Imprimer
Affichages : 3142

سيميائية  الأصوات في الرواية الجزائرية

رواية "غدا يوم جديد" لعبد الحميد بن هدوقة نموذجا

-مقاربة نقدية-

 

 

 

إعداد الدكتور: سعد بولنوار

جامعة الأغواط

 

        إن السرد الروائي يعد شكلا من أشكال التعبير عن القيمة التي تمثلها شخصيات العمل الفني في الرواية بمختلف أبعادها و حيثياتها، حيث يكون العمل في آن واحد مرآة للشخصية من جانب و من جانب آخر يكون كتلة يراد بها الإخبار و الإيصال و التدليل في آن معا، و في حقيقة الأمر هذا لا يكشف إلا من خلال تلك الأصوات التي تخرج من خلال كلام كل شخصية في الرواية، و هذا مهم جدا بالنسبة للقارئ الذي يريد أن يستوعب مجريات سياق المعنى في النصوص العربية على العموم فقد "جاءت رواية الأصوات العربية لتنتزع الرواية العربية من المسار التقليدي ولتضفي عليها بعض الملامح الحداثية الجديدة بقدر لا يغرقها في ‏مظاهر حداثية سائبة البنية، ولا يلقي بها في أتون غموض مفرط. لأنها رواية تتبنى وجهات النظر في قضايا حياتية وسياسية واجتماعية لم تحسم بعد….. وهي رواية ألغت فكرة البطولة المركزية لأنها انفتحت على أصوات، ولم تحجم برؤية أحادية مغلقة مهما كانت أهميتها، ولأنها رواية تأبى الرؤية الأحادية فكان من الطبيعي ألا نقع على نهاية تتوج الأحداث بمنظور أحادي، ومن ثم جاءت بنهايات مفتوحة محملة بوجهات النظر المختلفة دونما مصالحة أو توسط، ولذلك فالمروي له والقارئ ـ دائماً ـ مع الأصوات في حالة انتظار، لأن الخلافات الفكرية بين الأصوات مازالت قائمة ما تدفقت الحياة"[1]، و هذا يعد في العرف الباختيني أمراً مسلماً بواقعيته باعتبار أن الأصوات تشكل وحدات إيديولوجية مهمة، دورها يكمن في توجيه السرد بحسب مقتضيات فكر الشخصيات، وذلك أن ( باختين ) يرفض " التصور التقليدي الذي يرتاح إلى (الكلمات الميتة ) أو إلى ( الكلمة المحايدة ) كما يقول ويذهب إلى ( الكلمة المشخـصة ) التي يساوي وجودها وجود كلمات الآخرين فيها قبولا أو رفضا أو تقاطعا"[2]، و هذا مهم جدا في طرح هذه المقاربة النسبية للأصوات فـ"لقد تضمنت تخريجات (باختين) النظرية ما مفاده أن اللغة تحضر داخل النص الروائي كقيمة دلالية، وحمولة أيديولوجية تكشف عن منظور المتكلم، ولكي يساهم الخطاب اللغوي للشخصية الروائية في هذا الحضور الدلالي، ينبغي أن تصير صوتاً يعبر عن موقفه دون سيطرة منظور الكاتب الأحادي. وقد صاغ (باختين) هذا التصور للشخصية –الصوت في نظريته من خلال ما اصطلح على تسميته بـ (تعدد الأصوات) (Polyphonie) وهو مفهوم يسمح بانفلات النص من تحكم المنظور الواحد. نظراً لكونه يتأسس على تعدد الأصوات التي تعني في جوهرها تعدد المنظورات. فمع هذا المفهوم يغادر النص الروائي أحادية المنظور الموجه للنظام السردي في الرواية التي تتقدم فيها الأحداث تبعاً لوجهة نظر واحدة تحقق إمكانية تواجد وجهات نظر أخرى مناقضة لها من جهة، وتفرض على القارئ حقيقة واحدة من جهة ثانية، حيث تنعدم في القارئ كل فعالية، ويموت النص مع هذا النظام التركيبي الذي يتقدم كبنية منغلقة.‏  من هذا المنطلق، يساهم (تعدد الأصوات) في انفتاح الرواية على لغات عدة، ذلك لأن حضور الصوت –حسب طرح باختين وتجريب دوستوفيسكي- يعني حضور نمط من الوعي"[3]، فالمساءلات التي توجد بخصوص صلة الأدب الروائي بالواقع ينبغي أن تجيب عن أسئلة من قبيل: "هل وظيفة الأدب أن يسجل الواقع أم ينير، بل يبتكر , إمكانيات جديدة، و أية قيمة تكمن في مجرد تسجيل الواقع، و هل من الممكن نقل الواقع إذا لم يكن الإدراك نقيا و كانت الأداة اللغوية لابد أن تأثر في موضوعها، و كيف للمرء أن يحاكم الأدب على أساس أمانته للواقع حين يكون الواقعي ذاته مراوغا و متعددا؟ هذه الأسئلة و أمثالها تجد مجالها في الفلسفة و علم الجمال، و لكن يجب أن تدخل في النقد"[4]، و هذا ما عناه تودوروف حينما قال: "لكي نتمكن من الحديث عن دلالة الرسائل عامة، و ليس كسيرورة روائية فحسب، علينا في البداية أن نتخذ وجهة نظر الشخصيات، لا وجهة نظرنا كقراء للرواية، و النقاش الذي يدور بين الشخصيات حول موضوع «الرسالة» سيبرز مختلف مظاهر الرسالة، و كذلك صفات العملية التي يكتسي هذا الموضوع معناه أثناءها"[5] غير أننا إذا ما عقدنا الصلة مابين الأصوات في الرواية و و ما تعبر عنه في الواقع ربما أمكننا أن نلج إلى مدخل لبعض الأجوبة، إذاً فالأصوات الروائية ضمن منطوقاتها السردية تشكل وحدات سيميائية، تتشارك أحيانا في أبعادها الدلالية و تختلف أحيانا أخرى حين يستوجب الخلاف، إذ أنه "في سياق الرواية يصبح ما ينطق به البطل بأهمية ما لا ينطق به، كما أن القول نفسه يصبح أداة موصلة و مانعة فهو صدق و كذب، أمانة و خيانة. و هذا التوكيد على فعل القول و التأرجح بين إمكانية القول و استحالته إنما يمثل ارتداداً ذاتياً للرواية"[6] ، و يتجلى هذا في صيغ خطابية مهمة يمكن أن نمثل لها بما أشار إليه سعيد يقطين في ما يلي:[7]



 
 

Télécharger l'article