أنثى السراب أم امرأة السراب ؟

أسماء بنعدادة

شعبة علم الاجتماع

جامعة سيدي محمد بن عبد الله، فاس

 

أعتبر أن الحديث عن أعمال أديب من حجم الكاتب الجزائري المتميز واسيني الأعرج ضرب من ضروب المغامرة، بالنسبة لقادمة مثلي من مجال السوسيولوجيا، لكنني أشعر أنها مغامرة جميلة وممكنة، لأن واسيني الإنسان يتفوق على واسيني الكاتب المشهور والحاصل على العديد من الجوائز الأدبية.. أديب يكتب بغزارة مفرطة، بجمالية متفردة، بلغة شاعرية تجعل مشاعر الحب تخترق جل العلاقات خاصة علاقته بالمرأة التي منحها مساحة واسعة في رواياته وأفصح عن عشقه لها وتقديره لحضورها في حياته. المرأة المتعددة الكيانات، الجدة، الأم، الحبيبة والصديقة، فواسيني عالم خاص، لغة خاصة، مناخات خاصة، وأنت تقرأ رواياته، تشعر بألفة وحميمية نادرا ما تصادفها في كتابات أخرى. جعله هذا التميز واحدا من كبار الروائيين العرب في الفترة الراهنة، وواحد من القلائل الذين لا تمنحهم الشهرة والجوائز إلا مزيدا من حب الآخرين والاقتراب منهم. لهذا ستكون مداخلتي عبارة عن شهادة قارئة شغوفة بالأدب وبالرواية تحديدا، مع السماح لملاحظاتي كباحثة سوسيولوجية في قضايا المرأة تحديدا من التدخل.

 



 

بلغة شعرية مكثفة وباذخة، وعبر جغرافية موسعة تتنقل بالقارئ من باريس إلى الجزائر العاصمة، ومن وهران إلى فيينا، ومن بيروت إلى برلينو وجزيرة القديسات.. وبأحداث يتقاطع فيها السياسي والثقافي بالعاطفي والنفسي، وبطرحه لقضايا تدخل في باب المحرم والمدنس وبزعزعته للكثير من الطابوهات الاجتماعية والنفسية وبتكسيره للكثير من الحواجز الثقافية والدينية، أهدانا الأديب واسيني الأعرج رائعته "أنثى السراب"1 وهي رواية خارج المألوف واستثنائية بكل المقاييس. رواية تكشف انهزامات وانتصارات كما أوجاع وأحلام جيل من المثقفين العرب نساء ورجالا، جيل عانى ولا زال من حالة من التمزق بسبب الواقع المعتم والمقنع بسلطة الأعراف والدين، وبجرأة لا تخلو من جمالية مربكة ونظرة نقدية فاحصة كشف لنا بعضا من هذه المعاناة.

 

تدور أحداث الرواية بين شخصيتين رئيسيتين هما سينو الذي هو الكاتب الذي يعلن عن اسمه الحقيقي بالإشارة لأحداث واقعية وإبداعاته السابقة، وامرأة ذات وجهين، ذات حقيقتين ،ليلى/ المرأة الواقعية التي تريد التخلص من مريم/المرأة الورقية، وتستعيد هويتها المسروقة منها.. وظف واسيني الرسائل المتبادلة بينه وبين حبيبته مصحوبة بأسماء الأماكن والأحداث والتواريخ..

 

رحلة ممتعة رسم خيوطها من الواقعي والمتخيل، من الحقيقي والمفترض من الممكن واللاممكن، من المقبول والمرفوض اجتماعيا. أحداث ووقائع كثيرة ومتداخلة بدءا بمرحلة الطفولة، إلى مقامه في باريس مرورا بسنوات الدم والاغتيالات في الجزائر من خلال قصة حب جارف، ممتنع، فيه كثير من الجنون والهبل... بجمالية ساحرة وبلغة فياضة وزاخرة وبحس المغامرة الجياشة يدخل واسيني القارئ مع حبيبته/ الراوية للسكريتوريوم ولا يخرج منه إلا وهو يقرأ آخر سطر وآخر جملة في أنثى السراب .. علاقة حب عاصفة طرفاها المرأة الموسيقية التي تفيض بهاء وحلما وجمالا، المرأة المتزوجة / الأم والبطل الذي هو نفسه الكاتب، المتزوج / الأب. اختراق للمألوف وضرب لكل القواعد الاجتماعية المعمول بها.

 

سأركز في مداخلتي على نقطتين يبدو لي أن الرواية كانت جريئة في طرحهما ومساءلتهما وهما :

 

1 - مؤسسة الزواج كمؤسسة قائمة على التعاقد والإكراه بما تفرضه من قيود نفسية وعاطفية واجتماعية على الزوجين،

 

2 - علاقة الحب بين الرجل والمرأة كعلاقة لا تنشأ إلا داخل الحرية ولا تتغذى وتنمو إلا بها مما يجعلها تتفوق على العلاقة القائمة بين الزوجين داخل مؤسسة الزواج.

 

لقد ساءل الكاتب من خلال أنثى السراب هذه المؤسسة بجرأة كبيرة وبشفافية لاذعة لم تترك مجالا للهيمنة الذكورية المؤطرة للعلاقات بين الجنسين في مجتمعاتنا العربية، كما نزع عنها طابع القداسة المهيمن وبين الشروخ الداخلية التي تخترقها وعلى رأسها إمكانية موت الحب (لأن ما يقتل العلاقة بين الرجل و المرأة هو الألفة والتكرار والدخول إلى الوظائفيّة والواجب)2 ص 35

 



 

الأنثى أوالمرأة، بين الشحنة الذكورية والنظرة التحررية

 

أنثى السراب، هو العنوان الذي اختاره واسيني لهذا العمل الملحمي، لماذا وظف الكاتب مصطلح الأنثى للحديث عن المرأة؟ هل تعمد استحضار البعد التاريخي المحمل بالثقافة الذكورية لهذا المصطلح والمحمل بدلالات تحصر المرأة في كيانها الأنثوي البيولوجي؟ أم أنه استعمله بشكل عفوي لا يمنح الكلمة أكثر من دلالالتها اللغوية ؟

 

يختلف مصطلح "الأنثى" الذي وظفه الأديب من الناحية السوسيوثقافية عن مصطلح "المرأة"، تحيلنا الأنوثة على الخصائص البيولوجية الطبيعية المرتبطة بالخصوبة وإعادة الإنتاج الطبيعي والثقافي، أما المرأة، فتحيلنا على الخصائص الثقافية والفكرية والاجتماعية التي أنتجها مجتمع معين عبر تاريخه حول كل من المرأة والرجل والعلاقة بينهما.

 

علاقات أسست تاريخيا على تقسيم الأدوار بينهما، فربطت وظيفيا ورمزيا المرأة بالجسد والإنجاب وإعادة الإنتاج، بينما كان للرجل أدوار السلطة بمختلف أوجهها المادية والسياسية والرمزية، فتصبح الأنوثة بخصائصها تقابل الذكورة كنمط تفكير سلطوي يلغي المرأة ويختزلها في أدوار باهتة، الأنوثة بهذا المعنى مرتبطة بصور نمطية سلبية تعيق تحرر المرأة.3

 

السراب كمصطلح ثاني في العنوان، إشارة لما هو منفلت، ضبابي، واهم، لا حقيقة له،4 فمن هي تلك الأنثى التي لا حقيقة لها ؟ هل هي ليلى بطلة الرواية أم مريم المرأة الورقية، أم مايا الطفلة، مشروع امرأة في المستقبل؟

 

إذا حاولنا ربط الدلالة اللغوية والمجازية للعنوان بمضمون الرواية، وخاصة النقطة المتعلقة بالعلاقة بين الرجل والمرأة سواء داخل مؤسسة الزواج أم خارجها، لجاز لنا القول أن وضع المرأة العربية بالدلالة التي تحملها "الأنثى" هو وضع يشبه عموما السراب، هو نوع من الوهم الاجتماعي والانحناء للواقع وإكراها ته المتعددة، رغم كل محاولات الانفلات منه والتحايل عليه.

 

تجعل الرواية من التمرد على الضوابط الاجتماعية والإيمان بقوة المشاعر الجارفة والانسياق نحوها بجنون، إمكانيات لإخراج العلاقات الإنسانية بشكل عام والعلاقة بين الرجل والمرأة بشكل خاص من هذا الوضع. لهذا لم يتوانى البطلان من اختراق كل الممنوعات واختطاف لحظات للحب في أمكنة وأزمنة متعددة. عبر تفاصيل قصة حب مشوقة وقوية هاته، مرر لنا الكاتب مواقف ورؤى حول السياسة والفساد والخيانة والوطن والقيم والوجود الإنساني في بعده الفلسفي..

 



 

الحب بين المقدس والمدنس

 

تضعنا الرواية أمام زخم من الأحداث المتداخلة والمتباينة والمتضاربة حد الاستفزاز، أحداث شبيهة بالعقد أو الألغاز التي يصعب فكها، تجعل القارئ عاجزا عن التمييز بين الواقعي والمتخيل. يمسك الكاتب جيدا بخيوط اللعبة، لكن رهانه هو أن يوقع بالقارئ في فخ الحيرة والتساؤل الدائم "هذا النص الذي أراده صاحبه شرَكًا حقيقيًا" 5 على حد تعبير أحد النقاد.

 

بانورما الأحداث

 

تطلب ليلى من سينو أن يتزوجا، يرفض بحجة أن الزواج يقتل الحب "لست مؤهلا لأن أكون زوجا جيدا" 303،

 

يرفض الكاتب مؤسسة الزواج لكنه يتزوج شهرا بعد زواج حبيبته"أكبر حماقة نمارسها هي الزواج... الحرية أولى وأهم من هذه الخسارات" 36.

 

تستمر العلاقة بينهما، بما فيها الحميمية، رغم زواج كل منهما من شخص آخر.

 

البطل والبطلة مرتبطان بعلاقة حب قوية عميقة مما جعلهما يتوجان جنونهما بإنجاب "مايا، ابنتنا الجميلة، التي أحبها واشتركنا في إنجابها في أجمل غابات الدنيا" 161.

 

لم يكن ثمة، في الرواية كلها، إشارة للىشعور بالندم أوالخوف لدى أي من البطلين تجاه زوجه.

 

يضعنا واسيني أمام هذه الوقائع الجميلة والشيقة والمربكة، وفي نفس الوقت المتناقضة والغير مفهومة، ليقول لنا ليس بالعقل وحده تعاش الحياة، فالهبل والجنون هما فلسفة العاشقين. لهذا "فأي محاولة لفهم ذلك خارجها هي ضرب من الجنون الذي لا يوصل إلى أي شيء." 450.

 

هي نظريته الخاصة والمتفردة عن الجنون أو ما يسميه "بالهبل" الكلمة التي تكررت في أنثى السراب العديد من المرات لتأخذ دلالة نفسية وشحنة عاطفية صادقة تعلي من الحب كقيمة إنسانية وجمالية بدونها لا تستقيم الحياة.

 

تماهي المؤلف مع البطل يظهر في الكثير من الأحداث المسجلة بتواريخها وأمكنتها، وهو اختيار واع وإرادي منه. كما أنه دعوة صريحة لزعزعة الثوابت التي تسجن الإنسان، هو نقد لادع للمنظومة الفكرية والاجتماعية السائدة، عبر مؤسسة الزواج التي تدخل الزوجين في روتينية وإجبارية وإكراهات يصعب جدا الانفلات منها. تماهي جعل الرواية قريبة من سيرة ذاتية. بذلك يكون "معارضا الجهد الكبير الذي يبذله عدد كبير من الروائيين لدفع شبهة دخولهم كأبطال في رواياتهم. ويؤكد واسيني وجوده كبطل حقيقي للرواية، في شواهد كثيرة "6

 

يمكن القول أن قصة الحب الجارف بين عاشقين متزوجين هي بمثابة نقد لاذع يوجهه الكاتب لمؤسسة الزواج، يمرر هذا النقد من خلال ثلاث لحظات أو ثلاث اختراقات للمنظومة الاجتماعية، الاختراق الأول هو وجود علاقة حب حميمية بين البطلين امتدت في الزمن، في نفس الوقت الذي كان كل منهما متزوجا. الاختراق الثاني هو إثمار ذاك الحب الجارف لابنتهما مايا. الاختراق الثالث هو احتضان ليلى لمايا في بيت الزوجية. لماذا اختار واسيني مايا، الطفلة وليس زيد أو عمر؟ لماذا المولود بنتا وليس ولدا ؟؟ من هي مايا ومن سيجيبها عن أسئلتها لما تكبر؟ مايا هي تلك الصرخة المدوية التي لم تتوقف بعد ، هي أنثى / امرأة السراب، ستحمل "خطيئة" والديها كاستمرارية لوضع نسائي غير واضح المعالم، لكنها رمز لخلاص المرأة والرجل مستقبلا..

 

أنثى السراب، رواية محملة بعشرات الأسئلة المقلقة، المتمردة والمجددة.. وفق مقاييس جديدة، أشرك واسيني القارئ وأدخله معه في حالة القلق الوجودي التي عاشها قبل وبعد إصابته بالنوبة القلبية.. كأنه يوشوش في أذني القارئ، ويقول له: عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة ، وأنت تقرأني، لا تنسى أن تكسر صمتك وتنزع عنك خوفك، لا تنسى أن تتجدد وتجدد رؤيتك لنفسك وللعالم، لا تنسى أن تسأل وتتساءل، من أنت؟ من الآخر؟ شيء ممكن ما دمت على قيد الحياة، لا تنسى أن تسأل عن مصيرك ودواخلك، فالعالم الذي أنت فيه يمكن أن تعيد صناعته على مقاسك، لا تترك نفسك للقدر، أعلن عن حبك وعشه مهما كانت الإكراهات والضغوطات، فلا المقدس مقدسا ولا المدنس مدنسا، ما هي إلا مفاهيم وتصورات ورثناها عن أجدادنا الذين وضعوها حسب ما يناسب أفراحهم وملذاتهم، الآن يمكنك التمرد عليها وصنع معايير أخرى. لهذا لم تعد المرأة كما كانت في السابق جارية أو محضية أو في أحسن الحالات ذرة، للمرأة اليوم وجه آخر، وأدوار جديدة، هي المثقفة، السياسية، الكاتبة، الفنانة الموسيقية، الشاعرة، يمكنها أن تحب وتحَب بكل ما أوتيت من قوة..فليلى ليست أنثى، ليست امرأة منعزلة بل هي تعبير عن ظاهرة اجتماعية تعيشها النساء بمستويات مختلفة حسب مستوياتهن الاجتماعية والثقافية، كما عبر عن ذلك واسيني نفسه.

 

" أعتقد أنه مثلا في ليلى هناك جزئية يرى فيها الكاتب نفسه لأنه في الظاهر يتعامل مع شخصية اسمها ليلي لكن في العمق فإنه لا يتعامل مع ليلى بل مع ظاهرة. أخذت من ليلى قليلا لكن أخذت في الوقت ذاته من ذاتي ومن محيطي ومن معرفتي بالناس فتكونت عندي رؤية عن المرأة وانطلاقا من هذه الرؤية يمكن أن أبني شخصية معنية وتصبح هذه الشخصية متماوجة بحيث إنها تلبس روح القارئ أو تلبس جزءاً منه الى درجة أن القارئ يشعر أنني أتحدث عنه7 "

 

كنت واحدة من القراء الذين سمعوا وشوشة الكاتب .. ولهذا أنا هنا بينكم اليوم.

 

كلمة أخيرة، الأنثى التي تتحول لامرأة

 

تحظى مؤسسة الزواج في مجتمعاتنا العربية والإسلامية بقداسة تستمد نفسها من الدين والمجتمع والأعراف. ورغم المشاكل الكثيرة التي أصبحت تواجهها، ورغم أشكال الفشل التي تعاني منها، لا زالت تعتبر اجتماعيا وثقافيا المؤسسة النواة في المجتمع. جل الدراسات الاجتماعية التي تنجز حولها لا تتعدى رصد هذه المشاكل وتحديد مصادرها. من هذا المنطلق أعتبر أن واسيني كان جريئا لما انتقدها بحدة واستعمل آلية الهدم والتشكيك فيها، وجعل المدنس يخترقها لتكسير هالة القدسية التي تحظى بها، وذلك ليس بهدف إزالتها بل من أجل إعادة ترميمها وبنائها. وما التناقضات الظاهرة في أحداث الرواية سوى لعبة وضعنا واسيني أمامها ليقول لنا أنه كلما قدسنا المقدس زدنا في تدنيس المدنس. لقد آن الأوان لمنحهما دلالات جديدة. وأضيف، لقد آن الأوان لنتخلص من اختزال المرأة في صورة "الأنثى" والنظر إليها ككائن له كيان مستقل عاقل ومفكر.

 

1 - اعتمدت على أنثى السراب ، طبعة دار الآداب ، بيروت لبنان، طبعة أولى، عام 2010.

 

2 - من رواية أنثى السراب. مرجع مذكور.

 

3- Le féminisme est une doctrine ou une attitude politique, philosophique et sociale, fondée sur l'égalité des sexes. Le féminisme a pour objectifs :la défense des intérêts des femmes dans la société,l'amélioration et l'extension de leurs droits,la fin de l'oppression et des discriminations dont les femmes sont victimes au quotidien,leur émancipation.La pensée féministe cherche, en particulier, l'amélioration du statut des femmes dans les sociétés ayant une tradition bâtie sur l'inégalité des sexes. http://www.toupie.org/Dictionnaire/Feminisme.htm



 

4 - السَّرَابُ : ظاهرة طبيعية ترى كمسطحات الماء تلصق بالأرض عن بعد ، تنشأ عن انكسار الضوء في طبقات الجو عند اشتداد الحر ، وتكثر بخاصة في الصحراء. هُوَ أخْدَعُ مِنَ السَّرَابِ "( مثل ): مَا لاَ حَقِيقَةَ لَهُ .المعجم العربي ، قاموس المعاني. http://www.almaany.com/home.php?language=arabic&lang_name=





 

5 - حافظ محفوظ «أنثى السراب» رواية واسيني الأعرج الجديدة:رواية الرسائل للإمتاع والنسيان ، تونس الصباح، http://www.google.com/webhp?





 

6 - محمد رشيد السعدي / مقال تحت عنوان، أنثى السراب رواية الحداثة العربية. http://www.alrowaee.com/article.php?id=755

 

7 - http://www.khaldia-library.com/2010/05/blog-post_4477.html