سيمياء العنوان في روايات واسيني الأعرج

د. أحمد حمد النعيمي

جامعة البلقاء التطبيقية/ الأردن

قسم العلوم الإنسانيّة

 

المُقدِّمة

 

إذا كانت العلاقة بين الدَّال والمدلول في بعض جوانبها اعتباطية، فإنّها في حالة النَّص الأدبي لا يمكن أن تكون كذلك، فالروائي – والأديب عموماً- يختار لعمله الأدبي عنواناً مقصوداً ومحدداً، ويريد منه أن يكون دالاً على المحتوى، أو مُومِئاً إلى المضمون، أو مُفارِقاً للسائد، أو مُحِيْلاً إلى مرحلة تاريخيّة بعينها، أو مُشيراً إلى زمان أو مكان أو شخصية ما... أو غير ذلك.

 

وترى السيميائيّة بوصفها علم العَلَامة أو علم الإشارة في الإبداع الأدبي، وعناوينه، ومدلولاته حقولاً ذات صلة مباشرة بها؛ ذلك أنّ العنوان هو عتبة النّص الأدبي، وواجهته التي تُغْري القارىء بالإقدام عليه أو الإحجام عنه، أو تدفعه لاتخاذ موقف منه حتى قبل المباشرة في قراءة المحتوى. إنّ عناوين الأعمال الأدبية قد تكون شبيهة بواجهات بعض البيوت التي تدل على طبيعة ساكنيها.

 

تسعى هذه الدِّراسة إلى تحليل مُجْمَل عناوين روايات واسيني الأعرج الصادرة للآن، وإظهار مدى العلاقة أو المطابقة أو المُفارقة بين عنوان كل رواية ومضمونها، وتَطْرَح في سبيل ذلك جملة مِن الأسئلة، مِن بينها: ما علاقة نظريّة الإنعكاس بسيمياء العنوان في روايات واسيني الأعرج، ولماذا نجده يهتم بالعناوين الفرعيَّة كل هذا الاهتمام؟.

 

وقد تَمَّ تبويب هذه الدراسة بحيث تطرَّقت إلى الدِّراسات السابقة، ثمّ وقَفَتْ على السيمياء والسيميائيّة مِن المعنى المُعجمي إلى المعنى الاصطلاحي. وبعد الإشارة إلى واسيني الأعرج ببطاقة تعريفيَّة مختصرة، تنتقل هذه الدراسة إلى الحديث عن أعماله الروائية مِن خلال ربط عناوينها بمضامينها، وتنتهي بخاتمة تُفْصِحُ عن نتائجها.

 



 

الدّراسات السّابقة

 

يذهب كثير مِن الباحثين ونقاد الأدب ودارسيه إلى أنّ العَالِم السويسري فردياند دي سوسير Ferdinand de Saussure (من 1857 إلى 1913) كان مِن أوائل العلماء الذين نَظَروا إلى اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعيّة، كما كان مِن أوائل الذين نَظَروا إلى اللسانيات بوصفها فرعاً مِن عِلْم أشمل يَدْرُسُ الإشارات الصوتيّة واقترح تسميته Semiology ، وقد طَبَّق - في محاضراته التي تَحَدَّث فيها عن عِلم يَدْرُس حياة العلامات في صَدْر الحياة الاجتماعيَّة، ثُمَّ في كتابه: عِلم اللغة العام- كثيراً مِن آرائه على نحو عَمَلِي وعِلْمِي، ثمَّ توالت الدراسات السيميائيّة لتشمل كثيراً مِن جوانب اللغة والأدب والمسرح. وعلى الرّغم مِن ذلك، فإنّ هناك مَن يَرى في أبحاث شارل بيرس Peirce (1857- 1913) السَّباقة إلى التَّنظير لهذا العِلْم، لكنَّها لم تلق اهتماماً كافياً إلاّ عندما قَدَّم دي سوسير بعده بقليل أبحاثه في هذا المضمار، وإضافة إلى أبحاث بيرس ودي سوسير هناك دراسات كاسيرر Cassirer وراسل Russell وجاكبسون Jakobson وغيرهم. (1)

 

وقد أوْلَى عدد مِن علماء الغرب - بعد ذلك- السيمياء والسيميائية اهتمامهم، ومِن بينهم الفيلسوف والروائي الإيطالي أمبرتو إيكو Umberto Eco المولود سنة 1932(2)مِن خلال كتابه "السيميائية وفلسفة اللغة" بخاصّة، وفي هذا الكتاب يذهب إيكو إلى أنّنا "لو أعدنا قراءة تاريخ نشأة الفكر السيميائي لبدا لنا أنّ السيميائيّة ظهرت في البداية باعتبارها فكرة العَلامة، ثمّ تحوّل الاهتمام نحو توليد النّصوص وتأويلها وانحراف التأويلات، ونحو الحوافز الإنتاجية، والمُتعة المتأتيّة مِن توليد الدِّلالة"(3).

 

وكما أوْلَى الغرب الدّراسات السيميائية اهتماماً لافتاً، فقد أولاها عدد من الباحثين والدَّارسين والعلماء العرب اهتماماً أيضاً، ومن هؤلاء زياد جلال مِن خلال كتابه "مدخل إلى السيمياء في المسرح"، والدكتور رشيد بن مالك مِن خلال أطروحته للدكتوراه "السيميائية بين النَّظرية والتَّطبيق"(4)، والدكتور بسام قطوس من خلال كتابه "سيمياء العنوان"(5)، ولعلّه أوّل كتاب خُصِّص بالكامل للنَّظر في العناوين مِن زاوية سيميائيّة، وقد بات بين أيدينا اليوم عدد يستعصي على الإحصاء مِن الدراسات والأبحاث العربيّة التي اهتمت بالسيميائية.

 

مِن السيمياء إلى العنوان: المعنى والدِّلالة

 

لم تكن المعاجم العربيَّة قديمها وحديثها غُفْلاً عن النَّظر في كلمتي سيمياء وعنوان، والخوض في معانيهما، ففي القاموس المحيط نَجِدُ أنَّ "السُّوْمَة، بالضَّم، والسِّيْمة والسِّيْمَاء والسِّيمْيَاء بكسرهِنَّ: العَلَامَة. وسَوَّم الفرس تَسْوِيْماً: جَعَلَ عليه سِيْمَة"(6)، وفي مختار الصحاح نَجِدُ أنّ "السُّومَة: العَلَامَة تُجْعَلُ على الشَّاة، والخَيْلُ المُسَوَّمَة: المَرْعِيَّة، والمُسَوَّمَة، أيضاً، المُعَلَّمَة"(7)، بينما يقول المعجم الوسيط: "السُّوْمَة: السِّمة والعلامة. و- القيمة. يُقال: إنّه لَغالي السُّومة. والسِّيما: العَلَامَة. وفي التنزيل العزيز: "سِيْمَاهُمْ في وُجُوهِهمْ مِنْ أثَرِ السُّجُودِ"(8).

 

أمّا كلمة عنوان فَيَتِمُّ النَّظر إليها في القاموس المحيط على النَّحو التَّالي: "عَنَّ الشيء يَعِنُّ ويَعُنُّ عَنَّاً وعَنَنَاً وعُنوناً: إذا ظَهَرَ أمامك واعترض. وعنوان الكتاب سُمِّيَ لأنَّه يَعِنُّ له مِن ناحيته. وعَنَّ الكتابَ وعَنَّنَهُ وعَنْوَنَهُ وعَنَّاه: كَتَبَ عُنوانه"(9). وفي مختار الصحاح نجد تقارباً بين العنوان والمعاناة: "عَنْوَنَ الكتاب، والاسم العُنوان. والمُعاناة: المُقاسَاة. يقال: عَانَاه، وتَعَنَّاه، وَتَعَنَّى"(10)، ولا يبتعد المعجم الوسيط عن القاموس المحيط كثيراً، ولكنّه يضيف بعض الأمثلة، فيقول: "عَنَّ له الشيء عَنَّاً وعُنوناً: ظهر أمامه واعترض. ويقال: لا أفْعَلَهُ مَا عَنَّ نجم في السَّماء. ويقال: عَنَّ لي الأمر، وعَنَّ بفكري الأمر. و عَنْوَنَ الكتاب: كَتَبَ عُنوانه، والعنوان ما يُستدل به على غيره ومنه عنوان الكتاب. وفي التنزيل العزيز: "وَعَنَتِ الوُجُوهُ لِلْحَيِّ القَيُّومِ وقد خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً"(11).

 

وإذا كانت أهمية السِّياق تَكْمُن في كونه "يحدد معنى الكلمة في الجملة، وليس للكلمة معنى مُحَدَّد خارج السياق"(12)، فإنّ ميزة العنوان أنّه يَحْمِلنا إلى السّياق، وليس العكس؛ ذلك أنّ العنوان - في حالة النَّص الأدبي- هو بوابة السّياق ومفتاحه، وكلما أفضى سياق إلى سياق آخر يظلّ لهذه المتواليات السِّياقيّة سياق كبير وأصيل اسمه عنوان العمل الأدبي؛ لذلك ينبغي النَّظر إلى العنوان بوصفه "واسطة اتّصال بين النّظام السيميائي الذي يرتبط به، وبين المتلقي لهذا النِّظام، وعلى هذا نستنتج وجود ثنائيتين، هما: ثنائية العنوان/ النظام السيميائي، وثنائية العنوان/ المتلقي"(13)، وهو ما يقودنا إلى ضرورة النَّظر في العنوان بمستوياته اللغويّة: الصوتيّة، والصرفيّة، والنَّحويّة، والدِّلاليّة، ثمّ الارتقاء بالدِّراسة إلى مستوى النّص بوصفه جزءاً مِن عملية الاتِّصال"(14).

 

وعلى الرّغم ممَّا أوردناه مِن معاني وأصول عربيّة لكلمة سيمياء، فإنّ هناك مَن يؤكِّد بأنَّ "لفظة السيميولوجيا مشتقة مِن الأصل اليوناني Semeion” الذي يعني علامة، و Logos” الذي يعني خِطَاب" (15).ومِن جهة النَّص الأدبي فقد اختلف السيميائيون في النَّظر إليه ومعالجته؛ ذلك أنَّ هناك مَن يريد معالجته شَكْلانياً، والنَّظر إليه بوصفه كياناً مُغْلقاً على نفسه لا يُحيل خارج ذاته، كما هو حال أتباع المدرسة الشكلانيَّة الروسيّة، وهناك مَن يرى في النَّشاط السيميائي جزءاً مِن الدِّراسات الثّقافيّة (16). ومِن هنا فقد "تجاوز السيميائيون عتبة النَّص الأدبي إلى الاهتمام بالخطابات الأخرى كالخطاب الفلسفي والديني والأدبي الشَّامل، والبحث في جوهر الأنظمة الفكريَّة لهذه الخطابات وصولاً إلى ما دعوه بالقبض على سَيْل المعاني"(17). هذه المسائل وغيرها سوف تقودنا إلى الدِّراسة التَّطبيقيَّة لسيمياء العنوان على روايات واسيني الأعرج، ولكن قَبْلَ ذلك يَحْسُنَ بنا التَّعريف بواسيني نفسه.

 



 

واسيني الأعرج: بطاقة تعريفيَّة

 

روائي وأكاديمي عربي مِن الجزائر، أصاب شهرة عربيّة وعالميّة واسعة الطّيف، فوصَلَت رواياته إلى أيادي عدد كبير مِن القراء الذين تناولوها باهتمام كبير، كما أدرك الباحثون والدارسون وطلاب العلم أهمية مُنجزه السَّردي، فتناولوه بالبحث والدِّراسة، وكتبوا عنه وحوله، وقد عُرف عن واسيني حرصه الدائم على كسر القوالب السرديّة الجاهزة، واجتراح الجديد في الأسلوب والمضمون. لقد تمكَّن ابتداءً مِن "البوابة الزّرقاء" وصولاً إلى "أصابع لوليتا" أنْ يُدهش قارئه ويصدمه أيضاً؛ ذلك أنَّ قارىء واسيني سرعان ما يشعر بأنّه أمام كاتب جريء، مستقل التفكير، عميق الرؤية والرؤيا. والقارىء أو الباحث الذي يختلف معه لا يملك إلاّ أنْ يحترمه.

 

كثيرة هي المعلومات أو البطاقات التّعريفيَّة المتوافرة عن واسيني الأعرج، تجدها هنا وهناك، في كتب ومقالات وأبحاث، وعلى صفحات الأنترنت، ولعلَّ أفضل سيرة توضح مسيرته الإبداعية، والأكاديمية، وتَذْكُر الجوائز التي حصل عليها تلك التي وردت في روايته "أصابع لوليتا"، وبالتَّحديد في الصَّفحات التي تلت نهاية الرِّواية، وهي ما سوف تعتمد عليها هذه البطاقة التعريفية.

 

ولد الدكتور واسيني الأعرج بتاريخ 8/ 8/ 1954 بتلمسان، الجزائر. يشغل اليوم درجة الأستاذيّة، ويعمل في جامعة السوربون بباريس، وجامعة الجزائر المركزيّة، وهو عضو اتِّحاد الكتاب الجزائريين، وعضو مؤسس لجمعية الجاحظيّة، وترأس غير لجنة تحكيم، كما اختير عضواً في الهيئة الاستشارية لجائزة الشيخ زايد للكتاب ما بين الأعوام 2007 و 2010 (18).

 

كَتَبَ وأصْدَرَ للآن قُرَابَة ستاً وعشرين رواية، عدا مجموعاته القصصية، وكتبه النقدية، وقد كانت أولى رواياته بعنوان: "البوابة الزرقاء" وصدرت بدمشق عام 1980، أمّا أحدث رواياته فهي "أصابع لوليتا" التي صدرت بدبي في الإمارات العربيّة المتحدة عام 2012، كما ألّف وأصدر غير كتاب نقدي، مِنها: اتجاهات الرّواية العربية في الجزائر، والجذور التّاريخيّة للواقعيّة في الرّواية، وأنطولوجيا الرواية الجزائرية... وغيرها(19).

 

وقد فاز بغير جائزة أدبيّة، منها: الجائزة التقديريّة الكبرى الممنوحة مِن طرف رئيس الجمهوريّة بالجزائر، سنة 1989، وجائزة الرواية الجزائريّة، سنة 2001، وجائزة قطر العالميّة للرواية عن روايته "سراب الشرق" عام 2005، وجائزة الشيخ زايد للكتاب عن روايته "كتاب الأمير" عام 2007، كما حصل على جائزة الكتاب الذهبي عن روايته "سوناتا لأشباح القدس" عام 2008، وجائزة أفضل رواية عن روايته "البيت الأندلسي" عام 2010... وغيرها(20). والآن نترك جوائز واسيني لنعود إلى عالمه الروائي، وعلى وجه التحديد سيمياء العنوان في رواياته.

 



 



 

واسيني وثنائيَّة العنوان

 

مَا مِن روائي أكْثَرَ مِن استخدام العناوين الفرعيّة كما أكْثَرَ واسيني الأعرج، ولعلّه الأوّل عربياً وعالمياً في هذا المجال، فقد أحصيت له أربع عشرة روايّة رأيتها مرأى العين بعناوين فرعيّة، وهو رقم يشكل أغلبيّة في منجزه الروائي، ولعلّ رواياته التي جاءت خالية مِن العناوين الفرعيّة لم تكن لتحتمل مثل هذه العناوين، أو لعلّه تجاهل وضع عناوين فرعيّة لها في اللحظات الأخيرة قبل إصدارها - لسنا ندري- لكن ما ينبغي الحديث عنه، ونحن بصدد بحث عِلمي، هو لماذا يختار الرِّوائي العنوان الفرعي، وهل للعنوان الفرعي مِن ضرورة وفائدة، أم تراه يشكل ضَرراً في بعض الأحيان؟.

 

وإذا كان الأمر كذلك فلا بُدَّ لهذه الأسئلة مِنْ أنْ تَلِد أسئلة أخرى لعلها تَحْمِلُ الإجابات في رَحْمِهَا: بِمَا أنَّ عنوان العمل الأدبي هو الحلقة الأولى في العمليّة الاتِّصاليّة المُكَوَّنة من المُرسِل والمُرْسَل إليه والرِّسالة والمُسْتَقْبِل، فهل العنوان الفرعي عبارة عن تشكيك بقدرة العنوان الرئيسي على تحقيق الهدف؟ مِن ناحية أُخرى هل يساعد العنوان الفرعي العنوان الرئيسي على الرسوخ في ذهن القارىء، وهل يُمْكِن للقارىء أنْ يَحْفَظَ عنوانين في الوقت نفسه؟ أيُّهما أسهل علينا: أنْ نحفظ اسماً مكوَّناً مِن أربعة مقاطع أم مِن مقطعين؟ هل العنوان الفرعي مِن مُساعِدات الفَهْم، ومُقَوِّمات الإيضاح، ومُزيلات الغموض؟، وأيُّهما الأفضل في حالة الرواية: العنوان الواضح، أم الذي يَحْمِلُ شيئاً مِن الغموض؟ ومِن هذا المُنْطَلَق هل للعنوان الفرعي علاقة بِعُنْصُر التَّشويق في الرِّواية؟. أسئلة كثيرة قد لا تكون الإجابة عنها هيِّنَة، إذْ لا يُمْكِن اختصار مِثْل هذه الإجابة ببحث واحد، لكن مَا هو مُؤكَّد أنّ لكثرة العناوين الفرعية في روايات واسيني الفضل في طرح هذه الأسئلة، وقد يكون في استعراض عناوين رواياته ذات العناوين الفرعيّة، والتعليق عليها إجابة عن بعض هذه التساؤلات، ولعلَّه مِن المفيد أنْ نبدأ بالوقوف عند بداياته الروائيَّة.

 

بدأ اهتمام واسيني الأعرج بالعناوين الفرعيّة منذ صدور روايته الأولى "البوابة الزرقاء" بدمشق عام 1980 ، فقد جاءت هذه الرِّواية بعنوان فرعي هو "وقائع مِن أوجاع رجل غامر صوب البحر"(21)، ولعلَّ مثل هذا العنوان الفرعي لا يُضيف أي جديد إلى العنوان الرئيسي سوى إعطاء الانطباع بأنّ الرّواية ذات توجِّه رومانسي، وهي الرومانسية التي تُرافِق كثيراً مِن المبدعين في بداياتهم، ومرحلة بحثهم عن ذواتهم، وهو أمر يدفع باتجاه تأكيده رواية واسيني الثانية التي جاءت بعنوان "وَقْعُ الأحذية الخشنة"، والمنشورة عام 1981 لكن مِن دون عنوان فرعي، وقد جاءت أقرب إلى القصَّة الطَّويلة مِنها إلى الرِّواية، حيث تَقَع في 112 صفحة، وحَرَصَ مؤلفها على جماليات الأسلوب وأناقة اللغة، والتَّركيز على الحوار ذي الغرض العاطفي حيناً والغرض الفكري حيناً آخر، وقد يتم المزج بين الغَرَضين، ويبدو أنّ المؤلف كان حريصاً على هذا الأمر أكثر مِن حرصه على بناء عَالم روائي بشخصيات متشعبة ومعقدة ومُرَكَّبَة. وقد نجد في فهرس هذه الروايّة ما يوحي ببدايات واسيني الرومانسيّة؛ ذلك أنَّ الفهرس حَمَلَ العناوين التّاليَّة: الحكاية، الطفلة والمدينة، بداية التَّحوُّل، فظاعة الإنهيار. وكلُّها عناوين تنطق عن نفسها، فالرومانسيون غالباً ما يرون المدينة متوحشة، تستهلك الإنسان وتدمِّر قِيَمَه وتدفعه للإنهيار، يقول البطل: "هو الوهم يا صديقتي الطَّيبة حين يكون تعويضاً دونكيشوتياً للضعف الإنساني في مواجهة رداءة الواقع اليومي"(22). ويمكن ملاحظة الغرض الفِكري مِن الحوار التَّالي:

 

  • خذ واحدة.

  • لا أدخِّن.

  • احرق الإمبرياليّة مثلما أحرقها.

  • هي التي تحرقك بأدواتها الجميلة (23).

 

وتنتهي الرِّواية على النَّحو التَّالي: "هل انتهت الحكاية؟ حكاية ليلى وكل ليالي العالم؟ بكل تأكيد: لا.لا.لا، فعيوننا ما تزال ملتصقة بنجمة الفجر التي لا تنطفىء، فليلى أخصبت مِن العقم، وقد تُنجب شيئاً جميلاً يثير الدهشة؟" (24). هكذا تبدو معالم الرومانسية في هذه الرواية واضحة تماماً مِن حيث العاطفة الإنسانيّة الجياشة، وتجسيد قسوة المدينة، والرَّغبة الجامحة بالتغلُّب على كلِّ الصعاب مِن خلال التَّحولات الفكريَّة، وهنا قد تتساوى العاطفة مع الرَّغبة؛ ذلك أنَّ كلتيهما تُشْبِهان إنساناً راغباً في تغيير الدُّنيا بما يُشْبِه ضربة الحظ أو لعبة اليانصيب مع إغماض عينيه عن كثير مِن الحقائق.

 

وبمواصلة استعراض روايات واسيني التي حَمَلَتْ عناوين فرعيَّة نَجِد مِن بينها "فاجعة الليلة السابعة بعد الألف"، ولها عنوان فرعي هو "رمل الماية"، والمقصود بهذا العنوان الفرعي "اللحن أو الرقصة التي تؤديها الغجريَّة، بطلة الرِّواية، وعليه فإنَّ المحاكاة هنا كانت بالتحريف والتغيير؛ ذلك أنَّ الكاتب قام بِتوظيف التراث في إبداع روائي جديد"(25).

 

في هذه الرِّواية يبدو العنوان الفرعي مُلتصقاً بالموضوع، ولم يأت مِن فراغ، ممَّا يعني أنَّ الكاتب تجاوز مرحلة البدايات بما فيها من رومانسيّة، فَمَا "بين عنوان الرواية الرئيسي (فاجعة الليلة السابعة بعد الألف) وعنوان النَّص المتعلق به (ألف ليلة وليلة) شبه كبير، فنَصُّ واسيني يحاكي النَّص الأوَّل، لكنَّها ليست محاكاة تامَّة، فعدد الليالي عند واسيني يزيد ليصل إلى سبع، والعدد سبعة يعني مِن ضمن ما يعنيه: التَّمام والكمال وبلوغ الغاية، وبِمَا أنَّ نهاية الحكيم شهريار في الرِّواية كانت مأساويَّة، فقد حَدَثَتْ الفاجعة في تلك الليلة"(26)؛ لذلك فإنَّ واسيني يأخذ "إطار القصة، حيث شهرزاد تحكي للحكيم شهريار، ويغيِّر قليلاً في عناصر الحكاية، وعناصر التأطير، ليجعل دنيازاد هي التي تحكي للحكيم، ومثلما يتغير السَّارد، فتصبح شهرزاد دنيازاد، يتغيَّر كذلك الحكيم شهريار إلى آخرين مِن نفس طينته، بل إنَّ الحكاية تتغير، فلا تصير مجرد حكايات منتهية، بل تصير قصصاً متداخلة، تمتد بين زمن الحدث وزمن السرد، مِمَّا يميّزها عن الحكاية، ويجعلها رواية حَدَث"(27).

 

وقد يحيلنا واسيني مِن خلال عنوان فرعي لإحدى رواياته إلى رمز ثقافي عالمي، أو شخصيّة روائيّة ذات طابع أممي، كما هو الحال في روايته "حارسة الظِّلال" التي جاءت بعنوان فرعي هو "دون كيشوت في الجزائر"(28)، ومِن المعروف أنَّ "دون كيشوت" أو "دون كيخوته" هي الرِّواية الأبرز والأشهر عالمياً، وهي للمؤلِّف الإسباني ميغيل دي سرفانتس، وغالباً ما يَستعير المبدع شخصيَّة دون كيشوت لإعطاء الانطباع بأنَّ الشخصيَّة التي يتحدث عنها ذات تفكير غير واقعي وأحلام مستحيلة التَّحَقُّق. لقد صنَّف جورج لوكاش "دون كيشوت" ضمن ما سمَّاه "رواية المثالية المجرَّدة، وهي برأيه تتميَّز بنشاط البطل، أو بوعيه الضَّيِّق قياساً إلى تَعَقُّد العالم مِن حوله" (29).

 

ومِن الترابط بين العنوان الفرعي والعنوان الرئيسي وعلاقتهما بالنَّص التُّراثي، ننتقل إلى علاقة العنوان الفرعي بالواقع السِّياسي، وهو ما نجده في رواية "جملكية أرابيا"، فقد جاءت هذه الرواية بعنوان فرعي هو الأطول بين روايات واسيني كلّها، وهو: "أسرار الحاكم بأمره ملك ملوك العرب والعجم والبربر ومَن جاورهم مِن ذوي السلطان الأكبر" (30)، وهذا العنوان "يتماهى مع عنوان ابن خلدون (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في معرفة أيام العرب والعجم والبربر ومَن عاصرهم مِن ذوي السلطان الأكبر)، حيث يرصد واسيني في هذه الرِّواية مِن خلال بناء ملحمي أثر الديكتاتوريات العربيّة في تشويه التّاريخ والمجتمع، وهو ما أوجد أنظمة مسخاً ليست جمهورية ولا ملكيّة"(31).

 

وفي هذا الصَّدد يقول واسني في حوار معه:  "يبدو لي أنّه آن الأوان للخروج مِن النظرات التقديسية للحاضر أو للماضي، والتعامل مع أحداثهما بوصفهما نشاطاً بشرياً، إنّنا نتعامل مع الجميع من موقع الديني، بينما التاريخ هو صراعات بشرية مآلها التفسير، وليس إصباغ صفة القداسة عليها"(32).

 

وإذا كنّا نَجِدُ ترابطاً بين العناوين الفرعيّة لروايات واسيني، وتحولاتها المضمونيَّة والفنيَّة مِن الرومانسيّة إلى التراثيَّة إلى السياسيّة، فلا بُدَّ مِن الإشارة هنا إلى أنّ الأمر لا يقف عند حدود هذا التَّقسيم؛ لأنَّ دائرة المبدع تظلُّ في الأحوال كلِّها أوسع مِن أيِّ تقسيم أكاديمي. ولعلّه مِن المفيد هنا أنْ نَضع روايات واسيني ذات العناوين الفرعية في الجدول التَّالي:

 

 

 

 

العنوان الرئيسي

العنوان الفرعي

1

البوابة الزرقاء

وقائع مِن أوجاع رجل غامر صوب البحر

2

أحلام مريم الوديعة

حكاية مصرع الساموراي الأخير

3

فاجعة الليلة السابعة بعد الألف

رمل الماية

4

سيدة المقام

صدرت هذه الرواية في طبعتها الأولى بعنوان فرعي هو (مرثيات اليوم الحزين)، ضمن مشورات دار الجمل عام 1995، ثُمَّ قام المؤلِّف بتغييره إلى (مراثي الجمعة الحزينة) في الطبعات اللاحقة.

5

حارسة الظلال

دون كيشوت في الجزائر

6

كتاب الأمير

مسالك أبواب الحديد

7

نوار اللوز

تغريبة صالح بن عامر

8

ضمير الغائب

الشاهد الأخير على اغتيال مدن البحر

9

ذاكرة الماء

محنة المجنون العاري

10

أنثى السراب

في شهوة الحبر وفتنة الورق

11

طوق الياسمين

رسالة في الصَّبابة والعشق المستحيل

12

جسد الحرائق

نثار الأجساد المحروقة

13

مرايا الضرير

كولونيل الحروب الخاسرة

14

جملكية أرابيا

 

أسرار الحاكم بأمره ملك ملوك العرب والعجم والبربر ومَن جاورهم مِن ذوي السلطان الأكبر





 

ولعلَّ مثل هذا الجدول جَعَل مِن السِّهولة بمكان ملاحظة أنَّ العناوين الفرعيّة لروايات واسيني جميعها جاءت أطول من عناوينها الرئيسيّة، باستثناء رواية واحدة، هي فاجعة الليلة السابعة بعد الألف، التي جاءت بعنوان فرعي هو: رمل الماية، كما لوحِظَ أنَّ المؤلَّف غَيَّر العنوان الفرعي لرواية "سيدة المقام" في الطبعات التي تَلَتْ الطبعة الأولى مِن "مرثيات اليوم الحزين" إلى "مراثي الجمعة الحزينة".

 



 

أصابع لوليتا: العنوان ونظريَّة الانعكاس

 

إذا كان "العنوان نظاماً سيميائياً ذا أبعاد دلاليَّة وأخرى رمزيَّة، تُغْري الباحث بِتتبُّعِ دلالاته"(33)، فإنَّ مِثْل هذه الدِّلالات تبدو سهلة اللمح والاستنباط في "أصابع لوليتا"؛ ذلك أنّ الإشارة إلى الأصابع ورمزيتها تُرافق هذه الرِّواية منذ بدايتها إلى نهايتها، وإضافة إلى ذلك نَجِد أنّ "العنوان" يؤدي دوراً كبيراً في نظريَّة الانعكاس، فأحد أسباب ملاحقة بطل الرواية - "يونس مارينا" حسب اسمه المستعار أو "حميد السويرتي" حسب اسمه الحقيقي- هو عنوان روايته الجديدة "عرش الشيطان"، إذْ تَزَامَن ظهور هذه العداوة من طرف بعض رجال الدِّين مع صدور الرِّواية، أي قَبْل قراءتها.

 

ولعلّ هذا يقودنا مِن جملة ما يقودنا إلى القول بأنَّ عنوان العمل الأدبي ليس مجرد انعكاس لمحتواه بالمعنى البسيط أو السَّطحي للكلمة، كما أنّه لا يمكن أنْ يختزل أو يختصر جميع القيم التي يتضمنها ذلك العمل دفعة واحدة، ولو كان الأمر كذلك لما احتجنا إلى قراءة الكتاب، فالنَّظرة العقيمة هي التي تجعل شخصاً ما يُحاكِم كتاباً مِن عنوانه – مهما كان العنوان استفزازياً- فيُطْلق عليه حُكْماً صارماً بالقبول أو الرّفض.

 

وبما أنّ "المجتمع ليس كلاً متجانساً، فإنّ هذا المجتمع غالباً ما يحتوي على ثقافتين، ثقافة سائدة، هي ثقافة الطبقة السّائدة والمسيطِرة على المجتمع، وعناصر ثقافة أخرى تبنتها الطبقات المقهورة والمُستَغلَّة والمسيطَر عليها، وعلى هذا الأساس فإنّ للفنِّ بعداً طبقياً اجتماعياً، أي هناك أعمال أدبيّة ممتثلة للواقع الاجتماعي وتدعو للتصالح معه، وأعمال أخرى تطمح إلى هدم العلاقات القائمة من أجل بناء مجتمع أفضل. أي أنّ بعض الأعمال تنطوي على رؤية ممتثلة تصالحيّة، وأخرى تنطوي على رؤية تجاوزيّة، وهنا يصبح الانعكاس أنواعاً، فهناك انعكاس مزيّف وانعكاس صادق، وهذا يدلّ على أنّ المقولة التي تستند إليها نظريّة الانعكاس، والتي تتمثل في أنّ الأدب انعكاس للواقع الاجتماعي، تعني أنّ الانعكاس ليس آلياً ولا متوازياً ولا بسيطاً وإنَّما هو عملية متداخلة معقّدة ومركّبة"(34).

 

هنا يستغل تجار السِّياسة والمُعتقدات والأديان بعض سطحيي التفكير، أو متلقي المعلومة دون تمحيصها واختبارها، ويوجهونهم الوجهة التي يريدونها أو التي تخدم مصالحهم؛ لذلك فوجىء يونس مارينا يوم توقيعه لروايته الجديدة في معرض فرانكفورت بشاب يسأله دون مقدمات: السيد مارينا، لماذا تكتب ضد الإسلام؟ ماذا ستربح عندما تخسر ربك؟ فيجيبه مارينا: لن أربح أي شيء مِن وراء شتم أي دين كان، وليس الإسلام وحده. ثمَّ يَسأل مارينا الشاب: هل قرأت عرش الشيطان؟ فيجيبه الشاب: لم أقرأ عرش الشيطان، ولكني سمعت عنها الكثير، وقرأت تعليقات كثيرة في صحف ألمانية وتركية، كنت أنوي شراءها اليوم لكنَّ قوَّة ما منعتني مِن ذلك، قبل لحظات تذكرت كلام أمام مسجد دوسلدورف الذي أعطاها كمثال للتغريب والكفر بالقيم، وبيع النفس للشيطان الرجيم... بعد ذلك نَجِدُ الشَّاب ينسحب دون أنْ يشتري الرواية، وهنا يتساءل يونس مارينا: كيف نقبل أنْ نحكم على كتاب لم نقرأه؟(35).

 

إنّ كلَّ "انعكاس إبداعي ما هو إلاّ تصوير للواقع على نحو فنيّ مشحون بالانفعال الذاتي الذي لا ينفصل عن موقف اجتماعي يكون بمثابة الأساس الموضوعي لتوجيه بؤرة الانعكاس"(36)، وفي هذا الصَّدد يرى جورج لوكاش "أنّ البطل الروائي يغترب حين تعجز أفعاله الخارجيَّة عن تلبية رغباته الداخليَّة، ويغترب حين لا تلبي القوى الخارجيّة مِن رغباته شيئاً"(37).

 

لقد تمكَّن واسيني الأعرج مِن توظيف فكرة العنوان مِن جهتين؛ جهة اتِّخاذه العنوان بعموميته موضوعاً في مضمون الرِّواية، وإيضاح مدى انعكاسه على البطل وتسببه في اغترابه، وجهة توظيف عنوان الرّواية نفسه "أصابع لوليتا" داخل العمل الأدبي، مِن خلال اتِّخاذه مِن الأصابع بُعداً دلالياً ورمزياً، وهو ما سنأتي للحديث عنه، ولكن قَبْل ذلك يَحْسُنُ بنا أنّ نُلَخِّص مضمون الرِّواية.

 

بطل "أصابع لوليتا" هو يونس مارينا الكاتب والروائي والمثقف المطارَد من تيارين، أو فئتين؛ فئة العسكر، وفئة رجال الدِّين، أمَّا مطاردة العسكر له فبسبب وقوفه ضد انقلابهم على الرئيس الشرعي للبلاد "الريس بابانا"، وبسبب مقالاته النّارية التي حركت الرأي العام ضد الانقلابيين، بينما يطارده رجال الدّين بسبب روايته "عرش الشيطان" التي صوروها على أنَّها رواية تُخَالِف القيم الدينية والثوابت الإيمانيّة، ويَجِد يونس مارينا في فرنسا ملاذاً، فتقوم الحكومة الفرنسيَّة بمحاولة حمايته وتوفير الأمن له.

 

يتعرَّف يونس مارينا إلى لوليتا واسمها الحقيقي "نوة"، فيتخذها عشيقة وخليلة، ثمَّ يتضح بأنّ منظمة إرهابيَّة استطاعت تجنيد لوليتا لعلَّها تَتَمَكَّن مِن تصفيته جسدياً، والمفارقة هنا أنَّ لوليتا نفسها ضحيَّة لوالدها الذي اغتصبها ذات يوم، ثمَّ أرادها أنْ تستمر في العمل كعارضة أزياء تغري الزبائن بشراء بضاعته لكونه مِن العاملين في هذه المهنة، ونتيجة لذلك؛ فإنَّ لوليتا تفر مِن أبيها، غير أنّ الظروف تضطرها للعمل في المهنة التي فرت منها، وتصير عارضة أزياء شهيرة.

 

تقع لوليتا - التي كانت على قدر كبير مِن الجمال والفتنة والجاذبية- بحب يونس مارينا بصدق، كما يقع هو في حبها بصدق أيضاً؛ لذلك نجدها في الموعد المحدد لقتله تخرج مِن غرفته، وتفجر نفسها بشارع باريسي، وعلى الرَّغم مِن حرص لوليتا على عدم قتله، فإنَّ يونس مارينا لم ينج، فبعد أنْ شاع خبر مصرع لوليتا يسمع مارينا طرقاً على الباب، ولكنه يتجاهل الطارق، وهنا يفاجئه الطارق بالقول: افتح يا حميد السويرتي. وتنتهي الرواية بالقول: "عَلَتْهُ رجفة أخيرة وحمّى باردة. لأوَّل مرَّة يقتنع بأنَّ للموت رائحة... رائحة ليست ككل الروائح"(38).

 

ضمن هذا السياق يظل للعنوان حضوره في مضمون الرواية، فيعكس الروائي مِن خلال الأصابع: أصابع يونس مارينا وأصابع لوليتا، وحتى أصابع "ماجدالينا" - المومس التي ضاجها في ماخور أثناء هروبه منِ العسكر- كثيراً مِن قِيَم هذا العمل الأدبي.

 

إنَّ أصابع يونس مارينا أصابع مبدع له قراء كُثُر على الرغم مِن كل محاولات اسكاته ومنع أصابعه مِن العمل، وهو الأمر الذي نلحظه أثناء توقيعه لروايته "عرش الشيطان" في فرانكفورت، فقد اصطف قراء كُثُر للحصول على الرواية بتوقيع صاحبها؛ لذلك نجده قَدْ "وضع قلم الحبر الجميل على الطاولة، ثمّ حرَّك أصابعه في كل الاتجاهات ليريحها قليلاً. فرقعها. شعر بلذَّة غريبة" (39).

 

أمَّا لوليتا فتتحدث في بداية الرِّواية عن نفسها على النَّحو التَّالي: "هل تدري حبيبي أنّي كلّما وضعت أصابعي على مَلامِسِ البيانو أحسست بك هنا وسط مساحة مِن النور، واقفاً على حافَّة قلب يرفض أن يستسلم للنسيان، تنصت لصوت في داخلي يُشْبِهُك لدرجة التّماهي الغريب. أعزف لا لأني أشتهي إغواءك داخل شعلة أصابعي فقط، ولكن لأنّي أخاف صمت الحجارة ورعشة القبور. رهاني أيُّها الغالي أنْ أوقظك مِن غفوة التيه لكي لا تنسى أنّي هنا، امرأة مِن حليب الغيم وهشاشة نظرة العاشقة. هنا دائماً لتدرك أني ما زلت حيَّة، وأنَّ أصابعي التي تُحِبُّك لن تستأذن القتلة الذين سرقوا عذرية طفولتك"(40).

 

وحين يُقَبِّل يونس مارينا يد لوليتا، فإنّه يستمتع بذلك، ويشعُر بأنّ "الأصابع لغة ما قبل الكلام"(41)، لكنَّه أدرك حين فَجَّرَتْ نفسها بأنّ "لوليتا كانت شيئاً آخر... لوليتا كانت ضحيّة لأصابعها"(42)، كما أدرك حين وجد ورقة بيضاء بأنّها تركتها له لتكون "أول صفحة مِن رواية حبيبته لوليتا وأصابعها التي كُسِرَت في وقت مبكر"(43).

 

هكذا تؤدي الأصابع دوراً كبيراً في "أصابع لوليتا"؛ ذلك أنّها في الحقيقة ليست أصابع لوليتا وحدها، بل هي أصابع الضحايا والمطاردين بسبب مواقفهم أو أفكارهم أو رفضهم للاستغلال أو مقاومتهم لاغتصاب الذات والكلمة والسلطة. وهي أيضاً أصابع الذين وجدوا أنفسهم في مواخير المجتمعات بسبب القهر والكبت والملاحقة والفقر؛ لذلك نَجِد ماجدالينا تطلب مِن يونس مارينا أنْ يَمُصَّ أصابعها حين كانا معاً في ماخور واحد أثناء هروبه، فإذا به وقد "أخذ أصابع يديها ومصها واحداً واحداً كما أرادت"(44). يا لها مِن أصابع! ويا لها مِن ملحمة بشريَّة!.

 

وبذلك يتَّضح أنَّ " النتائج التي ظَهَرَت مع دراسة الفنون سيميائياً دلَّت على أهميَّة هذا العِلْم وضرورته الرَّاهنة وقدرته على استيعاب مكونات ودلالات العمل الأدبي أو الفني، حيث استطاعت أنْ تَجْمَع بين الشَّكل والبُنيَة دون إهمال أحدهما لحساب الآخر؛ لذلك وجدنا الباحثين والدارسين يستخدمون السيمياء كمنهج تحليلي في دراسة مختلف أنواع الخِطاب وأشكاله"(45)، وهو ما كان مْسَعى هذه الدِّراسة مِن خلال نَظَرِهَا في عناوين روايات واسيني الأعرج وسيميائها.

 



 

الخاتمة

 

أسفرت معالجة سيمياء العنوان في روايات واسيني الأعرج عن النتائج التَّالية:

 

  • تميَّزت روايات واسيني الأعرج باهتمامها اللافت بالعناوين الفرعيَّة، وذلك منذ صدور روايته الأولى "البوابة الزرقاء" بدمشق عام 1980، فقد جاءت هذه الرّواية بعنوان فرعي هو "وقائع مِن أوجاع رجل غامر صوب البحر"، كما لوحِظَ أنَّ المؤلَّف غَيَّر العنوان الفرعي لرواية "سيدة المقام" في الطبعات التي تَلَتْ الطبعة الأولى مِن "مرثيات اليوم الحزين" إلى "مراثي الجمعة الحزينة".

  • رَصَدَت هذه الدِّراسة أربع عشرة رواية لواسيني الأعرج جاءت بعناوين فرعيّة، وهو ما يتجاوز نصف رواياته الصادرة للآن.

  • لاحَظَت الدِّراسة علاقة بَيِّنَة بين عناوين روايات واسيني، وتحولاته الإبداعيَّة، فقد دَلَّت عناوين رواياته الأولى مقارنة بمضمونها على مرحلة رومانسية عند الكاتب، ثمّ تلتها مرحلة توظيف التُّراث العربي والإنساني، وهناك مرحلة السخرية السِّياسيَّة التي جاءت أوضح تجلياتها في رواية "جملكيّة أرابيا" وعنوانها الفرعي" كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في معرفة أيام العرب والعجم والبربر ومَن عاصرهم مِن ذوي السلطان الأكبر"، وهو أطول العناوين الفرعيَّة عند واسيني على الاطلاق.

  • يُمْكِن النَّظَر في رواية "أصابع لوليتا" مِن خلال نظريّة الانعكاس، فقد وظَّف المؤلِّف "الأصابع" في هذه الرّواية توظيفاً واسع الطيف، ومتعدد الدِّلالات والرّموز، وَعَكَسَ مِن خلاله الواقع الاجتماعي والسياسي والفكري للشخوص.

 

بهذه النتائج تكون هذه الدّراسة قد وصلت إلى نهايتها.

 



 

الهوامش

 

  1. انظر، فرديناند دي سوسير، علم اللغة العام؛ ترجمة يوئيل يوسف عزيز؛ مراجعة مالك يوسف المطلبي، بغداد، دار آفاق عربيّة للصحافة والنّشر، 1985، ص9، وانظر كذلك، زياد جلال، مدخل إلى السيمياء في المسرح، عَمَّان، وزارة الثقافة في المملكة الأردنيَّة الهاشميَّة، 1992، ص19-20.

  2. انظر، أمبرتو إيكو، السيميائية وفلسفة اللغة؛ ترجمة أحمد الصمعي، بيروت، المنظمة العربيّة للتّرجمة، 2005، ص9.

  3. أمبرتو إيكو، السيميائية وفلسفة اللغة، ص38.

  4. انظر، رشيد بن مالك، السيميائية بين النَّظريَّة والتطبيق، رسالة دكتوراه، جامعة تلمسان، الجزائر، 1998.

  5. انظر، بسام قطوس، سيمياء العنوان، عمَّان، وزارة الثقافة، ط1، 2002.

  6. مجد الدِّين محمد بن يعقوب الفيروزآبادي (729- 817ه)، القاموس المحيط، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 2003، ص1036.

  7. محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الرازي، مختار الصحاح، عمَّان، الأردن، طبعة مدققة جديدة، دون تاريخ، دون ناشر، ص135.

  8. إبراهيم أنيس، وآخرون، المعجم الوسيط، القاهرة، مجمع اللغة العربيّة، ج1، ط2، 1972، ص466.

  9. الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ص1122.

  10. الرازي، مختار الصحاح، ص192.

  11. إبراهيم أنيس، وآخرون، المعجم الوسيط، ص632-633.

  12. العيد جلولي، مصطلح السياق في التراث العربي وعلم اللغة الحديث، مجلة مقاليد، جامعة قاصدي مرباح- ورقلة، الجزائر، مج1، ع1، جوان، 2011، ص8.

  13. بلقاسم مالكية، عتبات النَّص: العنوان، مجلة الأثر، جامعة قاصدي مرباح- ورقلة، الجزائر، مج 14، ع 14، جوان 2012، ص4.

  14. بلقاسم مالكية، عتبات النَّص، ص3.

  15. صالح هويدي، النقد الأدبي الحديث: قضاياه ومناهجه، ليبيا، منشورات جامعة السابع من أبريل، 2003، ص139.

  16. انظر، ميجان الرويلي وسعد البازعي، دليل الناقد الأدبي، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، ط2، 2000، ص115.

  17. صالح هويدي، النقد الأدبي الحديث: قضاياه ومناهجه، ص138.

  18. انظر، واسيني الأعرج، أصابع لوليتا، الإمارات العربيّة المتحدة، دبي، دار الصدى للصحافة والنشر والتوزيع، 2012، ص464.

  19. انظر، واسيني الأعرج، أصابع لوليتا، ص465.

  20. انظر، واسيني الأعرج، أصابع لوليتا، ص466.

  21. انظر، واسيني الأعرج، البوابة الزَّرقاء: وقائع مِن أوجاع رجل غامر صوب البحر، دمشق، دار دمشق للطباعة والصحافة والنشر، 1980.

  22. واسيني الأعرج، وقع الأحذية الخشنة، بيروت، دار الحداثة، ط1، 1981، ص44.

  23. واسيني الأعرج، وقع الأحذية الخشنة، ص22.

  24. واسيني الأعرج، وقع الأحذية الخشنة، ص111.

  25. صالح مفقودة، نصوص وأسئلة: دراسات في الأدب الجزائري، الجزائر، اتحاد الكتاب الجزائريين، ط1، 2002، ص175.

  26. صالح مفقودة، نصوص وأسئلة، ص175.

  27. صالح مفقودة، نصوص وأسئلة، ص175.

  28. واسيني الأعرج، حارسة الظلال: دون كيشوت في الجزائر، المانيا، منشورات دار الجمل، 1999.

  29. جورج لوكاش، نظريَّة الرّواية؛ ترجمة: الحسين سحبان، الرباط، منشورات التل، ط1، 1988، ص147.

  30. واسني الأعرج، جملكية أرابيا: أسرار الحاكم بأمره ملك ملوك العرب والعجم والبربر ومَن جاورهم مِن ذوي السلطان الأكبر، المانيا، منشورات دار الجمل، 2011.

  31. انظر موقع الجزيرة نت: رواية جديدة للجزائري واسيني الأعرج، جملكية أرابيا... الاستبداد وخوف الحاكم، الأحد 17/7/2011، رابط الصفحة: http://www.aljazeera.net/news/pages/74d6a9b2-e8d8-4a12-b070-ec0af00f53d3

  32. الموقع السابق، الرابط نفسه.

  33. بسام قطوس، سيمياء العنوان، ص33.

  34. شكري عزيز ماضي، في نظرية الأدب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2005، ص72، 73.

  35. انظر، واسيني الأعرج، أصابع لوليتا، ص27-29.

  36. محمد حمدي إبراهيم، نظرية الدراما الإغريقيَّة، القاهرة، لونجمان، ط1، 1994، ص56.

  37. جورج لوكاش، نظرية الرواية؛ ترجمة الحسين سحبان، الرباط، منشورات التّل، 1988، ص129.

  38. واسيني الأعرج، أصابع لوليتا، ص463.

  39. واسيني الأعرج، أصابع لوليتا، ص16.

  40. واسيني الأعرج، أصابع لوليتا، ص11.

  41. واسيني الأعرج، أصابع لوليتا، ص34.

  42. واسيني الأعرج، أصابع لوليتا، ص453.

  43. واسيني الأعرج، أصابع لوليتا، ص458.

  44. واسيني الأعرج، أصابع لوليتا، ص71.

  45. زياد جلال، مدخل إلى السيمياء في المسرح، عمَّان، وزارة الثقافة في المملكة الأردنيَّة الهشميَّة، 1992، ص22.