جامعة وهران-السانيا-

كلية الآداب واللغات والفنون                                              قسم اللغة العربية وآدابها

 

 

عنوان المداخلة : التمثلات المعرفية والأنساق الثقافية في النص الروائي الجزائري ناتج تعالق الفهم والتواصل والممارسات الثقافية .

 

  

 

 

   الرواية صعيد زلق ، يفترش المعرفي ويتأثث بالتاريخي والاجتماعي والجمالي. وخطاب أدبي دال وعاكس للمعارف والممارسات الثقافية ، وهو مادة ثقافية تبلور التصورات والممارسات السائدة فتحولها إلى رموز وإحالات تحيل على انساق ثقافية تتحرك في المجال الثقافي لعصر النص.

     فالمجتمع ينتج ثقافة ويبدع رموزا انطلاقا من وجود علاقات وثيقة بين الصور الذهنية والممارسات المختلفة التي تسجلها الذاكرة بوصفها أسلوبا من أساليب التعبير عن الهوية ونقل المعرفة والثقافة،وانساقا مهيمنة تسهم في تحريك الذائقة وتطعيم الإبداع –الرواية في موضوعنا هذا-.

السؤال الذي يطرح هو : كيف تتمكن الأنساق الثقافية من استثمار ذلك التنوع والتشابك فتبلوره (نصا) ؟ أو كيف تجعل النص الروائي  مفهوما ومتمثلا وكاشفا ثم ناقلا(تواصل-تداول)  للثقافة التي أنتجته وأثرت مخياله و لغته؟.

للإجابة عن الإشكالية  لا بد من بلورة خطوات منهجية ،تفرضها منهجية البحث العلمي الدقيق،إذ تتفرع الإشكالية إلى أسئلة جزئية ،تشكل الإجابة عليها ثمرة البحث ونتائجه.والنص الروائي الجزائري في بنيته  ينفرد بتمثلاته المعرفية،وأنساقه الثقافية المضمرة ،ويشكل أرضية مشتركة تمنحه الخصوصية والتفرد ،الناتجة حتما عن تفاعل مستويات من الفهم والتواصل والتداول ،والتي تتكامل وتلتقي في آليات موحدة لإنتاج النص والمعنى أو الموضوع الجمالي في النص الروائي.

   من مبدأ يعتبر التواصل عملية تبنى أساسا على تبادل الرموز المختلفة واللغوية منها على وجه الخصوص،من أجل تحقيق التفاهم والتفاعل بين الأشخاص.شريطة أن يتحقق الاشتراك  بحيث يكون "...سلوك يهدف إلى التأثير في الغير، في إطار قواعد اجتماعية من طرف وضعية الشريك وخصوصياته، فهو يكتسي تعاقدا ضمنيا، وتشاركا بين الفاعلين الأساسيين ..."(1)،ولا يتحقق الاشتراك إلا من أجل تحقيق التفاعل  الذي يعتبر "...نوع من التفاعل الهادف إلى خلق تفاهم بين مجموعة الذوات داخل مجال عمومي..."(2)،وهما ركيزتا العملية التواصلية ، بطريقة تبادلية وتوافقية بين طرفين أو متحدثين، ويحدث الخلل في حال الإخلال بين الأطراف في مجال الفهم والتبادل والاشتراك، ويكون منشأه الأداة الأولى وهي اللغة أو مجموعة الرموز التي تتطلب تحديدا مشتركا،حيث أصبح تحديد هذا التشابك والعلاقات هو موضوع المعرفة والنقد(3) ،من حيث أن ما لا يتفق على معناه وتشترك فيه لا يمكن أن يحقق التواصل .

   من هذا المنطلق فأن الأرضية المؤسسة للفهم والتبادل هي الثقافة المشتركة ،التي تتقاسمها الذوات المعرفية الباث أو الكاتب والمتلقي ،ويتشاركان في أنساقها باعتبار النص ظاهرة ثقافية(4)

، أما النص الأدبي فهو بنية مادية وبمكونات بنيوية أولا ، ومن جهة أخرى هو موضوع جمالي يتجسد في المعنى ،الذي يسعى العمل الأدبي إلى تشكيله عبر القارئ كما أرسته نظريات القراءة ، إلا أن تحقق الاشتراك يتم حين تقوم الذات القارئة بإنتاج المعنى او الموضوع الجمالي ،وتظل البنية المادية للنص الشرط الأساسي والضامن لعدم انفلات الفهم والتخييل.

  يحمل الخطاب الروائي في تجلياته النصية طابعا واقعيا وتوثيقيا ،يشتغل فيه التخييل في نسق سردي منسجم يساهم في بناء دلالات خاصة وتمرير دلالات وقيم محددة.لإعادة بناء الوقائع واستيعاب التمثلات "...ينتج عن الذهن...مشروطا بالخضوع لآليات الإدراك ..."(5) فهو نص أدبي-تاريخي مشترك  ذو طابع حكائي يحمل مقومات السيرة الذاتية والتراجم الشخصية ،يعكس نماذج من الرحلة ،يشتمل على  العجائبي والأسطوري والرمزي ،يستند على التاريخ والوصف والمكان والزمان ،وكلها تعتبر مقومات السردية في مختلف تجلياتها. وهو ما يعكس"... انفتاح السردي على حقول معرفية قريبة تطعمها وتمكن الدارس من استغلال نتائج الوصف البنيوي في بناء انساق دلالية خاصة..."(6) ،الآمر الذي يعين على فهم التنوع في الخطابات المنتجة ،والتي في غالب الأحوال لم تصنف على أنها ذات طابع سردي وظلت حبيسة فهم تاريخي قاصر ،أبعدها عن حقل الدراسات الأدبية.

ومن أجل استكشاف فعالية عملية التواصل في النص الأدبي ،راح الناقد ينبش ويحفر في مختلف جوانب البحوث حول التواصل وخاصة تلك المتعلقة بالوظيفة الشعرية التي أطلقها البحث حول مفهوم الشعرية والرسالة الادبية وكواد (جاكبسون)الشفرات النصية ،وتطور البحث في هذا المجال مواكبا للتطورات الحاصلة في مختلف العلوم ،وخاصة علوم الاتصال بعد الانفجار التقني الكبير الخاص بالوسائط وتأثير علوم التواصل وفلسفة الاتصال"..وسائل الاتصال إذا فهمناها باعتبارها إشكال وكواد الفعل الرمزي،فهي التي أفضت إلى بعث علوم قديمة مثلا البلاغة والتأويل بما لها من اهتمام بالمرموزات ..."(7)

ونظرا لتشابك الاختصاصات وتداخلها لابد من النظر إلى العملية التواصلية خاصة في مجال النص الأدبي والنقد ،من الضروري مدارستها وكشف خباياها بالطرق التي تسمح بالإفادة من الجديد الحاصل حولها، لعل من القضايا النقدية التي نمت وواكبت تطور تلك العلوم الاتصالية هو الدراسات الثقافية والنقد الثقافي ونقد الأنساق الذي يهتم بتلك التطورات وتأثيراتها،وهذا الذي يظل بعيدا عن النقد الأدبي والروائي خاصة ،ويشكل ضرورة في التأويلية والفهم النصي(8)،كون المستحدث يصنع المعنى والذائقة ويوجه القراءة والتأويل.من اجل ذلك نقترح خطوات عملية لفهم عملية التواصل وتأثيرها في النص وإسهامها في القراءات النقدية.

 

 

Télécharger l'article