مصطلح النظم في النقد العربي القديم

الأستاذ: عبد القادر بقادر

قسم اللغة والأدب العربي

جامعة قاصدي مرباح ــ ورقلة ــ

 

 

 

الملخص:     

     عرف النقد العربي القديم مصطلحات نقدية كثيرة من بينها وأهمها مصطلح النظم، الذي كان وليد

تضافر جهود عديد من العلماء عبر العصور وبشكل خاص ما بين القرنين الثالث والخامس الهجريين، فإن ما جاء به الجاحظ من ضرورة تحقيق تطابق اللفظ والمعنى كان ممهدا الطريق لمن جاء بعده من النقاد اللاحقين، إن نظرية النظم التي وصلتنا في طورها الناضج مع عبد القاهر الجرجاني، تمثل محاولة عميقة عرفها التراث النقدي العربي انطلاقا من وعي دقيق باللغة، واستغلال ثنائية اللغة والكلام، ومستوياته، وكذلك الفهم المتطور للصورة الشعرية المنزّلة ضمن شمولية النظم. وذلك كله رغم المآخذ التي أخذت عليها من انحسارها في بنية العبارة الواحدة، وإغفالها مستوى البنية الصوتي، ومع ذلك يبقى للنظرية الفضل في تأسيس طريقة جديدة في قراءة النص الأدبي.

ستتناول هذه المداخلة:

مفهوم مصطلح النظم في النقد العربي قديما وحديثا

تطور الدراسة لمصطلح النظم في النقد العربي القديم

نظرية النظم عند الجرجاني

المقدمة:

     عرف النقد القديم حركة نقدية واسعة انبجست عنها معايير متعددة منها؛ دينية وفنية. ومن المعايير والقضايا (المصطلحات) النقدية الكثيرة الطبع والصنعة، والسرقات الأدبية، واللفظ والمعنى وهذه الأخيرة وحول العلاقة بينهما عرفت تطورا حتى صارت تُعرف بـ "النظم"، والنظم مصطلح نقدي قديم استعمله النقاد العرب القدامى بمفاهيم مختلفة فتارة السبك وأخرى التلاحم...؛ وأصبح مصطلح النظم معيارا من معايير النقد في العصور الإسلامية الأولى وبشكل خاص خلال القرنين الثالث والخامس الهجريين، إن هذا المصطلح عرف بين القرنين السالفي الذكر تطورا كبيرا إلى أن وصل إلى حد صار فيه نظرية قائمة بذاتها رائدها الإمام عبد القاهر الجرجاني.

فكيف كان تطور هذا المصطلح؟ هذا ما ستتناوله هذه المداخلة.

 

مفهوم النظم لغة واصطلاحا:  

     جـاء في معجـم العـين: "نظـم: النظـم نظـمك خـرزا بعـضه إلى بعـض في نظـام واحـد، وهـو في كـل شـيء حتـى قيـل: ليـس لأمره نظام أي لا تستـقيـم طـريقتـه. والنظـام: كـل خيـط ينظـم بـه لـؤلـؤ أو غيره فهـو نظــــام."([1])

     وفي صحاح العربية: "نظمت اللؤلؤ، أي جمعته في السلك والتنظيم مثله، ومنه نظمت الشعر ونظّمته، والنظام: الخيط الذي ينظم به اللؤلؤ... ويقال لثلاثة كواكب من الجوزاء: نظمٌ".([2])

     وجـاء في مختـار الصحـاح: "نظـم: اللـؤلـؤ جمعـه في السلك وبابه ضرب. ونظـمه تنظيـما مثـله ومنـه نظـم الشعـر ونظـمه والنظـام الخيـط الذي ينظم بـه اللـؤلـؤ. ونظـم مـن لـؤلـؤ وهـو في الأصل مصـدر. والنظام الاتساق."([3])

     وفي لسـان العـرب : "نظم: النظم: التأليف نظـمه ينظـمه نظـما ونظـمه فانتـظـم وتنظـم، نظـمت اللـؤلـؤ أي جمعـته في السـلك. والتنظيـم مثلـه ومـنه نَظَـمْتُ الشِّعـر نظـمته، ونظـم الأمر على المثـل. وكـل شـيء قرنتـه بآخـر أو ضمـمـت بعـضَه إلى بعـض فـقـد نظـمتـه… والنظام كما نظمت فيه الشـيء مـن خيـط وغيـره وكـل شعـبه منـه وأصـل نظـام. ونظـام كـل أمـر مـلاكـه، والجمـع أنظـمة وأناظيـم ونظـم"([4])

     وفي المصـباح المنـير: "نظـمت الخـرز نظـما مـن باب ضـرب. جعـلـته في سـلك. ونظـمت الأمـر فانتظـم أي أقـمتـه فاستقـام وهـو عـلى نظام واحد؛ أي نهـج غـير مختـلف. ونظـمت الشعـر نظـما"([5])

مصطلح النظم اصطلاحا:

     قال فخر الدين الرازي: "خلوص الكلام من التعقيد. وأصله من الفصيح وهو اللبن الذي أُخِذت منه الرغوة.([6])

     ويعرّفه الجرجاني بقوله: "واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله وتعرف مناهجه التي نهجت، فلا تزيغ عنها. وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها."([7])

     ويقول الدكتور صالح بلعـيد: "هو تأليـف وضم مجمـوعـة مـن العـناصـر المتحـدة في العـملـية اللغـويـة ليكـون الكلام حسنا حسب خصائص معـينة هي:

1 ـ حـسـن الاختـيار لأصـوات الكلـمة

2 ـ تعـلـيق الكلـمة في ذاتـها

3 ـ تعـليـقها بما يجـاورها وليـس بضـم الكلـمات كيـف مـا جـاءت

4 ـ مراعاة الموقـع النحـوي الأصـيل حسـب ما تقتـضـيه بيـئة العـربي

5 ـ مراعـاة المعـنى المبـاشـر(السطحـي) غيـر المنـزاح، والمعنى غيـر المباشر (المنزاح)([8]

     مما سبق في المفهوم اللغوي والاصطلاحي نستخلص ما يأتي: النظم:  هو ضم الكلمات حسب ما يقتضيه الحال وفق التقليد المأثور عن العرب باعتباره المقياس الحقيقي للبلاغة. وهو التأليف في الكلام ليصبح حسنا مقبولا.

مصطلح النظم في النقد العربي:

     تكلم العرب اللغة العربية في الجاهلية سليقة، وكانت فصاحتهم عالية وتجلى النظم عندهم في تمييز شاعر عن آخر، لا يستند إلى منهجية، ولما جاء القرآن الكريم أبهر العرب ببلاغته ونظمه العجيب وحسن سبكه؛ حتى قيل: "ومن أعجب ما رأينا في إعجاز القرآن وإحكام نظمه، أنك تحسب ألفاظه هي التي تنقاد لمعانيه، ثم تتعرف ذلك وتتغلغل فيه، فتنتهي إلى أن معانيه منقادة لألفاظه ثم تحسب العكس، وتتعرفه متثبتا فتصير منه إلى عكس ما حسبت، وما إن تزال مترددا على منازعة الجهتين كلتيهما، حتى ترده إلى الله الذي خلق في العرب فطرة اللغة، ثم أخرج من هذه اللغة ما أعجز تلك الفطرة."([9])، وكان القرآن مصدر تحد لهم إذ حاول العرب عبثا أن يأتوا بمثله لِمَا في نظمه من أسرار، ولقد كانت بعض مجالس الأدب والسمر وحلقات الخلفاء موضع تدارس الإعجاز القرآني، ومن ذلك تأليف الكتب الكثيرة التي تبحث في إعجاز القرآن الكريم، وما أدى إلى اهتمامهم بصناعة الكلام وسلامة اللغة وعلاقة الألفاظ ببعضها البعض، وعلاقتها بالمعنى. ونتيجة لذلك ظهر في الأدب العربي فريقان أحدهما انتصر للمعنى، وآخر انتصر للفظ دون المعنى واحتدم الصراع.

     ومع بداية العصر العباسي اختلط العرب بغيرهم من الأمم المجاورة بسبب انتشار الإسلام. فبدأ الذوق العربي يتشوه وتفشى اللحن، فكان القرآن الكريم أول المصادر والمقاييس التي يرجعون إليها في تقويم لغتهم، زيادة على الشعر العربي (ديوان العرب)، فوجدوا في القرآن الكريم دافعا آخر للبحث والتأليف فيه وفي الأدب وأوجه البيان والنظم.

     تردد مصطلح (النظم) كثيرا في كتب العلماء نحاة وبلاغيين قبل الجرجاني بمئات السنين الذي تبلورت على يديه نظرية بلاغية نقدية قائمة بذاتها، لكن هذا المصطلح لم يكن بلفظه وإنما كان بألفاظ مختلفة وفي ما يأتي سنتطرق إلى ذلك المسار التاريخي للمصطلح.

1 ـ سيبويه تـ:180 هـ:

     تحدّث سيبويه عن ائتلاف الكلام، وقد جعل مدار الكلام على تأليف العبارة وعلاقة الألفاظ بعضها ببعض، حيث يرى أن وضع الألفاظ في مواضعها دليل على حسن ائتلاف الكلام (النظم)، ووضعها في غير موضعها دليل على فساده؛ حيث قال: "هذا باب الاستقامة من الكلام والإحالة فمنه مستقيم حسن، ومستقيم محال، ومستقيم كذب، ومستقيم قبيح، وما هو محال كذب، فأما المستقيم الحسن فقولك: سأتيك غدا…، وأما المحال فأن تنتقد أول كلامك بآخره فتقول: أتيتك غدا …، وأما المستقيم الكذب فقولك: حملت جبلا …، وأما المستقيم القبيح كأن توضع اللفظ في غير موضعه نحو قد زيدا رأيت…، وأما المحال الكذب فأنت تقول: سوف أشرب ماء البحر أمس."([10])    

     إن سيبويه في هذا الكلام لم يشر إلى مصطلح النظم ولكنه لمّح وأشار إليه بكلمة الاستقامة، وكان ذلك انطلاقا من المفردة لضمها في شكل كتل ومجموعات (كلام مفهوم وتراكيب)، منطلقا مما تفوه به العرب السليقيون وبذلك كان سيبويه أول من أقام للكلام الجيد أسسا من أبنية مفردات اللغة، وتوصل إلى وضع الأسس الأولى للنظرية اللغوية في مسألة حسن الكلام بوضع، ضوابط الكلام من كلام العرب.

2 ـ بشر بن المعتمر تـ:210 هـ:

     إن بشر بن المعتمر تحدث عن علاقة اللفظ بالمعنى حيث قال في صحيفته: "وإياك والتوعر فإن التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك، ومن أراد المعنى كريما فليلتمس له لفظا كريما، فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما"([11])، ويستأنف: "وتجد اللفظة لم تقع موقعها، ولم تصر إلى قرارها، وإلى حقها من أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحلَّ في مركزها، وفي نصابها، ولم تصلْ بشكلها، وكانت قلقة في مكانها نافرة من موضعها فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن والنزول في غير أوطانها، فإنك إذن لم تتعاط قرض الشعر الموزون"([12]

     إن ما جاء به بشر بن المعتمر إنما يدور حول علاقة اللفظ بالمعنى، فهو يرى في القول الأول على المتكلم أن يبتعد عن التوعر ( الوحشي من الكلام) الذي يسلم إلى التعقيد، ويبحث عن الألفاظ الكريمة للمعاني الكريمة. وفي القول الثاني يتحدث عن قرض الشعر فيرى أنه يجب على الشاعر أن يكون طبعيا مبتعدا عن الصنعة في كلامه بمعنى أن يضع الكلام في مواضعه، وهذا كله إشارة إلى مصطلح النظم الذي لم يذكره بشر.

3 ـ الجاحظ  تـ:255هـ:

     فرّق الجاحظ بين نظم الكلام ونظم القرآن([13]) إن الجاحظ لم يشر هو الآخر إلى مصطلح النظم وإنما أشار إلى الآتي: "وأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج فيُعلم بذلك أنه أفرِغ إفراغا جيدا، وسبِك سبكا واحدا. فهو يجري على اللسان كما يجري على الرهان"([14]) فقد ذكر الجاحظ (التلاحم، والسبك، والإفراغ)، كما تحدث عن اللفظة المفردة واشترط فيه شروطا، هي: "ومتى كان اللفظ أيضا كريما في نفسه متخيرا في جنسه، وكان سليما من الفضول بريئا من التعقيد حبب إلى النفوس، واتصل بالأذهان والتحم بالعقول وهشت إليه الأسماع وارتاحت إليه القلوب وخف على ألسن الرواة"([15])؛ إن الجاحظ  يجعل تلاحم أجزاء الكلام وحسن سبكه وإفراغه واختيار ألفاظه وبعده عن التعقيد مما يسهل وصوله إلى النفوس وفهمه، ومن هنا يبرز لنا اهتمام الجاحظ بالنظم.  

4 ـ أبو سليمان بن محمد بن إبراهيم الخطابي تـ:388هـ:

     تحدث الخطابي عن النظم في كتابه (بيان إعجاز القرآن) وأكمل ما جاء به الروماني لمسألة النظم بمعنى التأليف، وما تخضع له الألفاظ والمعاني من أمور لتمام هذا النظم والتأليف، فعرض الخطابي للعبارة كوحدة متكاملة في لفظها ومعناها ونظمها وكان تركيزه شديدا على موضوع النظم([16])، ويرى الخطابي أن كل كلام يقوم على لفظ حامل، ومعنى قائم، ورباط لهما ناظم؛ فهو كلام مستقيم بليغ([17])، وبذلك يكشف الخطابي عن نوع من الإحساس بانتظام عناصر النص الأدبي في وحدة خفية، مما يعطي النظم مفهوما جديدا يزداد وضوحا مع من جاء بعده.      

5 ــ أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني تـ:403هـ:

     اهتم الباقلاني بالنظم وبفنون البديع في القرآن الكريم ومعه يبدأ مصطلح النظم النقدي في الظهور إلا أنه لم يكن يستند إلى قواعد لغوية أو نحوية فهو يقول عن نظم القرآن: "وقد تأملنا نظم القرآن، فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه… على حد واحد في حسن النظم، وبديع التأليف والرصف، لا تفاوتَ فيه ولا انحطاط عن المنزلة العليا"([18]) فهو يرى بأن نظم القرآن مختلف عن كل جميع وجوه النظم المعتادة، وعلى هذا فهو لم يشذ عن إعطاء النظم ذلك المدلول الذي أطلقه عليه سابقوه؛ ألا وهو التأليف والضم والرصف غير مستند إلى أساس لغوي أو نحوي. ويقول معددا أوجه النظم في القرآن الكريم: "وهو أن عجيب نظمه، وبديع تأليفه لا تفاوت ولا تباين، على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها"([19])

6 ــ القاضي عبد الجبار تـ:415هـ:

     مع القاضي عبد الجبار زاد المصطلح وضوحا وبدأت الأسس اللغوية والنحوية لهذا المصطلح تتشكل بوضوح حيث يرى أن اللفظة لا تكون لها قيمة خارج التركيب، فلا تكون فصيحة ذات دلالة إلا وهي داخل التركيب، وهذا تحديد منه لم يُسبق له من قبل في هذا المجال. فهو يورد نصا لشيخه أبي هاشم يحدد فيه فهمه للفصاحة والنظم: "إنما يكون الكلام فصيحا لجزالة لفظه، وحسن معناه، ولا بد من اعتبار الأمرين، لأنه لو كان جزل اللفظ، ركيك المعنى لم يعد فصيحا، فإذن يجب أن يكون جامعا لهذين الأمرين، وليس فصاحة الكلام بأن يكون له نظم مخصوص، لأن الخطيب عندهم قد يكون أفصح من الشاعر، والنظم مختلف إذا أريد بالنظم اختلاف الطريقة"([20]) من خلال هذا القول يتبين لنا أن القاضي عبد الجبار قد أدرك دور النظم في الفصاحة وإيصال المعنى المراد. ويعد هذا بداية تشكيل الأسس اللغوية والنحوية للنظم.   

     جئنا بهذه النماذج من العلماء الذين تطور مصطلح النظم على أيديهم. كما حاولنا أن نبين مفهومهم له عبر أزمنة مختلفة قبل عبد القاهر الجرجاني. فلمسنا لديهم تطورا واتضاحا لهذا المصطلح من زمن لآخر. فلقد بدا النظم فضفاضا قابلا لاستيعاب دلالات مختلفة عبر الزمن؛ فمن ثنائية اللفظ والمعنى التي تحدث عنها كل من سيبويه وبشر بن المعتمر، إلى السبك والرصف والتأليف عند الجاحظ والخطابي. وصولا إلى بداية الأسس الأولى اللغوية والنحوية للنظم عند القاضي عبد الجبار. ومن هنا استقام في أذهانهم رؤية النص الأدبي من منظور ثنائية اللفظ والمعنى، دون أن يتخلوا عن الضابط لهذين العنصرين واللاحم لهما، مصطلحين على تسمية هذه العلاقة الضامة لعناصر النص باصطلاحات مترادفة كالسبك، والتأليف، والرصف. فكيف ينظر عبد القاهر الجرجاني إلى مصطلح النظم؟

 

النظم عند عبد القاهر الجرجاني تـ:474هـ:

     لم يكن "لعبد القاهر الجرجاني" بد وبين يديه مقاييس في تعليل بنية النص الأدبي، وفصاحته من أن يعيد التأسيس. شأنه في ذلك شأن كل ذهن عبقري يجد نفسه في ملتقى طرائق التعليل المتنوعة للظاهرة الواحدة([21])، فكان منه أن وضع مفهوما جديدا للنظم لم يسبقه إليه أحد من قبله فقال: "واعلم أن ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو، وتعمل على قوانينه وأصوله، وتعرف مناهجه التي نهجت فلا تزيغ عنها، وتحفظ الرسوم التي رسمت لك فلا تخل بشيء منها"([22])

     إن عبد القاهر الجرجاني يعد مطورا لإنجازات البلاغيين الذين كانوا قبله بتقديمه نظرية لغوية متكاملة عرفت بنظرية "النظم" يقول محمد مندور: " فمنهج هذا المفكر العميق الدقيق هو منهج النقد اللغوي، منهج النحو، على أن نفهم من النحو أنه العلم الذي يبحث في العلاقات التي تقيمها اللغة بين الأشياء"([23])، ومنهج عبد القاهر في النقد قائم على النحو والمعاني الذي مرده إلى النظم وطريقته([24])

ويقوم النظم عند الجرجاني على:

 1 ـ توخي معاني النحو:

     إن النحو نظام اللغة وقانونها الصارم، وهو الواقي من الخطأ ويرى الجرجاني بأن النظم لا يحصل إلا بترتيب الألفاظ التي هي خدم للمعاني وخاضعة للنحو، وتوخي النحو يقصد به توخي تلك المعاني التي لا تخالف المنطق العقلي، ولا اللغوي، وتوخي النحو يعني مراعاة الذوق الدقيقة في مراعاة التأليف، فينظر مثلا في الخبر وضروبه ووجوهه مثل القول: "زيد منطلق، زيد ينطلق، ينطلق زيد، منطلق زيد، المنطلق زيد، زيد هو المنطلق، زيد هو منطلق"([25])، فيتم النظر في الخبر و الوجوه التي يقتضيها، والشرط وحالته، والحال و الوجوه التي تراها فيه مثل قولك: "جاءني زيد مسرعاً، وجاءني يسرع، وجاءني وهو مسرع، وجاءني وهو يسرع، وجاءني وقد أسرع"([26])، ومعرفة موضع كل منها ومتى يجوز استعماله وهكذا يتبين ان النظم يقوم أساسا على معاني النحو وبدونه فلا قيمة لنظم ولا استقامة له

كما يرى الجرجاني أنه من عوامل مراعاة النحو؛ عامل التقديم والتأخير ويقول في ذلك: "هو باب كثير الفوائد، جم المحاسن واسع التصرف جيد العناية لا يزال يفتر لك عن بديعة ويفضي بك إلى لطيفة ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه ويلطف لديك موقعه ثم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قُدِم فيه شيء وحول اللفظ عن مكانه إلى مكان"([27]).  

2-لا فصاحة للفظة المفردة :

     وهذا ما تكرر في كلام الجرجاني غير ما مرة وهذا بمراعاة العلاقات النحوية التي تفيدها في الجمل، وهو ينكر وجود جمال اللفظة خارج نطاق النظم، وهذا يتضح من خلال جمال اللفظة في مكان وقبحها في آخر:

قول البحتري: 

                   أني وان بلغتني شرف الغنى        أحققت من رق المطامع اخدعي

وقول أبي تمام: 

                   يا دهر قم من أخدعيـك فقـد        اضججت هذا الأنـــــام من خرقك

     فترى كيف أن لفظة الأخدع كانت جيدة في قول البحتري، وقبيحة في قول أبي تمام، وعليه فالألفاظ  لا تتفاضل من حيث هي مجردة ولا مفردة (الجانب المعجمي)، وهذا لا يدل على حذاقة اللغة بقدر ما يدل عليه معرفة ضم الكلمات بعضها إلى بعض، والجرجاني موقفه في النظم ثابت قائم على المعنى ويرفض تفاضل اللفظ مفردا، ويرى أن الألفاظ المنظومة لاحقة للأفكار فهو يترك الترتيب لمرحلة لاحقة بعد أن تكون المعاني مقدرة في النفس وهذا تصريح بأولوية المعنى ([28])، يقول الجرجاني: "وان العلم بمواقع المعاني في النفس علم بمواقع  الألفاظ الدالة عليها في المنطق"([29])

3-النظم واللفظ والمعنى:

     إن الجرجاني أعاد النظر في قضية اللفظ والمعنى وثار ضد الفصل بينهما، وأكد على ثنائية اللفظ والمعنى؛ فهو يرى أن العبرة في مدلول  العبارات لا في العبارات نفسها، وعليه فالمعاني تتزايد وإنما التزايد معلق بالألفاظ والربط بين اللفظ والمعنى لا يكون إلا عن طريق معاني النحو واحترام قواعده، إن نظم الكلم هي التي تقتضي آثار الألفاظ وترتبها على حسب ترتيب المعاني في النفس([30])

     نظرية النظم تقوم على أساس المعاني إذ لا قيمة للألفاظ المفردة؛ إذ هي تابعة للمعاني لاحقة لها لا يتم التعبير دون مراعاة معاني النحو، يقول الدكتور: "فالمعنى هو كيفية النظم على عكس ما كان يعتقد من أن المعنى يوجد ما قبل النظم يستدعى عاريا ويؤدى بهذه النسبة أو تلك"([31])

      راح الجرجاني في مواضع عديدة من "دلائل الإعجاز" يرد على الذين قالوا بتقديم اللفظ دون معرفة المعنى، ومن ذلك يتضح بجلاء تفريق الجرجاني بين اللفظ وبين صورة المعنى، وبشكل خاص حينما يفسر قول الجاحظ "المعاني مطروحة في الطريق"([32])، ويرفض الجرجاني القسمة التي تداولت بين النقاد قبله وهي اعتبار الشعر لفظا ومعنى لا ثالث لهما. فقد عاب هذا على أولئك النقاد وعلى الأخص ابن قتيبة، و اعتبر الصورة مع اللفظ والمعنى، ووهي تعبير عن النظم؛ إذ لا يوجد في نظره معان عارية، إنما هناك معان خاصة هي الصورة، فهو يرى لا وجود لمعنى دون لفظ، وبذلك يقترب من توحيد اللفظ بالمعنى في حيز الدلالة([33])؛ بحيث إذا تغير اللفظ لزمه تغيير المعنى. كما يردّ على من يدّعي إمكانية تزايد الألفاظ فيقول: " مما تجدهم يعتمدونه ويرجعون إليه قولهم ان المعاني لا تتزايد وإنما تتزايد الألفاظ، وهذا كلام إذا تأملته لم تجد له معنى يصح عليه غير أن تجعل تزايد الألفاظ عبارة عن المزايا التي تحدث من توخي معاني النحو وأحكامه في بين الكلم لأن التزايد في الألفاظ من حيث هي ألفاظ ونطق لسان محال"([34])

4- النظم والجانب العقلي والنفسي:

     بما إن اللغة عند الجرجاني هي المنطق و التصور الذهني أو هي ما يقوم به المتكلم و المخاطب من علاقات فان النظم قائم على التفكير والتروي ويقول الجرجاني : "وجملة الأمر أنه لا يكون ترتيب في شيء حتى يكون هناك قصد إلى صورة وصفة، وإن لم يقدم فيه ما قدم، أو ولم يؤخر ما أخر، و بدأ بالذي ثنى أو ثنى بالذي ثلث به لم تحصل لك تلك الصورة و تلك الصورة"([35]) وعليه فالفكرة تكون قبل النطق بها والجانب العقلي هو العامل  الأساسي في عملية النظم (فكل كلمة لها عشها المناسب لها والذي نبتت فيه فلا يمكنها أن تعيش خارجه )([36]) 

5-التأليف بطرق التعلق:

     ويقصد بالتعلق الإسناد فلا فعل دون فاعل، فالجرجاني يعد النحو هو النظم ولا نظم دون توخي معاني النحو، ونقد الجاحظ حين قال بان الشعر صناعة فرد عليه بان الصنعة تهتم بالشكل فقط ولا يمكن للنظم أن يقوم على اللفظ فقط، ويصح أن تقول أن التأليف بطرق التعلق تنتظمها معطيات داخل الجملة بشكل تام متكامل ليحصل النظام اللغوي،و يكون ذلك بترتيب المعاني في النفس أولا ثم التعليق على الأصوات والألفاظ وما تؤديه من معاني ويليه ترتيب الكلم  ثم اعتماد معاني النحو([37]).

     ما جاء به الجرجاني لا يعدو أن يكون تطورا في فهم النظم وتأكيدا لأسسه الملتمسة في طرائق الضم والتركيب اللغوي مع ما يتضمنه من نفي للفصاحة عن اللفظة المفردة، وجعلها عالقة بالسياق مما قد يوحي بأن طرائق التركيب هذه تنحصر فعاليتها في الألفاظ المتضامة وفق الموقع، والإعراب.

النظم بعد الجرجاني:

     لم تتوقف دراسة مصطلح النظم في النقد العربي عند لجرجاني فحسب، بل خاض علماء فيه بعد الجرجاني ولكنهم لم يأتوا بالجديد ولا خلافه، بل ساروا على منواله يقرّون ما أقرّ، ويرفضون ما رفض إلا في القليل النادر.

الزمخشري تـ:527هـ:

     لم يؤلف الزمخشري كتابا خاصا في النظم، لكنه تعرض للمصطلح من خلال حديثه عن الإعجاز في القرآن الكريم في كتابه "الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل"، ما كان الزمخشري في كتابه الكشاف ليقف عند كل آية من آي القرآن الكريم مفسرا وشارحا، إنما كانت عينه متطلّعة إلى الكشف عن إعجاز النظم القرآني وأسراره في المفردات و التراكيب على السواء؛ فقد حاول أن يبرز مواطن الإعجاز في نظم القرآن عند تقديم كلمة على كلمة،أو اختيار كلمة بدل كلمة،أو حرف مكان حرف.([38])        

      إذا كان الجرجاني اعتمد على موروث العرب من الشعر العربي القديم والحديث النبوي الشريف ليثبت براعة نظم القرآن الكريم،  فإن الزمخشري اتخذ القرآن ميدانا له لإبراز عجيب نظمه وتأليفه الذي أعجز العرب حتى تحدى الناس جميعا، يقول الزمخشري في مقدمة الكشاف: "أنشأه كتابا ساطعا تبيانه، قاطعا برهانه، وحيا ناطقا ببيانات وحجج قرآنا عربيا غير ذي عوج، مفتاحا……معجزا باقيا دون كل معجزة… أفحم به من طولب بمعارضته من العرب العرباء، وأبكم به من تحدى به مصاقع الخطباء"([39])، إن الزمخشري كان يقف عند كل سورة من سور القرآن الكريم، بل عند كل آية من آيه موقف المتأمل الأديب الباحث عن أسرار النظم والتأليف في تلك الآيات.

وغير الزمخشري كثير ممن بحثوا في المصطلح النقدي "النظم"، حتى وصلوا فيه إلى المستوى الصوتي في نظم اللفظ يقول مصطفى صادق الرافعي عن نظم اللفظة القرآنية: "إن طريقة نظم القرآن تجري على استواء واحد في تركيب الحروف باعتبار من أصواتها ومخارجها،وفي التمكن للمعنى بحس الكلمة وصفتها،ثم الافتنان فيه بوضعها من الكلام..."([40])

الخاتمة:

      من خلال تتبعنا لمصطلح النظم عبر العصور والأزمنة المختلفة يمكننا الإقرار في ختام هذه المداخلة، إلى النتائج الآتية:

1)    اهتمام العرب القدامى بالجانب النقدي منذ عصور قديمة، عرف خلالها النقد تطورا كبيرا.

2)  حرص العرب على اللغة العربية وفهم القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف كان من أهم الدوافع التي أدت إلى تطور المصطلح النقدي.

3)  البحث عن أوجه الإعجاز القرآني في القرآن الكريم، والإعجاز النبوي في الحديث الشريف، كان وراء ميلاد مصطلح "النظم".

4)  المصطلح النقدي "النظم" الذي وصل إلى تشكيل نظرية قائمة بذاتها عرف تطورا وتقدما على يد نقاد كان لهم الباع الطويل في الدراسة النقدية عبر أزمنة متقاربة من بينهم الجاحظ، الباقلاني، الخطابي، الجرجاني.

5)    قبل تشكيل نظرية النظم عرف المصطلح تسميات كثيرة منها: السبك، الرصف، الائتلاف...

6)  عبقرية الجرجاني وفهمه الدقيق والعميق للغة وكذا جهود السابقين له مكنه من الوصول بهذا المصطلح إلى ما وصل إليه في محاولة لإثبات الإعجاز القرآني والنبوي.

 



[1] ـــ الخليل بن أحمد الفراهيدي، كتاب العين، تح: مهدي المخزومي، وإبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، د ط، د ت،8/165.

[2]  ــــ الجوهري، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تح: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط: 03، 1404هـ ــ 1984م، مادة (نظم)، ص: 2041.

[3] ــــ محمد بن ابي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح، دار الكتاب العربي، بيروت لبنان، د ط، 1401هـ ـ 1981م.ص: 668.

[4] ــــ ابن منظور، لسان العرب، دار صادر، ط: 03 ، 2004م 12/578.

[5] ــــ أحمد بن محمد بن علي المقري الفيومي، المصباح المنير، 2/612.

[6] ـــــ صالح بلعيد، نظرية النظم، ص:161، نقلا عن فخر الدين الرازي، نهاية الإيجاز في دراية الإعجاز.

[7]  ـــــ عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، تح: السيد محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت، لبنان، ط: 3 ، 1422هـ ـ 2001م،ص: 63.

[8] ــــ صالح بلعيد، نظرية النظم، ص: 93.

[9] ـــــ مصطفى صادق الرافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ص: 48.

[10] ــــ سيبويه، الكتاب، تح: محمد عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، لبنان، ط: 1، د ت،1/8.

[11] ــــ الجاحظ، البيان والتبيين،

[12] ــــ المصدر السابق.

[13]  ــــــ يذكر أن للجاحظ كتابا سماه نظم القرآن لكنه لم يصل إلينا.

[14] ــــ المرجع نفسه، ص: 49-50.

[15] ــــ الجاحظ، البيان والتبيين، 1/217.

[16] ــــ صلاح الدين محمد عبد التواب، النقد الأدبي دراسات نقدية وأدبية حول إعجاز القرآن، ص: 76-77.

[17]  ــــــ مليكة النوي، مقاربة بين الأسلوبية ونظرية النظم، رسالة دكتوراة، جامعة باتنة، 1429/ 1430هـ ـــ 2008/2009م، ص: 148.

[18] ــــ أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، إعجاز القرآن، ص: 31-32.

[19] ـــــ المصدر السابق، ص

[20] ـــــ الأخضر جمعي، في التفكير النقدي والبلاغي عند العرب، من منشورات اتحاد كتاب العرب، دمشق، 2001م، ص: 171، نقلا عن القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب التوحيد والعدل في إعجاز القرآن، 16/ 197.

[21]  ـــــ ينظر: الأخضر جمعي، ص: 185.

[22] ـــــ عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص: 63.

[23]  ـــــ محمد مندور، النقد المنهجي عند العرب، دار نهضة مصر للطباعة والنشر، د ط، 1996م، ص: 336.

[24]  ــــــ ينظر: المرجع السابق، ص: 337.

[25]  ـــــ عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص: 59-60.

[26]  ــــــ المصدر السابق.

[27] ـــــ المصدر السابق، ص: 76-77.

[28] ـــــ ينظر: جودت فخر الدين، شكل القصيدة العربية، ص: 53 .

[29] ـــــ الجرجاني، دلائل الإعجاز للجرجاني، ص: 44 .

[30]  ـــــ ينظر: صالح بلعيد، نظرية النظم، ص: 139 .

[31] ـــــ المرجع السابق، ص 50 .

[32]  ــــــ ينظر: جودت فخر الدين، شكل القصيدة العربية...، ص: 52.

[33] ــــــ المرجع نفسه الصفحة نفسها .

[34] ــــــ الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص: 302 .

[35]  ــــــ الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص: 284 .

[36]  ــــــ صالح بلعيد، نظرية النظم، ص: 139 .

[37] ـــــ ينظر: المرجع السابق، ص: 140 .

[38] ــــــ ينظر: فتحي عبد الفتاح الدجني، الإعجاز النحوي في القرآن، ص: 58 ــــ 59.

[39] ــــــ الزمخشري، مقدمة الكشاف.

[40] ــــــ مصطفى صادق الرافعي، إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، ص: 242.

 

 

 

 Télécharger l'article