عنوان المداخلة: الممارسة الإعلامية للصحافة في الجزائر

الدكتور: تواتي نورالدين جامعة

مقدمة:

       على امتداد التاريخ البشري كان مفهوم الحرية قضية لها قيمة عظمى في حياة الأفراد والجمااعات، وقد كان الإنسان ولا يزال حتى الآن ينظر إليها على أنها مطلب أساسي يجب الحصول عليه، مثلها مثل الطعام والمسكن، فالحرية مرتبطة ارتباطا كبيرا بالنشاط الإنساني، إذ أن النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لأي مجتمع من المجتمعات تكون نتيجة حتمية للتفاعل بين العوامل المرتبطة بالبيئة والحضارة ماضيا وحاضرا، فالنضال من أجل الحرية نضال قديم قدم التاريخ، تقوم به الجماعات والأفراد ضد أوساطهم السياسية.

       وينطبق هذا المفهوم على الشخص الذي لا يخضع إلى قهر أو سلطة، حيث له حرية التصرف طبقا لإرادته وطبيعته، فهي فقدان الإرغام والقدرة على الاختيار والمشاركة. ([1])

       والحرية هي "تلك الملكة الخاصة التي تميز الكائن الناطق من حيث هو موجود، عاقل يصدر أفعاله عن إرادته هو، لا من إرادة غيره، ويترتب على ذلك انعدام العسر الخارجي والقهر والإرغام والإجبار والإكراه في الفعل، والانعتاق من أسر العبودية أو الاختيار أو القرار، إلى غير ذلك من المعوقات الأساسية للحرية الفردية".([2])

       السعي إلى الحرية هو مسعى نبيل حققته الثورة التحريرية الجزائرية بتحرير الوطن من الاستعمار، واليوم تسعى إلى تجسيد في الميدان هذه الحرية وكل الحريات بأنواعها وأشكالها وخاصة في مجال الإعلام الذي هو محل اهتمامنا من خلال هذه الدراسة التي تهدف إلى الوقوف أمام مفهوم الحرية في القانون العضوي الخاص بالإعلام .........

       نلاحظ أن هذا القانون لم يحدث جدلا في المجتمع الجزائري وخاصة في أوساط أصحاب المهنة ورجال السياسة، هذا المقال هو عبارة على قراءة أولية وسريعة في بعض المواد لهذا القانون.

تقديم شكلي للقانون العضوي رقم (12-15) الخاص بالإعلام:

       يعتبر القانون العضوي رقم (12-15) الصادر رسميًا بتاريخ 12 جانفي 2012م أول قانون عضوي للإعلام في تاريخ الجزائر المستقلة، وبذلك يكون قد جاء هذا القانون بعد مرور 50سنة على استعادة الإستقلال الوطني وفي وقت أصبح الإعلام الوطني يتخبط في مشاكل عديدة ويكاد صوت الجزائر أن لا يسمع ولا يشاهد في الساحة الإعلامية العالمية وفي ظل الفراغ القانون لبعض نواحي تشير هذا القطاع الحساس.

       مرت واحد وعشرون سنة بالتمام والكمال على صدور آخر مشروع قانوني إعلامي ينظم الساحة الإعلامية، وهو قانون 1990م.

       وخلال كل هذه الفترة أي الفترة الممتدة من 1990م إلى 2011م، حدثت عدة تطورات وتغيرات مست العديد من الميادين والمجالات ومن بينها الميدان الإعلامي، ومنه أصبح قانون 1990م لا يكفل متطلبات الصحافة الجزائرية، وأضحى من الواجب ومن الأولويات إصدار قانون إعلامي جديد يتماشى مع طموحات الصحفيين خصوصًا في ظل العولمة والعصرنة التي لا تعتبر الجزائر بمنئى عنها.

       حيث إننا في عصر التسابق الصحفي والفضائيات، والقارئ أو المشاهد على حد سواء تهمه الإحترافية في نقل الخبر، مع العلم أن الجمهور الجزائري فقد مصداقيته في وسائل الإعلام الجزائرية خصوصًا الثقيلة منها، إذ أصبح يتجه إلى قنوات أخرى قصد تقصي الحقيقة والحصول على أخبار دقيقة ومفصلة

       وهذا ما أدى بإعادة النظر في القوانين الإعلامية، واحتياجات الساحة الإعلامية، وبعد رأي مجلس الدولة وبعد مصادقة البرلمان وبعد رأي المجلس الدستوري، صدر القانون العضوي رقم 12/05 المؤرخ في 18 صفر 1433هـ الموافق لـ12 يناير.

نظم القانون العضوي المتعلق بالإعلام حرية الإعلام في 133 مادة مقسمة في إطار 12 باب تناولت مختلف الجوانب المتعلقة بتنظيم حرية الإعلام.

       وقد تم نشره في الجريدة الرسمية يوم 12 يناير 2012م، وبذلك تبدأ مرحلة متميزة وجديدة في تاريخ الصحافة الجزائرية.

       وكما سبق الذكر، يتضمن القانون (133 مادة) موزعة على 12 بابا نوردها كما يلي:

الباب الأول: أحكام عامة يتكون من (5 مواد).

الباب الثاني: نشاط الإعلام عن طريق الصحافة المكتوبة.

الفصل الأول: إصدار النشريات الدورية ويتكون من (27 مادة) من (المادة 6) إلى (المادة 32).

الفصل الثاني: التوزيع والبيع في الطريق العام ويتكون من (7 مواد)، من (المادة 33 إلى المادة 39).

الباب الثالث: سلطة ضبط الصحافة المكتوبة ويتكون من (18 مادة)، من (المادة 40) إلى (المادة 57).

الباب الرابع: النشاط السمعي البصري وينقسم إلى فصلين:

الفصل الأول: ممارسة النشاط السمعي البصري ويتكون من (6 مواد)، من (المادة 58) إلى (المادة 57).

الفصل الثاني: سلطة ضبط السمعي البصري، يحتوي على (3 مواد) وهي (المادة 64-65-66).

الباب الخامس: وسائل الإعلام الإلكترونية ويتضمن (6 مواد)، من (المادة 67) حتى (المادة 72).([3])

الباب السادس: مهنة الصحفي وآداب أخلاقيات المهنة ويحتوي على فصلين:

الفصل الأول: مهنة الصحفي ويتكون من (19 مادة) من (المادة 73) حتى (المادة 91).

الفصل الثاني: آداب وأخلاقيات المهنة ويحتوي على (8 مواد) من (المادة 92) إلى (المادة 99).

الباب السابع: حق الرد وحق التصحيح ويتضمن (15 مادة) وذلك من (المادة 100) إلى (المادة 114).

الباب الثامن: تحت عنوان المسؤولية، يحتوي على (المادة 115).

الباب التاسع: المخالفات المرتكبة في إطار ممارسة النشاط الإعلامي ويتكون من (11 مادة)، من (المادة 116) إلى (المادة 126).

الباب العاشر: دعم الصحافة وترقيتها يتضمن المواد (127-128-129).

الباب الحادي عشر: نشاط وكالات الإستشارة في الإتصال يضم (المادة 130).

الباب الثاني عشر: أحكام اإنتقائية وختامية ويشمل المواد: (131-132-133).([4])

       يلاحظ على هذا القانون من الناحية الشكلية أنه تناول لجوانب أوسع تخص حرية الإعلام مقارنة بقانون الإعلام لـ1990م، وبكل القوانين والمواثيق في الجزائر.

من الحق في الإعلام في الحق الإتصال:

       القانون العضوي رقم (12-15) المؤرخ في 12 جانفي 2012م المتعلق بالإعلام، ينص في الباب الأول وهي عبارة على أحكام عامة وفي المادة الأولى أنه:"يهدف هذا القانون العضوي إلى تحديد المبادئ والقواعد التي تحكم ممارسة الحق في الإعلام وحرية الصحافة".

مبدأ الحق في الإعلام للمواطن وممارسة حرية الصحافة لا ينفصلهما هذا القانون عن بعضهما لأن الحق في الإعلام وحرية الصحافة".

المادة الأولى من هذا القانون تصرح بصفة واضحة "يهدف هذا القانون العضوي إلى تحديد المبادئ والقواعد التي تحكم ممارسة الحق في الإعلام وحرية الصحافة".

       فيما يخص الحق في الإعلام وحرية الصحافة فيقودنا إلى الحديث عن حرية التعبير التي نعتبرها "حق من الحقوق الأساسية للإنسان، بحيث أن لكل مواطن الحق في التعبير عن آرائه وأفكاره ومعتقداته دون أي ضغط أو إكراه".

       ونعني بحرية التعبير "حق الفرد في إتخاذ الآراء دون تدخل فيها ويشمل هذا الحق حرية البحث عن المعلومات أو الأفكار من أي نوع ونقلها بغض النظر عن الحدود، وذلك إما شفاهة أو كتابة أو طباعة سواء كان ذلك في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها وذلك في حدود القانون من أجل حماية النظام العام".

       وقد جاء في مضمون (المادة 19) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أن لكل إنسان الحق في الحرية واعتناق الآراء بمأمن من التدخل، وحرية التماس المعلومات والأفكار  وتلقيها وإذاعتها بمختلف الوسائل دون التقيد بحدود الدولة.

       فحرية الرأي والتعبير "هي روح الفكر الديمقراطي لأنها صوت ما يحوم بخواطر الشعب وطبقاته المختلفة".

       وتعرف حرية التعبير على أنها "حق كافة المواطنين الفعلي والمؤيد بحماية القانون في حرية التعبير الفردي وعلى الأخص حق التعبير السياسي، بما في ذلك نقد الحكام ونقد تصرفات الحكومة ومنهجها، ونقد النظام السياسي القائم وكذلك نقد النظام الاقتصادي والاجتماعي، ونقد الأيديولوجيات السياسية المسيطرة".

       وتعرف أيضا على أنها "حرية الفرد الذي يتبنى في كل مضمار، الموقف الفكري الذي يختاره، سواء في موقف داخلي أو فكر حميم أو إتخاذ موقف عام".

       وتعتبر حرية التعبير أهم ما ناد به مشروع قانون الحريات العامة.

ب- متطلبات حرية الرأي والتعبير:

       وقد حددت متطلبات حرية الرأي والتعبير في النقاط التالية:([5])

1-  الإيمان الراسخ بالعقل الذي يؤلف المناقشة والحوار والجدل.

2- انحسار الحصانة عن أي فرد في المجتمع، بمعنى ألا يكون لأحد أيا كانتصفته: حاكما أو محكوما، عالما أو جاهلا حصانة أو عصمة.

وليس الصواب أو الخطأ حكرا على فرد دون غيره، أو جماعة دون غيرها وهي نتيجة منطقية.

3-  الإيمان بالعقل الذي قد يصيب وقد يخطئ.

4-  وجود بيئة تتسم بالتسامح، تسود فيها حرية الرأي والتعبير، بمعنى أن يكون في المجتمع التسليم بحق الاعتراض والمخالفة في الرأي والمعارضين فيه، وذلك نتيجة منطقية لكون عقل الفرد عرضة لأن يخطأ وأن يصيب، ومن ثم لا يمكن لبيئة تؤمن بالعقل أن تصادر رأيا لأنه لا يوافقها.

وأول من ناد بها هو الفيلسوف "جون ستيوارت ميل" ومن أقواله المأثورة "إذا كان كل البشر يمتلكون رأيا واحدا وكان هناك شخص فقط يملك رأيا مخالفا، فإن إسكات هذا الشخص الوحيد لا يختلف عن قيام هذا الشخص الوحيد بإسكات كل بني البشر إذا توفرت له القوة".([6])

وهذه الإشارة قوية للقوة التي يمكن أن يشكلها الرأي العام إذا كان صائبا ولم توضع له حدود سوى اعتداءه على حرية الآخرين. وكثيرا ما تختلف الآراء وتتباين فيما بينها خاصة إذا استهدفت جميعها الخير العام ولكن من زوايا مختلفة فيعتقد كل من أصحابها أن رأيه هو الأفضل والأكثر تحقيقا للمصالح العامة، وهكذا يزداد الأمر صعوبة كلما ازدادت شؤون الحياة تعقيدا.

ومع ذلك وفي جميع الأحوال من حق كل فرد أن يرى ما يشاء وأن يعبر عن رأيه بكافة الطرق المشروعة بل ومن المصلحة أن تمارس حرية الرأي.

حرية الإعلام والصحافة:

يحدد هذا القانون في بابه الأول قواعد ومبادئ ممارسة حق الإعلام، وهذا ما تحدده (المادة رقم 2): "يمارس نشاط الإعلام بحرية في إطار أحكام هذا القانون العضوي والتشريع والتنظيم المعمول بهما وفي ظل احترام:

-       الدستور وقوانين الجمهورية.

-       الدين الإسلامي وباقي الأديان.

-       الهوية الوطنية والقيم الثقافية للمجتمع.

-       السيادة الوطنية والوحدة الوطنية.

-       متطلبات أمن الدولة والدفاع الوطني.

-       متطلبات النظام العام.

-       المصالح الاقتصادية للبلاد.

-       مهام والتزامات الخدمة العمومية.

-       حق المواطن في إعلام كامل وموضوعي.

-       سرية التحقيق القضائي.

-       الطابع التعددي للآراء والأفكار.

-       كرامة الإنسان والحريات الفردية والجماعية.

حرية الإعلام:

تعرف حرية الإعلام على أنها:

-       "حرية التعبير العامة للفكر في جميع أشكاله: كالتعبير بواسطة الكلمة والخطاب والصراخ والغناء والكتابة والصحافة الدورية والإذاعة والتلفزيون"([7]). يعتبر هذا التعريف كامل وواضح في إعطاء نظرة متوازنة لمفهوم حرية الإعلام.

-       يعرف أيضا على أنه "حق وسائل الإعلام في عرض كل ما يهم الناس معرفته، وحق الناس في تبادل المعلومات والحصول على الأنباء من أي مصدر، وحق الناس في إصدار الصحف والتعبير عن آرائهم دون فرض رقابة مسبقة"([8]). نلاحظ أن هذا التعريف ناقص فحرية الإعلام ليس حق الناس في إصدار الصحف وفقط، فأين وسائل الإعلام الأخرى؟

-       وحرية الإعلام هو "إمكانية إبلاغ الآخرين بالأخبار أو الآراء عبر وسائل الإعلام".([9]) وهذا تعريف واضح وشبه كامل.

-       "هي حرية أساسية وهي شرط ضروري لبقية الحريات، لأنه لا توجد حرية إعلام إلا في بلد حر، ولهذه الحرية مضمون سياسي مباشر بقدر ما تنتقده الحكومة".([10])

 

 

دوريات ونشريات بدون قيود أو شروط:

تنص (المادة 11) أن "إصدار كل نشرية دورية يتم بحرية".

       ومفهوم حرية الإعلام ينطوي على عدة مفاهيم فرعية أهمها حرية الصحافة، وحرية الرأي، وحرية البث الإذاعي والتلفزيوني، والمتصل بشبكة المعلومات وغيرها.

       ليكن معلوما لدى الجميع بأنه لا يوجد تعريف دقيق لمفهوم حرية الصحافة حتى في وقتنا الحاضر، فقد تعددت مفاهيمها بتعدد واختلاف شعوب العالم وسياستهم، ويجدر الذكر أن هناك القليل من البلدان ومعظمها في الغرب قد قطعت شوطا بعيدا في ممارسة حرية الصحافة والتي أصبحت لديهم من ضروريات الحياة، أما بالنسبة للعالم الثالث بما في ذلك البلدان العربية فإن حرية الصحافة تبقى نوعا من البذخ والكماليات، فقد نبذت جانبا حرية الصحافة في هذه المجتمعات ولم تعتبر مطلبا أساسيا للشعب ولا للمجتمع ككل. ([11])

       وفيما يلي عرض لبعض التعريفات التي تتعلق بحرية الصحافة:

-       "الصحافة الحرة هي تعبير صادق عن الديمقراطية السلمية"([12]). وهو تعريف ناقص يحتاج للكثير من التفصيل.

-       "حرية الصحافة تعني من بين ما تعني التزام حدود الأدب، فلا يستخدم الكاتب التهديد والابتزاز لفرض رأيه وتسقيه آراء الآخرين"([13]). اقتصر هذا التعريف على مخاطبة الكاتب فقط، وهذا ما يجعلنا نستفسر عن الأطراف الأخرى للرسالة الإعلامية.

-       "تعتبر حرية الصحافة فرعا من فروع حرية الطباعة والنشر، غير أن لها أهميتها الخاصة نظرا لطابعها السياسي، لأنها تسمح بنقد الحكومة وكشف أخطائها أمام الرأي العام. لذلك عادة ما تدافع عنها المعارضة وتخشاها الحكومة"([14]). وهل حرية الصحافة تقتصر على نقد الحكومة فقط؟

-       "حرية الصحافة هي عدم وجود إشراف حكومي أو رقابة من أي نوع، كما تعني حق الناس في إصدار الصحف دون قيد أو شرط"([15]). رغم أن هذا التعريف يكاد كاملا إلا أن هناك طرف ناقص هو الصحفي.

فيما بين الصحافي "ويفر" في مقال له عن "الصحافة والقيود الحكومية" أن مفهوم حرية الصحافة يعرف من ثلاث زوايا مختلفة وهي: ([16])

1-  غياب نسبي للقيود والمعوقات الحكومية.

2-  غياب نسبي لجميع القيود الحكومية والقيود الأخرى.

3- ليس فقط عدم وجود قيود ومعوقات في هذا المجال، ولكن أيضا تواجد تلك الظروف الضرورية واللازمة للتأكيد على نشر الأفكار المختلفة بشكل نسبي للجمهور.

كان من الممكن أن يكتفي الباحث بالتعريف الأخير دون تكرار للمعلومات.

-       ويقصد بحرية الصحافة أيضا: "حق إصدار الصحف وتملكها لمن يشاء".([17])

ولكن هناك الكثيرون ممن يملكون الصحف ولا يملكون حق الكلمة، فأين حرية ..... بالميثاق العالمي لحقوق الإنسان، ويمكن تعريف حرية الرأي والتعبير حسبه بأنها "الحرية في التعبير عن الأفكار والآراء عن طريق الكلام والكتابة أو عمل فني بدون رقابة".

يمكن القول بصفة عامة أن حرية الرأي والتعبير ليست إلا سقوط العوائق التي تخول دون أن يعبر المرء بفطرته الطبيعية عن ذاته وعن مجتمعه تحقيقا لخيره وسعادته. وحرية الكلام وحرية التعبير هما النتيجة الطبيعية لحرية الاعتقاد، وحرية الاعتقاد تعني حرية التفكير والإيمان بما نرى أنه الحقيقة، فهي الحرية التي تجعلنا لا نضطر إلى اعتناق آراء نعتقد أنها خاطئة، وحرية الاعتقاد هي أولى الحريات لأنها تحدد الحريات الأخرى.

فهي "حرية التعبير العامة للفكر في جميع أشكاله: كالتعبير بواسطة الكلمة والخطاب والصراخ والغناء والكتابة والصحافة الدورية أو المسرح والسينما والإذاعة والتلفزيون".

كما تنص (المادة 03): "يقصد بأنشطة الإعلام في مفهوم هذا القانون العضوي، كل نشر أو بث لوقائع أحداث أو رسائل أو آراء أو أفكار أو معارف عبر أية وسيلة مكتوبة أو مسموعة أو متلفزة أو الكترونية وتكون موجهة للجمهور أو لفئة منه".

 

واقع حرية التعبير في الصحافة الإلكترونية:

نلاحظ هنا الجديد الذي جاء به القانون العضوي، حيث أدخلت في أول مرة في الجزائر مسألة الإعلام الالكتروني الذي كان موجودًا فعليًا لكنه غائبًا قانونًا أصبح النشاط الإعلامي الجزائري مقننا بصفة رسمية على شبكة الانترنت وهذا نرحب به.

ويضيف نفس القانون في (المادة 66) "يمارس نشاط الإعلام عبر الانترنت بحرية".

إذا نظرنا إلى بيئة العمل الصحفي في الصحافة الإلكترونية عبر الانترنت كفضاء إلكتروني غير مقيد بقيود صارمة أو قابلة للتحكم فيها، كمان هو الحال في بيئة الصحافة المطبوعة، سنلاحظ أنها قد تمكنت من الجرأة في التناول وحرية النشر، فهي ترفع من سقف الحرية للمهنة وتقلص تدريجيا دور الرقابة الحكومية واللاحكومية على ما ينشر، وهذا كله يعني أنها خلقت الديمقراطية في بلدان لم تعهدها من قبل. كما أنها فتحت عصرا جديدا فيما يتعلق بحرية التعبير، وقدمت نافذة لممارسة عمل صحفي لا تحده قيود أو حدود رقابة الأمر الذي وفر مدخلا مستقلا يمكن أن نطل من خلاله على جزء من ظاهرة الصحافة الإلكترونية. ويشير في هذا الصدد العديد من الباحثين في المجال الإعلامي إلى أن ظاهرة الصحافة الإلكترونية، تطرح أمامنا واقعا جديدا، يمكن أن يقدم الوجه الآخر والرأي الآخر بمنتهى السهولة واليسر، ويقفز فوق حواجز تكميم الأفواه وإخفاء الحقائق وكتم الرأي في الصدور.([18])

الحلقة الأخيرة من سلسلة حرية الإعلام في الجزائر كانت مع خطاب رئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة يوم 15/04/2011.

أكد رئيس الجمهورية أن قانون الإعلام المقبل سيتمم التشريع الحالي برفع التجريم عن الجنح والكتابات الصحفية وأوضح الرئيس بوتفليقة في خطابه إلى الأمة أن قانون الإعلام سيأتي بمعالم لمدونة أخلاقية ويتمم التشريع الحالي خاصة في رفع التجريم عن الجنح الصحفية، وأشار إلى أن حرية التعبير هي واقع يشهد عليه تنوع وسائلنا الإعلامية وجرأة نبرتها"، مضيفاً أنه "الجدير بنا أن نعتز بانتمائنا إلى بلد تشكل فيه حرية الصحافة واقعاً ملموساً. كما أكد رئيس الدولة، أن أجهزة الإعلام الثقيلة المتمثلة في التلفزيون والإذاعة مطالبة بالانفتاح على مختلف تيارات الفكر السياسي "في كنف احترام القواعد الأخلاقية التي تحكم أي نقاش كان". وذكر أن هذه الأجهزة هي كذلك صوت الجزائر المسموع في العالم وذلك يلزمها على الإسهام في ترسيخ الهوية والوحدة الوطنية، وفي حد ذاته، تعميم الثقافة والترفيه وأعلن الرئيس بوتفليقة في هذا السياق عل أنه سيتم دعم الفضاء السمعي البصري العمومي بقنوات موضوعاتية متخصصة ومفتوحة لجميع الآراء المتعددة والمتنوعة"، من أجل توسيع هذا الانفتاح على المواطنين وممثليهم المنتخبين ومختلف الأحزاب الناشطة في الساحة على حد سواء([19]).

جاء في المادة 51 من القانون 12-05 الصادر بتاريخ 12 جانفي 2012 أن يمارس النشاط السمعي البصري من قبل (هيئات عمومية – مؤسسات وأجهزة القطاع العمومي – المؤسسات والشركات التي تخضع للقانون الجزائري)، ومن خلال هذه المادة نلاحظ أن مجال الممارسة للإعلام السمعي – البصري قد أصبح مفتوحاً ومتفتحاً لكل الجزائريين، سواء على المستوى المواطنين أو الهيئات أو المؤسسات...الخ. لكن نلاحظ أن هذا القانون العضوي يحتوي على جملة من المواد التي يشترط أن تضاف إليها تشريعات وقوانين خاصة بها، وهذا ما تقصده المادة 65 "حيث تحدد مهام وصلاحيات سلطة الضبط السمعي البصري، وكذا تشكيلتها وسيرها بموجب القانون المتعلق بالنشاط السمعي البصري".

أصبح النشاط في مجال السمعي البصري حراً لكنه بقي أن ننتظر بعضاً من الوقت لكي يصدر القانون الخاص بالنشاط السمعي البصري في الجزائر.

هذا القانون يحتوي على جملة من المواد التي تتحدث على إضافات تشريعية عن طريق التنظيم التي ستصدر في المستقبل. إننا في صدد قراءتها ودراستها لنشرها في أقرب وقت.

على العموم إن التجريم قد رفع على الصحافيين ورجال الإعلام، هذا مؤكد في هذا القانون الأخير، وأن السمعي البصري قد تحرر من الاحتكار الذي كان يتميز به، وللحديث بقية.

الباب الرابع يتحدث عن النشاط السمعي البصري

       الفصل الأول يتطرق إلى ممارسة النشاط السمعي البصري بعدما يعرف في (المادة 58) ما المقصود بالنشاط السمعي البصري، يوضح بكل الوضوح في (المادة 59) النشاط السمعي البصري مهمة ذات خدمة عمومية ونعتبر هذا المبدأ بالاتجاه الصحيح لكي تصبح المصلحة العامة فوق الجميع.

(المادة 61) من القانون العضوي هي التي أحدثت تغييرًا جذريًا في المشهد الإعلامي الجزائري، حيث فتحت الباب واسعًا أمام قطاع السمعي البصري الغير حكومي أي التابع لرأس المال الخاص بالجزائر.

منذ فجر الاستقلال إلى اليوم، 50 سنة مضت والكل كان ينتظر لحظة فتح المجال السمعي البصري إلى الخواص الجزائريين، فجاء هذا القانون العضوي وخاصة في (مادته 61) يمارس النشاط السمعي البصري من قبل:

-       هيئات عمومية.

-       مؤسسات أجهزة الدولة.

-       المؤسسات أو الشركات التي تخضع للقانون الجزائري.

-       ويمارس هذا النشاط طبقًا لأحكام هذا القانون العضوي والتشريع المعمول به.

كما يتضح من خلال (المادة 63) أنه يجب إبرام اتفاقية بين سلطة ضبط السمعي البصري والمستفيد من الترخيص لإنشاء كل خدمة موضوعاتية للاتصال السمعي البصري والتوزيع عبر خط الإرسال الإذاعي المسموع أو التلفزي وكذا استخدام الترددات الإذاعية الكهربائية، ويعد هذا الاستعمال طريقة شغل خاص للملكية العمومية للدولة.

(المادة الرابعة) توضح القطاع العمومي من القطاع الخاص وكذا صحافة الأحزاب والجمعيات ولكل قطاع في فضائه مميز عن غيره.

نلاحظ في (المادة الخامسة) إبراز المبادئ العالمية وقيم حقوق الإنسان بكل تفاصيلها المعروفة عالميًا.

أما الباب الثاني المتعلق بنشاط الإعلام عن طريق الصحافة المكتوبة يتضمن في فصله الأول إصدار النشريات الدورية، حيث تنص (المادة 6) منه على أنه تعتبر نشريات دورية في مفهوم هذا القانون العضوي، الصحف والمجلات بجميع أنواعها التي تصدر في فترات منتظمة.

 



[1] - فاروق أبو زيد، فن الكتابة الصحفية، عالم الكتب د.ث.ن، القاهرة، ص 46.

[2] - حسين عبد الحميد أحمد رشوان، الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، دراسة علم الاجتماع السياسي، المكتب الجامعي الحديث، شارع سويتر، الإسكندرية، 2006م، ص 61.

[3] - الجريدة الرسمية لسنة 2012م.

[4] - الجريدة الرسمية لسنة 2012م.

[5] - حسين عماد مكاوي،أخلاقيات العمل الإعلامي، الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2003م، ص 32.

[6]- مجد الهاشمي، الإعلام الدولي والصحافة عبر الأقمار الصناعية، دار المناهج للنشر والتوزيع، الأردن، 2000 م، ص ص 15-16.

[7]- موريس نخلة، مرجع سبق ذكره، ص 38.

[8]- محمد سعد إبراهيم، مرجع سبق ذكره، ص 26.

[9]- ماجد راغب لحلو، حرية الإعلام والقانون، كلية الحقوق، منشأة المعارف، جلال حزري وشركاءه، الإسكندرية، 2005، ص 7.

[10]- موريس نخلة، مرجع سبق ذكره، ص 263.

[11]- سليمان جازع الشمري،  مرجع سبق ذكره، ص 65.

[12]- حسين عبد الحميد أحمد رشوان، مرجع سبق ذكره، ص 87.

[13]- المرجع نفسه، ص 88.

[14]- ماجد راغب لحلو، مرجع سبق ذكره، ص 85.

[15]- محمد سعد إبراهيم، مرجع سبق ذكره، ص 26.

[16]- سليمان جازع الشمري، مرجع سبق ذكره، ص ص 66-67.

[17]- ماجد راغب لحلو، مرجع سبق ذكره، ص 86.

[18]- جمال غيطاس، الصحافة الإلكترونية في المؤتمر الرابع للصحفيين:http://www.geocities.com/askress2009     آخر زيارة في 23/02/2010.

[19]- جريدة النهار، خطاب الرئيس عبد العزيز بوتفليقة يوم 15/04/2011.

 

 

TELECHARGER L'ARTICLE