دور المرقي العقاري في حل أزمة السكن في الجزائر

 

د/ صالحي الواسعة

كلية الحقوق

جامعة الحاج لخضر باتنة

 

مقدمــة:

يشكل السكن أحد الانشغالات الأساسية لكل دولة، لغرض تمكين كل مواطن من سكن يأويه.ولقد اهتمت الدولة الجزائرية منذ الاستقلال بعملية البناء والتشييد في كل المجالات، بما في ذلك مجال السكن،وتولت العملية بنفسها تماشيا مع نظام الاقتصاد الموجه الذي تبنته آنذاك،إذ أسندت عملية بناء وتشييد السكن لمؤسسات عمومية مؤهلة،مثل ديوان الترقية والتسيير العقاري، ومؤسسات ترقية السكن العائلي، إضافة إلى ما يعرف بالتعاونيات العقارية التي كانت تسعى إلى إنجاز سكن شخصي وعائلي لأعضاء هذه التعاونيات ( م 2 من القرار المؤرخ في 21 يناير 1978 المتضمن القانون الأساسي النموذجي للتعاونيات العقارية )                                                     

إلا أن زيادة الطلب على السكن تماشيا مع النمو الديمغرافي،فرض تدخل المشرع الجزائري إذ أصدر القانون رقم 86/07 المؤرخ في 04/03/1986 المتعلق بالترقية العقارية،وبموجبه فتح المشرع المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في مجال السكن                                     

واستجابة لمتطلبات نظام اقتصاد السوق أصدر المشرع الجزائري المرسوم التشريعي رقم 93/03 المؤرخ في 01/03/1993 المتعلق بالنشاط العقاري،وبموجب هذا المرسوم أصبح كل المتعاملين في الترقية العقارية تجارا، باستثناء الذين يقومون بعمليات في الترقية العقارية لتلبية حاجاتهم الخاصة أو حاجات المشاركين في ذلك ( م 3 من ذات المرسوم).                         

ونظرا لعجز المرسوم التشريعي رقم 93/03 عن تحقيق الأهداف المرجوة منه،وكذا عدم انسجام النصوص القانونية في مجال الترقية العقارية،فقد تم إلغاء المرسوم المشار إليه أعلاه وذلك بموجب القانون رقم 11/04 المؤرخ في 17/02/2011،الذي يحدد القواعد التي تنظم نشاط الترقية العقارية.                                                                                         

فإلى أي مدى وفق المشرع الجزائري في فتح مجال الترقية العقارية على أساس مبدأ المنافسة الحرة،التي تعد الركيزة الأساسية لنظام اقتصاد السوق الذي تبناه المشرع صراحة،وما هو دور المرقي العقاري في النشاط العقاري ككل سواء تعلق الأمر بالبيع أو بالإيجار في حل مشكلة السكن في الجزائر.                                                                                       

 

أولا- مفهوم المرقي العقاري:

اهتمت الدولة الجزائرية أثناء مرحلة الاقتصاد الموجه بالبناء والتشييد، واحتكرت ذلك بنفسها. تماشيا مع هذا التوجيه. وقد انصب اهتمامها  في البداية على تشييد المرافق العمومية وبعض المنشآت الاقتصادية وكذا بناء السكن، الذي أولته الدولة اهتماما خاصا من أجل النهوض بهذا القطاع الاستراتيجي في مجال التنمية الاجتماعية. ولذلك أصدر المشرع الجزائري القانون رقم 86/07 المؤرخ في 04 مارس 1986 المتعلق بالترقية العقارية، من أجل التحكم في العقار وتنظيم تسييره، وكان يهدف إلى البناء من أجل البيع في مجال السكن لا غير، كما أعطى الأولوية للقطاع العام، واعتبر العمل في مجال الترقية العقارية بموجب هذا القانون من قبل الأعمال المدنية التي لا تهدف إلى تحقيق الربح.

غير أنه وتماشيا مع التوجه الجديد للدولة الجزائرية وذلك ابتداء من سنة 1988 تاريخ صدور القانون رقم 88/04 المؤرخ في جانفي 1988 المتعلق باستقلالية المؤسسات العمومية ذات الطابع الاقتصادي وذلك للدخول في اقتصاء السوق، سرعان ما تم إلغاء هذا القانون بموجب المرسوم التشريعي رقم 93/03 المؤرخ في 01 مارس 1993 المتعلق بالنشاط العقاري، وخصص الفصل الأول منه للترقية العقارية. وبموجب هذا المرسوم فسح المجال للقطاع الخاص لغرض الاستثمار في مجال العقار.

هذا ويشمل مجال النشاط العقاري كل الأعمال التي تساهم في إنجاز أو تجديد الأملاك العقارية المخصصة للبيع أو الإيجار أو لتلبية حاجاته الخاصة [1]

وقد وسع المشرع بموجب المادة الثانية الفقرة الثانية من ذات المرسوم في نشاط الترقية العقارية من محال ذات الاستعمال السكني إلى محال مخصصة لإيواء نشاط حرفي أو صناعي أو تجاري.

ويتولى عملية البناء أو التجديد في مجال العقار ما أطلق عليهم القانون المتعاملين في الترقية العقارية أو المرقي العقاري، يتمثل نشاطهم على الخصوص فيما يلي/

1-               كل النشاطات المتوسطية في  الميدان العقاري لاسيما بيع الأملاك العقارية أو تأجيرها.

2-               نشاطات الاقتناء والتهيئة لأوعية عقارية لبيعها أو تأجيرها

3-                كل نشاطات الإدارة والتسيير العقاري لحساب الغير.

كما تخضع لأحكام المرسوم التشريعي المذكور أعلاه أعمال الشركات المدنية في مجال الترقية العقارية متى كانت هذه الشركات لا تهدف إلى تحقيق مصلحة خاصة لأعضاء هذه الشركات  [2]

وتعد الأعمال في مجال الترقية العقارية إذا لم تهدف إلى تحقيق مصلحة خاصة من قبل الأعمال التجارية، ويعد تاجرا كل من يمارس نشاطا قي الترقية العقارية[3]

أولا.1- تعريف المرقي العقاري:

لغرض تحسين أنشطة الترقية العقارية وتدعيمها تم إلغاء المرسوم التشريعي رقم 93/03 وذلك بموجب القانون رقم 11/04 المؤرخ في فبراير 2011 المحدد للقواعد التي تنظم نشاط الترقية العقارية، ومن خلاله يمكن تعريف المرقي العقاري بأنه يعد مرقيا عقاريا كل شخص طبيعي أو معنوي يبادر بعمليات بناء مشاريع جديدة أو ترميم أو إعادة تأهيل أو تجديد أو إعادة هيكلة، أو تدعيم بنايات تتطلب أحد هذه التدخلات، أو تهيئة وتأهيل الشبكات قصد بيعها أو تأجيرها دون الاستعمال الخاص.

ويستوي أن يكون المتعامل في الترقية العقارية تابع للقطاع الخاص أو للقطاع العام كما هو الشأن في ديوان الترقية والتسيير العقاري (O.P.G.I ). وهي مؤسسة عمومية ذات طابع تجاري تتمتع بالاستقلال المالي وتعتبر تاجرة في علاقاتها مع الغير وتخضع بالتالي للقانون التجاري، وتعمل على ترقية الخدمة العمومية في مجال السكن لا سيما بالنسبة للفئة الاجتماعية غير القادرة على توفير السكن، وتتولى هذه المؤسسة عملية البناء في مجال العقار من أجل البيع أو الإيجار.

 

أولا.2- شروط ممارسة مهنة المرقي:

لقد أضفى المشرع الجزائري بموجب القانون رقم 11/04 الصبغة التجارية على الأعمال المتعلقة بالترقية العقارية. وبذلك يعد كل متعامل في الترقية العقارية تاجرا ما يستلزم ضرورة توافر الشروط المتطلبة قانونا لممارسة التجارة كالأهلية التجارية التي تؤهله لممارسة العمل التجاري ويكون كذلك إذا بلغ سن 19 سنة كاملة ومتمتعا بقواه العقلية ولم يحجر عليه [4].

واستثناء يجوز للقاصر المرشد ذكرا كان أم أنثى البالغ من العمر ثمانية عشر سنة (18) كاملة أن يمارس التجارة متى حصل على إذن بذلك إما من والده أو أمه أو على قرار من مجلس العائلة مصادق عليه من قبل المحكمة، ويقدم هذا الإذن كتابيا دعما لطلب القيد في السجل التجاري [5] .

إضافة إلى القيد في السجل التجاري والأهلية التجارية نص المشرع في القانون رقم 11/04 على شروط خاصة يجب توافرها لممارسة مهنة المرقي العقاري وهي:

1-               الحصول على الاعتماد: مع التسجيل في الجدول الوطني للمرقين العقاريين وفقا لما نص عليه القانون. إذ لا يمكن لأي كان يدعي صفة المرقي أن يمارس هذه المهنة ما لم يكن حاصلا على اعتماد ومسجل في الجدول الوطني للمرقين العقاريين[6] . ويعد ذلك ترخيصا لممارسة المهنة مع مراعاة القيام بالإجراءات الشكلية الإدارية والجبائية المطلوبة للحصول على هذا الترخيص [7].

2-               امتلاك المهارات والخبرات إضافة إلى القدرات المالية التي تمكنه من ممارسة هذه المهنة.

3-               الاستعانة بخدمات مقاول: كل شخص طبيعي أو معنوي يبادر بمشروع عقاري معد للبيع أو للإيجار فهو ملزم بالاستعانة بخدمات مقاول مؤهل قانونا حسب أهمية كل مشروع. ويكون ذلك بموجب عقد مقاولة يبرم بين الطرفين [8] لغرض إنجاز هذا المشروع.

4-               ألا يكون محل متابعة جزائية: يشترط في من يرغب في ممارسة مهنة المرقي العقاري ألا يكون محل متابعة جزائية. إذ لا يمكن أن تمارس مهنة المرقي العقاري من قبل الأشخاص الذين توبعوا في جرائم مثل جريمة التزوير واستعمال المزور، جريمة السرقة، خيانة الأمانة، جريمة التفليس بالتدليس [9]. كذلك جرائم النصب والاحتيال وكذا جرائم إصدار شيك بدون رصيد وغيرها.

 

ثانيا- مهام المرقي العقاري:

لقد انصبت اهتمامات المشرع الجزائري بعد صدور المرسوم التشريعي رقم 93/03 المتعلق بالنشاط العقاري، على مجموع الأعمال التي تساهم في إنجاز أو تجديد الأملاك العقارية من أجل البيع أو الإيجار أو لغرض تلبية الحاجات الخاصة سواء تعلق الأمر  ببناء سكن أو المحلات ذات الطابع الحرفي أو الصناعي  أو التجاري [10] .

وبذلك يعد المتعاملون في النشاط العقاري تجارا ويخضعون بالتالي لكل الالتزامات المترتبة عن هذه الصفة بما في ذلك الخضوع لنظام الإفلاس والتسوية القضائية [11] باستثناء الذين يقومون بعمليات الترقية العقارية لتلبية حاجاتهم الخاصة أو حاجات المشاركين في ذلك.

وكانت مهام المرقي العقاري في ظل المرسوم التشريعي رقم 93/03 تتمثل في عملية البناء والتجديد إذ نصت المادة الثانية منه على أنه:

"يشتمل نشاط الترقية العقارية على مجموع الأعمال

 التي تساهم في إنجاز أو تجديد الأملاك العقارية

 المخصصة للبيع أو الإيجار أو تلبية حاجات خاصة"

من نص المادة يتضح بأن مهام المرقي العقاري تتمثل في عملية البناء وكذا التجديد غير أن ما يلاحظ على تعريف المشرع لمهام المرقي كلمة المساهمة التي توحي بأن المرقي يساهم في عملية البناء أو التجديد للأملاك العقارية. إلا أن المرقي هو من يبادر بعملية البناء أو التجديد لهذه الأملاك، وذلك لغرض إما البيع أو الإيجار. كما يلاحظ أن المشرع أيضا أسند للمرقي العقاري عملية بناء العقار لتلبية الحاجات الخاصة. في حين أن عملية البناء أو التجديد لأجل تلبية حاجيات خاصة تخرج عن نطاق المرقي العقاري الذي يعتبر عمله عملا تجاريا يهدف من ورائه إلى تحقيق الربح.

وقد وسع المشرع الجزائري من مهام المرقي العقاري بموجب القانون رقم 11/04 من البناء والتجديد إلى مجموعة النشاطات المتعلقة بالبناء والتهيئة العمرانية والإصلاح والترميم والتجديد وإعادة التأهيل وإعادة الهيكلة وتدعيم البنايات المخصصة للبيع أو الإيجار بما فيها تهيئة الأرضيات لاستقبال البنايات . أي كل عمليات الإنجاز أو البناء أو التشييد ذات الاستعمال السكني أو التجاري أو الحرفي والمعدة للبيع أو الإيجار وكذا الاستعمال الشخصي.

لذلك اشترط القانون في القائمين بهذه الأعمال أن يكونوا محترفين يمتلكون مهارات في هذا لمجال إضافة إلى الامكانيات المالية [12] التي تمكنهم من ممارسة مهامهم. ويتولى المرقي العقاري في هذا الإطار مهمة تنسيق جميع العمليات التي تدخل في إطار الدراسات والأبحاث و تعبئة التمويل وكذا تنفيذ إنجاز المشروع العقاري وفقا للتشريع المعمول به [13] .

 

ثالثا- الطبيعة القانونية لعمل المرقي العقاري

سيتم تصنيف الطبيعة القانونية لعمل المرقي العقاري بحسب تطور الترقية العقارية في الجزائر.

ثالثا.1- الطابع المدني لعمل المرقي العقاري:

في ظل القانون رقم 86/07 أعطى المشرع الصبغة المدنية لكل عمليات البناء المنجزة خلال هذه الفترة وذلك تماشيا مع سياسة الدولة آنذاك والتي كانت تهدف من وراء عمليات البناء والتشييد إلى القضاء على أزمة السكن لا البناء من أجل البيع أو تحقيق الربح. إذ كان ينظر إلى عمليات البناء من الجانب الاجتماعي أكثر ما هو اقتصادي، ولذلك كانت تتم عملية البناء وفقا لأحكام القانون المدني، كما أبقى المشرع على الطابع المدني بموجب المرسوم التشريعي رقم 93/03 على عمليات البناء والتشييد المخصصة لتلبية الحاجيات الخاصة أو حاجات المشاركين في الترقية العقارية [14]. والمقصود هنا الأشخاص الذين يقومون بالبناء أو التشييد لغرض خاص وليس لغرض البيع.

 

ثالثا.2- الطابع التجاري لعملية الترقية العقارية

لقد أضفى المشرع الجزائري بموجب المرسوم التشريعي 93/03 الطابع التجاري على عمل المرقي العقاري. إذ اعتبرت المادة الثالثة (03) منه المتعاملين في الترقية العقارية تجارا باستثناء الذين يقومون بعمليات في الترقية العقارية لتلبية حاجاتهم الخاصة أو حاجات المشاركين في ذلك.

كما تبنى المشرع الجزائري النظرية الموضوعية في اعتبار عمل المرقي من قبل الأعمال التجارية وذلك في نص المادة الرابعة من هذا المرسوم الذي أحال عن المادة الثانية من القانون التجاري التي تحدد الأعمال التجارية بحسب الموضوع [15] . كما اشترط في من يمارس نشاطات الترقية العقارية سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا أن تتوافر فيه الأهلية القانونية لممارسة التجارة .

واعتبر الأعمال التالية من قبل الأعمال التجارية بحسب غرضها بغض النظر عن الشخص الذي يمارسها

1-               كل نشاطات الاقتناء والتهيئة لأوعية عقارية قصد بيعها أو تأجيرها.

2-               كل نشاطات الإدارة والتسيير العقاري لحساب الغير.

3-               كل النشاطات المتوسطية في الميدان العقاري لاسيما بيع الأملاك العقارية أو تأجيرها.

وكل هذه الأعمال من صميم مهام المرقي العقاري إضافة إلى اشتراط المشرع في من يمارس نشاطا في الترقية العقارية سواء كان شخصا طبيعيا أو معنويا أن تتوافر لديه الأهلية القانونية التي تؤهله لممارسة التجارة [16] .

وقد تبنى المشرع الجزائري نفس الموقف فيما يتعلق بالطبيعة القانونية لعمل المرقي العقاري بموجب القانون 11/04 إذ اعتبره تاجرا وفقا للمادة 19 منه والتي تنص على أنه:

"يسمح لكل شخص طبيعي أو معنوي مؤهل للقيام بأعمال التجارة بممارسة نشاط الترقية العقارية موضوع المادتين 3 و18 أعلاه طبقا للتشريع المعمول به وحسب الشروط المحددة في هذا القانون"

وبذلك فكل عملية بناء أو تشييد ذات الاستعمال السكني أو التجاري أو الحرفي أو المهني وكل عملية إنجاز أو تهيئة أو إصلاح بناء أو ترميم بنايات تدخل في صميم مهام المرقي وتعتبر أعمالا تجارية.

وكذلك كل عملية بناء أو تجديد في مجال الترقية العقارية لغرض بيعها فهي من قبل الأعمال التجارية. لأن المبدأ أن كل عمل يسعى صاحبه من ورائه إلى تحقيق ربح فهو يدخل ضمن الأعمال التجارية التي تخضع لأحكام القانون التجاري، وفقا لنظرية المضاربة .

 

رابعا- حقوق والتزامات المرقي العقاري

تمثل حقوق المرقي العقاري التزامات بالنسبة للمقتني (المستفيد) سواء تعلق الأمر بعقد بيع أو عقد إيجار. وتمثل حقوق هذا الأخير التزامات بالنسبة للمرقي العقاري، ذلك أن العقد المبرم في مجال الترقية العقارية من العقود الملزمة للجانبين ونظرا لضيق الوقت سأكتفي في هذا المجال بالتزامات المرقي العقاري في مجال الترقية العقارية في حالة عقد البيع

رابعا.1- التزامات المرقي العقاري في عقد البيع

طبقا للقواعد العامة تتمثل التزامات البائع في عقد البيع بنقل ملكية الشيء المبيع وضمان تسليمه، وذلك مقابل ثمن نقدي. وهذا ما يمكن استنتاجه من نص المادة 351 من القانون المدني التي تنص على أنه:

"البيع عقد يلتزم بمقتضاه البائع أن ينقل للمشتري

ملكية شيء أو حقا ماليا آخرا مقابل ثمن نقدي"

 

1.1-       الالتزام بضمان نقل الملكية:

يلتزم البائع في عقد البيع الوارد على عقار بضمان نقل ملكية هذا العقار للمشتري. وبما أن الشيء المبيع هو عقار فإن ملكية هذا العقار لا يمكن أن تنتقل إلا إذا رعيت الإجراءات المنصوص عليها في القانون. خاصة ما تعلق منها بإجراءات الشهر العقاري[17] ذلك أن العقود المنصبة على نقل ملكية عقار تحرر وجوبيا في الشكل الرسمي وذلك تحت طائلة البطلان [18] .

أما القانون رقم 11/04 فقد ألزم المرقي العقاري قبل مطالبة المقتني (المستفيد ) بأي تسبيق إبرام عقدين، عقد بيع بناء على تصاميم، وعقد حفظ الحق وذلك لغرض ضمان نقل الملكية من المرقي إلى المقتني (المستفيد).

وقد أخضع المشرع الجزائري عقد بيع بناء على تصاميم إلى إجراءات الشهر مثله مثل عقد بيع العقار. وبذلك يكون المشرع قد ضمن انتقال الملكية للمشتري بواسطة هذا العقد وهذا ما هو واضح من نص المادة 34 من القانون رقم 11/04 التي تنص على أنه:

" يتم إعداد عقد البيع على التصاميم في الشكل الرسمي،

 ويخضع للشكليات القانونية الخاصة بالتسجيل و الإشهار..."

غير أنه ونظرا لطبيعة عقد بيع بناء على تصاميم الذي يبرم قبل إنجاز البناء (العقار محل البيع) فإن ضمان نقل ملكية الشيء المبيع (العقار) مرتبط بضمان التزام المرقي بإنجاز البناء وهو يشكل الالتزام الجوهري في هذا العقد. وبدون إنجاز البناء يصبح تنفيذ الالتزام غير ممكن.

لذلك فقد ألزم المشرع المرقي العقاري بإبرام عقد حفظ الحق، يلتزم بموجبه بتسليم العقار المقرر بناؤه أو في طور البناء لصاحب حفظ الحق فور انتهائه مقابل تسبيق يدفعه هذا الأخير [19].

1. 2- الالتزام بتسليم العقار محل عقد البيع:

يتم تسليم الشيء المبيع بوضعه تحت تصرف المشتري بحيث يتمكن من حيازته والانتفاع به دون عائق يحول دون ذلك [20] . وفي مجال الترقية العقارية يتم تسليم العقار بعد إتمام إنجازه عند تاريخ التسديد النهائي لثمن العقار، وذلك بواسطة عقد يبرم بين الطرفين المرقي العقاري والمقتني أمام موثق مع مراعاة جميع الإجراءات التي ينص عليها القانون خاصة القوانين المتعلقة بمصلحة الشهر العقاري وذلك تحت طائلة البطلان.

1. 3- الالتزام بالضمان

إن تحويل المرقي العقاري بواسطة عقد بيع رسمي الملكية التامة والكاملة للمكتتب لا يضع حدا لالتزاماته، بل يجب زيادة على رضا الطرفين بالشيء المبيع وكذا سعره أن يستجيب العقار تحت طائلة بطلان العقد للشروط التقنية والوظيفية المطلوبة في مجال قابلية السكن وتهيئة المحلات ذات الاستعمال السكني أو المهني أو التجاري أو الحرفي .

كما أن حيازة المقتني للعقار وشهادة المطابقة لا تضع حدا لالتزامات المرقي العقاري ولا تعفيه من المسؤولية العشرية التي يشاركه فيها كل مكتب للدراسات والمقاولين والمتدخلين الآخرين الذين لهم صلة بالمرقي[21] وفي حالة التأخير في التسليم الفعلي للعقار موضوع عقد البيع يتعرض المرقي لعقوبات وفقا للقانون.[22]

 

خاتمـة

لقد أدى انتهاج الدولة الجزائرية لنظام اقتصاد السوق إلى فتح المجال أمام القطاع الخاص للاستثمار في النشاط العقاري الذي لم يعد النشاط فيه محصورا فقط في السكن بل يشمل مجموعة من العمليات التي تساهم في إنجاز المشاريع العقارية المخصصة للبيع أو الإيجار أو تلبية الحاجات الخاصة، كما يمكن أن تكون هذه المشاريع عبارة عن محلات ذات استعمال سكني أو مهني وبصفة عرضية يمكن أن تكون محلات ذات استعمال حرفي أو تجاري.

وبذلك تكون الدولة الجزائرية قد أخضعت عملية البناء والتشييد في مجال العقار لمبدأ المنافسة الحرة الذي يعتبر من أساسيات نجاح نظام اقتصاد السوق، ذلك أن مبدأ المنافسة يؤدي إلى توفير الانتاج وتحسين الخدمة وحفظ الأسعار مما يؤدي بالتالي إلى تحسين مستوى معيشة جمهور المستهلكين أقصد هنا المستهلك في مجال السكن.

غير أن ما يلاحظ في الواقع العملي:

1-   أن هذا المبدأ تولدت عنه رداءة الانتاج وغلاء العقار بطريقة لا تخدم الحظيرة السكنية الوطنية.

2-   رغم ما تمنحه الدولة من امتيازات و إعانات خاصة في مجال الترقية العقارية لغرض القضاء على أزمة السكن لكن ذلك لم يحصل بل ما زالت أزمة السكن قائمة.

3-   رغم تقرير القانون رقم 11/04 لعقوبة تأخير تسليم السكن المنجز من قبل المرقي العقاري فإن هذا النص لم ير التطبيق في الواقع العملي، بل ما لحظناه  هو مطالبة المستفيد من السكن التساهمي أو الترقوي بزيادة عن الثمن المحدد سابقا.

4-   عندما ألزمت الدولة بموجب قانون الترقية العقارية المكتتب (المستفيد) في عقد بيع العقار بمساهمة شخصية تقدر بحوالي 20% من السعر الإجمالي للسكن تولد عنه الاحساس بالانتماء وبالتالي متابعة المستفيد وتفقده لسكنه ورغم ذلك لا يحصل على سكنه في الوقت المحدد.

 

وفي الأخير أعتقد أن المرقي العقاري لم يساهم في حل أزمة السكن في الجزائر، ذلك أن من يسكن السكنات التساهمية أو الترقوية هو مستأجرون وليسوا ملاّّك.



[1]  أنظر المادة 02 من المرسوم التشريعي رقم 93/03 المؤرخ في 01 مارس 1993 المتعلق بالنشاط العقاري.

[2]  أنظر المادة 05 من المرسوم رقم 93/03 مرجع سابق

[3]   أنظر المادة 03 من نفس المرسوم

[4]  أنظر المادة 40 من القانون المدني الجزائري المعدل والمتمم.

[5]  أنظر المادة 5 من القانون التجاري الجزائري المعدل والمتمم.

[6]  أنظر الفقرة الثانية من المادة 4 من القانون رقم 11/04 المؤرخ في فبراير2011 المحدد للقواعد التي تنظم نشاط الترقية العقارية.

[7]  أنظر المادة 23 من نفس القانون.

[8] أنظر المادة 16 من نفس القانون

[9] أنظر المادة 383 من قانون العقوبات الجزائري..

[10] أنظر المادة 2 من المرسوم رقم 93/03  مرجع سابق

[11]  أنظرالمادة 58 من القانون رقم 11/04 مرجع سابق

[12] أنظر المادة 11/ من القانون 11/04 مرجع سابق

[13]  أنظر المادة 60 من القانون نفسه.

[14]  أنظر المادة 3 من المرسوم التشريعي 93/03 مرجع سابق

[15]  أنظر المادة 2 من القانون التجاري الجزائري. مرجع سابق.

[16] أنظر المادة 4 من المرسوم التشريعي رقم 93/03 مرجع سابق

[17] أنظر المادة 393 من القانون المدني الجزائري. مرجع سابق

[18]  أنظر المادة 25 من القانون رقم 11/04 مرجع سابق

 [19] أنظر المادة 27 من القانون رقم 11/04 مرجع سابق

[20] أنظر المادة 367 من القانون المدني الجزائري.

[21] أنظر المادة 46 من القانون 11/04. مرجع سابق.

[22] أنظر المادة 43 من نفس القانون

 

Télécharger l'article