Imprimer
Affichages : 22086

 

المسؤولية المدنيـة للمهندس المعماري و المقاول

عن عيــوب المباني المسلمـة لصاحب المشروع

"دراسة في القانون الجزائري " .

 

 وعلي جمال

 

مقـدمــة

    تعتبر المباني والمنشآت الثابتة رمز الاستقرار في حياة الإنسان ونقطة الانطلاق لنشاطه اليومي، وبناءها وتشييدها من قبيل الأعمال المعقدة التي تحتاج إلى مؤهلات علمية وخبرات فنية. ولذا فإن ما يشوبها من خلل أو عيب يهدد بالضرورة حياته وسلامته واستقراره . ولقد عانت الجزائر من أزمة الإسكان تراكمت إفرازاتها إلى يومنا هذا بسبب العشرية السوداء التي عرفتها في التسعينات، كما ساعد انهيار المباني الناجم عن الكوارث الطبيعية وسرعة الإنجاز في تعميق الأزمة. وفي ظل أزمة الإسكان الحالية وبخاصة في بلد مكتظ بالسكان كالجزائر قد يصبح انهيار المباني خلال عملية تشييدها أو بعد اكتمال هذا التشييد بوقت ليس بالطويل  ظاهرة تستوجب الوقوف عندها قبل وقوعها. وكثيرا ما يأتي ذلك نتيجة للقصور والإهمال في صناعة مواد البناء ، والرغبة في تحقيق أكبر كسب ممكن من جانب القائمين عليها دون اعتبار لأرواح الناس وسلامتهم والحفاظ على ممتلكاتهم(1) .

    إن حدوث مثل هذه المضار جعلت القوانين تتشدد مع القائمين على عملية التشييد والبناء من خلال وضع قواعد خاصة لمسؤولياتهم عما يحدث من خلل أو تهدم فيما شيدوه من مبان أو أقاموه من منشآت. لذا دعت الضرورة إلى وضع قواعد خاصة كفيلة لإصلاح الأضرار من شأنها حث المهندسين والمقاولين الذين يحترفون البناء والتشييد المعماري على الدقة وحسن التنفيذ ومن ثم تلافي الأضرار الجسمية التي قد تنجم عن تهدم المباني التي يقيمونها.

   وفي الجزائر ينظم مسؤولية المهندسين المعماريين ومقاولي البناء، إلى جانب أحكام القانون المدني، التشريعات  التي  تنظم  أعمال البناء  والتشييد  وتضمن في  نفس الوقت حصول المضرورين على

ــــــــــــ

* د. وعلي جمال ، أستاذ محاضر "ب" كلية الحقوق والعلوم السياسية ، جامعة أبي بكر بلقايد –تلمسان .

1- ولعل ما وقع في ولاية بومرداس شرق العاصمة بتاريخ 23 ماي 2003 إثر زلزال غير متوقع بلغت شدته 6,7 على سلم ريشتار حيث            انهارت بنايات لم يمض على تسلمها عشر سنوات ، إذ كشفت التحقيقات على عدم احترام التقنيات التي تضمن صلابة البناء . لمزيد من             التفصيل أنظر إلى الموقع الإلكتروني htt://www.elkhabar.com    .

التعويضات اللازمة، وأهمها القانون رقم 93-03 المتعلق بالنشاط العقاري، قانون رقم 04-05 المتعلق بالتهيئة والتعمير، أمر رقم 95-07 المتعلق بالتأمينات المعدل والمتمم بالإضافة إلى نصوص قانونية أخرى خاصة بتنظيم أعمال البناء  وما يرتبط بها من لوائح .

     ورغم ما تتميز به قواعد المسؤولية المدنية للمهندس المعماري والمقاول من خصوصية وتشدد عن القواعد العامة في المسؤولية المدنية فإن المشرع الجزائري لم يكتف بذلك ، إذ تعد قواعدها استثنائية تتميز بمقومات ذاتية أهمها افتراض المسؤولية بقوة القانون، التضامن بين المهندس المعماري والمقاول، منع الحد منها أو الاتفاق على استبعادها. بل أضاف المشرع الجزائري إلى هذه المسؤولية بعدا جنائيا حيث اعتبر القيام بأعمال البناء دون مراعاة الأصول الفنية المقررة قانونا جريمة جنائية تصل عقوبتها في بعض الأحوال إلى حد السجن المؤبد فضلا عن الغرامة بما يساويقيمة الأعمال المخالفة  (1) .  ويتعرض المهندس والمقاول المخالف فضلا عن ذلك لجزاء تأديبي يتمثل في شطب اسمهما من الجدول الكبير للمهندسين المعماريين أو من سجلات الغرفة الوطنية للمقاولين لمدة مؤقتة أو دائمة في حالة العود إلى المخالفة . أما  المهندس المعماري الموظف بالقطاع العام قد يعاقب إداريا بالعزل من وظيفته أو الفصل من خدمته .  

     سيقتصر حديثنا في هذا المقام على المسؤولية المدنية الخاصة بالمهندس المعماري والمقاول عن تهدم المباني والمنشآت وما قد يظهر بها من عيوب، وكذلك تشريعات تنظيم عمليات البناء والتشييد في بعض جوانبها . وقد أوردت المادة 554 من القانون المدني الجزائري أحكام هذه المسؤولية الخاصة بقولها:"يضمن المهندس المعماري والمقاول متضامنين ما يحدث خلال عشر سنوات من تهدم كلي أو جزئي فيما شيداه من مبان أو أقاماه من منشآت ثابتة أخرى لو كان التهدم ناشئا عن عيب في الأرض ، ويشمل الضمان المنصوص عليه في الفقرة السابقة ما يوجد في المباني والمنشآت من عيوب يترتب عليها تهديد متانة البناء وسلامته ،

     وتبدأ مدة العشر سنوات من وقت تسلم العمل نهائيا ،

     ولا تسري هذه المادة على ما قد يكون للمقاول من حق الرجوع على المقاولين الفرعيين".    بهذا النص قرر المشرع الجزائري شأنه شأن باقي التشريعات مسؤولية استثنائية ذات طبيعة خاصة للمهندس المعماري والمقاول بسبب تهدم المباني أو المنشآت الثابتة الأخرى التي شيدوها أو أقاموها

ــــــــــــ

 1- الفاضل خمار ، الجرائم الواقعة على العقار ، دار هومة ، الطبعة الثانية ، 2006 ، الجزائر ، ص 64 وما بعدها .

وما قد يوجد بها من عيوب تهدد متانتها وسلامتها . ويطلق عليها اسم "الضمان العشري أو المسؤولية العشرية" ، ونعالجها في هذه الدراسة من خلال ثلاثة فصول وفق الخطة التالية : 

     الفصل الأول: نتعرض فيه لتحديد أطراف المسؤولية

      الفصل الثاني: نحدد فيه شروط المسؤولية

      الفصل الثالث: نعالج فيه أحكام المسؤولية

 

الفصـل الأول :

أطـراف المسؤوليـة العشـريـة

 

     يرتبط رب العمل المستفيد من البناء مع المهندس المعماري والمقاول بعقد لإنجاز البناء فتنشأ عن هذا العقد التزامات تقع على طرفيه ، ومن هذا المنطلق تنظم المادة 554 من القانون المدني نوعا خاصا من المسؤولية بين طرفي عقد المقاولة محلها تشييد مبان أو إقامة منشآت ثابتة أخرى ، يكون المسئول فيها هو المهندس المعماري والمقاول من جهة ، والمستفيد منها رب العمل ومن يخلفه من جهة أخرى ، دون الغير الأجنبي عن عقد المقاولة . ويختلف دور المهندس المعماري عن دور المقاول ، حيث أن المهندس المعماري يمارس عملا ذو طبيعة فنية إبتكارية بما يبدعه من نشاط ذهني بعكس المقاول الذي يمارس عملا ماديا ذوي طابع تجاري(1) .

     نتناول أطراف هذا العقد في مبحثين نخصص الأول للمهندس المعماري والمقاول باعتبارهما المسؤولان عن الضمان العشري، ونكرس الثاني لرب العمل وخلفه باعتبارهما المستفيدين منه .

 

ــــــــــــ

 1- إذ اعتبر المشرع الجزائري وفقا لأحكام المادة 02 من القانون التجاري عملا تجاريا كل مقاولة للبناء أو الحفر أو تمهيد الأرض.

المبحث الأول :

المسئولين بالضمان العشري .

    تتحدد التزامات المهندس المعماري والمقاول بمقتضى عقد خاص الذي يبرمانه مع رب العمل صاحب المشروع ، فيلتزمان أساسا بتنفيذ العمل الموكول إليهما حسب مقتضيات العقد متبعين في ذلك القواعد والأحكام الخاصة بمهنتهما . وعادة هذه الالتزامات لا يمكن حصرها إلا وفقا لما اتفق عليه الأطراف ، وهي الالتزامات التي يسري عليها الضمان . ومن ثم فإن الضمان العشري مؤداه أن يكون المكلف به وهما المهندس المعماري ومن يقوم في مقامه والمقاول مسئولان لمدة 10 سنوات بعد الإنجاز النهائي للمشروع وتسليمه إلى المستفيد . فإذا وقعت مضار خلال هذه الفترة تتحرك آلة المسؤولية ضدهما .

     أولا : المهنـدس المعمـاري .  

    لقد أوجد المشرع الجزائري تعريفا للمهندس المعماري وفقا لما ذهب إليه في المادة 09 من المرسوم التشريعي رقم 94-07 المعدل والمتمم المتعلق بشروط الإنتاج المعماري المعدل والمتمم(1) واعتبره "الشخص المحترف المكلف عادة بمهمة صاحب العمل الذي يتولى تصور إنجاز البناء ومتابعته" . أما قرار الوزاري المشترك المؤرخ في 15 ماي 1988 المعدل والمتمم(2) فيعرفه على أنّه : "كل شخص طبيعي أو معنوي تتوافر فيه الشروط والمؤهلات والكفاءات التقنية والوسائل اللازمة الفنية في مجال البناء لصالح رب العمل وذلك بالتزامه إزاء هذا الأخير على أساس الغرض المطلوب وأجل محدد ومقاييس نوعية، وذلك تحت مسؤوليته الكاملة وفي إطار الالتزامات التعاقدية التي تربطه بصاحب المشروع" .

    ولقد أوجب المشرع الجزائري اللجوأ إلى المهندس المعماري في المشاريع الخاضعة لرخصة البناء وفقا لما نصت عليه المادة55 من قانون 90-29 المعدل والمتمم(3)، إذ أنه يجب إعداد مشاريع البناء الخاضعة لرخصة البناء من طرف مهندس  معماري... وهو نفس الوضع الذي أكد عليه المشرع

ــــــــــــ

1- مرسوم تشريعي رقم 94-07 المؤرخ في 18 ماي 1994 المعدل والمتمم بقانون رقم 04-06 المؤرخ في 14 أوت 2004 المتعلق بشروط       الإنتاج المعماري وممارسة مهنة المهندس المعماري ج.ر رقم 51 لسنة 2004 .

2- قرار وزاري مشترك مؤرخ في 15 ماي 1988 يتضمن كيفيات ممارسة تنفيذ الأشغال في ميدان البناء المعدل والمتمم بالقرار الوزاري المشترك        المؤرخ في 04 جويلية 2001، ج.ر رقم 45 سنة 2001 .

3- قانون رقم 90-29 المؤرخ في 01 ديسمبر 1990 المعدل والمتمم بقانون رقم 04-05 المؤرخ في 14 أوت 2004 المتعلق بالتهيئة               والتعمير، ج.ر رقم 51 لسنة 2004 .

الجزائري في قانون رقم 04-06(1) فاشترط في إعداد مشاريع البناء الخاضعة لتأشيرة مهندس معماري أن تنجز من طرف مهندس معماري. ولا شك من أن المشرع يهدف من خلال ذلك كله إنجاز بنايات وفقا للمعايير التقنية والأصول الفنية لتجنيب البناء أي خلل من شأنه أن يحدث ضررا به .

    وفي هذا الصدد نص المشرع الجزائري على التزامات المهندس المعماري في عدة نصوص متفرقة يمكن إجمالها في قانون رقم 90-29 المعدل والمتمم، المرسوم التنفيذي رقم 91-176(2)، المرسوم التشريعي رقم 94-07 المعدل والمتمم ومنها احترام معطيات المشروع المترجمة لرغبة رب العمل صاحب المشروع، احترام التشريعات واللوائح المطبقة في مجال البناء والتعمير ... فإذا أخل المهندس المعماري بهذه الالتزامات وأصيب البناء بضرر يقع تحت طائلة المسؤولية .

   طبقا لصريح نص المادة 554/01 من القانون المدني الجزائري والمادة 03 من القرار الوزاري المشترك المؤرخ في 15 ماي 1988 السابق فإن المسئول الأول بضمان سلامة المباني والمنشآت هو المهندس المعماري . وإذا أخذنا بالتفسير الحرفي للنص فإن المسؤولية لا تنطبق إلاّ على من كان حائزا على شهادة مهندس في الهندسة المعمارية أو ما يعادلها من المؤهلات الهندسية الأخرى المعترف بها من قبل نقابة المهندسين، وعضوا بالجدول الكبير لهيئة جزاء المهندسين المعماريين وفقا للنصوص القانونية المنظمة لشروط ممارسة مهنة المهندس المعماري(3) .

    وبالرغم من أن المادة 554 من القانون المدني الجزائري تتحدث عن المهندس المعماري ، غير أن الاتجاه السائد في فقه بعض الدول وبتأييد من جانب من القضاء بالنظر إلى التطور الحديث في أعمال التشييد والبناء جعل المهندس المعماري يقتصر دوره في أغلب الأحوال على وضع التصميمات والرسومات ، في حين يتولى غيره من المهندسين في مجال الهندسة المدنية ، الهندسة الميكانيكية ، ... الإشراف على تنفيذها . لذلك وجب أن يمتد نطاق هذه المسؤولية ليشمل أي

 

ــــــــــــ

1- مرسوم تنفيذي رقم 91-176 مؤرخ في 28 ماي 1991 المحدد لكيفيات إجراء تسليم شهادة التعمير ورخصة التجزئة ... المعدل والمتمم       بالمرسوم التنفيذي رقم 06-03 المؤرخ في 07 يناير 2006، ج.ر رقم 01 لسنة 2006 .

2- أنظر قانون رقم 04-06 مؤرخ في 27 جمادى الثانية عام 1425 الموافق لـ 14 غشت سنة 2004 يتضمن إلغاء بعض أحكام المرسوم         التشريعي رقم 94-07 المؤرخ في 07 ذي الحجة عام 1414 الموافق لـ 18 مايو سنة 1994 والمتعلق بشروط الإنتاج المعماري وممارسة         مهنة المهندس المعماري ، ج.ر العدد رقم 51 لسنة 2004 .

3- د. عبد الودود حي ، مسؤولية المهندسين والمقاولين والتأمين عليها ، مجالة مصر المعاصرة ، العدد 376، سنة 1997، ص 128 وما بعدها .

مهندس مادام يساهم بدور في تنفيذ الأعمال(1) . ومن تم يتحمل مسئولية المهندس المعماري كل من قام بتصميم الأعمال أو أشرف على تنفيذها ولو كان رب العمل نفسه(2). وإذا اشترك عدة أشخاص في القيام بمهمة المهندس المعماري سواء في وضع تصميم الأعمال المزمع إنشاؤها ، أو في الإشراف والرقابة على تنفيذها كانوا جميعا مسئولين كل في حدود ما قام به من أعمال .

    ويرجع في تحديد ما يكلف به المهندس المعماري من مهام في عملية البناء لتحديد مسئوليته إلى العقد المبرم بينه وبين رب العمل باعتباره شريعة المتعاقدين وإلى الأحكام القانونية الواردة في مجموعة النصوص القانونية المنضمة للمهنة. ولذلك جاء نص المادة 555 من القانون المدني الجزائري بأنه "إذا اقتصر المهندس المعماري على وضع التصميم دون أن يكلف الرقابة على التنفيذ لم يكن مسئولا إلا عن العيوب التي أتت من التصميم . كما قضت المحكمة العليا في قرارها المؤرخ في 19/01/2005 بأن "المسئولية عن تهدم البناء وسلامته تشمل المهندس المعماري والمقاول على السواء، ما لم يقتصر عمل المهندس على وضع التصميم فلا يكون مسئولا إلا عن العيوب التي أتت منه" (3) .

    ثانيـا : المقـاول .

    غالبا ما تكون مهام تنفيذ أشغال البناء وإنجازها منوط بالمقاول حيث يعهد له بها مالك البناء بمقتضى عقد مقاولة . فيقوم المقاول بالتنفيذ العملي للرسومات والتصاميم الهندسية بما يمليه عليه العمل من إدارة وإشراف عليه، وحراسة المواد المستخدمة في البناء واكتشاف الأخطار التي يمكن تصور وجودها في التصميمات والرسومات ، ومراقبة مكان العمل لتفادي أية حوادث محتمل وقوعها سواء لرب العمل أو للمارة . ومن ثم يضاف المقاول طبقا لنص المادة 554 من القانون المدني جزائري إلى المهندس المعماري في الالتزام بالضمان العشري. ولا يوجد تنظيم تشريعي في الجزائر لمهنة المقاولة أو نقابة خاصة بهم كما هو الشأن بالنسبة للمهندسين. ويجمع الفقه على أن المقاول "شخص يعهد إليه رب العمل بتشييد المبنى أو إقامة المنشأة الثابتة الأخرى بناءا على ما يقدم له من تصميمات وذلك في مقابل أجر، ودون أن يخضع في عمله لإشراف ورقابة رب العمل

ــــــــــــ

1- د. عبد الودود حي ، المرجع السابق، ص 129 .

2- د.محمد شكري سرور ، مسئولية مهندسي ومقاولي البناء والمنشآت الثابتة الأخرى، دار النهضة العربية ، مصر، 1980 ،ص 25 وما بعدها .

3- قرار المحكمة العليا رقم 294119 الصادر بتاريخ 19/01/2005 في القضية المنشورة بين (ب.م) ضد (ب.ب) ، مجلة المحكمة العليا لسنة         2005 ، العدد 01 ، ص 259 .

أو غيره"(1). ولا يشترط أن يكلف المقاول ليكون مسئولا وفقا للمادة 554 المذكورة أعلاه بكل الأعمال اللازمة لإقامة المبنى ، إذ بإمكان صاحب المشروع أن يلجأ إلى أكثر من مقاول لإنجاز مشروعه كأن يعهد بوضع الأساس وأعمال البناء الأخرى من أرضيات وأسقف وحيطان إلى مقاول ، وبأعمال النجارة إلى مقاول ثاني، وبأعمال الدهان والبياض إلى مقاول ثالث ، وبالأعمال الصحية إلى مقاول رابع ... فيبرم صاحب العمل عدة عقود مع عدة مقاولين كل بحسب تخصصه. فإذا اشترك أكثر من مقاول في العمل امتدت دائرة المسئولية لتشملهم جميعا كل في حدود الجزء من العمل الذي قام به(2) . ويستوي في هذا الشأن المقاول الذي يتعهد فقط بتنفيذ العمل طبقا لخطة وتصميم المهندس المعماري والمقاول الذي يزوده بالعمل وفقا لاتفاق مع رب العمل بما يحتاجه من مواد  وأدوات(3) .

    ولقد أدى التطور الحديث في أعمال البناء والتشييد من حيث المواد والمكونات المستعملة في المباني أو إدخال الميكنة والتصنيع في تنفيذها أثره الهام في تغيير وظيفة المقاول التقليدية ، إذ أصبح دوره بالنسبة إلى أجزاء هامة في البناء هو مجرد التركيب، بل إن البناء بأكمله قد يكون سابق التجهيز، ومن هنا يثور السؤال عن مدى اعتبار صناع مكونات البناء والتجهيزات المعمارية في عداد المقاولين الذين يتحملون المسئولية العشرية عن تهدم المباني أو عما يلحقها من عيوب تؤثر في متانتها أو سلامتها (4).

     فبالرجوع إلى نص المادة 554 من القانون المدني الجزائري لا يستفاد من استقراءها اعتبار هؤلاء مقاولين لأنهم لا يشتركون مباشرة بأعمال تنفيذية تتعلق بالمباني أو المنشآت الثابتة الأخرى والتي تقتضي تواجدهم في موقع العمل ، ويمكن النظر إلى العقد الذي يربطهم برب العمل على أنه عقد بيع لمنتجاتهم وليس عقد مقاولة . ومقابل ذلك ينطبق نفس الحكم في حالة قيام شخص بتشييد  مبان وبيعها في صورة  وحدات (شقق أو طبقات) مستخدما  في البناء مهندسين  وفنيين

ــــــــــــ

1- د.غنام محمد غنام ، المسؤولية الجنائية لمشيدي البناء (المقاول ، مهندس البناء، صاحب البناء) مجلة الحقوق ، مجلة فصلية ، جامعة الكويت ،           الحجم 19 ، رقم 04 –لسنة 1995 ، ص 110 وما بعدها .

2- د. عياشي شعبان، أشخاص الضمان العشري في القانون الجزائري، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية ، الجزأ 42 رقم 02،       لسنة 2000، ص 88 .

3- د. نبيلة رسلان، عقد المقاولة، دار النهضة العربية ،مصر، 1991، ص132 وما بعدها، د.عبد الناصر العطار، تنظيم المباني ومسؤولية المهندس       والمقاول ، طبعة 1972، ص 125 .

4- د.أحمد عبد العال أبو قرين ، الأحكام العامة لعقد المقاولة ، الدار الجامعية، مصر، 2003 ، ص 119 وما بعدها .

وعمالا يعملون تحت إشرافه وتوجيهه . فمثل هذا الشخص تنعقد له صفتين: مقاول في مواجهة نفسه كمالك ، وبائع في علاقته بالمشترين . والأولى في نظر الفقه تغليب صفة المقاول على صفة البائع في نفس الشخص ومسائلته بالضمان الخاص (العشري) دون الضمان العام للعيوب الخفية الملقى على عاتق البائع المقرر في نص المادة 379 من القانون المدني الجزائري، إذ غالبا ما تظهر العيوب بعد فترة زمنية طويلة من بيع البناء يصعب بعدها الرجوع على هذا الشخص كبائع طبقا لضمان العيوب الخفية ، وتبدو حينئذ الحاجة للرجوع عليه طبقا لأحكام الضمان العشري المقرر بالمادة 554 من قانون مدني الجزائري ، وهذا ما فعله المشرع الفرنسي في المادة 1792/2 بعد تعديلها بقانون 1978(1) .

    ثالثـا : المراقـب التقنـي .

    لقد شمل المشرع الجزائري المراقب التقني بالضمان العشري دون تنظيم كاف فيما يخصه. ويعرف عادة على أنه "رجل فني أو هيئة فنية يقوم بالمراقبة الفنية لأعمال البناء بإعطاء أراء استشارية لرب العمل باعتباره متعاقدا معه". ومراعاة لذلك يكون المراقب التقني مسؤولا في حدود مهامه . وتطبيقا لذلك تنص المادة 178 من أمر رقم 95-07 المتعلق بالتأمينات(2) المعدل والمتمم في فقرتها الأولى على أنه : "يجب على المهندسين المعماريين والمقاولين وكذا المراقبين التقنيين اكتتاب عقد التأمين مسؤوليتهم العشرية المنصوص عليها في المادة 554 من القانون المدني، على أن يبدأ سريان هذا العقد من الاستلام النهائي للمشروع" .

    وبموجب هذه المادة يلتزم أيضا بجانب المهندس المعماري والمقاول المراقب التقني بالضمان العشري الوارد في المادة 554 من القانون المدني الجزائري اتجاه رب العمل، غير أنه لا تقوم المسؤولية العشرية للمراقب التقني إلاّ إذا ارتبط بعقد مقاولة أصلي مع رب العمل، أي يشترط أن يكون المراقب التقني قد تدخل بناءا على طلب صاحب المشروع وليس بناءا على طلب المعماري القائم على إنجاز وتنفيذ المشروع فإذا أعطى تقريرا إيجابيا ووقع الضرر فإن قرينة المسؤولية تقوم ضده، ولكن إذا وضع تقريرا سلبيا أو أبدى تحفظات بخصوص الإنجاز والبناء ولم يأخذ برأيه وأدى

ــــــــــــ

1- لمزيد من الشرح والتفصيل راجع د.محمد حسين منصور ، المسؤولية المعمارية ، دار الجامعة الجديدة للنشر، مصر ، 1999، ص 91 وما            يليها.

2- أمر رقم 95-07 مؤرخ في 25 يناير 1995 المتعلق بالتأمينات المعدل والمتمم بقانون رقم 06-04 المؤرخ في 20 فبراير 2006، ج.ر          رقم 15 لسنة 2006 .

ذلك إلى وقوع الضرر فإن المسؤولية تنتفي على عاتق المراقب(1) . إلا أنه وضمانا من الدولة على مصداقية المراقبة التقنية ثم إنشاء هيئة وطنية لرقابة البناء التقنية ومنها تلك المنصّبة بغرب البلاد بموجب المرسوم رقم 86-207 .

 

1- وفي السياق نفسه فإن المشرع الفرنسي بموجب قانون رقم 78-12 المؤرخ في 04 يناير 1978 عدل في صيغة المادة 1792 من القانون          المدني بحذف عبارة "المهندسين المعماريين والمقاولين وأي أشخاص آخرين مرتبطين مع رب العمل بعقد مقاولة" التي سبق وأن أضيفت بقانون        رقم 67-03 لسنة 1967، واستعمل بدلا منها عبارة "كل معماري" ثم أضاف فقرة جديدة إلى هذه المادة بيّن فيها المعنى المقصود بعبارة          كل معماري هذه "كل مهندس معماري أو فني أو أي شخص آخر مرتبط مع رب العمل بعقد مقاولة" .

المبحث الثانـي :

المستفيدون من الضمان العشري .

    لم يحدد المشرع الجزائري المستفيدين من الضمان العشري، إلا أنه قد يكون من السهل تحديد هؤلاء باستقراء النصوص القانونية طالما تحدد الملزمون بهذا الضمان . وعليه يستفيد من الضمان العشري بالأساس رب العمل وكذا خلفه العام والخاص دون الغير بصفة عامة.

     أولا : رب العمـل.    

   ممّا لا شك فيه أن المستفيد الأول من الضمان العشري هو رب العمل، إذ يفهم من نص المادة 554 من القانون المدني الجزائري أن الضمان العشري مقرر أساسا لمصلحة رب العمل الذي تعاقد مع المهندس المعماري أو المقاول . ويقصد برب العمل على أنه "ذلك الشخص الطبيعي أو المعنوي ، العام أو الخاص الذي يتم إنجاز البناء أو المنشاة الثابتة لحسابه"(1). ورب العمل هو الذي يصاب عادة بالضرر من جرّاء عيوب البناء التي تهدد سلامته ومتانته. ويستوي في ذلك أن يكون رب العمل قد ابرم العقد بنفسه أو بواسطة وكيل عنه ، وسواء كان شخصا طبيعيا أو شخصا اعتباريا خاصا أو عاما ، مالكا للأرض التي يقام عليها البناء أو مجرد منتفع بها . ولا يعتبر المقاول الأصلي في مركز رب العمل في علاقته بالمقاول من الباطن ، لأن البناء أو المنشأ الثابت الذي يقام أو يشيد لا يكون لحسابه هو بل لحساب من تعاقد معه . وبالتالي لا يستطيع الرجوع بهذا الضمان على المقاول من الباطن، وهذا ما قررته الفقرة الثالثة من المادة 554 من القانون المدني الجزائري. وإذا فقد رب العمل صفته بالتسليم النهائي للبناء –كأن تكون مقاولة عقارية تقوم بإبرام عقود مقاولات لإنشاء مبان لحساب أعضائها وتتولى فقط عملية تشييدها ، ثم تقوم بعد ذلك بتوزيعها على أعضائها- فلا يستطيع رفع دعوى الضمان العشري ويتولاها الأعضاء بأنفسهم أو من خلال جمعية الملاك باعتبارهم المستفيدين من هذا الضمان(2) . فالضمان العشري يرتبط أساسا بالملكية العقارية ويسير معها حيثما سارت ينتقل إلى المالك الجديد كالمشتري أو الموهوب له(3)  .

       أمّا  في حالة  الملكية  المشتركة التي يتعدد فيها ملاك البناء أو العمارة  تثبت دعوى الضمان

ــــــــــــ

1- د. عياشي شعبان، المرجع السابق، ص96 .

2- د.محمد حسين منصور، المرجع السابق، ص 83 ، وكذلك د.محمد شكري سرور، المرجع السابق، ص197.

3- بلمختار سعاد، المسؤولية المدنية للمهندس المعماري ومقاول البناء، مذكرة لنيل شهادة ماجستير في القانون ، كلية الحقوق والعلوم السياسية ،        2009، ص139 .

العشري إلى جمعية الملاك . والملاحظ أن المرسوم التنفيذي رقم 94-59 (1)لم يحدد صاحب الصفة في رفع دعوى الضمان العشري مما يؤدي بنا إلى الرجوع للأحكام العامة . ومن ثم يعود للجمعية التي يكونونها فيما بينهم حين يكون الخلل الموجب لهذا الضمان قد لحق الأجزاء المشتركة للبناء طبقا للمادة 756 مكرر 1 مدني جزائري (2). أما حين يقوم موجب الضمان بالأجزاء الخاصة من العقار المملوكة للشركاء على انفراد (الشقق أو الطبقات) تكون مباشرة دعوى الضمان من اختصاص كل مالك للجزء الذي لحقه سبب الضمان على انفراد .

     ثانيـا: خلف رب العمـل العـام والخـاص.

    بجانب المستفيد الأول من الضمان  العشري المتمثل في رب العمل ينتقل الحق في الضمان العشري حالة وفاته لخلفه العام من ورثة وموصى لهم تبعا لانتقال ملكية البناء إليهم طبقا لقواعد الاستخلاف العام المنصوص عليها في المادة108 من القانون المدني الجزائري(3). وبالتالي فإن جميع الحقوق التي يرتبها عقد المقاولة لرب العمل تنتقل بعد موته إلى خلفه العام، ليحلوا محل مورثهم في الرجوع على المعماري المسؤول بمقتضى أحكام المسؤولية الخاصة. وينطبق ذات الحكم على خلفه الخاص كمشتري العقار وفقا للرأي الفقهي السائد(4) باعتبار أن هذه الدعوى من مستلزمات البناء وتتبعه في أي يد وجد، إعمالا للمادة 109 من القانون المدني الجزائري التي تحكم قواعد الاستخلاف الخاص بالمتعاقد(5).وقد ذهب جانب من الفقه وسايره في ذلك أيضا جانبا من القضاء في تبرير ذلك إلى اعتبار الضمان العشري التزاما عينيا ينتقل مع العقار، حيث أن حق التمسك بهذا الضمان يعتبر من مستلزمات الشيء أو ملحقاته التي تنتقل معه إلى من انتقلت إليه الملكية دون حاجة للنص عليها صراحة في التصرف الناقل للملكية، ولو كان السبب الذي انتقلت به الملكية لا

ــــــــــــ

1- المرسوم التنفيذي رقم 94-59 المؤرخ في 07 مارس 1994 المتعلق بتحديد القواعد المتعلقة بالملكية المشتركة وتسيير العمارات الجماعية .

2- تنص المادة 756 مكرر 01 من القانون المدني الجزائري على أنه : "إذا حدث هدم كلي أو جزئي فإنه يمكن للشركاء المالكين للأجزاء المتكونة       منها المبنى المهدم أن يقرروا بأغلبية الأصوات تجديد المبنى أو إصلاح الجزأ الذي لحقه الضرر ... ".

3- تنص المادة 108 مدني جزائري على : "ينصرف العقد إلى المتعاقدين والخلف العام، ما لم يتبيّن من طبيعة التعامل، أو من نص القانون، أن هذا       الأثر لا ينصرف إلى الخلف العام كل ذلك مع مراعاة القواعد المتعلقة بالميراث" .

4- د. عبد الرزاق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني-العقود الواردة على العمل- الجزأ السابع، المجلد الأول، منشأة المعارف، مصر،            2004 ، ص 102 .

5- وتنص المادة 109 مدني جزائري على : "إذا أنشأ العقد التزامات وحقوقا  شخصية تتصل بشيء انتقل بعد ذلك إلى خلف خاص، فإن هذه        الالتزامات والحقوق تنتقل إلى هذا الخلف في الوقت الذي ينتقل فيه الشيء، إذا كانت من مستلزماته وكان الخلف الخاص يعلم بها وقت انتقال       الشيء إليه .

 

يلزم الناقل بالضمان كالهبة مثلا(1).وفي حالة البيع الإيجاري فإن المشتري المستأجر لا يستفيد من هذا الضمان إلا إذا أصبح مالكا فعلا للبناء وقت قيام موجبه وذلك بسداده لآخر قسط من الثمن. وأما قبل ذلك فلا يعدو أن يكون هذا الشخص دائنا عاديا لرب العمل (المؤجر) ولا يستطيع أن يرفع دعوى الضمان العشري باسمه ، بل من خلال الدعوى غير المباشرة (دعوى رب العمل) إذا ظهر في البناء(العين المؤجرة) عيب موجب للضمان،وهو ما تقضي به المادة189 مدني جزائري(2).

     ثالثـا : الغير لا يستفيد من الضمان العشـري :

     إذا أصيب الغير بضرر من تهدم كلي أو جزئي فيما شيده  المهندس المعماري والمقاول من مبان أو منشآت ثابتة أخرى فإنه لا يستطيع الرجوع على أي منهما على أساس المسئولية الخاصة المنصوص عليها في المادة 554 مدني جزائري ، بل يلجأ إلى طلب التعويض طبقا للقواعد العامة للمسئولية عن الفعل الشخصي المقررة بالمادة 124 مدني جزائري التي تقضي بأن "كل فعل أيا كان يرتكبه الشخص ويسبب ضرر بغير يلزم من كان سببا في حدوثه بالتعويض ". أو طبقا لأحكام المسئولية الناشئة عن حراسة البناء المقررة بالفقرة الأولى من المادة 140 مدني جزائري التي تقضي بأن "حارس البناء ولو لم يكن مالكا له مسئول عما يحدثه انهدام البناء من ضرر، ولو كان انهداما جزئيا، ما لم يثبت أن الحادث لا يرجع سببه إلى إهمال في الصيانة أو قدم في البناء أو عيب فيه" وذلك إذا توافرت في أي منهما صفة الحارس، بأن كانت له السيطرة الفعلية على البناء.

   والسبب في استبعاد الغير من الضمان العشري هو أنه أجنبي عن عقد المقاولة الذي يستند إليه هذا الضمان الخاص .ومن ثم فإن المسؤولية العشرية للمهندس المعماري والمقاول لا يمكن أن تقوم إلاّ بالنسبة للأعمال ذات الصفة العقارية كالمباني(3) ، المنشآت الثابتة، الأخرى(4) .

ــــــــــــــ

1- د. سرحان عدنان إبراهيم ، شرح القانون المدني، العقود المسماة: المقاولة-الوكالة-الكفالة، الطبعة الاولى، دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمّان،         2007، ص 58.

2- أما المادة 189 مدني جزائري فإنها تنص على : "لكل دائن ولو لم يحل أجل دينه أن يستعمل باسم مدينه جميع حقوق هذا المدين، إلا ما كان        منها خاصا بشخص أو غير قابل للحجز ولا يكون استعمال الدائن لحقوق مدينه مقبولا إلا إذا أثبت أن المدين أمسك عن استعمال هذه            الحقوق وأن هذا الإمساك من شأنه أن يسبب عسره، أو يزيد فيه" .

3- يقصد بالمباني في هذا الشأن كل ما يرتفع فوق سطح الأرض من منشآت ثابتة من صنع الإنسان بحيث يستطيع الفرد أن يتحرك بداخلها، وأن        يكون من شأنها أن توفر له حماية ولو جزئية ضد المخاطر الناتجة عن المؤثرات الطبيعية الخارجية ومن أمثلتها المنازل، المدارس، المستشفيات،            المصانع...

4- يقصد بالمنشآت الثابتة الأخرى غير المباني كل عمل أقامته يد الإنسان ثابتا في حيزه من الأرض متصلا بها عن طريق الربط بين مجموعة من            المواد أيّا كان نوعها ، غير قابلة للفك بحيث ييسر على الإنسان سبيل انتقاله أو سبيل معاشه. لمزيد من التفصيل راجع د.يس عبد الرزاق              حسين ، المسؤولية الخاصة بالمهندس المعماري ومقاول البناء، دار الفكر العربي، مصر، 1987، ص 689 .

الفصـل الثـانــي :

شـروط قيـام المسئـوليـة العشـريـة

 

     قد يحدث أن يقصر المهندس المعماري والمقاول لسبب أو لآخر في تنفيذ مهامهما على الوجه المطلوب بصورة ينتج عنها الإضرار برب العمل إلى حد ما ، بل أن تلك الأضرار قد تتعداه إلى غيره من الأفراد الذين لهم صلة بعملية البناء كالعاملين فيها أو القائمين عليها كالمهندس أو المقاول وقد يمتد أثرها إلى أشخاص أجانب تماما عن عملية البناء كالجيران والمارة . غير أن حدوث هذه المضار قد تؤدي إلى إثارة مسؤوليتهما عن ذلك ، ومن ثم يستوجب عليهما تعويض المتضرر عما أصابه . وتبعا لذلك نقتصر على دراسة الأضرار التي تلحق رب العمل ، وعليه يتعين لانعقاد المسئولية العشرية للمهندس المعماري والمقاول قِبَل رب العمل توافر الشروط الثلاثة التالية:

-       ارتباط الطرفين بعقد مقاولة محله تشييد أو إقامة منشاة ثابتة ،

-       تهدم المنشأة أو ظهور عيب بها يهدد مثانة البناء وسلامته ،

-       أن يحدث التهدم أو ينكشف العيب خلال مدة الضمان المقدرة بعشر سنوات من وقت تسليم العمل .

    نتناول هذه الشروط في ثلاثة مباحث ، نخصص فيها كل مبحث لشرط مهم .

 

المبحث الأول :

ارتباط الطرفين بعقد مقاولـة محله تشييـد مبنى

أو إقامـة منشـاة ثابتـة .

   المسؤولية العشرية للمهندس المعماري والمقاول تفترض لتحققها ضرورة قيام عقد مقاولة مع صاحب المشروع يكون موضوعه إقامة مباني أو منشآت ثابتة طبقا للفقرة الأولى من المادة 554مدني جزائري، فلا يمكن إثارة أحكام هذا الضمان إلا في حالة وجود هذا العقد بين الطرفين. وهذا ما قضت به صراحة المحكمة العليا في الجزائر وقبلها محكمتي النقض المصرية والفرنسية في أكثر من حكم لها(1).

     ويكمن جوهر عقد المقاولة في استقلال المقاول في القيام بالعمل المعهود به إليه عن رب العمل. فإذا تبيّن أن المقاول أو المهندس المعماري يؤديان عملهما تحت إشراف ورقابة وتوجيه رب العمل فلا يكونا مسؤولا وفق الضمان العشري لأنهما يكونان عاملان فقط. وبناء عليه لا يكون المهندس أو المقاول مسئولا بالضمان العشري إذا لم يرتبط برب العمل بأي عقد. وتترتب مسئوليته في الحالة الأولى وفقا لأحكام المسئولية التقصيرية ، وفي الحالة الثانية وفقا لأحكام عقد المقاولة . ويجب أن يكون العمل الذي عهد به إلى المهندس أو المقاول هو تشييد مبنى أو إقامة منشأة أخرى ثابتة كالجسور، الطرق، القناطر، السدود، الخزانات، الملاعب الرياضية ، حمامات السباحة والأعمدة الحاملة لأسلاك الهاتف أو البرق والمخابئ والخنادق ...إلخ.

    وتطبيقا لذلك فإن المقاول من الباطن الذي لا يتعاقد مباشرة مع رب العمل الأصلي والذي يشارك بدور معين في عملية البناء لا يخضع للمسؤولية العشرية في علاقته بهذا الأخير، وذلك لتخلف شرط ارتباطه معه بعقد مقاولة ، فلا يبقى لرب العمل في هذه الحالة إلا الرجوع عليه بمقتضى قواعد المسؤولية التقصيرية(2) .

   وفي غياب آراء الفقهاء الجزائريين وقلة الاجتهادات القضائية يأخذ معظم الفقه المصري بالتفسير الواسع لتشييد المباني وإقامة المنشآت، فلا يقتصر الأمر على تشييد مبنى أو إقامة منشأة جديدة ، بل يمتد إلى توسيع وتعلية وترميم وإصلاح مبنى أو منشأة قائمة من قبل ، وكذلك أعمال الصيانة

ــــــــــــ

1- قرار المحكمة العليا رقم 294119 الصادر بتاريخ 19/01/2005 وكذلك نقض مدني 27/11/1973 ، مجموعة أحكام النقض س 24         ص 1146 – 21/05/1975 ، نقلا عن د.محمد عزمي البكري ، المرجع السابق، ص 135 .

2- MALINVAUD Philippe, droit de la construction, dalloz, France, 2000, P 1147 .                        

التي تمس الأجزاء الرئيسية من العقار أو ملحقاته، إذ قد يترتب عليها حدوث تهدم كلي أو جزئي في البناء أو تهديد سلامته أو متانته. فالحكمة من الضمان العشري تكمن في كل تلك العمليات(1). وهذا بعكس أعمال الدهان والبياض والزخرفة والديكور التي ليست من شأنها تهديد متانة البناء أو سلامته إذا أديت على نحو معيب . كما لا يدخل في الضمان كذلك حفر الآبار وشق المجاري والمصاريف والقنوات ورصف الطرق لأنها لا تدخل في مجال الهندسة المعمارية ولا تتوافر فيها الحكمة من تقرير هذا الضمان الذي يواجه حالة التهدم الكلي أو الجزئي للبناء أو المنشأة أو وجود عيب فيهما يهدد متانة البناء أو سلامته.

 ــــــــــــ

1- د.عبد الرزاق السنهوري ، المرجع السابق ص 134 ، د.محمد حسين منصور ، المرجع السابق ص 118 ، وكذلك د.نزيه محمد الصادق           المهدي ، التأمين الإجباري من مسئولية المهندس المعماري والمقاول، دار المطبوعات الجامعية، 1996 ص 15 ، محمد ناجي ياقوت ، مسئولية      المعماريين بعد تمام الأعمال وتسليمها مقبولة من رب العمل ، رسالة لنيل شهادة الدكتوراه في القانون ، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، سنة          1998، ص 84 وما بعدها .

المبحث الثـانـي:

تهدم البنـاء أو المنشأة أو ظهور عيب فيهمـا يهدد

متانـة البنـاء وسلامتــه.

    إن المسؤولية الخاصة للمهندس المعماري والمقاول المقررة في المادة 554 وما بعدها من القانون المدني لا تغطي كل ضرر يصيب المباني أو المنشآت الثابتة الأخرى. ومن ثم فإن الضمان العشري يغطي نوعا خاصا من الضرر على درجة عالية من الجسامة وهو إما تهدم البناء أو المنشأة الثابتة، أو تعيبهما بعيوب خطيرة يترتب عليها تهديد متانة البناء وسلامته. ويستوي في التهدم – وهو تفكك البناء أو انفصاله عن الأرض وانحلال الرابطة التي ترتبط بين أجزاءه –أن يكون كليا أو جزئيا، وسواء كان راجعا إلى عيب في التصميم أو في تنفيذ الأعمال، أو في المواد المستعملة فيها ، أو في الأرض ذاتها إذا كان من الممكن كشفه وفقا للقواعد الفنية والتقنية المعروفة ، وإلا كان قوة قاهرة ويعفى المهندس أو المقاول من المسؤولية بسببه .

     والتهدم المقصود هنا ذلك الذي يتم بطريقة غير إرادية الذي قد يكون بسبب عيب في عملية التشييد والبناء، أو عيب في المواد المستعملة أو في الأرض المقام عليها البناء . أما العيب الموجب للضمان – والذي اشترط فيه المشرع الجزائري شأنه شأن المشرع المصري والفرنسي أن يهدد متانة البناء وسلامته –فتقديره متروك للسلطة التقديرية لقضاة الموضوع بعد اللجوأ إلى الخبرة الفنية ويعرف على أنّه : "ذلك الخلل الذي يصيب المباني أو المنشآت الثابتة والذي تقتضي أصول الصنعة وقواعد الفن خلوها منه"(1). ولا يشترط فيه أيضا أن يشمل كل البناء أو المنشأة ويكفي أن يقع في جزء منها، ومثالها الخلل في أساسات البناء أو الهياكل الحاملة له أو الأسقفه وتشقق جدرانه ... ويتعين على قضاة الموضوع أن يوضحوا في حكمهم مدى أهمية العيب، وما إذا كان من شأنه تهديد متانة البناء وسلامته . ولا ريب في أن هناك عيوبا لا ترقى في خطورتها إلى هذه الدرجة ومثالها التشققات البسيطة في الحوائط أو الخطأ في بعض التوصيلات الكهربائية الفرعية ونحو ذلك(2) .

 

ــــــــــــ

1- محمد ناجي ياقوت ، المرجع السابق، ص 97.

2- د.نبيلة رسلان ، المرجع السابق ص 158 ، د. محمد حسين منصور، المرجع السابق، ص 126 .

    وبهذا المعنى يختلف العيب المقصود بالدراسة عن عيب المطابقة ، فقد يكون المبنى المشيد سليما خاليا من العيوب، إلاّ أنّه يكون غير مطابق للمواصفات المتفق عليها كأن يخالف دفتر الشروط من حيث مثلا مساحة الغرف، كيفيات ترتيبها، طريقة تقسيمها... وتبدوا أهمية التفرقة في اختلاف الجزاء باختلاف نوع العيب، فإذا كانت عيوب المطابقة تؤدي إلى وجوب إصلاحها فقط، فإن عيوب البناء ينشأ عنها الضمان العشري بما يتبعه من أحكام خاصة . ومن هذا المنطلق يشترط في العيب الموجب للضمان بأن يكون خفيا بحيث لا يستطع رب العمل اكتشافه وقت أن يتسلم البناء أو المنشأة، ولم يكن في إمكانه ذلك حتى لو بذل جهد الرجل الحريص في مثل ظروفه(1). فإن كان العيب ظاهرا أو كان رب العمل على علم به بالرغم من خفائه وقام باستلام العمل دون تحفظ، سقط حقه في الضمان لافتراض أنه تنازل حينئذ عن هذا الحق بإرادته الحرة . ويعتبر من قبيل العيوب الخفية وقت تسلم المشروع وجود خلل غير واضح في العزل الصوتي الخاص بجدران البناء، وجود عوائق وصعوبات تحول دون إمكانية دخول المرآب .

     وليس هناك أدنى شك في أن شرط خفاء العيب يعد شرطا قاسيا لرب العمل خاصة إذا كان شخصا غير خبير بشؤون البناء لأنه يكون ملزما بتقدير حالة أعمال معمارية في غاية من الأهمية والتعقيد عند التسليم. لذا فقد تخفى عليه الكثير من العيوب التي لا تخفى على ذوي الخبرة من الفنيين، ومع ذلك يمكن لرب العمل الاستعانة بمهندس متخصص عند المعاينة والفحص لتسلم العمل .غير أنه وخلافا للقواعد العامة في ضمان العيب فإنه لا يشترط لإعمال الضمان العشري أن يكون العيب قديما وفقا للقواعد العامة المنظمة لأحكام العيوب الخفية ، أي موجودا قبل استلام رب العمل وقبوله للمبنى أو المنشأة. فيمتد الضمان إلى العيوب التي تطرأ بعد التسليم أيضا طالما كان ذلك خلال مدة الضمان التي نص عليها القانون وهو الموقف الذي أخذت به محكمة النقض المصرية في عدة قرارات قضائية صادرة عنها(2).  كما أن المهندس المعماري والمقاول لا يسألان إلاّ عن العيوب التي تشوب البناء وينجم عنها ضرر على درجة من الخطورة الذي من شأنه المساس بسلامة ومثانة العناصر التجهيزية غير القابلة للانفصال.

ــــــــــــ

1- د.محمد عبد الرحيم عنبر ، عقد المقاولة ، منشأة المعارف، 2007، ص  176. 

2- وهذا ما عبرت عنه محكمة النقض المصرية بقولها : "أن الضمان الذي يرجع إلى تنفيذ المقاول أعمال البناء يتحقق إذا ظهر وجود العيب في البناء       خلال عشر سنوات من وقت التسليم ولو لم تنكشف آثار العيب وتتفاقم أو يقوم التهدم بالفعل إلا بعد انقضاء هذه المدة" . نقض مدني             23/06/1970 ، مجموعة أحكام النقض، س 21 ، ص 1068 .

المبحث الثالث :

أن يحدث تهدم البناء أو المنشأة أو أن ينكشف خلال مدة

 الضمان ما بهما من عيب.

     لا يكف لقيام المسؤولية العشرية بأن يلحق بالبناية ضرر على درجة من الخطورة ، بل لا بد أن تحترم آجال معينة سواء لقيام هذه المسؤولية أو لرفع دعوى التعويض، إذ لا تغطي المسؤولية إلا الأضرار التي تحدث خلال المدة القانونية للضمان والتي هي بحسب الأصل عشر سنوات. وبمقتضى هذا الشرط الذي نصت عليه المادة 554 مدني جزائري أن هذه المسئولية الخاصة (الضمان العشري) لا يمكن إثارتها خلال فترة تنفيذ الأعمال في المبنى أو المنشأة وقبل استلام رب العمل لها بصفة نهائية . ومن هذا المنطلق لا بد من تحديد تاريخ بدأ سريان المدة القانونية حتى يمكن حسابها لمعرفة ما إذا كان العيب الضار و الخلل قد ظهر خلال المدة المحددة حصرا. ومن ثم تبدأ مدة السنوات العشر من وقت تسلم العمل نهائيا ، غير أنه إذا امتنع رب العمل عن تسلم العمل رغم دعوته لذلك بإنذار رسمي من قبل المعماري من دون سبب مشروع فيصبح بدأ المدة من تاريخ الإنذار الموجه له بتسلم العمل طبقا لما أنهت إليه المادة 558 من القانون المدني . ومعنى ذلك فإن الأضرار التي تحدث للبناء أثناء فترة التشييد قد يسأل عنها المقاول أو المهندس إما على أساس الخطأ التقصيري طبقا للقواعد العامة، وإما بوصفة حارسا للبناء أو للآلات والأدوات المستعملة في البناء. وسواء كان المصاب بتلك الأضرار أجنبيا عن عملية البناء كالجيران والزوار والمارة ، أم له صلة بالعملية كالمالك والمستأجر أو القائمين بالتشييد أنفسهم وذلك فيما يتعلق بالعلاقة فيما بينهم وهو الذي كرسته محكمة النقض المصرية في عدة قرارات لها(1) .    

    لم يعط المشرع الجزائري أسوة بالمشرع المصري تعريفا محددا لتسليم العمل، بل نجده لمّحَ تسليم العمل في المادة 554/02 من القانون المدني. ومنه يعتبر التسليم التزاما يقع على عاتب المهندس المعماري والمقاول والتسلم التزاما يقع على عاتق رب العمل . ويقصد بتسلم العمل قبول رب العمل للبناء أو المنشأة بصفة نهائية ودون إبداء أي تحفظات سواء تم ذلك صراحة أو شفاهة  أو كتابة من خلال محضر التسليم ، أو ضمنيا بوضع يده على البناء والبدء في ممارسة مكناته القانونية

ــــــــــــ

1- وتطبيقا لذلك قضت محكمة النقض المصرية بأن "... استعمال الطاعنين لآلات ميكانيكية ثقيلة في دك أساسات عمارتهم الملاصقة لمبنى المطعون       ضده دون اتخاذهم الاحتياطات الواجبة في هذه الحالة لمنع ما تحدثه هذه العملية من ضرر في مبنى الجار خطأ مستوجب لمسؤولياتهم عن تعويض       الضرر الذي تسبب عنه طبقا لقواعد المسئولية التقصيرية ..." .نقض مدني 30/03/1967  ، مجموعة أحكام النقض، س 18 ، ص 704.

 عليه . ويدخل في سلطة قاضي الموضوع تقدير الظروف والوقائع التي تم فيها التسليم ومدى دلالتها على حدوثه ووقته . فإن امتنع رب العمل عن تسلم العمل بشكل تعسفي بدون سبب مشروع جاز للمهندس أو المقاول دعوته على ذلك بإنذار رسمي، فإن لم يستجب وأصر على الامتناع اعتبر أن العمل قد سلم إليه وفقا لما أنهت إليه المادة 558 مدني جزائري ، وبالتالي تبدأ مدة الضمان في السريان(1) .

     كما يجب أن يحدث التهدم أو انكشاف عيب البناء خلال مدة عشر سنوات تحتسب من وقت تسلم العمل لإثارة المسئولية العشرية ، وهذه المدة هي مدة اختبار لمتانة البناء وسلامته وخلوه من أي عيب يؤثر في متانته أو صلابته ، التي قد لا تظهر عند تسلمه وليست مدة تقادم . وبالتالي فلا تخضع لما يخضع له التقادم من وقف أو انقطاع . فبإنقضائها يمنع على رب العمل الرجوع على المهندس أو المقاول ما لم يكن قبوله للعمل باطلا بسبب غش أو احتيال ارتكبه أي منهما لإخفاء عيوب البناء ، فيجوز له حينئذ الرجوع بالضمان العشري حتى بعد انقضاء تلك المدة، ولا ينقضي هذا الضمان إلا بمضي مدة التقادم الطويل المقدرة بـ 15 سنة.

 ــــــــــــ

1- تنص المادة 558 من القانون المدني الجزائري على : "عندما يتم المقاول العمل ويضعه تحت تصرف رب العمل وجب على هذا الأخير أن يبادر      إلى تسلمه في أقرب وقت ممكن بحسب ما هو جار في المعاملات . فإذا امتنع دون سبب مشروع عن التسلم رغم دعوته إلى ذلك بإنذار رسمي       اعتبر أن العمل قد سلم إليه" .

الفصـل الثـالــث :

الأحكــام الخاصة بالمسئـوليـة العشريـة .

 

    لقد اختلف الفقه سيما الفرنسي منه قبل أن يستقر به المقام على الطبيعة القانونية لهذه المسؤولية حيث اعتبرها في البداية ذات طابع تقصيري تستند إلى الإخلال بواجب عام متمثل في عدم الإضرار بالآخرين، غير أن غالبية الفقه آنذاك كان يرى بأنها عقدية بالنظر إلى العقد الذي يحكم هذه العلاقة ولا تنتهي إلا بالتسليم ومن هذا المنطلق نعالج في هذا الفصل كل ما يتعلق بأحكام المسؤولية المدنية الخاصة بالمهندس المعماري والمقاول بتهدم البناء، والتي تشكل في مجموعها النظام القانوني للمسئولية العشرية .

    فنبين في المبحث الأول طبيعة هذه المسؤولية والجزاء الذي يترتب عليها ، ونتناول في المبحث الثاني مدى إلزامية التأمين على المسؤولية العشرية  ، ونتطرق في المبحث الثالث إلى هذه المسئولية بالنظام العام وأثره على الاتفاقات المعدلة لها.

 

المبحث الأول :

الطبيعـة القانونيـة للمسئوليـة المدنيـة للمهندس والمقـاول

عـن عيـوب وجـزاء قيـامهــا .

  تأسيسا على ما سبق دراسته فإن عقد المقاولة ينشأ على عاتق المهندس المعماري والمقاول التزم بضمان سلامة البناء من المخاطر التي قد يتعرض لها خلال فترة الضمان، وهو التزام مستقل عن الالتزام بإقامة أو تشييد البناء . ويبدو أن دعوى الضمان العشري  التي قررها المشرع الجزائري في المادة 554 مدني جزائري على عاتق المهندس المعماري والمقاول قبل رب العمل تقوم على مسئولية عقدية أوجدها القانون لكل عقد مقاولة على البناء، وتدخل في تنظيمها بأحكام آمرة لاعتبارات تتعلق بالمصلحة العامة وهي المادة التي يقابلها نص المادة 1792 مدني فرنسي ونص المادة 651 مدني مصري. ولم يعد غريبا في أحوال كثيرة أن يتدخل المشرع في المجال العقدي بقواعد آمرة متعلقة بالنظام العام مدفوعا في ذلك بجملة من الاعتبارات الاجتماعية، الاقتصادية، السياسية والفنّية تقوم أساسا على التضامن الاجتماعي، مستهدفا من وراءها مصلحة عامة أو خاصة جديرة بالحماية والرعاية(1). وقد أجمع الفقه الفرنسي(2) والمصري(3) وبعض أساتذة القانون في الجزائر(4) أيضا على أن طبيعة هذه المسؤولية هي مسؤولية عقدية.

    ومن هذا المنطلق فإن المسؤولية العشرية ما هي إلاّ نوع من المسؤولية العقدية خصها المشرع بأحكام مشددة إذ هي مسؤولية مفترضة بقوة القانون وتضامنية . فالمهندس المعماري ارتبط مع رب العمل بعقد مقاولة موضوعه وضع تصميم بناء أو منشأة والإشراف على تنفيذه . والمقاول ارتبط أيضا مع رب العمل بعقد مقاولة مضمونه القيام بعملية البناء وفقا للتصميم الهندسي المقدم إليه. ولم يحدث تهدم البناء أو تعيبه إلا بسبب إخلالهما أو إخلال أحدهما بالالتزامات العقدية، وبدون هذا العقد لا يمكن قيام هذه المسئولية . وتحديد الطبيعة العقدية  لهذه المسئولية له أهمية في تحديد الجزاء المترتب عليها، بحيث سينحصر في التعويض عن الضرر المتوقع عادة وقت التعاقد دون

ــــــــــــ

1- د. منصور محمد حسين، المرجع السابق، ص 142 .

2- KARILA Jean-Pierre, les responsabilités des constructeurs, 2m édition, Delmas, France, 1991, P 329 .                                                                                                                              

3- د.إبراهيم سيد أحمد، مسؤولية المهندس والمقاول عن عيوب البناء فقها وقضاءا ، دار الكتب القانونية، مصر ، 2005، ص 93 .

4- إبراهيم يوسف ، المسؤولية العشرية للمهندس المعماري والمقاول ، المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والاقتصادية والسياسية، جزء 03 ، رقم 03،        1995، ص 681 .

الضرر غير المتوقع، ما لم يكن هناك غش أو خطأ جسيم من المهندس أو المقاول وفقا للقواعد العامة للمسؤولية المدنية .

    فإذا تهدم جدار أو تصدع مثلا وجب أن لا يشمل التعويض نفقات إعادة بنائه أو إصلاحه فقط، بل أيضا إعادة بياضه أو لصق ورق حائط عليه وتزيينه كما كان مصمما له . بالإضافة إلى التعويضات التي يدفعها رب العمل لجبر الأضرار التي أصابت الجيران والمارة بسبب التهدم ، وأيضا المصروفات التي يدفعها لتفادي تفاقم الأضرار الناجمة عن تعيب البناء ، فضلا عن الكسب الذي يفوت رب العمل صاحب المشروع من عدم الاستفادة من البناء على الأقل خلال المدة التي يستغرقها الإصلاح أو إعادة البناء، أو بسبب نقص ما يعود عليه من ربح بسبب تعيبه وعدم جدوى الإصلاحات في إخراجه بالصورة المطلوبة بداءة.

   غير أنه ونظرا للتعدد المحتمل للفنيين الذين قد يشاركون بعملهم في إقامة البناء الواحد من مقاولين ومهندسين وغيرهم ، فإنه قد يصعب على رب العمل إثبات الخطأ العقدي في جانب كل واحد منهم على حدى، وإثبات علاقة السببية بين الخطأ والضرر نظرا لقصوره في مجال المعروفة بالأعمال العمرانية بين ما هو فني وما هو خلاف ذلك، وبين خطأ المهندس المعماري أو المقاول وخطأ غيرهم ممن شاركوا في إتمام تلك الأخطاء الفنية. غير أن الأمر لم يعد كذلك لقيام قرينة قانونية لفائدة رب العمل على مسؤولياتهم عن عيوب البناء، وهي تمتد لتشمل جميع الفنيين الذين ساهموا بعملهم في إقامة البناء أو المنشآت بافتراض الخطأ في جانبهما أدى إلى ضرر برب العمل فيسأل المهندس المعماري عن أخطاء المقاول في تنفيذ العمل فضلا عن مسؤولياته هو عن عيوب التصميم الذي وضعه، كما يسأل المقاول بفضلها عن أخطاء المهندس في التصميم فضلا عن مسؤوليته الشخصية عن عيوب التنفيذ. بينما لو لم توجد هذه القرنية فلا يسأل أي منهما إلا عن خطئه الشخصي فحسب ، ولعلّ السبب الذي أدى إلى قيام تلك القرينة على مسؤولية جميع المعماريين الذين ساهموا في إقامة البناء بمن فيهم المهندس المعماري والمقاول عن عيوب البناء، هو أن كوارث التهدم أو التداعي للسقوط أو التصدع أضحت مشكلة تتعلق بالصالح العام، إذ لم يعد

مقبولا بأن يتضرر إنسان في مجتمع من دون أن يُعوَض عليه أو من دون وجود مسؤول يحاسب ويتحمل مسؤوليته عن أخطائه(1) .

ــــــــــــ

1- د. عبد اللطيف الحسيني، المسؤولية المدنية عن الأخطاء المهنية-الطبيب-المهندس المعماري- المقاول والمحامي ، الطبعة الأولى، الشركة العالمية           للكتاب، مصر، بدون سنة الطبع، ص 246 .

    فإذا توافرت أركان المسؤولية الثلاث (الخطأ-ضرر-علاقة السببية) أصبح المهندس المعماري والمقاول ملتزمان بتعويض رب العمل المضرور عما أصابه من ضرر . والأصل في التعويض أنه يكون عيني يتمثل في إلزام المسؤول بإعادة الحالة إلى ما كانت عليه من قبل وقوع الضرر وفقا لما أنهت إليه المادة 164 مدني جزائري، بأن يقوم المعماري أو المقاول بإعادة بناء الجزأ المتهدم أو إصلاح العيوب التي تهدد سلامة البناء، بل قد يقتضي الأمر إعادة تشييد البناء بكامله وبعض الأجزاء السليمة منه المرتبطة بالأجزاء المعيبة إذا اقتضت ذلك طبيعة الفن المعماري(1)  ، غير أنه إذا كان التنفيذ العيني مستحيلا فيجوز لرب العمل المطالبة بالتنفيذ بمقابل.

    ويعوض رب العمل عن الأضرار المباشرة المتوقعة فقط وفقا لما أنهت إليه المادة 182 مدني جزائري وهي تلك الأضرار التي تكون نتيجة طبيعية لخطأ المهندس المعماري والمقاول(2) ، وعلى العموم فإن تحديد طبيعة هذه الأضرار وقياس حجمها وتقديرها هي مسألة وقائع يُترك تقديرها لقاضي الموضوع الذي يمكنه في مثل هذه الأوضاع الاستعانة بأهل الخبرة والفن .

   ولا يعتبر العيب في التربة التي أقيم عليها البناء من قبيل القوة القاهرة التي تنفي مسئولية المهندس المعماري، لأن دراسة التربة وخصائصها وكشف ما بها من عيوب لتلافي نتائجها الضارة تعد من أولى مهام وظيفته . ومن هذا المنطلق استلزم الملف الإداري لمباشرة عملية البناء استصدار رخصة البناء وبأن يكون مرفقا بالطلب الإداري مجموعة من المستندات من بينها بيانات ودراسات خاصة بالتربة ومدى تحملها إقامة العقار المطلوب إنشاؤه على أساس سليم . ولا يعتبر عيب التربة قوه قاهرة إلا إذا كان مما يمكن كشفه باستعمال الطرق والأساليب الفنية المتعارف عليها في جس التربة واختياراتها ، ومثل ذلك أن تهبط الأرض التي أقيم عليها البناء بسبب وجود أطلال أثرية على عمق كبير تحت الأرض وفي منطقة من غير المتوقع أن يوجد فيها مثل هذه الأطلال(3) .

    كما لا يعتبر خطأ رب العمل أثناء فترة تشييد البناء، سواء بإعطاء تعليمات خاطئة أو بالموافقة على تصميم معيب أو بتقديم مواد رديئة استخدمت في أعمال البناء لنفي المسؤولية عنهما، ذلك أن على المقاول والمهندس المعماري تنبيه رب العمل صاحب المشروع إلى هذا الخطأ وإلى ما فيه

ــــــــــــ

1- د.محمد حسين منصور، المرجع السابق، ص 145 .

2- بن رقية بن يوسف، العلاقة بين نظامي المسؤولية المدنية ومدى جوا الخبرة بيهما في القانون المدني الجزائري، مذكرة ماجستير في القانون ، كلية      الحقوق ، جامعة الجزائر، 1990، ص 89 .

3- د. محمد حسين منصور، المرجع السابق، ص 107 .

 من خطورة على سلامة البناء. فإذا لم يمتثل كان عليهما الامتناع عن التنفيذ، فإذا أذعنا لمشيئته فإنهما يعتبران مخطئين ولا يستغرق خطأ رب العمل خطأهما وإن كان يمكن أن يخفف من مسؤوليتهما بنسبة مساهمته في إحداث الضرر. ولا ترتفع مسئولياتهما في هذه الحالة إلا إذا كان رب العمل يملك من الخبرة والتفوق الفني في هذه المجال ما يفوق خبرة كل منهما ، وهو الذي وضع بنفسه التصميم المعيب للبناء بدلا من المهندس المعماري، وأصر على تنفيذ وأشرف عليه (1) .

     وأما فعل الغير فلا ينفي مسئولية المهندس المعماري والمقاول إلا إذا كان سلوكا شاذا لا يتفق مع السير العادي للأمور ولا يمكن للشخص العادي أن يتوقعه أو يدخل في تقديره ، كما لو قام   أحد المستأجرين بإجراء تعديلات معيبة بوحدته السكينة على نحو يصيب المبنى كله بعيوب تهدد متانته وسلامته أن تؤدي إلى انهياره .

     ويجدر التنويه هنا إلى أن المقاول من الباطن والعمال والفنيين الذين يستعين بهم المقاول الأصلي في تنفيذ البناء لا يعتبرون من الغير ، ويسأل كل من المهندس والمقاول عن أخطائهم مسئولية المتبوع عن أفعال تابعة وفقا لما أنهت إليه المادة 137 من القانون المدني ، ويكون لرب العمل الرجوع على المهندس والمقاول بدعوى الضمان العشري حتى لو كان سبب تهدم البناء أو تعيبه خطأ صادرا من هؤلاء ، ودون حاجة لإثبات هذا الخطأ .

   ولقد حرص المشرع الجزائري على التشديد في المسؤولية العشرية خلافا للقواعد العامة للمسؤولية العقدية فجعل من جهة المهندس المعماري والمقاول مسؤولين مسؤولية مشددة تترتب على الإخلال بالتزام بتحقيق نتيجة ، لا تنتفي إلا بإثبات السبب الأجنبي . فلا يمكن للمهندس المعماري والمقاول نفيها بإثبات انتفاء الخطأ من جانبهما باتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة حتى لا يتهدم البناء ولا يوجد العيب. وهي أيضا من جهة أخرى مسؤولية تضامنية بين المهندس المعماري والمقاول لمدة عشر سنوات بعد تاريخ تسليم البناء والمنشآت الأخرى ، ويعتبر هذا التضامن قائما بقوة القانون ورد بناءا على نص تشريعي صريح بموجب المادة 554/01 من القانون المدني، ويعد ذلك تأكيدا على الطبيعة العقدية للمسؤولية العشرية، إذ أنه لو لم تكن كذلك لما كان المشرع الجزائري بحاجة إلى النص صراحة على هذا التضامن واكتفى فقط بما تقضي به المادة 126 مدني جزائري  التي  تقرر مبدأ عام  هو التضامن في المسؤولية  التقصيرية ، غير أنه  لما كانت المسؤولية

  

ــــــــــــ

1- د. نزيه محمد الصادق، المرجع السابق، ص 95 .

عقدية فإن التضامن لا يفترض فيها بل يجب النص عليه قانونا أو الاتفاق عليه وفقا لما أنهت إليه المادة 217 من القانون المدني الجزائري .

    وبالمقابل لا يسأل المهندس المعماري إذا كان الضرر راجعا إلى خطأ ارتكبه المقاول وكان فعله السبب الوحيد لهذا الضرر ، كما لو ثبت أن التهدم أو العيب نشأ عن استخدام المقاول لمواد بها عيوب خفية لم يكن في وسع المهندس تبينها ولو بذل عناية المهندس المعماري العادي في فحصها ، ولم يقع منه إهمال أو تقصير في الإشراف على عملية البناء وإدارتها . وعلى من يدعى منهما أن الضرر نشأ بخطأ الآخر وحده أن يثبت هذا الخطأ . فإن تعذر إثبات خطأ أي منهما ، فإن المسئولية تقسم عليهما بالتساوي وفقا للقواعد العامة(1).

ــــــــــــ

1- د. أنور سلطان، الموجز في النظرية العامة للالتزام، دار المطبوعات الجامعية ، مصر ، 1998، ص 406 .

 

المبحث الثــانـــي:

مدى إلزاميـة التأميـن علـى المسئـوليـة العشريـة المدنيـة

للمهندس المعمـاري والمقـاول.

       إن الأصل في قواعد التأمين أنها اختيارية ، إلاّ أن المشرع الجزائري تدخل في مجالات عدة وفرض التأمين وجعله إلزاميا حرصا منه على ضمان حصول بعض الفئات على التعويض عند الإصابة بأضرار عقب وقوع حادث معين، ويرجع ذلك إلى الرغبة المتزايدة في الضمان حماية المضرور  إزاء مخاطر الحياة الحديثة(1) . ويعد البناء من ضمن هذه المجالات حيث نظم أمر رقم 95-07 المتعلق بالتأمينات المعدل والمتمم التأمين في مجال البناء ضمن الكتاب الثاني المتعلق بالتأمينات الإلزامية، إذ تنص المادة 175 من ذات الأمر على أنه : "على كل مهندس معماري ومقاول ومراقب تقني وأي متدخل شخصا طبيعيا كان أو معنويا ، أن يكتتب تأمينا لتغطية مسؤوليته المدنية المهنية التي قد يتعرض لها بسبب أشغال البناء" . وتضيف المادة 178 من ذات الأمر أنّه : "يجب على المهندسين المعماريين والمقاولين وكذا المراقبين التقنيين اكتتاب عقد لتأمين مسؤولياتهم العشرية المنصوص عليها في المادة 554 من القانون المدني ... " .

    فمن خلال النصين القانونيين السابقين فإن المشرع الجزائري ألزم المقاول والمهندس المعماري بالتأمين على مسؤولياتهما العشرية بموجب قواعد آمرة ، ترجمت من خلال الجزاء الذي فرضه في المادة 185 من نفس الأمر على عدم الامتثال لهذه الإلزامية والذي يصل إلى حد 100.000,00 دج كغرامة دون الإخلال بالعقوبات الأخرى . ومن ثم فإن هذه الإلزامية في التأمين هي مرتبطة بالنظام العام لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو الحد من أحكامها ، بل أكثر من ذلك يجوز لرب العمل أن يشترط على المهندس المعماري والمقاول عند إبرام العقد اكتتاب تأمينا لتغطية مسؤوليتهم وله أن يتحقق من ذلك .  

   ويغطي هذا التأمين الأضرار المخلة بصلابة العناصر الخاصة بتجهيز البناية عندما تكون هذه العناصر جزءا لا يتجزأ من منجزات التهيئة ووضع الأساس والهيكل والإحاطة والتغطية. ويبدأ سريان هذا التأمين من تاريخ الاستلام النهائي للمشروع على أن يستفيد منه رب العمل صاحب

ــــــــــــ

1- د. يوسف فتيحة ، التأمين على تطور المسؤولية عن الأشياء غير الحية، مجلة الدراسات القانونية ، مخبر القانون الخاص الأساسي، كلية الحقوق        والعلوم السياسية-تلمسان، العدد 01، سنة 2004، ص 39 وما بعدها .

المشروع والملاك التالين له وفقا لما أنهت إليه المادة 178 من أمر رقم 95-07 السابق .

    ويهدف التأمين عن المسؤولية العشرية إلى حماية المهندس المعماري والمقاول من الرجوع عليهما أو على أحدهما على إثر تحقق دعوى المسؤولية ، وبموجب ذلك تحل شركة التأمين محل المؤمن له في دفع التعويض الذي حددته الخبرة القضائية الفنية ضمانا لحصول رب العمل على تعويض عادل عند إصابته بأضرار جراء عملية البناء.

    وتضامن المهندس المعماري والمقاول يكون في الضمان وليس المسؤولية، والتضامن في الضمان أقوى من التضامن في المسؤولية ، ذلك أن التضامن في المسؤولية يتعلق بتوافر شروط معينة ، فهو لا يقوم إلاّ إذا كان كل واحد من المسؤولين قد ارتكب خطأ سبَّبّ ضررا ، ومن ثم يلزم وحده الضرر واشتراك كل المسؤولين في إحداثه . وفي هذا الشأن قضت المحكمة العليا بتاريخ 23/01/1991 "بأن المهندس المعماري والمقاول يضمانان بالتضامن ما يحدث خلال عشرة سنوات من تهدم كلي أو جزئي فيما شيداه من بناء ..." (1)  . ومن هذا المنطلق يجوز لرب العمل مطالبة أحدهما الأكثر ملاءة بكامل مبلغ التعويض عند تنفيذ الحكم النهائي القاضي بالتعويض ، على أن يرجع الموفي بما يتجاوز نصيبه على الآخر سواء على أساس الحلول أو على أساس قواعد المسؤولية التقصيرية(2)  .

      وترفع دعوى المسئولية من صاحب الحق في الضمان العشري ، وهو رب العمل أو من يخلفه ضد الملتزم به وهو المقاول والمهندس المعماري ، وفقا للتحديد السابق بيانه . ويجب رفع هذه الدعوى خلال ثلاث سنوات من وقت حصول التهدم أو انكشاف العيب وفقا لما أنهت إليه المادة 557 مدني جزائري . فإذا انقضت هذه المدة دون أن يقوم رب العمل برفع دعواه سقط حقه في التعويض نهائيا . وهذه المدة تختلف عن مدة الضمان ذاته ، وعلى هذا إذا حدث التهدم أو ظهر العيب الموجب للضمان في السنة العاشرة بعد تسلم رب العمل للبناء كان بوسعه رفع دعوى الضمان خلال السنوات الثلاث التالية ، فكان الضمان يستمر في هذه الحالة مدة ثلاث عشر سنة تقريبا . وأما إذا حدث التهدم أو ظهر العيب عند انتهاء السنة السابعة وجب رفع الدعوى خلال

ــــــــــــ

1- قرار صادر عن المحكمة العليا-الغرفة المدنية بتاريخ 23/01/1991 تحت رقم 64748، المجلة القضائية – العدد 04 لسنة 1992، ص 130 وما بعدها .

2- عبة عبد الكريم ، الالتزام التضامني للمسؤولين تقصيريا في مواجهة المضرور في القانون المدني الجزائرين، مذكرة ماجستير في القانون الخاص،           كلية الحقوق ، جامعة وهران، 2002 ، ص 139 .  

الثلاث سنوات التالية ، وبالتالي يعتبر الضمان قد استمر عشر سنوات فقط كما هو الأصل(1) .

 

ــــــــــــ

1- د. محمد عزمي بكري، المرجع السابق، ص 98 .  

 

المبحث الثالـث:

أثـر ارتبـاط أحكــام المسئـوليــة العشريـة بالنظـام العـام

والاتفـاقيـات المعدلــة لهــا .

     إن الاتفاقات المعدلة للمسؤولية عموما هي على ثلاثة أوجه ، مشددة، مخففة ومعفية . فما هو حكم هذه الاتفاقات بالنسبة للمسؤولية العشرية؟ تقضي المادة 556 من القانون المدني الجزائري بأنه "يكون باطلا كل شرط يقصد به إعفاء المهندس المعماري والمقاول من الضمان أو الحد منه" . فهذا النص بصيغته الآمرة يفيد أن أحكام المسئولية العشرية (أو الضمان العشري) من النظام العام ولا تجوز مخالفتها. والمراد من ذلك هو حماية طبقة من الناس لا يفهمون في مسائل البناء .

      ويخلص عن صريح عبارة نص المادة 556 مدني جزائري "يكون باطلا كل شرط..." أن البطلان يشمل اتفاقات الحد من المسؤولية العشرية أو التخفيف منها ، وهي تلك الاتفاقات التي تضيف من نطاق تطبيق أحكامها . وعلى هذا يعتبر باطلا أي اتفاق من شأنه انقاص مدة الضمان أو يجعله قاصرا على بعض الأعمال أو بعض العيوب ، وكذلك يبطل الاتفاق الذي يقصر الضمان على مهندس أو مقاول دون الآخر أو يستبعد التضامن بين المهندس والمقاول ، أو يتطلب اثبات الخطأ في جانب كل منهما حتى يمكن الرجوع بالضمان . فكل هذه الاتفاقات أيّا كانت صورتها تعتبر باطلة . والبطلان هنا محله الشرط لا العقد ، وهو بطلان مطلق لتعلقه بالنظام العام .  ويضاف إلى ذلك تحقيق السلامة العامة بحث المهندسين والمقاولين على بذل أقصى درجة ممكنة من العناية في تأدية عملهم حتى يبقى البناء سليما خاليا من العيوب، ويستطيع الجميع الاستفادة به أطول فترة ممكنة دون خطر على أرواحهم وممتلكاتهم من انهياره أو تصدعه(1)  .

    ومن هذا المنطلق الاتفاقات المعفية من المسؤولية أو المعفية للمهندس المعماري أو المقاول من بعض الالتزامات الملقاة على عاتقهما بمقتضى طبيعة مهنتهما التي كان يتوجب تأديتها والتي يكون من شأنها جعلهما أو أحدهما غير مسؤول عما يظهر من عيوب في العقار المشيد اعتبارا من تاريخ التسلم فتكون باطلة بطلانا مطلقا . وانطلاقا من ذلك ، فإن الشرط الذي يقصد به الأطراف تشديد المسئولية، بزيادة مدة الضمان إلى أكثر من عشر سنوات مثلا  يكون صحيحا. وأما بعد ثبوت حق رب العمل في الضمان فهو حر في أن ينزل عن هذا الحق كليا أو جزئيا أو أن يتمسك

ــــــــــــ

1- د.لبيب شنب ، المرجع السابق ، ص 144 ، د.عبد الرزاق السنهوري ، المرجع السابق ، ص179 .

به، ولا يجوز منعه من التصالح عليه لتعلقه بمحض مصلحته الخاصة(1) . ومع ذلك قد يعتبر سكوت رب العمل عن التمسك بالضمان بعد تحقق سببه من قبيل النزول الضمني إذا اقترن بملابسات قاطعة كأن يقوم بدفع الأجر للمهندس المعماري أو المقاول دون تحفظ .

 ــــــــ

1- د. عبد الرزاق السنهوري ، المرجع السابق، ص 181.

 

خـاتـمـــة

 

    وفقا لما سبق دراسته فقد أفرد المشرع الجزائري لنظام المسؤولية المدنية للمهندس المعماري والمقاول عن تهدم البناء أو العيوب التي تصيبه أحكاما خاصة لما تتسم به أعمال البناء من تعقيد وأهمية خاصة مقارنة بغيرها من الأعمال الخاصة، ولصعوبة كشف عيوب البناء عند تسلم البناية أو المنشآت الثابتة الأخرى أو معرفة النتائج التي يمكن أن تترتب عليها في المستقبل ، بل وعدم ظهورها عادة إلا بعد مضي فترة طويلة من الزمن يصعب التثبت بعدها من توافر أركان المسؤولية المدنية في شانها ، مما يعرض حقوق المضرورين للضياع .

   ولما كانت قواعد هذه لمسؤولية خاصة قد تقررت على سبيل الاستثناء من القواعد العامة حدد المشرع نطاق تطبيقها تحديدا دقيقا من حيث الأشخاص، الأعمال والأضرار. ولقد جعل المشرع من التسليم النهائي للعمل اللحظة التي يبدأ فيها سريان قواعد هذه المسؤولية. ويترتب على ذلك أن العيوب والنقائص التي تظهر أثناء إنجاز وتشييد البناية تثير المسؤولية المدنية للمهندس المعماري والمقاول طبقا للقواعد العامة فحسب . ورأينا أنها تتميز بطبيعة خاصة وقواعد مستقلة عن القواعد العامة للمسئولية العقدية لدرجة يمكن معها القول بأن المسئولين فيها يشغلون مركزا نظاميا أكثر منه عقديا بهدف التأكيد على سلامة العقارات وضرورة خلوها من العيوب وتلافيا للأضرار الجسيمة التي تترتب على تصدعها أو انهيارها، فإنه يمكننا القول بعد ذلك بأن النظام الحالي لهذه المسئولية والمقرر في المادة 554 مدني جزائري لم يعد كافيا لتحقيق الأغراض التي وضعت لها في ظل التطورات الحديثة في مجال صناعة المباني وتشييدها ، فأصبح هذا النص قاصرا على مواجهة الواقع لأن عملية البناء والتشييد في العصر الحديث لم تعد قاصرة على المهندس المعماري والمقاول ، وإنما أصبح يساهم فيها على استقلال أكثر من فرد أو جهة كل بحسب اختصاصه ودائرة عمله . فيجدر بمشرعنا أن يعدل نص المادة 554 من القانون المدني الجزائري، وذلك استجابة للتطور الحديث في النشاط المعماري ، إذ لم يعد من المقبول في ظل هذا التطور أن تبقى المسؤولية عن الأخطاء المهنية في الحقل المعماري محصورة فيما استقرت عليه قوانيننا من أحكام تبقى دون تطور ودون اللحاق بتطور مفهوم ممارسة مهنة البناء والأعمار .

    ومن هذا المنطلق يجدر بنا إعطاء بعض الاقتراحات كنتيجة لهذه الدراسة على النحو التالي:

     أولا – توسيع دائرة المسئولين فيها : فلا تقتصر المسؤولية على المهندسين المعماريين بل تمتد إلى غيرهم من الأشخاص الذين يساهمون بدور هندسي في عملية التشييد والبناء ولو لم تكن لهم هذه الصفة . ولا تقف عند المقاولين الذين يعهد إليهم بإنجاز البناء بل تشمل أيضا صناع مكونات البناء وعناصره التجهيزية التي تندمج فيه ولا تنفصل عنه دون تلف ، وبالأخص إذا ما تم إنتاجها بمواصفات خاصة لرب العمل .

    ثانيـا – توسيع دائرة الأضرار التي توجبها دعوى المسؤولية ، فلا تقتصر على التهدم الكلي أو الجزئي للمبنى أو المنشأة والعيوب التي يترتب عليها تهديد متانة البناء وسلامته، وإنما تمتد إلى العيوب التي تجعل أيا منهما غير صالح للغرض الذي شيد من أجله ولو لم تصل في خطورتها إلى حد تهديد متانة البناء وسلامته .

   ثالثـا – توسيع مدة الضمان الخاص ليصل إلى مدة أكبر لان مدة عشر سنوات المقررة أصبحت غير كافية لاختيار مثانة البناء وسلامته وفي مدى احترام أسس وقواعد البناء، وبخاصة ونحن في عصر تشييد المنشآت والبنايات الحديثة التي تتطلب حجما أكبر من الوسائل ودقة لامتناهية في التنظيم نتيجة لضخامة المشروعات الحديثة وما تتطلبه من أموال طائلة وتقنيات متطورة، وعليه إذا كانت مدة العشر سنوات تتناسب والبنايات ذات النسق القديم ، فإن هذه المدة في عصرنا الحالي أصبحت غير كافية يجب التفكير حقا في رفعها .

 

قـائمـة المراجـع :

1- د.أحمد عبد العال أبو قرين ، الأحكام العامة لعقد المقاولة ، الدار الجامعية 2003، مصر .

2- د. أنور سلطان، الموجز في النظرية العامة للالتزام، دار المطبوعات الجامعية ، مصر ، 1998، مصر .

3- الفاضل خمار ، الجرائم الواقعة على العقار ، دار هومة ، الطبعة الثانية ، 2006 ، الجزائر.

4- د. عبد الودود حي ، مسؤولية المهندسين والمقاولين والتأمين عليها ، مجالة مصر المعاصرة ، العدد 376، سنة 1997.

5- د.عبد الرزاق السنهوري ، الوسيط في شرح القانون المدني الجديد ، الجزأ السابع، المجلد الأول، العقود الواردة على              العمل، طبعة 1989 ، مصر .

6- د.عبد الناصر العطار، تشريعات تنظيم المباني ومسؤولية المهندس والمقاول، طبعة 1972، مصر .

7- د. عاطف النقيب، النظرية العامة للمسؤولية الناشئة عن فعل الأشياء في مبادئها القانونية وأوجهها العملية، ديوان                 المطبوعات الجامعية ومنشورات عويدات ، بيروت، الطبعة 02، 1981، الجزائر .

8- د.غنام محمد غنام ، المسؤولية الجنائية لمشيدي البناء (المقاول ، مهندس البناء، صاحب البناء) مجلة الحقوق ، مجلة فضيلة ،        جامعة الكويت ،  الحجم 19 ، رقم 04 –لسنة 1995.

9- د.نزيه محمد الصادق المهدي ، التأمين الإجباري من مسئولية المهندس المعماري والمقاول، دار المطبوعات الجامعية،               1996 ، مصر .

10- د.محمد عبد الرحيم عنبر ، عقد المقاولة ، منشأة المعارف، 2007 ، مصر .

11- د. محمد عزمي البكري ، شرح قانون المباني الجديد ، ط4 ، 2000.

12- د.محمد شكري سرور ، مسئولية مهندسي ومقاولي البناء والمنشآت الثابتة الأخرى، دار النهضة العربية، مصر، 1980.

13- محمد  ناجي ياقوت ، مسئولية المعماريين بعد تمام الأعمال وتسليمها  مقبولة من رب العمل ، رسالة  لنيل شهادة               الدكتوراه في القانون ، كلية الحقوق، جامعة القاهرة، سنة  1998، مصر .

14- د.محمد حسين منصور ، المسؤولية المعمارية ، دار الجامعة الجديدة للنشر، مصر ، 1999، مصر .

15- د. نبيلة رسلان ، عقد المقاولة ، دار النهضة العربية ، 1991 ، مصر .

 

Télécharger l'article