها لم تستطع قط أن تضع حدودا فاصلة بين النثر الروائي والشعر، وترى أن الفصل بينهما في الزمن الراهن لا يعدو أن يكون مدرسيا(29). وهذا أراغون (الشاعر والروائي الفرنسي) يؤكد على هذا الرأي بقوله: "لقد رغبت في أن أجسد مبدأ آمنت به، ويبدو أن أحدا لم ينتبه إليه، وهو أنه ليس هنالك فرق أساسي بين النثر والشعر من وجهة نظري، كما أنه ليس ثمة فرق أساسي بين القصيدة والرواية"(30). ويبدو أن الدراسات اللغوية واللسانية الحديثة قد أمدت النقد الأدبي بذريعة تسوغ التمرد على الرأي القديم الذي يفصل بين الشعر والنثر بخاصية الوزن والقافية، وذلك بتصورها للشعر بنية لغوية بالأساس فهو يحمل مزاياه الشكلية، وخصائصه الجوهرية في أسلوب استعماله للغة، وطريقة إنتاجه للدلالة. ومن هنا فقد أصبح ديدن الخطاب النقدي الحديث تعريف الشعر بعدّه نمطا خاصا وأسلوبا متميزا في استعمال اللغة، قوامه الخيال والتصوير والتكثيف واللعب بالكلمات. ومع هذا التصور الجديد -بعض الجدة- تقهقرت مكانة الوزن والقافية، فلم يعد ينظر إليهما شرطين لازمين وجوهرين ثابتين، بل ذهب بعض النقاد إلى عدهما قيدين شكليين يحسن التحرر منهما من أجل ممارسة حقة للشعر الحق، وآثر بعض آخر أن يكون أكثر موضوعية ورزانة فحافظ على تصور أهميتهما البالغة في تحديد هوية الشعر وتوليد طاقته الشعرية، فكان من نتائج ذلك أن ظهر تقسيم جديد يحفظ للشعر المخيل الموزون المقفى مكانته الشعرية العالية، ويقبل بقصيدة النثر شكلا شعريا بخصائصه الدلالية، ويرفض أن يدخل دائرة الشعر ما هو نظم محض أو نثر محض، وهو التقسيم الذي جاء به جون كوهن وأقامه على أساس أن الشعر يميز بخصوصياته الدلالية زيادة على خصوصياته الصوتية(31). وقد أغرى هذا التقسيم كثيرا من الشعراء والنقاد العرب بتبني هذا التصور للشعر على أنه نوعان: صوتي- دلالي، ودلالي فحسب، يقول أدونيس:

     "مسألة الوزن/ القافية، مسألة تاريخية ومسألة كلامية لا لسانية. ومسألة ترتبط بجانب محدود من الإبداع الشعري لا بشموليته أو به كرؤيا كلية. إذن من البداهة والصحة القول أن بإمكان اللسان العربي أن يتجسد شعرا في بنية كلامية غير بنية الوزن والقافية أو إلى جانبها. وهذا مما يوسع في الممارسة حدود الشعر في اللسان العربي وحدود الحساسية الشعرية وحدود الشعرية"(32).

     والقول بأن الشعر يمكن أن يكون غير موزون مقفى يقود إلى إشكالية في الصميم وأزمة في المفاهيم ظل النقد العربي بمنأى عنها عندما وضع حدا فاصلا بين المنظوم والمنثور من الكلام، وبين الشعر والنثر ضمن أجناس الأدب، فما الذي يبقى من الحدود الفاصلة والفروق الجوهرية بين الشعر والنثر بعد الذي رآه أدونيس وغيره من دعاة الشعر المنثور وقصيدة النثر؟

    يذهب بعض دعاة الحداثة إلى القول بأنه لا ضرورة إلى تقسيم الكلام إلى شعر ونثر، فقد تطور النظر إلى فلسفة الإبداع، ولم يعد هنالك من محل لموضوع الأجناس الأدبية، لأن الإبداع يرفض التشكل ويأبى على القوالب الجاهزة والنماذج التي أنشأها الأسلاف. لقد صار على المبدع، في نظر هؤلاء، أن يخلق شكله، أن يبدع نصه، أن ينشئ كتابته وكفى. فليس هنالك إلا كتابة أو خطابة، إبداع أو لا إبداع، لغة المعيار والنمط أو لغة الدهشة والغرابة(33).

ولكن هؤلاء النقاد عندما يفيئون إلى الواقع، ويواجهون ثقافة عربية لم تزل تميز بين الشعر والنثر بالوزن والقافية، ولم تزل ترفض أو تتردد في قبول قصيدة النثر، يضطرون إلى الإقرار بأن الشعر غير النثر، ولكنهم يذهبون في التمييز بينهما مذهبا آخر يأخذ أصوله من حداثة الغرب، يقول أدونيس:

     "مهما تخلص الشعر من القيود الشكلية والأوزان ومهما حفل النثر بخصائص شعرية، تبقى هناك فروق أساسية بين الشعر والنثر. أول هذه الفروق هو أن النثر إطراد وتتابع لأفكار ما، في حين أن هذا الإطراد ليس ضروريا في الشعر. وثانيها، هو أن النثر ينقل فكرة محدودة، ولذلك يطمح أن يكون واضحا، أما الشعر فينقل حالة شعورية، أو تجربة، ولذلك فإن أسلوبه غامض، بطبيعته. والشعور هنا موقف إلا أنه لا يكون منفصلا عن الأسلوب، كما في النثر، بل متحد به. ثالث الفروق هو أن النثر وصفي تقريري، ذو غاية خارجية معينة ومحدودة، بينما غاية الشعر هي في نفسه، فمعناه يتجدد دائما بحسب السحر الذي فيه، وبحسب قارئه"(34).

      ولا شك أن ما ذكره أدونيس من الفروق يصدق معيارا لتمييز كثير من الشعر، خاصة منه الحديث، عن كثير من النثر، خاصة منه الخطابي والمقالي (الإقناعي)، ولكنه لا يصح بحال أن يعتد به في الفصل بين مطلق الشعر ومطلق النثر، وإلا فماذا نفعل بهذا التراث القديم والحديث من الشعر المطرد الأفكار، الواضح المعاني، الوصفي الأسلوب، الإبلاغي الغاية؟ هل نرفض عدّه شعرا؟ وماذا نفعل بكثير من النثر، في القديم كما في الحديث، ليس فيه اطراد أفكار، ووضوح أسلوب، ووصفية وتقرير، بل هو ينقل حالة شعورية بأسلوب يغلب عليه الإيحاء بل الغموض، ولغاية ليست خارجية معينة ومحدودة، بل تعبيرية ووجدانية وكشفية؟ هل نعده رغم أنف أصحابه وأنف الشعر والتاريخ والعرف شعرا؟

     يضيف أدونيس "أن طريقة استخدام اللغة مقياس أساسي مباشر في التميز بين الشعر والنثر. فحيث نحيد باللغة عن طريقتها العادية في التعبير والدلالة، ونضيف إلى طاقتها خصائص الإشارة والمفاجأة والدهشة. يكون ما تكتبه شعرا. والصورة من أهم العناصر في هذا المقياس، فأينما ظهرت الصورة تظهر معها حالة جديدة وغير عادية من استخدام اللغة"(35). ويخلص إلى القول: "لا يجوز إذن أن يكون التمييز بين الشعر والنثر خاضعا للوزن والقافية فمثل هذا التمييز شكلي لا وجوهري"(36). ولكن هذا لا يحل مشكلة المفهوم، ولا يجيب على ما أسلفنا من الأسئلة، خاصة ما تعلق منها بهذا التراث المتفق على عدّه نثرا، وهو مفعم بالإثارة والخيال، مشحون بلغة الانفعال، قائم على التصوير والانزياح!

     إن ما يذكره أدونيس يصلح أن يكون معيارا للتمييز بين لغة الكلام العادي أو العلمي ولغة الأدب عامة ومنها الشعر، ولا يصلح أن يكون مقياسا للتمييز بين الشعر والنثر. والأقرب منه إلى الحقيقة والموضوعية هو قول كوهن: "والفرق بين الشعر والنثر كمي أكثر مما هو نوعي. إذ إنما يتمايز هذان النوعان الأدبيان بكثرة الانزياحات، والفرق في هذه الكمية يمكن أن ينحدر إلى أقل ما يمكن"(37).

     فإذا كان الأمر كذلك، وهو حتما كذلك، فهل يصح عدّ الصورة أو الإنزياح مقياسا للتمييز بين الجنسين؟ وهل يبقى مما نعول عليه في التمييز الصحيح والدقيق بين الشعر والنثر إلا ما ظل النقد العربي والعرف العربي مستقرا عليه، وهو الوزن والقافية؟

     يخلص أدونيس إلى القول بـ"أن الوزن ليس مقياسا وافيا أو حاسما للتمييز بين النثر والشعر، وأن هذا المقياس كامن، بالأحرى، في طريقة التعبير، أو كيفية استخدام اللغة، أي في الشعرية."(38) وهو تصور واضح التهافت، يتجاهل الواقع ويميع المفاهيم، ويتناقض مع المنهج العلمي في تصنيف الأجناس بخصائصها المميزة لا بخصائص تشترك فيها مع غيرها؛ ولا ندري كيف يستقيم بهذا التصنيف أن نميز بين الشعر والنثر، فنسمي القصيدة قصيدة والمقالة مقالة والقصة قصة والرواية رواية، ففي كل هذه الأجناس استخدام مجازي للغة على مقادير متفاوتة من الكثافة؟ وكيف يستقيم أن نتعامل مع أكثر الشعر، وهو يتراوح بطبيعته الشعرية الأصيلة بين المباشرة والمجاز، ولا نكاد نعثر على شعر هو مجاز محض وعدول مطلق إلا أن يكون ضربا من الهذيان؟

3. الشعرية:

       لم يستعمل النقد العربي القديم لفظ "الشعرية" مصطلحا قائما بذاته، بل استعمله، مرات محدودة، استعمالا لغويا، على سبيل النسبة إلى الشعر، كما في حديث القرطاجني عن "الأقاويل الشعرية" القائمة على التخييل خلاف "الأقاويل الخطابية" القائمة على الإقناع(39) ، وعلى سبيل الدلالة على الصفة الشعرية، كما في نصه الذي نفى فيه أن تكون "الشعرية في الشعر إنما هي نظم أي لفظ اتفق كيف اتفق نظمه وتضمينه أي غرض اتفق على أي صفة اتفق"، دون اعتبار لقانون سوى إجراء الكلام على الوزن والقافية(40).

       هو، إذن، مصطلح نقدي عربي جديد، اختاره جمهرة من النقاد العرب المعاصرين ليكون مقابلا عربيا أصيلا لمصطلح"La Poètique"   الغربي المتعلق بالشعر أيضا؛ ولكن بالشعر في مفهومه الغربي من جهة، وتعلقا من زوايا مختلفة من جهة أخرى. وهذا الذي أدى إلى شيوع مصطلح "الشعرية" في الخطاب النقدي العربي المعاصر بمفاهيم مختلفة غير واضحة ولا مستقرة، في بعضها تمييع لمفهوم "الشعر"، وتوزيع لشهادات الجنسية الشعرية في كل اتجاه، وخروج عن المنهجية العربية في تصنيف الفنون وتحديد المفاهيم.

     يقول عبد الملك مرتاض، محددا دلالات مصطلح "الشعريّة" في الخطاب النقدي العربي المعاصر، مقترحا مصطلحا آخر يصحب "الشعرية" ليقابلا معا مصطلحين غربيين مختلفين:

    "إن النقاد العرب المعاصرين يُطلقون مصطلح "الشعريّة" وهم يريدون به غالباً إلى ما يريد به النقاد الغربيون من وراء إطلاقهم مفهوم "الشعريّات"، أو (Poètique، Poètics). غير أن هذه الشعريّات، في نفسها، تتفرّع وظيفتها المعرفية إلى حقلين اثنين:

      أ. فهي تأتي بمعنى دراسة جنس الشعر من حيث هو وحدَه، أو الدلالة على الانتماء إليه. وقد كان الشعر بمعناه المحصور هو وحده المتَّخَذَ موضوعاً للشعريات وعنايتها، وذلك ما يُفهم من شعريات أرسطو منذ قريبٍ من خمسةٍ وعشرين قرناً. وقد ظلّ ذلك قائما إلى القرن التاسع عشر، وذلك بحكم المعنى الاشتقاقيّ للشعريات المتفرّعة عن الشعر نفسه.

     ب. كما تأتي بمعنى "النظريّة العامّة للأعمال الأدبيّة" بعامّة، وقد يستبين هذا المفهوم من خلال عنوان المجلة الفرنسية الشهيرة المتخصصة في النقد، وهي: "شعريات: مجلة النظرية والتحليل الأدبي".

     الشعريات بالمعنى الثاني، ومنذ القرن التاسع عشر، تنصرف دلالتها المفهومية إلى كل الأجناس الأدبية فتتسلّط عليها بالمعالجة الإجرائية، فيقترب معناها من معنى "الأدب" بمفهومه العامّ. ونحن إنما نتقصّدُ، هنا، إلى المعنى الأول.

ولذلك نجد مثل هذه المعاني غائبةً من الاستعمال العربيّ الذي يجتزئ باستعمال معنى "الشعرية" وحدَه، ويستريح! ونحنُ نقترح، من أجل تدقيق الاستعمال في عناصر هذه القضية أن يتمحّض مصطلح "الشعرية" (المُصطنَع في اللغة النقدية العربية المعاصرة") لما يقابل في اللغة الفرنسية "La Poèticite"؛ فتكون بمعنى الهيئة الفنية، أو الحالة الجماليّة التي تمثُلُ في نسج النّصّ لتجعله مشتملا على خصائص فنيّة، تميّزه عن النص النثريّ (...) في حينِ نُطلق على المفهوم الغربي الشائع في ثقافتهم منذ أرسطو، الذي هو Poètics" ،"La Poètique  مصطلح "الشعريّات" قياساً على الاستعمال الشائع في اللغة الجامعية العربية المعاصرة، وهو "اللّسانيات".."(41)

ليس يعنينا في هذا المقام أن نناقش ما إذا كان مناسبا وضروريا نسبة الشعر إلى الجمع. إنما يعنينا مناقشة ما إذا كان وجيها أن يُستعمل مصطلح "الشعرية" بمفهوم أوسع من دلالته اللغوية والاصطلاحية المعروفة عند العرب.

إن المفاهيم المقصودة من مصطلح "الشعرية" في الخطاب العربي المعاصر خمسة على أقل تقدير هي:

1- السمات الأسلوبية التي تمنح جنسا من الكلام صفته الشعرية فيسمى شعرا. وهذه هي الدلالة المقصودة من لفظ "الشعرية" في نص القرطاجني المذكور أعلاه.

2- الخصائص الجمالية التي تمنح ما يسمى شعرا شعريةً أخرى غير شعرية الانتماء إلى دائرة الشعر، هي شعرية الروح، أو الروح الشعرية، أو ما كان يسميه الجاحظ "كثرة الماء"(42)، ويسميه الآمدي والقاضي الجرجاني والمرزوقي "عمود الشعر".

3- العلم الذي يعنى بدراسة فن الشعر، تعريفا وتنظيرا وضبطا للقوانين والمعايير؛ وهو الذي يعبَّر عنه باصطلاح آخر "نظرية الشعر". وإلى هذا المفهوم ينتمي كتاب "الشعرية" أو "فن الشعر" لأرسطو، وكتاب "بنية اللغة الشعرية" لجون كوهن.

4- الخصائص الجمالية الفنية التي تمنح الأعمال الأدبية، بل الفنية عموما، بل حتى غير الفنية، قدرتها على التأثير والإمتاع والإثارة؛ وهي المقصود بما أطلق عليه ميكال دوفران "Le Poètique" (43).

5- العلم الذي يبحث في أسرار الجمال الأدبي في مختلف الفنون اللفظية، دون تمييز بين شعر ونثر، وبين قصيدة وقصة ومسرحية ورواية.. وهو العلم الذي يُعبَّر عنه باصطلاح آخر "الأدبية"، ويقترح علينا عبد الملك مرتاض أن نصطلح عليه بـ"الشعريات"؛ لأنه لا يخص شعرية الشعر، بل يعم شعريات عديدة.

فهل يُعقل أن تكون هذه المفاهيم جميعا هي الدلالات الشرعية لمصطلح "الشعرية"؟ وهل بلغ الشعر من السحر والجاذبية والجلال والقدسية بحيث يدّعي كل مؤلف للونٍ من الفن أنه قريب منه موصول به، ويحرص كل كاتب وفنان على شرف الانتماء إليه؟

إن المفاهيم الثلاثة الأولى، وأخص الأوليين منها، ذات صلة مكينة بالدلالة اللغوية والاصطلاحية المتفق عليها لمصطلح "الشعر" الذي هي منسوبة إليه ومشتقة منه. وإذا كان لابد من أن يستقل كل مصطلح بمفهومه، كما هي توصيات المجامع اللغوية(44)، فإني أرى أن الأوْلى هو أن تطلق "الشعرية" على المفهوم الأول، -ولا مانع من دلالتها على الثاني، ثم يتولى السياق تمييز المعنيين-، و"عمود الشعر" على الثاني، و"علم الشعر" أو "نظرية الشعر" على الثالث، بدل الخلط الذي يحدث الالتباس، فيصوّر الشعرية وكأنها هي النقد الأدبي للشعر. 

أما المفهومان الأخيران فما أحرانا، إن كنا نريد أن ندقق في الاصطلاح، ونشعر بالمسؤولية إزاء اللغة والعلم والأجيال التي تقرأ لنا وتأخذ منا، أن نفك صلتهما بمصطلح "الشعرية" وكذلك "الشاعرية"(45)، فنستعمل للمفهوم الرابع مصطلح "الأدبية" إذا تعلق الأمر بالأدب، و"الجمالية" إذا تعلق الأمر بعموم الجمال. ونستعمل للخامس مصطلح "علم الأدب"، أو "نظرية الأدب" – كل في مقامه المناسب-، وكفى الله النقاد والأدباء والباحثين الجدال.

هذا إذا كانت الشعرية نسبةً إلى الشعر كما يفهمه العرب فنا عريقا معروفا متميزا عن النثر. أمّا إذا كانت الشعرية نهباً مُشاعا للأدب، وربما للفن؛ فشعريةٌ للشعر، وشعرية للقصة، وشعرية للرواية، وشعرية للمقالة، وشعرية للمقامة، وشعرية للوحة الزيتية أو المائية.. ولذلك سمّى الفرنسيون مجلتهم الخاصة بالنظرية والتحليل الأدبي عموما لا الشعر وحدَه "Poètique"، فإن ذلك شأنٌ يعني الفرنسيين ومن يدين لهم بالولاء ويشاركهم الانتماء، ولسنا ملزَمين بأن نذهب مذهبهم في توزيع الشعرية على كل أجناس الأدب، ليحل مصطلح "الشعرية" محلَّ المصطلح المناسب "الأدبية"، ثم يحصل الخلط والاضطراب؛ فإذا بـ"الشعرية" أعمّ من "الأدبية" عند قوم، وأخصّ منها عند آخرين(46)، وإذا بقول عبد الملك مرتاض إن ""الأدبية" أعم وأشمل من "الشعرية"، بله "الشاعرية"."(47) يؤخذ كما لو أنه مخالفة للصواب الذي استقر عليه القوم أو أوشكوا أن يستقروا. وإذا بهذه المخالفة تحتاج إلى تفسير؛ وهو "أن عبد الملك مرتاض إنما يقوم بتعريب المفهوم الغربي، ويعيد صياغته بثقافة عربية صافية، مستنطقا السؤال الكامن في أعماق القارئ العربي الذي لم تسمعه ذاكرته التراثية يوما أن الشعر يمكن أن يكون أشمل من الأدب، لأن التقاليد الثقافية العربية القائمة على معادلة (الأدب= الشعر + النثر)، تتأبى أن تجعل الأدب جزء من الشعر."(48) بينما كان يجب أن يكون هذا هو الموقف من قبل جميع النقاد والباحثين العرب؛ إذ المطلوب أن يضعوا للمفاهيم العربية مصطلحات عربية مثلها، وأن يمنحوا للمصطلحات العربية مفاهيم عربية مثلها، لا أن يملأوا مصطلحات عربية ضاربة بجذورها في أعماق الذاكرة بمفاهيم غربية أوسع منها لها خصوصيتها الغربية. لقد حق لنبيل سليمان أن يسأل، أمام إصرار الخطاب النقدي العربي المعاصر على نسبة كل جمال في اللغة وإثارة في الأسلوب إلى الشعر: "لم هذا الإصرار على استقاء المصطلح من كلمة "الشعر"؟ يستوي في ذلك من يوسع الشعرية ومن يضيقها (...) لماذا لا تكون الأدبية أو الجمالية أو سواهما مما لن يعجز ثراء ودقة اللغة الاصطلاحية أن تجود به؟"(49) ولنا سؤال آخر جدير أن يسأل في هذا المقام: وما الظن بلغة القرآن وأسلوبه المعجز في سحره وبلاغته وتأثيره؟ أهي شعرية أخرى تضاف إلى بقية الشعريات المبعثرة في كل اتجاه؟ وأيُّ السبيلين أهدى وأقوم في ضبط المصطلح وتحديد المفاهيم: أن تنسب إلى الشعرية كل لغة مشحونة بالعاطفة أو مغمورة بالجمال، بما في ذلك لغة القرآن التي نفى الله عنها صفة الشعرية، أم أن يحافظ كل فن وجنس وأسلوب على هويته المتميزة؛ فالشعر شعرٌ، والقرآن قرآنٌ، والنثر نثر، والسرد سردٌ، والسجع سجع، وفي كلٍّ خصائصُ جماليةٌ تتقاطع أحيانا وتتفارق أخرى، ولا يُسوّغ تقاطعها أن نصطلح على بعضها مصطلحا يخص واحدا منها لا غير؟

4. الأدب:

     لم يعانِ مصطلح "الأدب" ما عاناه مصطلح "الشعر" من التحريف والتمييع، ولكنه لم يسلم تماما من تأثير إغراء الحداثة، ولم يخلص كامل الإخلاص لجاذبية المعنى الذي كان وراء ارتباطه بمفهومه.

     إن مصطلح "الأدب" يستعمل اليوم، كما كان يستعمل قديما، بمفهومين متمايزين مستقل أحدهما عن الآخر كامل الاستقلال، هما:

1- المعنى الأخلاقي الذي يقصد به حسن السلوك ولطف المعاملة وارتقاء الذوق الاجتماعي؛ وهو المعنى الذي أشار إليه صاحب "التعريفات" في قوله: "(الأدب): عبارة عن معرفة ما يُحترز به عن جميع أنواع الخطأ."(50كما ورد قبل ذلك في "لسان العرب": "الأدَبُ: الذي يتأدّبُ به الأديبُ من الناس؛ سُمي أدبًا لأنّه يأدِب الناس إلى المحامـد، وينهاهم عن المقابـح."(51)

2- المعنى الاحترافي الذي يُقصد به الاختصاص بإجادة التأليف اللغوي في الشعر والنثر، واحتراف ذلك كتابةً وحسب، أو دراسةً وحسب، أو كتابةً ودراسة. وهو المعنى الذي تأخر الاصطلاح عليه بهذا المصطلح إلى العصر العباسي، واستقر الآن مفهوما لاختصاص تعليمي بعينه هو تعليم اللغة وما يتصل بها من تثقيف لملكة التعبير والفهم والتواصل، ومن تدريب على إجادة التأليف أو القدرة على فهمه وتحليله.

الذي يعنينا من مصطلح "الأدب" هو المعنى الثاني. والذي يعنينا مناقشته هو ما إذا كان مفهوم الأدب في الإدراك العربي المعاصر وفيا للجذر اللغوي الذي انحدر منه، وللمفهوم الاصطلاحي العربي القديم، وما إذا كانت نظريات الحداثة ومناهجها لم تضيّق مفهوم الأدب، ولم تُغرِ العرب بتضييقه وإعاقته عن أداء دوره في الحياة.

لستُ أبالغ حين أزعم أن العامة من العرب في الزمن المعاصر لا يكادون يدركون شيئا عن هذا "الأدب" الذي يحدثهم بعض أبنائهم أنهم يدرسونه. وأن بعض الذين يدركون شيئا إنما يدركون أن "الأدب" هو الانشغال بالشعر والقصة والعواطف دونما حاصل يعود على المجتمع بالغَناء. وليس يضر مصطلح "الأدب" أن يحول التخلف الثقافي دون إدراك حقيقته ودوره في الحياة، ولكن يضره أيما إضرار أن يكون إدراك أهله المتخصصين فيه المحترفين له أنفسهم إدراكا يغض من شأنه ويقذف به إلى عتمات الضياع.

كان الأدب في بداية العصر الحديث هو جملة الكلام الذي أجاد أصحابه تأليفه في شتى موضوعات الحياة وأغراض النفس والاجتماع. وكان الأديب هو المتميز بقدرته على التفكير والتعبير، والتخييل والابتكار، وغالبا ما يكون له شأن في مجتمعه، ودور في ترقية الأذواق وتغيير الأوضاع وتحريك الهمم إلى ما هو أعلى وأكرم. ثم انطوى ذلك الزمن؛ زمن العقاد والرافعي والزيات وشوقي وحافظ وطه حسين وأحمد أمين وسيد قطب.. وجاء زمن آخر الأدباء فيه هم الشعراء والقصاصون والدارسون لآدابهم لا غير؛ حيث الشعر رومنسية ورمزية وسريالية وبعض من القومية والواقعية، وحيث القصة أوار العواطف ونزوات التحرر وأهواء النفوس وصراع الطبقات وقليل من الهموم الفكرية والحضارية، وحيث الدراسة تفسير للمضمون وتحليل للبنية وتحصيل لحاصل وفق مناهج أخذ العربي يتعلمها عن الحداثة الغربية.. ثم جاء زمن آخر فإذا الفكر الحداثي يبسط سلطانه، والمناهج الحداثية تفرض هيمنتها، فإذا الأدب هو اللغة لذاتها لا لما تحمله من دلالة وتضطلع به من رسالة، وإذا الأدباء هم الذين ينشغلون بلعبة الكلمات وتأليف الخيالات المثيرة وابتكار الألعاب اللفظية البهلوانية السخيفة، وإذا الدراسات الأدبية هي التحليلات البنوية أو السيميائية لخطاب شعري أو سردي غير مفهوم، أو غير ذي عمق، أو غير ذي صلة بالحياة، تتكرر وتتكرر، وتعقد لها الندوات والمؤتمرات، والأدباء والدارسون لا تكاد تستقيم لكثير منهم جملة فصيحة على الأسلوب العربي الأصيل. فما الذي سينتج عن ذلك سوى أن يعتقد العامة أن "الأدب" هو ذلك النوع من الكلام الذي يشبه الفراغ، وأن الأدباء هم ذلك النوع من البشر الذين لا ينتجون ولا يفيدون المجتمع إلا ببعض ما يُحتمل أن يُعينه على قتل الوقت وتزجية الفراغ.

هل للحداثة أثر فيما حصل لمصطلح "الأدب" من تضييق وتحقير؟ وهل في المعنى اللغوي الذي انحدر منه مصطلح "الأدب" ما يدل على حصول تشويه أو حدوث تقصير؟

      نعم؛ إن الأدب (Littérature) في الثقافة الغربية يتصل بالأصل اللاتيني (Littératura) الذي يعنى المعرفة بفن كتابة الحروف. وإن هذا المفهوم قد تطور مرارا، وتقلب بين معاني إجادة التأليف ورقي الذوق والتعبير عن روح العصر والمجتمع، إلى أن بالغ الواقعيون في النزول به إلى خدمة القضايا الاجتماعية بعد انتشار فن الرواية، فكان رد الفعل على هذه المبالغة مبالغة في الاتجاه المعاكس: تجريد الأدب من أية منفعة سوى المتعة الفنية، ومن كل غاية سوى اللعبة اللغوية، ومن كل هوية غير الهوية الشكلية؛ فالشكلانيون يعرفون الأدب بقولهم: "هو تنظيم محـدَّد للغة. إنّ له قوانينه، وبناه وصنعاته النوعية الخاصّة، التي ينبغي دراستها في ذاتها وليس ردّها إلى أيّ شيء آخر. والعمل الأدبي ليس حمّالة أفكار، أو انعكاسا للواقع المادّي ولا هو تجسيد لحقيقة ما متعالية: إنّه واقعة مادية، ويمكن بالأحرى تحليل أدائه لوظيفته كما يمكن للمرء أن يفحص آلة. و هـو مؤلّف من كلمات، وليس من موضوعات أو مشاعـر، ومن الخطأ رؤيته كتَعْبِير عن رأي المؤلّف"(52). والبنويون يحتضنون هذا المذهب احتضانا كاملا؛ يقول رولان بارت: "ليس الأدب تواصلاً وإنّما لغة. وقلّما يجدُ الكاتب نفسه متورّطًا بوصفه كذلك في استعمال اللّغة منه في طريقة استعمالها. فالأدب أوّلا وقبل كلّ شيء نشاط شكلي"(53).

       ليس من شك في أن "الأدبية" في "الأدب" إنما هي شأن شكلي يتعلق بطريقة استعمال اللغة وأسلوب التعبير. ذلك ما ظل النقد العربي القديم يردده ويجادل عنه منذ الجاحظ وصولا إلى عبد القاهر والقرطاجني مرورا بجمهرة من النقاد وعلماء البلاغة(54). ولكن الفرق واسع بين الاعتقاد بأن أدبية الأدب التي تميزه عن غيره من الكلام هي في لغته المتصفة بالبلاغة أو الإثارة أو الجمال أو القدرة على الإمتاع أو غير ذلك من الصفات المعبرة عن قوة التأثير، والاعتقاد بأن الأدب لغة وليس تواصلا، وأن العمل الأدبي ليس حمّالة أفكار وموضوعات ومشاعر، ومن الخطأ رؤيته كتَعْبِير عن رأي المؤلّف.

     إن العربي لم يتصور اللغة إلا أداة للتواصل. ولم يتصور الأدب إلا ذلك اللون من الكلام الذي يشحن اللغة بمزايا أسلوبية تزيدها قدرة على التواصل. فمعلوم أن "الكلام بمختلف أنواعه ومستوياته يستهدف التواصل الإنساني. وعندما يتميز الكلام الأدبي بلغته المجازية ومنحاها الجمالي فلكي يعمق هذا التواصل ويضفي عليه أبعادا أوسع وسحرا أبلغ وأثرا من نوع خاص، وليس ليقطع هذا التواصل. وفي أشد حالات الأديب انعزالا وفردية وصدورا عن الحس الباطن والانفعال الطارئ أو الغامض فإنه لا يكاد يباشر الإبداع حتى يتبدى أمامه قارئ ما، فيراعي في صياغة أدبه الوصول إلى هذا القارئ، وتلك هي طبيعة الأشياء وفطرة الإنسان ووظيفة الكلمات، ولا يحتاج الأمر إلى فلسفة كبيرة."(55)

     وإذا صحّ للغربي أن يتصور الأدب مجرد بناء شكلي يتسم بمادية شبيهة بمادية الآلة، أو باستقلال عن الدلالة العاطفية أو الفكرية أو الاجتماعية كاستقلال المشهد الطبيعي عن هذه الدلالة، فإن العربي لا يصح له ذلك؛ ذلك أن الغربي لا يخون بذلك أصل الدلالة اللغوية للأدب (Littérature)، إذ هي الحرف (Lettre)؛ والحرف شكل ومادة. أما العربي فهو يخون هذا الأصل في لغته وحضارته، إذ هو معنى "الدعاء" أولا، ثم معنى رمزية الحس الإنساني وحسن الخلق متجسدة في الإطعام (المأدبة) ثانيا، ثم معنى حسن الخلق مطلقا (أدّبني ربي فأحسن تأديبي)، ثم معنى رواية الأشعار والأخبار المحفزة على المروءة ومكارم الأخلاق، ثم معنى تعليم أولاد الخاصة فنونا من علوم العرب كالخبر والشعر والعربية ونحوها مما يحصل به معرفة ما يحترز به عن جميع أنواع الخطأ، ثم نشأ من كل ذلك المعنى الاصطلاحي(56) المستقر إلى الآن: "الإجادة في فنَّي المنظوم والمنثور"، والاستعانة على ذلك بجمع "ما عساه تحصل به الملَكة، من شعر عالي الطبقة، وسجع متساوٍ في الإجادة، ومسائل من اللغة والنحو مبثوثة أثناء ذلك متفرقة يستقري منها الناظر في الغالب معظم قوانين العربية، مع ذكر بعض من أيام العرب ليفهم به ما يقع في أشعارهم منها، وكذلك ذكر المهم من الأنساب الشهيرة، والأخبار العامة". وهو التعريف الذي وضعه ابن خلدون، وختمه بقوله: "ثم إنهم إذا أرادوا حدّ هذا الفن قالوا: الأدب هو حفظ أشعار العرب وأخبارها والأخذ من كل علم بطرف."(57)

       نعم؛ إن المعنى الاصطلاحي للأدب عند العرب قد استقل عن معناه اللغوي، إذ ليس يُشترط في الأدب أن يكون حاملا أدبا، ومتصفا بحسن الخلق، وداعيا إلى المكارم، وملتزما بمضمون معيّن. ولكن واقع الأدب والأدباء إلى أواسط هذا العصر الحديث ظل يؤكد أن الأدب هو التميز بإجادة التفكير والتعبير، والاضطلاع بمهمة التهذيب والتغيير، علاوة على مهمتي الإمتاع والتأثير. وأن الأديب ليس صانع أشكال ولاعب مهارات لفظية وصاحب شطحات خيالية، بل صانع أفكار أيضا، وحامل قيم، وصاحب تجربة في المجتمع وفلسفة في الحياة. وهو ما يعني أن "الأدب" ظل وفيا لمعناه اللغوي رغم استقلاله عنه، لذلك ظل لكلمة "أديب" رنين في النفوس عجيب. أما الآن فقد وقع مصطلح "الأدب" تحت إغراء الحداثة التي حاولت أن تجره إلى لعبة الشكل، وتجرده من صلته بالمجتمع ودوره في الحياة، فصار طبيعيا أن يُنظر إلى الأدب والمنشغلين به كما يُنظر إلى لعبة للتسلية وتزجية الفراغ.

 

5. النص:

     لم يعد مصطلح "النص" في الاستعمال العربي المعاصر موضع إشكال؛ فقد قر به القرار، واستقر له المكان، واستتب له القبول والتداول، فاتخذ له في الخطاب كله، بما في ذلك الخطاب المدرسي، مقام المقابل الشرعي والوحيد لمصطلح (Texte) في اللغة الفرنسية (وText في الإنجليزية)، وصار مألوفا جدا أن نقرأ أو نسمع هذه التراكيب الوصفية: النص الشعري، النص النثري، النص السردي، النص الأدبي، النص القرآني، النص الديني، النص الفلسفي، النص المفتوح.. وهلم جرا.

        استتب الأمر، إذن، لمصطلح "النص" مقابلا لمصطلح "Texte" في الثقافة الغربية، وصار العرب يخوضون في "مفهوم النص" وإشكالاته وأشكاله ما بين مفتوح ومغلق، وموضوع ومحمول، وشعري ونثري.. وليس في أذهانهم سوى ذلك الذي أطلق عليه الغربيون مصطلح "Texte" مشتقا من لغاتهم التي تعطي أمها اللاتينية لـ "Textus" معنى النسج ولـ " Texere" معنى نسج؛ فيكون "النص"، باصطلاحنا نحن المعاصر، هو عندهم "النسج": نسج اللغة لتصير كلاما، ونظم الكلام ليحمل رسالة أو يقدم لذة أو يجمع بين الإفادة والمتعة، أو غير ذلك مما هو من أغراض من ينسج الكلمات وينظم بعضها إلى بعض في سبيل الدلالة على معنى معين، أو ربما في سبيل اللعب والتجريب الشكلي لا أكثر.

      الغربيون يعنون بما نترجمه نحن إلى "النص" النسج. وهم مصيبون في ذلك؛ إذ الكلام من اللغة بمنزلة النسج من مادته، وهو يحتاج إلى قصد واختيار وجهد، وهو يتفاوت في قيمته النفعية والجمالية وما يقتضيه من الخبرة والجهد والموهبة كما يتفاوت النسج. وقديما كان الجاحظ يعدّ الشعر ضربا من النسج(58). وفي "أساس البلاغة" ورد قول الزمخشري: "والشاعر ينسج الشعر: يحوكه."(59). فتسمية ما ينظمه الشاعر وما يكتبه الكاتب وما يخطبه الخطيب وما يؤلفه المؤلف، مما يكتمل له معنى وينتظمه إطار يحده، تسمية ذلك نسجا تسميةٌ موفقة موافقة للطريقة التي تتم بها الوظيفة الكلامية مطلقا، والأدبية منها على وجه الخصوص. ولكن العرب القدامى "لم تتوغل بهم طرائق التفكير إلى ترويج هذا المعنى، لعدم اهتدائهم إليه في تنظيراتهم التي انتهوا إليها."(60) وأما النقاد العرب المعاصرون فلم يخطر في بالهم أن يصطنعوا مصطلح "النسج" بدل "النص"، مع أنه "هو الأولى بالاستعمال، والأدنى إلى الاشتقاق، والأنسب بالوضع."(61)

فهل اصطناع العرب المعاصرين مصطلح "النص" مقابلا لـ "Texte" على شيء من التوفيق؟ وهل المفهوم الذي أعطاه العرب المعاصرون لمصطلح "النص" وفيّ للدلالة اللغوية للنص؟ وهل الحداثة مسؤولة عن اصطناع هؤلاء مصطلح "النص" بدل "النسج" أو غيره مما يمكن أن يكون أوفق بالدلالة وأوفى للمعنى وأنسب للوضع؟

أما السؤال الأول فجوابه متصل بالجواب عن السؤال الثاني. وأما جواب السؤال الثاني فهو أن مادة "النص" في لسان العرب ضعيفة الصلة بهذا المفهوم المعاصر للنص؛ ذلك أن المعاجم العربية تجمع على أن تركيب (ن ص ص) يدل على الارتفاع والظهور والبلوغ من الشيء أقصاه. قال ابن منظور: "النصُّ: رفعُكَ الشيء. نصَّ الحديثَ ينصُّه نصا: رفَعَه. وكل ما أُظهِرَ، فقد نُصَّ. وقال عمرو بن دينار: ما رأيتُ أنصَّ للحديث من الزهري، أي أرفعَ له وأسند. يقال: نصَّ الحديثَ إلى فلان، أي رفَعَه، وكذلك نصصْتُهُ إليه. ونصت الظبية جيدها: رفعته. ووُضِع على المنصة أيْ على غاية الفضيحة والشهرة والظهور. والمنصة: ما تُظهَرُ عليه العروس لتُرى. (...) ونصّص الرجل غريمه إذا استقصى عليه. وفي حديث هرقل: ينصُّهم، أي يستخرج رأيهم ويُظهره، ومنه قول الفقهاء: نصُّ القرآن، ونصُّ السنّة، أي ما دلّ ظاهر لفظهما عليه من الأحكام."(62)

فواضحٌ أنه لا دلالةَ للنص في لسان العرب على النسج والنظم واللغة والكلام، وأن العلاقة الوحيدة بين النص والكلام هي رفعه إلى صاحبه وإسناده إليه أو إظهار ما يتضمنه من الرأي والحكم. ولذلك كان أقصى تطور بلغته دلالة النص في تراثنا العربي، مما له صلة بالكلام، هو قول صاحب "التعريفات": "(النص): ما ازداد وضوحا على الظاهر لمعنى في المتكلم، وهو سوْق الكلام لأجل ذلك المعنى، فإذا قيل: أحسنوا إلى فلان الذي يفرح بفرحي ويغتمّ بغمي، كان نصاً في بيان محبته. و ما لا يحتمل إلا معنى واحدا. و قيل: ما لا يحتمل التأويل"(63)

    كأنما "النص"، فيما بلغه من التطور الدلالي، هو إصدار الحكم القاطع، وإظهار المعنى الذي يقصده المتكلم حتى لا مجال لتأويل. ولذلك جاءت العبارة الأصولية المعروفة "لا اجتهاد مع النص"؛ أي إذا دلّ الكتاب أو السنة على حكم معين دلالة واضحة صريحة قاطعة لا تقبل التأويل، فإنه لا مجال لمجتهد أن يجتهد في مخالفة النص. وليس القرآن كله نصا، ولا السنة؛ وإنما النص ما كان قاطع الدلالة لا يحتمل التأويل. وقد ورد في "المعجم العربي الأساسي" أن النصّ "ما لا يحتمل إلا معنى واحدا أو لا يحتمل التأويل."(64) ولكن المعجم معاصر، ولذلك أضاف مفهوم "النص" عند الأدباء، وهو "أثرٌ مكتوب شعرا أو نثرا" واستشهد على ذلك بقولهم: "مختارات من النصوص الأدبية"(65). والسؤال المشروع في هذا المقام: هل يستقيم الجمع بين دلالتين متناقضتين في مصطلح واحد؟ فمعلوم أن كثيرا من "النصوص" –خاصة ما كان منها أدبيا- يحتمل أكثر من معنى، ويقبل أكثر من تأويل؛ بل إن المنظرين للنص الأدبي يرون انفتاحه على دلالات عديدة، واستقلاله عن صاحبه وقصده، من شروط أدبيته ونصيته. ذلك ما يقول به رولان بارت في هذه النقاط التي ينقلها عنه صلاح فضل:

"1- في مقابل العمل الأدبي المتمثل في شيء محدد نقترح مقولة النص التي لا تتمتع إلا بوجودمنهجي وحسب، وتشير إلى نشاط؛ إلى إنتاج. وبهذا لا يصبح النص مجربا كشيء يمكن تمييزه خارجيا، وإنماكإنتاج متقاطع، يخترق عملا أو عدة أعمال أدبية.‏

2 -النص قوة متحولة، تتجاوز جميع الأجناس والمراتب المتعارف عليها، لتصبح واقعا نقيضايقاوم الحدود وقواعد المعقول والمفهوم.‏

3 -يمارس النص التأجيل الدائم، واختلاف الدلالة، إنه تأخير دائب. فهو مبني مثل اللغة، لكنه ليس متمركزا ولا مغلقا، إنه لا نهائي، لا يحيل إلى فكرة معصومة بل إلى لعبةمتنوعة ومخلوعة.‏

4 - إن النص وهو يتكون من نقول متضمنة، وإشارات وأصداء للغات أخرى وثقافات عديدة تكتمل فيه خريطة التعدد الدلالي. وهو لا يجيب على الحقيقة وإنما يتبدد إزاءها.

5- إن وضع المؤلف يتمثل في مجرد الاحتكاكبالنص. فهو لا يحيل إلى مبدأ النص ولا إلى نهايته. بل إلى غيبة الأب، مما يمسح مفهوم الانتماء.

 6-النص مفتوح، ينتجه القارئ في عملية مشاركة، لا مجرد استهلاك. هذه المشاركة لا تتضمنقطيعة بين البنية والقراءة، وإنما تعني اندماجهما في عملية دلالية واحدة، فممارسةالقراءة إسهام في التأليف"(66)

          فإذا كان الأمر كذلك، فإن إطلاقنا على الكلام الواضح المتحدد المعنى؛ كالكلام الذي في القوانين، وفي الكتب المقدسة حيث الأحكام الشرعية الواضحة القاطعة، مصطلحَ "النص"، خاطئ لا محالة، في نظر رولان بارت ومن يوافقه من النقاد العرب. وفي المقابل: إن إطلاقنا مصطلح "النص" على الكلام الغامض، المتعدد الدلالة، غير الصريح، القابل لتأويلات وقراءات عديدة، هو إطلاق مجانب للصواب، مخالف لأصول الدلالة العربية، خائن للمعنى الصحيح الأصيل للنص عند العرب. وإذا كان الأصوليون قد أطلقوا تلك القاعدة المشهورة "لا اجتهاد مع النص"، فكيف يفهم القارئ العربي المعاصر هذه العبارة، من بعد ما ارتبط مصطلح "النص" في ذهنه بـ"صيغة الكلام الأصلية كما وردت من المؤلف"(67) كما ورد في المعجم العربي الأساسي، أو بالآثار المكتوبة عموما أدبية كانت أم غير أدبية؟ أليس يحق له أن يفهمه بمعنى أن أي قضية لها حضور في الكتاب أو السنة لا اجتهاد معها ولو كان هذا الحضور ملتبس المعنى قابلا للتأويل؟ وهل يكون هذا الفهم صحيحا والذين أطلقوا العبارة ما كانوا يعنون بالنص هذا المعنى الجديد؟

    إنها لمشكلة ينبغي أن تحل بأحد السبيلين: إما أن نتخلى عن المعنى القديم للنص، ثم نتولى إفهام الناس أن العرب القدامى كانوا يعنون بالنص غير ما نعنيه نحن في الزمن المعاصر، حتى لا نخطئ فهم عبارات لهم ذات خطر وشأن، وهي تضحية بالأصيل في سبيل غير الأصيل. وإما أن نكف عن إطلاق مصطلح "النص" مقابلا لمصطلح "Texte"، ونحاول استبداله بمصطلح أدق وأنسب، من بعد أن شاع واستقر وطاب له المقام؛ فهي معضلة من المعضلات العظام.

  بقي أن نجيب عن السؤال الثالث: وهل الحداثة مسؤولة عن اصطناع هؤلاء مصطلح "النص" بدل "النسج" أو غيره مما يمكن أن يكون أوفق بالدلالة وأوفى للمعنى وأنسب للوضع؟

       ونستعين على الجواب عن هذا السؤال برأي لعبد الملك مرتاض، يقرر فيه أن الرعيل الأول من النقاد العرب المعاصرين (طه حسين والزيات والعقاد والمازني..) كانوا يعيشون في عصر يقع ما قبل ثورة الحداثة التي انتجت الكلف الشديد بالنص الأدبي معزولا عن مؤلفه وسياقه، فما كان لهم أن يأبهوا بهذه القضية. و"أما الرعيل الثاني من النقاد العرب المعاصرين فقد درجوا على الانطلاق إلى الفكر النقدي الغربيّ يعُبون فيه عبَّ الصِّداء إلى الماء الزلال في البيد المقفرة؛ فكنت تراهم حين يطلقون مصطلحا من المصطلحات النقدية لا يكادون يحاولون البحثَ فيما إذا كان موجودا بلفظه، أو بمعادله المعنوي، في التراث العربي الذي لا يلقى منهم إلا قليلا من العناية، فيما يبدو."(68) 

وهو رأي وجيه، يحمّل الحداثة بما تغري به أتباعها من العرب حتى لتلهيهم عن ذواتهم وتصرفهم عن تراثهم، مسؤولية هذا العجز عن اصطناع مصطلح دقيق وفيّ لأصوله العربية، ليقابل مصطلح "Texte" عند الغرب. وإنه لعجز فادح، لا يشفع لأصحابه أن المصطلح قد كُتب له النجاح، فصار متداولا بمفهومه الجديد عند الخاصة والعامة، حتى لا إمكان لزحزحته وتبديله إلا بمشقة شديدة وتضحية جسيمة.

6. التناص:

     "التناص" مصطلح جديد، لم تعرفه العربية على امتداد تاريخها الطويل. وهو مشتق من "النص" لا بالمفهوم العربي الأصيل، ولكن بالمفهوم المقابل لمفهوم مصطلح "Texte" عند الغرب؛ وقد أثبتنا انحراف هذا المفهوم عن الدلالة العربية لمصطلح "النص".

      ما تأسس على باطل فهو ، إذن، باطل. ولكن دعنا من مناقشة المصطلح من هذه الجهة؛ فقد ناقشناه، وقد أقررنا في نهاية المناقشة أن المصطلح قد استقر وشاع واستتب له الأمر حتى لا مجال لزحزحته. لنناقش المصطلح من جهة ثانية: جهة دلالة الصيغة على المفهوم؛ هل هي صحيحة ووافية بالغرض؟

معلوم أن "التناص" هو ما اصطنعه العرب المعاصرون مقابلا  لـ"Intertexte" أحيانا، ولـ"Intertextualité" أحيانا أخرى(69)،وكُتب له التدوال والشيوع خلافا لمصطلحات مقابِلة أخَر. ومعلوم أن المفهوم المقصود بهذا المصطلح هو حضور نصوص قديمة (بمعنى سابقة، بغض النظر عن مدة السبق) في نصوص حديثة (بمعنى لاحقة، بغض النظر عن زمن اللحوق)، أيّاً يكن نمط هذا الحضور ومستواه وحجمه وحظه من الدلالة على رذيلة السرقة أو النسخ أو التقليد أو فضيلة الاستفادة أو الحوار أو الإبداع. ومعلوم أيضا أن هذا المفهوم كان محل اهتمام واسع ودراسات مستفيضة، باصطلاحات مختلفة، في تراثنا النقدي العربي، حتى أوشك أن يقتله بحثا. ومعلوم كذلك أن النقد العربي المعاصر بدأ نافرا من موضوع "السرقات الأدبية" (وهو المصطلح العربي الجامع لهذا المفهوم)، بل مستهجنا له أحيانا؛ لما التبس به من الدلالة على جمود النقد العربي عند قضايا محددة لا يعدوها، فلم يأبه به وينصرف إليه، مترجما ومنظرا ومحللا، إلا عندما ورد عليه من جهة الغرب في صورة الاكتشاف العظيم والفتح الكبير في نظرية النص ونظرية الأدب وحقل الثقافة بوجه عام!!

أثر الحداثة في اهتمام النقاد العرب المعاصرين بهذه الظاهرة الطبيعية الثقافية الكلامية واضح لا غبار عليه؛ فقد آمن جم غفير من هؤلاء  بأن الحداثة الغربية هي القدر المحتوم الذي لا يصح أن نفر منه إلا إليه. وأن الغرب هو مصدر الإشراق والنور؛ فلا يخوض في قضية إلا وهي جديرة بالاهتمام، ولا ينجز نظرية إلا وهي قمينة بأن تصدّق فتستورَد فتُتبنى، ولا مصطلحا إلا وهو حقيق بأن يُحتفى به فيُترجم فيُتداول، ولو دون مراعاة أصالة الترجمة، ودون استشارة اللغة العربية في مدى موافقة الترجمة لأصولها في الدلالة والاشتقاق والصرف. وللحداثة أثر آخر في اصطناع هؤلاء مصطلح "التناص"، ليس واضحا، بل عليه غبار نحب أن نكشفه الآن بمناقشة مدى وفاء هذا المصطلح العربي الجديد بالدلالة على مفهوم معروف قديم.

لنسلم بأن مصطلح "النص" مضطلعٌ بمهمته كفيلٌ بمفهومه وفيٌّ لهويته العربية –وهو ليس كذلك كما أسلفنا-، فما القول في مصطلح "التناص"؟

 هو تصريف للنص على مقتضى صيغة المشاركة والتفاعل. هو في منزلته من "النص" بمنزلة "التحابّ" من "الحب"، و"التوادّ" من "الود"، و"التضادّ" من "الضد"، و"التضامّ" من "الضم". فما الذي يُفهَم من "التحابّ" و"التوادّ" و"التضادّ" و"التضامّ"؟  إنما يُفهَم الدلالةُ على أن فعل "الحب" و"الود" و"الضمّ" قد اشترك في تحصيله اثنان أو أكثر على جهة التناظر والتبادل والتفاعل؛ فإذا قلنا للناس تحابّوا، وللمتفرقين تضامّوا فمعنى ذلك: ليحب كل منكم غيره، وليضم كل منكم سواه إليه؛ فيكون كل منكم قد صدر عنه الفعل وشارك فيه. وهكذا كل صيغة جعلها العرب دلالة على المشاركة والتفاعل مثل "تخاطبَ" و"تضاربَ" و"تلاسنَ" و"تحاربَ" و"تسامحَ" و"تخاصمَ"؛ ففي كلٍّ لابد من أن يكون كلا طرفَيْ المشاركة فاعلا ومفعولا في آن، لا أن يكون أحدهما الفاعلَ والآخرُ المفعول.

نستنتج من ذلك أنه لا يصح لنا أن نقول، على سبيل المثال: "إن بيننا وبين أسلافنا الصالحين علاقة توادّ عميقة"، بل نقول "إننا نكنّ لهم مودة عميقة"؛ لأن فعل "الود" صدر من جهتنا فقط لا من جهتنا وجهتهم كذلك. ولا يصح لنا أن نقول: "لقد تخاصم الرجلان ثم تسامحا بعد رحيل أحدهما عن الدنيا"؛ لأن فعل المسامحة إنما حصل من أحدهما دون الآخر. فكذلك لا يصح أن نقول عن شاعرين أخذ أحدهما عن الآخر إنهما "تناصّا"؛ لأن أحدهما هو وحده الذي أخذ من الآخر بعضا من "نصه"، وأما الآخر فلا فعل له في القضية. أيصحّ أن نقول، على سبيل المثال: "إن أحمد شوقي يتناص في هذه القصيدة مع ابن زيدون"، مع أن ابن زيدون قد غادر الدنيا منذ زمن طويل، وليس له أدنى علاقة بشوقي وقصيدته تلك؟ لا "تناصَّ" هنا –إذا أردنا أن نتكلم بمقتضى أصول اللغة العربية- بل هو أخذٌ أو نسخٌ أو محاكاة أو معارضةٌ أو استيحاءٌ أو اشتراكٌ أو تواردٌ للخواطر (وقعٌ للحافر على الحافر) أو غير ذلك من ألوان الاشتراك التي تحدث بين الكتاب والأدباء، بل المتكلمين عامة.

يمكن أن يقال هنا: إن التناص يقصد به ظاهرة التقاطع الحاصل بين نصوص مختلفة دون نظر إلى فعل الأخذ والتأثر قصديا كان أم غير قصدي. ففعل التناص منسوب إلى النصوص لا إلى أصحابها، والنصوص تتقاطع مضمونا وشكلا لأنها تأخذ من مادة واحدة هي اللغة، ومن معين واحد هو المشترك الفطري أو الثقافي، الفكري والشعوري؛ فالتناصّ هو ما يحصل بين النصوص مطلقا من تشابه علته الاشتراك الطبيعي أحيانا، والتأثر غير الواعي أحيانا، والأخذ الواعي أحيانا أخرى. وما يُهمّ في دلالة المصطلح هو حصول التشابه والتقاطع لا تحديد الآخذ والمأخوذ منه، والمؤثر والمتأثِّر. وهذا قول على قدر من الوجاهة لا يُنكر، وقد يكون أوفى للمفهوم الغربي للمصطلح، وللفلسفة التي ينبثق منها ويعبر عنها؛ وهي نفي الفعل والملكية والانتماء والأصل والأثر والسلطة والمركز؛ فالكل وهمٌ، ولا نصَّ ولا مؤلّفَ ولا أصلَ، بل الكل متقاطع متداخل ذائب بعضه في بعض. وهي فلسفة مبالَغ فيها، وتتناقض مع مبدأ الإبداع الذي هو شعار الحداثة الغربية، وتقود إلى نتيجة عقيمة؛ هي أنه لا داعي إلى الخوض في موضوع التقاطع النصي؛ فهو ظاهرة طبيعية حتمية. ولا داعي إلى الحديث عن المؤلف؛ إذ كل نص له مؤلفون كثرٌ فلا تأليف ولا بكارة. بينما يتجه التصور العربي لهذه الظاهرة نفسها اتجاها آخر أكثر نفعا وجدوى، قوامه التمييز بين أنماط الاشتراك ومستوياته، ونسبة الفعل لصاحبه حين يقتضي الأمر ذلك، حتى تتحدد المسؤوليات، وتتمايز الأعمال والإنجازات، ولا يرمى كل شيء في سلة "التناص" قدرا نازلا محتوما لا تصرف إزاءه، ولا مسؤولية وراءه، كأنما لا إرادة للإنسان ولا قصد ولا اختيار!

الفلسفة العربية تطلق على ظاهرة "الاشتراك" اللفظي والمعنوي (الأسلوبي والمضموني) بين النصوص مصطلحات مختلفة حسب علة الاشتراك ونمطه ودرجته. والفلسفة العربية تميز بين اشتراكٍ هو ناتجُ النهلِ من مادةٍ واحدة ومعينِ واحد، فهو تداخل طبيعي لا قصد فيه لأحد، ولا فضل فيه لسابق، ولا حاجة فيه إلى أن يُتَّخَذ موضوعا لدرس، وبين اشتراك هو حاصل قصد لقاصد، أو ناتج رصد لراصد، أو ثمرة حصد لحاصد؛ فينبغي أن يُنظر: هل كان القصد نبيلا أم خبيثا؟، وهل كان الرصد شريفا أم لئيما، وهل كان الحصد جزيلا أم نحيلا؟.. والفلسفة العربية لا تجعل كل أنواع الاشتراك في سلة واحدة، وتحت مصطلح واحد، بل تميز كل نمط بمصطلحه، وتنسب ما كان من الاشتراك أخذا إلى فاعله؛ فلا تسميه تقاطعا أو تداخلا أو تشاكلا أو تماثلا أو تواردا.. بل تسميه سرقة، أو أخذا، أو انتحالا، أو نسخا، أو سلخا، أو اقتباسا، أو اصطرافا، أو حذوا، أو تقليدا، أو اتباعا، أو إفادة، أو معارضة، أو توليدا، أو تلفيقا، أو استعارة.. وإذا شئنا الإيجاز: تسميه أخذا سيئا أو أخذا حسنا؛ ولكل دلائله ومعاييره.

في نسبة الفعل إلى فاعله تحميلٌ للاحق مسؤوليةَ أخذه عن السابق؛ فيظهر إن كان أَخَذ أخْذَ المقتدرين المبدعين أم أخْذ المنتحلين المقلدين. وتشجيعٌ للأدباء، والكتاب عموما، ليجتهدوا في استثمار ما حصدوا، وفي استملاك ما رصدوا؛ بأن يتركوا فيما كتبوا من نصوص بصماتٍ تدلّ عليهم، وعلاماتٍ تشير إليهم، لا أن يكونوا مجرد صفحة لتداخل النصوص. وفي تسمية ما كان من العام المشترك، لفظا أو معنى، تواردا، وتمييزِه عن الأخذ، تبرئةٌ للكتّاب من تهمتَي السرقة والتقليد، وتوسعةٌ على الأدباء في طريقهم إلى التجديد المفيد؛ فليس التجديد المطلوب أن تأتي بما لم يأت به الأوائل ولو كان سمجا قميئا، ولكنه الإتيان بلون جديد وإحساس طريف وفكرة لافتة، ولو في موضوع تليد.

لذا نُصر على أن "التناص" ليس مصطلحا وافيا بالمفهوم الذي يُراد أن يضطلع بحمله، ولا وفيا للدلالة العربية لـ"النص" ولصيغ المشاركة والتفاعل. إن "التناص" يصح –على مضض- في حالة واحدة؛ هي الحديث عن الاشتراك الطبيعي العفوي بين النصوص، وهذه حالة لا تستدعي ضجيجا نقديا ولا جلبة تنظيرية ولا جهدا مجهدا في البحث والاصطلاح وترجمة المصطلح. أما الحالة التي هي جديرة بالتنظير والبحث، والتفصيل والتدقيق، فهي حالة الأخذ الواعي أو شبه الواعي للاحق من السابق؛ فهي التي ينبغي أن تدرس ميدانا لتلاقح النصوص وتراكم الخبرات واستعراض المهارات؛ ليُفصَل بين التقليد والتوليد، وبين الإغارة والإفادة، وبين "الاجترار" و"الامتصاص" و"الحوار"، على حد اصطلاح محمد بنيس(70).

كما أخطأ النقد العربي القديم حين أطلق مصطلح نوع من الأخذ هو "السرقة" على الأخذ مطلقا تحت عنوان كبير جامع هو "السرقات الأدبية" –وإن كان كثير من النقاد الكبار تجنبوا هذا المصطلح الثقيل-، فكذلك أخطأ النقد العربي المعاصر حين أطلق مصطلحا يمكن أن يدل على نوع من الاشتراك، هو الاشتراك غير المقصود، على مطلق الاشتراك؛ فميّع الموضوع، وجعل الدراسات تتوالى وتتكرر حاملة عنوان التناص، فتُشعر أصحابَها أنهم على شيء لأنهم "حداثيون" ويستعملون مصطلحا "حداثيا"، وما هم في الحقيقة إلا طارقون موضوعا قديما بغير ذوق القدامى الرفيع، واقتدارهم اللطيف على التمييز بين وجوه الأخذ والانتباه إلى خفيّ التأثر والإفادة. ولست أرى صحيحا ما رآه يوسف وغليسي حين ربط المفهوم الغربي للتناص بالدلالة على السمة الجمالية للنصوص المنتجة المخصبة، وربط المفهوم العربي القديم له بالدلالة على الفعل السلبي المشين أدبيا وأخلاقيا(71)؛ فإن المفهوم الغربي لم يهتم بجمالية التناص وإبداعية النصوص قدر اهتمامه بجبرية وقوع الكتاب في قدر التناص وضيق مساحة الأصالة والتميز، كما أن المفهوم العربي القديم لم يهتمّ بالحمل على الكتاب واتهامهم بالسرقات بقدر ما اهتم بالدفاع عنهم والاحتجاج لهم، بالاجتهاد في التمييز بين الخاص والعام، وبين السرقة والأخذ، وبين الأخذ الحسن والأخذ السيء.

إن دراسة الاشتراك المقصود تحت عنوان السرقة أو الأخذ أو التقليد أو المعارضة أو الإفادة أو التوليد أو الامتصاص أو الحوار، هي أولى وأجدى من دراسته تحت عنوان التناص. لأن الأول يضبط طبيعة الظاهرة، ويدقق وصفها، ويحمّل صاحبها مسؤوليتها، وأما الثاني فهو يُخفي تفاصيلها، ويتستر على أصحابها، وقد يكون في ذلك تشجيع على الانتحال والتقليد باسم "التناص"، فيؤدي ذلك إلى الوقوع في خطأ اصطلاحي أفدح هو "التلاصّ"(72)؛ فأي مسلك في العربية سلكه هذا المصطلح حتى حق له أن يكسب الشرعية؟ أيعمد أحدنا إلى التلصص على أعمال الآخرين ثم يستخدم فعلا بصيغة المشاركة ليوهمنا أنه يتبادل فعل التلصص مع المسروقين؟ لا. ليس هكذا توضع المصطلحات العلمية.  إننا نصطنع كثيرا من المصطلحات بقليل من المسؤولية. إن عربيتنا لا تقبل "تناصّا" ولا "تلاصّا"، ولا أدري أتلاصٌّ أم تناصٌّ هذا الذي يحدث بيننا وبين الغربيين، فيجعلنا تبعا لهم حتى في المفاهيم التي خضناها قبل أن يخوضوها، وقتلناها معرفة قبل أن يعرفوها!؟

7. الإبداع:

      "الإبداع" مصطلح قديم، ولكن الحداثة نفخت فيه من روحها، ثم ادّعت أنه هو جوهرها وروحها، فكثر تداوله لغة واصطلاحا، ممارسة وشعارا، وكان حظ العرب من تداوله وفيرا؛ ولكن شعارا لا ممارسة، ووهما لاحقيقة.

       ولمّا كان الإبداع هو روح الحداثة، وكان العرب كلِفين بالحداثة، فقد وجب أن يهتموا بالإبداع، ووجب على نقاد الأدب أن يلزموا الشعراء والقصاصين والمسرحيين خاصة أن يكونوا مبدعين لا مقلّدين؛ فالشاعر يكون مبدعا أو لا يكون، وكذلك القاص والمسرحي.. وهكذا صرنا نقرأ خطابا نقديا يطلق مصطلح "المبدع" على الشاعر والقاص والمسرحي، سواء أكان هؤلاء مبدعين بحق، أم كانوا مجرد مؤلفين لقصائد وقصص وروايات ومسرحيات.

      تُرى هل تقبل العربية إطلاق مصطلح "المبدع" على الشاعر والقاص والمسرحي؟ لننظر أولا في الدلالة اللغوية لهذا التركيب الصوتي:

     في "لسان العرب" قول ابن منظور: "بدَع الشيءَ يَبْدَعُه بَدْعاً وابْتَدَعَه: أَنشأَه وبدأَه. والبَدِيعُ والبِدْعُ: الشيء الذي يكون أَوّلا (...) والبديعُ: المُحدَثُ العجيب. والبديع: المبدع. وأبدعتُ الشيءَ: اخترعتُهُ لا على مِثال (...) وسقاءٌ بديعٌ: جديدٌ، وكذلك زِمام بديعٌ (...) وأبدعَ الشاعرُ: جاء بالبديع.."(73) وفي كتاب التعريفات قول الجرجاني: "(الإبداع): إيجاد الشيء من لا شيء.. والخلق إيجاد شيء من شيء"(74) وفي المعجم العربي الأساسي (وهو حديث): "بدعَ الشيءَ: أنشأه على غير مثال سابق. (...) أبدعَ الشخصُ: أجادَ وتميّزَ في عمله. أبدعَ الشيءَ: خلقه واخترعه. (...) إبداعٌ: ابتكار.. وفي الفلسفة: إيجاد الشيء من عدم.."(75).

       في هذه المعاجم الثلاثة إجماع على أن الإبداع هو الإنشاء بدءا والاختراع سبقا لا على مثال ومنوال. وأن البديع هو الجديد المُعجِب لحداثته. وأن المبدع هو الذي يخترع ويأتي بالجديد ويتميّز. وينفرد المعجم العربي الأساسي بإضافة معنى إجادة العمل والتميز فيه؛ وهي إضافة مقبولة روعي فيها استعمال أهل العصر كلمة "أبدع" بهذا المعنى، وهو ذو صلة بالمعنى الأصلي؛ إذ الذي يجيد في عمله ويتميز لا يكون كذلك إلا بلون من التجديد الذي يلفت الانتباه.

والبديع في النقد الأدبي هو الجديد الطريف الغريب المُعجِب، وفي البلاغة أنواع من الأساليب تحسّن الكلام وتزينه فتجعله معجبا؛ فهو ذو صلة بالجديد الطريف من حيث الاشتراك في إثارة الإعجاب. ولابن رشيق رأي في الاختراع والإبداع يحسن ذكره في هذا المقام؛ وهو "أن الاختراع: خلق المعاني التي لم يُسبَق إليها، والإتيان بما لم يكن منها قط، والإبداع إتيان الشاعر بالمعنى المستظرف، والذي لم تجر العادة بمثله، ثم لزمته هذه التسمية حتى قيل له بديع وإن كثر وتكرر، فصار الاختراع للمعنى، والإبداع للفظ؛ فإذا تم للشاعر أن يأتي بمعنى مخترع في لفظ بديع فقد استولى على الأمد، وحاز قصب السبق."(76)

ويظهر مما ذكرنا أن "الإبداع" مرتبط بالجديد. والجديد من شأنه –حين يكون جميلا- أن يُعجب ويطرب؛ ولكن الجديد الجديد عزيز المنال، لذلك قال ابن رشيق: "وما زالت الشعراء تخترع إلى عصرنا هذا وتولّد، غير أن ذلك قليل في الوقت."(77) فنتج عن ذلك أن سميتْ ألوان من الأساليب البلاغية التحسينية بديعا وإن تكررت في الكلام، لأنها في الأصل مخترعة وما تزال مع تكرارها محل استظراف وإعجاب. فالشاعر المبدع هو من يخترع المعاني والأساليب، ومن يأتي في شعره بالطريف المثير العجيب. وليس كل شاعر مبدعا حتى يطلق على الشاعر مطلقا مصطلح "المبدع". لقد صار ذلك بدعة في الخطاب النقدي المعاصر، وما أظنها بدعة حسنة، بل هي انحراف عن أصل المعنى وتمييع للمفاهيم. ولقد تجوّز العرب أن يطلقوا ما هو من اختصاص الخالق المبدع على ما هو من فعل الإنسان إذا أتى بالجديد العجيب، أما أن نتجوّز أكثر من ذلك فنسمي الشاعر مبدعا ولو لم تستقم له عبارة على شروط الفصاحة والبلاغة، ناهيك عن أن يأتي بالجديد العجيب، فإنّ ذلك  مما ينبو عن المنهج العلمي في الاصطلاح، ويسقط في إغراء مطابقة الآخر الذي قد يطلق على مؤلف عمل فني مصطلح "Créateur".

8. الحداثـة:

        نختم هذا البحث بمناقشة المصطلح الذي كان إغراؤه وراء ما حصل لمصطلحات محورية في منظومتنا النقدية من التحريف والتغريب تضييقا مرةً وتوسيعا أخرى. مصطلح لا يكاد الخطاب النقدي العربي المعاصر يتوقف عن ذكره والتمسح به. مصطلح يُدخل مفهومه الذي أُسنِد إليه أقواما إلى ملته ويُخرج آخرين. مصطلح بهذه الخطورة وهو –في رأيي- واهن الصلة بدلالته اللغوية، ومتناقض مع مفهومه في جوانب كثيرة.

       نبدأ من أصل الدلالة اللغوية، حيث ورد في "لسان العرب"(78)  أنّ "الحدوث: نقيض القُدمة" وهو "كون شيءٍ لم يكن". و"الحديث: نقيض القديم" وهو "الجديد من الأشياء". ومُحْدَثات الأمور (في الحديث النبوي): "ما لم يكن معروفا في كتاب ولا سنة ولا إجماع". و"أخذ الأمر بحِدْثانه وحَداثته أي بأوله وابتدائه". و"حداثة السن: كناية عن الشباب وأول العمر." وورد في "المعجم العربي الأساسي" أنّ "أحدثَ الشيءَ: ابتدعه.. وأحدثَ الأمر: أوجدَه." و"حداثة: مص حدَثَ: الجِدة."(79)

     ونعطف بالدلالة الاصطلاحية القديمة لمصطلح ذي صلة هو "الحدوث"؛ حيث ورد في "التعريفات" أنه "عبارة عن وجود شيء بعد عدمه."(80) أما "الحداثة" فلم يستعملها العرب القدامى استعمالا اصطلاحيا علميا، بل استعمالا لغويا وحسب. وعندما أراد أبو حيان التوحيدى التعبير عن تأثير الحداثة في النفوس استعمل اسم الفاعل "الحادث" فقال: "والتعجّب كله منوط بالحادث؛ وأما التعظيم والإجلال فهما لكلّ ما قَدُم."(81)

     ونستنتج من ذلك أن "الحداثة" عند العرب لا تخرج عن معاني الجدة والإيجاد والطروء، بوقوع ما لم يكن واقعا قبل، وكون ما كان من قبل في حكم العدم. وأن العرب لم يروا في هذه المعاني ما يستحق أن يرفع الحداثة إلى منزلة المصطلح الذي يدل على حركة فكرية أو أدبية أو دينية؛ فكان أقصى ما بلغوه في الموضوع أن اصطنعوا مصطلح "المُحْدَث" و"المُحْدَثين" لمقابلته بـ"القديم" و"القدماء"، في سياق الجدل بين مذهب كل طرف في بناء الشعر. ولم يكن القصد بالحداثة هنا سوى المعنى الزمني؛ بدليل قول ابن رشيق: "كل قديم من الشعراء فهو مُحْدَثٌ في زمانه بالإضافة إلى من كان قبله."(82)

      لم تتحول "الحداثة" إلى مصطلح له شأنٌ أيُّ شأنٍ إلا في النصف الثاني من القرن العشرين. عندما أخذت وفود النظريات والمدارس والمذاهب والمناهج والمفاهيم والمعايير والمصطلحات الغربية تتهاطل على الثقافة العربية، فيقبل عليها المتعطشون إلى "التنوير" و"التطوير" الغربيين أيَّما إقبال. عندها كانت "الحداثة" قد بلغت أشدها في الغرب، وحصل لها من التقلب في تحولات الحضارة الغربية ما حصل؛ فأُشربت من المعاني وحُمِّلت من المفاهيم ما لا قِبل لدلالتها اللغوية بحمله، فكثرت تعريفاتها واضطربت، إذ "عرّفها بعضهم بكونها حقبة تاريخية متواصلة ابتدأت في أقطار الغرب، ثم انتقلت آثارها إلى العالم بأسره، مع اختلافهم في تحديد مدة هذه الحقبة (...) وعرّف بعضهم الآخر الحداثة بصفات طَبَعت بقوة عطاء هذه الحقبة، مع اختلافهم في التعبير عن هذه الصفات وعن أسبابها ونتائجها؛ فمن قائل إن الحداثة هي "النهوض بأسباب العقل والتقدم والتحرر"؛ ومن قائل إنها ممارسة السيادات الثلاث عن طريق العلم والتقنية: السيادة على الطبيعة والسيادة على المجتمع والسيادة على الذات"؛ بل نجد منهم من يقصُرُها على صفة واحدة، فيقول إنها "قطْع الصلة بالتراث" أو إنها "طَلَب الجديد" أو إنها "محو القدسية من العالم" أو "إنها "العقلنة" أو إنها "الديمقراطية" أو إنها "حقوق الإنسان" أو "قطع الصلة بالدين" أو إنها "العلمانية"؛ وأمام هذا التعدد والتردد في تعاريف الحداثة، لا عجب أن يقال كذلك إنها "مشروع غير مكتمل"."(83)

       هذه هي مفاهيم "الحداثة" التي جعل منها الغرب فلسفة ومنهجا في الحياة يزعم أنه يخالف ما كان سائدا قبل نهضته الحضارية التي ولَدت له ثوراتٍ عديدةً غيّرت وجه الحياة ووجه العالم تغييرا جذريا: ثورة دينية، وأخرى علمية، وثالثة صناعية،  ورابعة اجتماعية، وخامسة فنية.. جعلت من الغرب عالما جديدا لا عهد للتاريخ به، يعج حركة وإبداعا وتطورا واختراعا وثورة وتمردا، وتجاوزا مستمرا لما استقر من أنماط الحياة في مختلف حقول المعرفة والنشاط الإنساني.

         هذه الحالة التاريخية المتصلة بتطور الحضارة الغربية هي التي أطلق عليها الغرب مصطلحي "modernité" و"modernisme" فعنى بالأولى الخاصية لكل ما هو حديث، في مجال الفن خاصة. وبالثانية الميل إلى خاصية الحداثة (الجدة) والبحث عنها. وأضاف إلى الثانية الإشارة إلى حركة مسيحية مطالبة بتحديث المعتقدات والعقائد التقليدية بما يتناسب مع التفسيرات الحديثة للكتاب المقدس(84).

       هذان المصطلحان الغربيان وفدا إلى الثقافة العربية فترجم كلاهما إلى "الحداثة". والذي يعنينا من المصطلحين، في هذا المقام، هو مقابل المصطلح الغربي الثاني "modernisme". فكيف عرّفه العرب؟ وهل هو متجانس مع أصل الدلالة اللغوية؟           يقول محمد أركون: "الحداثة هي موقف للروح أمام مشكلة المعرفة (…) أما التحديث فهو مجرد إدخال للتقنية والمخترعات الحديثة."(85) ويقول هشام شرابي: "يتجسد معنى الحداثة بالنسبة لنا باتجاهين مترابطين: الاتجاه العقلاني والاتجاه العلماني: عقلنة الحضارة وعلمنة المجتمع."(86)

        إن مصطلح "الحداثة" في النقد العربي المعاصر لا يخرج عن هذا الإطار العام لمفهوم الحداثة عند الغرب بعدّها انتقالا من مرحلة إلى مرحلة: من مرحلة كانت فيها سلطة المعرفة والحكم للنقل والكنيسة، إلى مرحلة صارت السلطة فيها للعقل والعلم، وانعزل فيها الدين عن المجتمع والسياسة. ومن مرحلة كان فيها للأخلاق والتقاليد سلطة على المشاعر والسلوك الاجتماعي، إلى مرحلة صار فيها الفرد حرا في أن يأتي ما يشاء سوى أن يخالف قانون الدولة الوضعي. ومن مرحلة كان فيها للجمال مقاييس وللأدب والفن وظائف وأصول، قد يبالغ في ضبطها وتقنينها والدعوة إلى الالتزام بها، إلى مرحلة لا تؤمن بالثوابت والمقاييس والوظائف والأصول، بل تؤمن بالحرية والتميز والخرق والتجاوز والتجريب والتمرد على السائد. هذا هو مفهوم "الحداثة" عند الغرب، وهذا هو مفهومها عند دعاتها من العرب كذلك؛ فهل هو مفهوم متجانس مع دلالتها اللغوية.

       عندما يُربَط مفهوم "الحداثة" بالميل إلى الجدّة والبحث عنها فهذا واضح الصلة بالدلالة المعجمية للحداثة. أما عندما يُربط هذا المفهوم بالعقلانية والعلمانية وفصل الدين عن الحياة والتمرد على الأصول والمقاييس فهذه مفاهيمُ لا صلة لها بمعنى الحداثة. لأن العقلانية ليست منهجا جديدا في المعرفة والسلوك بل هي منهج قديم موغل في القدم، وقد عرفته الحضارة الإسلامية أحسن المعرفة. ولأن فصل الدين عن الحياة كان موجودا في حضارات سابقة، ولو بغير الصورة التي عرفتها الحداثة الغربية انتقاما من ظلم الكنيسة. ولأن التمرد على الأصول والمقاييس هو نزوة عابرة لا تُبى بها حضارة ولا تستقيم بها حياة، والحداثة نفسها تناقضها حين تضع المناهج والنظريات تحاول بها أن تُدرك خصائص الظواهر الفنية والأدبية وتضع لها القوانين والمقاييس؛ فكيف للخصائص أن تُعرف وللقوانين أن توضع أو تُكتشف لو كان الأمر يقبل أن يخضع للتجاوز المستمر والتمرد الدائم؟

      حين يقول أدونيس، مثلا، إن حركة الإلحاد هي أول شكل للحداثة في الثقافة العربية(87)، وإن عمر ابن ربيعة وبشار بن برد وأبا نواس كانوا حداثيين لأنهم تمردوا على المحرم والمقدس(88)، فإن سؤالنا: أين الحداثة في ذلك؟ أين الجدة في الإلحاد وعصيان الله وانتهاك المحرم؟ أليس كل ذلك قديما قِدم الإنسانية؟ 

    إن مفهوم "الحداثة" عند الحداثيين العرب، هو، في واقع الأمر، ودون مواربة ولف، الصورة التي صار عليها العالم بفعل إنجازات الحضارة الغربية وتحولاتها، بغض النظر عن مدى جدّة هذه الصورة أو قدامتها. ذلك ما نفهمه من قول كمال أبو ديب:

    "الحداثة انقطاع معرفي: ذلك أن مصادرها المعرفية لا تكمن في المصادر المعرفية للتراث؛ في كتب ابن خلدون الأربعة، أو في اللغة المؤسساتية، والفكر الديني، وكون الله مركز الوجود، وكون السلطة السياسية مدار النشاط الفني، وكون الفن محاكاة للعالم الخارجي. الحداثة انقطاع؛ لأن مصادرها المعرفية هي اللغة البكر، والفكر العلماني، وكون الإنسان مركز الوجود؛ وكون الشعب الخاضع للسلطة مدار النشاط الفني؛ وكون الداخل مصدر المعرفة اليقينية –إذا كانت ثمة معرفة يقينية؛ وكون الفن خلقا لواقع جديد."(89)

       "الحداثة" وفق هذا التحديد هي أن ننقطع عن تراثنا القديم لنحل في التراث الحديث للغرب. أن نقطع صلتنا بالدين كما قطعها الغرب، ونُحِلّ الإنسان محل الله في مركز الوجود كما فعل الغرب، وأن نتخلى عن جعل الغيب مصدرا للمعرفة ونحصر المصدرية في داخل الإنسان كما حصرها الغرب، وأن نجعل الشعب موضوع الفن لا السلطة كما فعل الغرب. هي باختصار: أن نكفّ عن أن نكون نحن كي يتسنى لنا أن نكون الآخر/الغرب. وفي كل هذا لا علاقة لمصطلح "الحداثة" بالحداثة؛ لأن قطع الصلة بالدين قديم، وعدم الاعتراف بسيادة الله على الوجود قديم، وعدم أخذ المعرفة عن الله قديم.. وحتى لو افترضنا أنه جاء مع الحضارة الغربية، فقد صارت الحضارة الغربية نفسها قديمة بعد أن مرّ على ازدهارها عقود بل قرون.

      وإذا تحولنا إلى الحداثة في الأدب والنقد نجد الإشكال نفسه يُحرج مفهوم مصطلح "الحداثة" أيما إحراج: ما هي سمات الأدب الحداثي والنقد الحداثي؟ إذا كان الغموض، مثلا، سمة من سمات الشعر الحداثي فإنه موجود منذ القدم ولا حداثة فيه، وإذا افترضنا أنه ابن الحداثة الغربية فقد صار قديما بعد مرور الزمان. وإذا كانت "العلمية" و"التاريخانية" و"النصية"، مثلا، هي سمات لمناهج النقد الحداثي، فإن هذه السمات قديمة عرفها النقد العربي القديم بعض المعرفة، وإذا افترضنا أنها بنت الحداثة الغربية فقد مرّ على هذه الحداثة عقود وقرون. فما الحاجة إلى أن يسمى كل ذلك حداثة وكل حديث اليوم يصير غدا أو في العام المقبل أو في العقد الآتي قديما لا صلة له بالحداثة؟

      الحاجة هي البريق الذي يجتذب به مصطلح "الحداثة" من هم هدفٌ لهيمنة الغرب: "الحداثة" هي التجديد والتطلع والحركة والتدفق والحرية والمستقبل والبهجة والاكتشاف: هي الحياة. وغيرها هو الجمود والتبلد والتخلف والتقيد والجهل والبداوة والبؤس: هو الموت. و"الحداثة" هي صورة العالم كما صنعه ويصنعه الغرب، ولن تكون حداثيا حتى توافق على كل ملامح هذه الصورة، وتنتقل من مشهد إلى مشهد يناقضه، وتظل راكبا موجة الريح وهي تضرب في كل اتجاه؛ بعضها يقود إلى البناء والحياة، وبعضها الآخر يقود إلى الهدم والموت.

     هل تستطيع أن تكون حداثيا وأنت تؤمن بثوابت القيم والأخلاق، وتحترم المقدس ولا تنتهك المحرّم، وتعتقد أن الله خلق الكون ليعبده الناس فهذه الدنيا مجرد طريق إلى الآخرة، وأن الدين يمكن أن يتوافق مع العلم ويتصل بالحياة إذا كان من عند الله لا صنع البشر؟ لا. لن يسمح لك مفهوم الحداثة بذلك ولو كنت ممن يحبون الجديد في الأشكال والفنون والأوضاع، وتجتهد في أن تكتشف وتبدع وتتميز ما استطعت.

      شرط الحداثة في المفهوم الغربي الأصيل والمفهوم العربي المستورد هو التحرر من كل سلطة ويقين، بما في ذلك، بل على رأس ذلك سلطة الله التي أداتها الوحي أو المعرفة الغيبية. وهو شرط لا علاقة له بالدلالة اللغوية للحداثة، ولكن بالشروط التاريخية للحضارة الغربية.

      من الطريف، في هذا السياق، أن نجد فيلسوفا عربيا معاصرا كبيرا، يتمرد على هذا المفهوم السائد لمصطلح "الحداثة" ولا يقدم على التمرد على المصطلح ذاته. إن لهذا المصطلح هيمنة وسطوة؛ فمن يقدر أن يتمرد عليه؟ الفيلسوف الكبير هو طه عبد الرحمن؛ فقد قدم في كتابه "روح الحداثة" تصورا فذا لمفهوم "الحداثة" يفرق فيه بين "واقع" الحداثة الغربية و"روح" الحداثة المطلقة، ليمكّن الإسلام من تأسيس حداثته الخاصة دون تعارض مع مفهوم "الحداثة". تصورَ طه للحداثة روحا قوامها ثلاثة مبادئ، هي: الرشد، والنقد، والعموم. فبالرشد يتحرر الإنسان من الوصاية على فكره واختياره، وبالنقد يحرر فكره من سلطة التقليد والتسليم لما هو موروث، وبالعموم يعمم المبدأين على الحياة كلها وعلى العالم بأسره(90). وبهذا التصور أمكنه أن يفك مفهوم "الحداثة" عن ارتباطه الحتمي بالحضارة الغربية، ويجعله خاصية جوهرية كامنة في جميع الحضارات الكبيرة، خصوصا في الحضارة الإسلامية، وأن يتهم الحداثة الغربية نفسها بأنها لم تقدّم صورة مثالية لروح الحداثة، ويجزم أن الإسلام هو القادر على تقديم هذه الصورة(91). ونحن موافقوه في كل ما قال ومعحبون به غاية الإعجاب، ولكنا نخالفه في شأن واحد هو شأن المصطلح: ولِمَ نصطلح على هذه المبادئ بمصطلح "الحداثة"؟ ما علاقة الحداثة، لغويا، بالرشد والنقد والعموم؟ وما دامت هذه المبادئ قد تجسّدت أحسن تجسد لها في تاريخ الحضارة الإسلامية، وهي قديمة، فلِمَ نربطها بالحداثة؟ أما كان جديرا أن تُسمى هذه الروح "روح الحضارة" لا "روح الحداثة"؟ بلى. ذلك ما نراه، ونرى أن مصطلح "الحداثة" أُلبِسَ خطأً، أو تلبيساً وإغراءً مفهوم "مقوّمات الحضارة الغربية"؛ فهو لذلك لا يعنينا، وأحسب أن إطلاقه بهذا المفهوم في خطابنا النقدي والثقافي من أكبر الأخطاء العلمية والمنهجية.

      نخلص في ختام هذا البحث إلى القول: إن من الشروط المنهجية لوضع المصطلح العلمي وجود علاقة تربط المدلول الاصطلاحي بالدلالة اللغوية(92).وإن الخطاب النقدي العربي المعاصر قد فرّط في أحيان كثيرة في هذا الشرط خصوصا وفي غيره من الشروط؛ فأدى ذلك إلى تحريف دلالات مصطلحات نقدية عربية محورية لها عراقة في التاريخ وتجذر في الذاكرة؛ إمّا توسيعا يخالف الهوية ويخلط بين الأجناس كما حصل مع "الشعر" و"الشعرية"، وإمّا تضييقا يزوّر الحقيقة ويحرّف الوظيفة ويُغري بعزل المفهوم عن حركة الحياة كما حصل مع "النقد" و"الأدب"، وإمّا خروجا تاما عن الدلالة اللغوية للمصطلح في الثقافة العربية، بما يفصل تاريخ المصطلح إلى قسمين لا يلتقيان: قسم هو دلالة المصطلح أو الكلمة قبل القرن العشرين أو النصف الثاني منه لا أقل، وقسم هو دلالته في الخطاب العربي المعاصر، كما حصل مع "النص" و"الإبداع" و"الحداثة". وفي كل ذلك خيانة للمعنى الذي ينبغي أن تكون له جاذبيته في صناعة المصطلح، ووقوع في إغراء الحداثة التي من مبادئها الرشد والنقد، وقد كان ينبغي أن نكون على قدر من الرشد حتى لا نكون تبعا لغيرنا ونحن نضع المصطلحات للمفاهيم، وأن نمارس قدرا من النقد حتى لا نكون عالة على صانعي الأفكار ومنشئي النظريات والمفاهيم في ظلال شروط تخصهم، ولأجل أهداف قد تضرنا حين تنفعهم.

الإحـالات

(1)     ينظر: محمد مندور، الأدب وفنونه، دار المطبوعات العربية، بيروت، د.ت، ص136.

(2)  ابن منظور، لسان العرب، تحقيق عبد الله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، القاهرة، د.ت، مج 6، ص4517، مادة (نقد).

(3)     شكري عياد، دائرة الإبداع، دار إلياس العصرية، القاهرة، 1987، ص50.

(4)     نفسه، ص153.

(5)     ينظر المرجع نفسه، ص18.

(6)     المرجع نفسه، ص32.

(7)     المرجع نفسه، ص153-154.

(8)  المرجع نفسه، ص109. محمد رضا مبارك، مفهوم النقد من الأسلوبية إلى تحليل الخطاب، مجلة فصول،  العدد 65، خريف 2004 شتاء 2005،

(9)     عبد الملك مرتاض: أ_ي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992م، ص19.

(10)  عبد الملك مرتاض، شعرية القصيدة-قصيدة القراءة، دار المنتخب العربي، ط1، بيروت، 1994م، ص6.

(11)  المرجع نفسه، ص7.

(12)  مح ص110-111.

(13)  يوسف وغليسي، الخطاب النقدي عند عبد الملك مرتاض، إصدارات رابطة إبداع، الجزائر، 2002، ص95.

(14) ينظر: قدامة بن جعفر، نقد الشعر، تحقيق كمال مصطفى، مكتبة الخانجي بمصر، 1963، ص17. وحازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، ، بيروت، ط3، 1986م، ص71.

(15) ينظر: ابن سينا،  فن الشعر، من كتاب الشفاء (ضمن أرسطو طاليس، فن الشعر، ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة، بيروت، 1973م، ص161). وحازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص89.

(16) ينظر: عبد الملك مرتاض، نظرية النص الأدبي، دار هومة، الجزائر، 2007، ص7. و معجم الشعراء الجزائريين في القرن العشرين، دار هومة، الجزائر، 2007، ص549. ومعنى مترهيئة: هادئة منبسطة.

(17)  ابن منظور، لسان العرب، مج 4، ص2273، مادة (شعر).

(18) الجرجاني (علي بن محمد بن علي)، التعريفات، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، 1423هـ/2002م، ص107.

(19)  ابن منظور، لسان العرب، ج 4، ص2273، مادة (شعر).

(20) ينظر: ابن رشيق (أبو علي الحسن)، العمدة في صناعة الشعر ونقده، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، ط5، 1401هـ- 1981م، 1/116.

(21)  ابن منظور، لسان العرب، ج 4، ص2274، مادة (شعر).

(22)  إبراهيم عبد القادر المازني، الشعر غاياته ووسائطه، مطبعة البوسفور، ط1، 1333هـ/1915م، ص37.

(23)  المرجع نفسه، ص37.

(24) جان-ميشال غوفار، تحليل الشعر، ترجمة محمد حمود، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1428هـ/2008م، ص8.

(25) ينظر الفصلان الأول والثاني من كتاب: عبد الملك بومنجل، في مهب التحول: جدل النقد العربي الحديث في مفهوم الشعر، عالم الكتب الحديث، ط1، إربد-الأردن، 1431هـ/2010م.

(26)  أدونيس، مقدمة للشعر العربي، دار العودة، بيروت، ط3، 1979م، ص107-108.

(27)  أدونيس، زمن الشعر، دار العودة، بيروت، ط2، 1978م، ص74.

(28)  كمال أبو ديب، الحداثة، السلطة، النص، (مجلة فصول: المجلد 4، عدد 3، 1984م، ص48).

(29)   ينظر: عبد الملك مرتاض، النص الأدبي من أين وإلى أين، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983، ص33.

(30) مقابلة صحافية مع أراغون، جريدة الجمهورية، العراق، العدد73402، 23 . تشرين الأول 1989. نقلا عن محمد رضا مبارك، اللغة الشعرية في الخطاب النقدي العربي، ص262.

(31) جان كوهن، بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1986، ص12.

(32)  أدونيس، سياسة الشعر، دار الآداب، بيروت، ط2، 1996م، ص15.

(33) ينظر: أدونيس، صدمة الحداثة، دار العودة، بيروت، ط3، 1983م ص312، والنص القرآني وآفاق الكتابة، دار الآداب، بيروت، د.ت،  ص43،54-55.

(34)  أدونيس، مقدمة للشعر العربي، ص112 وينظر، زمن الشعر، ص16.

(35)  المرجع نفسه، ص112.

(36)  المرجع نفسه، 112.

(37)  جان كوهن، بنية اللغة الشعرية، ص23.

(38)  أدونيس، سياسة الشعر، ص24-25.

(39)  حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، ص119.

(40)  المرجع نفسه، ص28.

(41) عبد الملك مرتاض، قضايا الشعريات، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الأمير عبد القادر-قسنطينة، د.ت، ص12-13.

(42) ينظر: الجاحظ، (أبو عثمان عمرو بن بحر)، الحيوان،  تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت، 1412هـ-1992م، 3/131.

(43) ينظر: يوسف وغليسي، إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، الدار العربية للعلوم ناشرون – منشورات الاختلاف، ط1، بيروت – الجزائر، 1429هـ/2008م، ص276.

(44)  ينظر المرجع نفسه، ص74-77.

(45) آثر عبد الله الغذامي استعمال "الشاعرية" بدل "الشعرية"؛ بحجة أن مصطلح  "الشعرية" "يتوجه بحركة زئبقبة نحو "الشعر" ولا نستطيع كبح جماح هذه الحركة لصعوبة مطاردتها في مسارب الذهن" (عبد الله محمد الغذامي، الخطيئة والتكفير، النادي الأدبي الثقافي، ط1، جدة، 1985، ص19)، وقد نسي أن الحكم نفسه ينطبق على مصطلح "الشاعرية" إذ يتوجه بحركة زئبقية نحو "الشاعر". فكأنما هو يستجير من رمضاء "الشعر" بنار "الشاعر" على حد عبارة يوسف وغليسي. ويبدو أن وغليسي لا اعتراض له على مصطلح "الشاعرية" إذ يعود في ختام مبحثه القيم "الشعريات والسرديات" ضمن كتابه "إشكالية المصطلح" ليقترح "الشاعرية" مقابلا لـ " Le poétique"  مرة، ولـ"La poéticité" مرة ثانية؛ وقد درج الخطاب العام على وصف ما هو مثير للشعور اللطيف والإعجاب البهيج بالشاعري، كقولهم : "كانت الأجواء شاعرية، وهذا منظر شاعري"، فلعل هذا يشفع له في اقتراحه الأول، حيث تصير "الشاعرية" تشبيها لما يثيره مثير جمالي معين بما يحسه الشعراء حين يعبرون عن تجاربهم الشعرية، وتصير كأنها من اللغة العامة لا مصطلحا علميا نقديا. أما اقتراحه الثاني فلا أراه موفقا؛ إذ النسبة إلى الشعر في الدلالة على السمات الشعرية أولى وأدق وأوفق.

(46)  ينظر: يوسف وغليسي، إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، ص304-308.

(47)  عبد الملك مرتاض، الكتابة من موقع العدم، ص325.

(48)  يوسف وغليسي، إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، ص306.

(49)  نبيل سليمان، فتنة السرد والنقد، دار الحوار، اللاذقية، ط2، 2000، ص104-105.

(50)  الجرجاني، التعريفات، ص21.

(51)  ابن منظور، لسان العرب، مج 1، ص43، مادة (أدب).

(52) تيري ايغلتون، نظرية الأدب، تر: ثائر ديب، (د.ط)، منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، دمشق، 1995م،  ص13.

(53) فانسان جوف، رولان بارت والأدب، ترجمة محمد سويرتي، ، إفريقيا الشرق، المغرب، ط 01، 1994م، ص78.

(54) مما يدل على ذلك قول عبد القاهر: "واعلم أنك لست تنظر في كتاب صنِّف في شأن البلاغة وكلام جاء عن القدماء إلا وجدته يدل على فساد هذا المذهب (مذهب تقديم الكلام بمعناه، بمضمونه) ورأيتهم يتشددون في إنكاره وعيبه والعيب به." (عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، 1402هـ/1981م، ص197).

(55) عبد الملك بومنجل، جدل الثابت والمتغير في النقد العربي الحديث، عالم الكتب الحديث، إربد-الأردن، ط1، 1431هـ/2010، ج1، ص34.

(56) ينظر: مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1422هـ/2000م، ج1، 23-27.

(57)  ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار صادر، بيروت، ط1، 2000، ص447.

(58)  ينظر: الجاحظ، الحيوان، 3/131.

(59) الزمخشري (جار الله أبو القاسم محمد بن عمر)، أساس البلاغة، تحقيق عبد الرحيم محمود، دار المعرفة، بيروت، 1402هـ/1982م، ص454.

(60)  عبد الملك مرتاض،  نظرية النص الأدبي، دار هومة، الجزائر، 2007م، ص51.

(61)  المرجع نفسه، ص51.

(62)  ابن منظور، لسان العرب، ص، مادة (نصص).

(63)  الجرجاني، التعريفات، ص191.

(64) جماعة من كبار اللغويين العرب، المعجم العربي الأساسي، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، د.ت، ص1200.

(65)  المرجع نفسه، ص1200.

(66) صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، سلسلة عالم المعرفة، عدد 164، الكويت، 1992، ص213-214.

(67)  المعجم العربي الأساسي، ص1200.

(68)  عبد الملك مرتاض،  نظرية النص الأدبي، ص53-54.

(69)  ينظر: يوسف وغليسي، إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، ص401.

(70)  محمد بنيس، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، دار العودة، بيروت، ط1، 1979، ص253.

(71)  ينظر: يوسف وغليسي، إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، ص401.

(72) هذا المصطلح اقترحه عز الدين المناصرة وقال بشأنه: "أما التلاص الذي قمت بنحته عام 1990 فهو المعادل لمفهوم السرقات الأدبية أو الانتحال في التراث العربي" (عز الدين المناصرة، قصيدة النثر، بيت الشعر، رام الله-فلسطين، ط1، 1998، ص88).

(73)  ابن منظور، لسان العرب، مج1، ص230، مادة (بدع).

(74)  الجرجاني، التعريفات، ص16.

(75)  المعجم العربي الأساسي، ص135.

(76)  ابن رشيق، العمدة، 1/265.

(77)  المرجع نفسه، 1/265.

(78)  ابن منظور، لسان العرب، مج2، ص796-797، مادة (حدث).

(79)  المعجم العربي الأساسي، ص295-296.

(80)  الجرجاني، التعريفات، ص72.

(81)  ابن رشيق، العمدة، 1/90.

(82) طه عبد الرحمن، روح الحداثة- المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2006، ص23.

(83) أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين، المكتبة العصرية، بيروت، د.ت، 1/24.

(84) ينظر: "modernité" و"modernisme" في: dicorobert Inc; Montréal Canada 1993 , Le petit Robert

(85)  الإسلام والحداثة، محمد أركون، ضمن كتاب "الإسلام والحداثة"، ندوة مجلة مواقف، ، دار الساقي، لندن، ط1،  1990 ، ص355.

(86)  معنى الحداثة، هشام شرابي، ضمن كتاب "الإسلام والحداثة"، ص360.

(87)  ينظر: أدونيس، الثابت والمتحول، دار العودة، بيروت، ط4، 1983، ج1، ص90.

(88)  ينظر المرجع نفسه، ص216.

(89)  كمال أبو ديب، الحداثة، السلطة، النص، (مجلة فصول: المجلد 4، عدد 3، 1984م، ص37).

(90)  ينظر: طه عبد الرحمن، روح الحداثة، ص24.

(91)  ينظر المرجع نفسه، ص18.

(92) لمعرفة جملة الشروط التي وضعتها الهيئات اللغوية لضبط فعل الاصطلاح وفق قواعد منهجية ينظر: يوسف وغليسي، إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، ص74-77.

 

مراجع البحث

 

1- إبراهيم عبد القادر المازني، الشعر غاياته ووسائطه، مطبعة البوسفور، ط1، 1333هـ/1915م.

2- أبو حيان التوحيدي، الإمتاع والمؤانسة، تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين، المكتبة العصرية، بيروت، د.ت.

3- أدونيس، مقدمة للشعر العربي، دار العودة، بيروت، ط3، 1979م.

4- أدونيس، زمن الشعر، دار العودة، بيروت، ط2، 1978م.

5- أدونيس، سياسة الشعر، دار الآداب، بيروت، ط2، 1996م.

6- أدونيس، الثابت والمتحول، ج1، دار العودة، بيروت، ط4، 1983،.

7- أدونيس، صدمة الحداثة، دار العودة، بيروت، ط4، 1983.

8- أدونيس، والنص القرآني وآفاق الكتابة، دار الآداب، بيروت، د.ت.

9- ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار صادر، بيروت، ط1، 2000.

10- ابن رشيق (أبو علي الحسن)، العمدة في صناعة الشعر ونقده، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الجيل، بيروت، ط5، 1401هـ- 1981م.

11- ابن سينا، فن الشعر، من كتاب الشفاء (ضمن أرسطو طاليس، فن الشعر، ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة، بيروت، 1973م).

12- ابن منظور، لسان العرب، مج 6، تحقيق عبد الله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي، دار المعارف، القاهرة، د.ت.

13- تيري ايغلتون، نظرية الأدب، تر: ثائر ديب، (د.ط)، منشورات وزارة الثقافة في الجمهورية العربية السورية، دمشق، 1995م.

14- الجاحظ (أبو عثمان عمرو بن بحر)، الحيوان، تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون، دار الجيل، بيروت، 1412هـ-1992م.

15- جان كوهن، بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط1، 1986.

16- جان-ميشال غوفار، تحليل الشعر، ترجمة محمد حمود، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، ط1، 1428هـ/2008م.

17- الجرجاني (علي بن محمد بن علي)، التعريفات، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، 1423هـ/2002م.

18- جماعة من كبار اللغويين العرب، المعجم العربي الأساسي، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، د.ت.

19- حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، دار الغرب الإسلامي، ، بيروت، ط3، 1986.

20- الزمخشري (جار الله أبو القاسم محمد بن عمر)، أساس البلاغة، تحقيق عبد الرحيم محمود، دار المعرفة، بيروت، 1402هـ/1982م.

21- شكري عياد، دائرة الإبداع، دار إلياس العصرية، القاهرة، 1987.

22- صلاح فضل، بلاغة الخطاب وعلم النص، سلسلة عالم المعرفة، عدد 164، الكويت، 1992.

23- طه عبد الرحمن، روح الحداثة- المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط1، 2006.

24- عبد الله محمد الغذامي، الخطيئة والتكفير، النادي الأدبي الثقافي، ط1، جدة، 1985.

25- عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تحقيق محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، 1402هـ/1981م.

26- عبد الملك بومنجل، جدل الثابت والمتغير في النقد العربي الحديث، عالم الكتب الحديث، إربد-الأردن، ط1، 1431هـ/2010.

27- عبد الملك بومنجل، في مهب التحول: جدل النقد العربي الحديث في مفهوم الشعر، عالم الكتب الحديث، ط1، إربد-الأردن، 1431هـ/2010م.

28- عبد الملك مرتاض، النص الأدبي من أين وإلى أين، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983.

29- عبد الملك مرتاض، أ_ي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1992م.

30- عبد الملك مرتاض، شعرية القصيدة-قصيدة القراءة، دار المنتخب العربي، ط1، بيروت، 1994م.

31- عبد الملك مرتاض،  نظرية النص الأدبي، دار هومة، الجزائر، 2007م.

32- عبد الملك مرتاض، قضايا الشعريات، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الأمير عبد القادر-قسنطينة، د.ت.

33- عبد الملك مرتاض، معجم الشعراء الجزائريين في القرن العشرين، دار هومة، الجزائر، 2007.

34- عز الدين المناصرة، قصيدة النثر، بيت الشعر، رام الله-فلسطين، ط1، 1998.

35- فانسان جوف، رولان بارت والأدب، ترجمة محمد سويرتي، ، إفريقيا الشرق، المغرب، ط 01، 1994م.

36- قدامة بن جعفر، نقد الشعر، تحقيق كمال مصطفى، مكتبة الخانجي بمصر، 1963.

37- كمال أبو ديب، الحداثة، السلطة، النص، (مجلة فصول: المجلد 4، عدد 3، 1984).

38- محمد أركون، الإسلام والحداثة، ضمن كتاب "الإسلام والحداثة"، ندوة مجلة مواقف، دار الساقي، لندن، ط1،  1990.

39- محمد بنيس، ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، دار العودة، بيروت، ط1، 1979.

40- محمد رضا مبارك، مفهوم النقد من الأسلوبية إلى تحليل الخطاب، (مجلة فصول،  العدد 65، خريف 2004 شتاء

2005).

41- محمد مندور، الأدب وفنونه، دار المطبوعات العربية، بيروت، د.ت.

42- مصطفى صادق الرافعي، تاريخ آداب العرب، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1422هـ/2000م.

43- نبيل سليمان، فتنة السرد والنقد، دار الحوار، اللاذقية، ط2، 2000.

44-  هشام شرابي، معنى الحداثة، ضمن كتاب "الإسلام والحداثة"، ندوة مجلة مواقف، دار الساقي، لندن، ط1، 1990.

45- يوسف وغليسي، الخطاب النقدي عند عبد الملك مرتاض، إصدارات رابطة إبداع، الجزائر، 2002.

46- يوسف وغليسي، إشكالية المصطلح في الخطاب النقدي العربي الجديد، الدار العربية للعلوم ناشرون – منشورات الاختلاف، ط1، بيروت – الجزائر، 1429هـ/2008م.


التحميل