واقع غلبة الاتصال الحديث على الاتصال الشخصي داخل الأسرة، وانعكاساته عليها

 

أ/ رباح قاسمي

قسم علوم الإعلام والاتصال

جامعة باجي مختار ـ عنابة

 

يعتبر الاتصال المرتكز الاول الذي تقوم عليه  العلاقات الانسانية سواء بطابعها الشخصي أو بطابعها الاجتماعي،  وكلما أسست عملية الاتصال بشكل صحيح، كلماكانت نتائجها إيجابية، ونجد أن هذا الموضوع يكتسب أهمية أكبر عندما نقرنه بمواضيع حساسة لها دور مصيري في حياة مجتمعاتنا، مثل اقترانه بعلاقات الافراد في الاسرة، هذه الاخيرة التي يتشكل منها بناء المجتمع، وبالتالي فإن مستويات الاتصال بداخلها سوف تنعكس عليه لا محالة.

وإذا نظرنا الى الاسرة من حيث كونها كيان يؤسس بواسطة طرفين ينتظر منهما التشارك في الحياة بكل ما تحمله من صعوبات وتناقضات، فإن نظرتنا ستقودنا الى الحديث عن شراكة إيجابية تنتج عنها الاستمرارية، وربما توسع حجم الاسرة وازدياد عدد أفرادها بميلاد الابناء الذين يخلقون بمجيئهم نوعا من الدفء العائلي يعكس بداية نوعا من الاستقرار، ويؤدي الى الكثير من احتمالات الثبات لهذه الاسرة وسط مجتمع تكثر اهتزازاته وتقلباته.

أما إذا نظرنا الى جانب الاتصال فإننا نجده من الامور ذات الاهمية البالغة داخل الاسرة سواء تكونت من الاب والام فقط، او انها شملت باتساع حجمها الاطفال الذين تتفاقم بوجودهم مسؤوليات الحياة، وتزداد بهذا التفاقم حتمية وجود اتصال ناجح بين الطرفين الرئيسيين في الاسرة اللذان هما الاب والام، وهنا يقودنا مجرى التحليل الى الحديث عن التواصل الذي يرتكز على ثلاث لغات هي اللغة الفكرية واللغة اللفظية واللغة الجسدية.

ان نمط اللغة الفكرية سواء رقيها او تدنيها ينعكس على أنماط باقي اللغات اللفظية والجسدية لأنه بوجود موضوع للخلاف بين الوالدين مثلا هنا يمكننا اختبار كل الطاقات الفكرية والنفسية والعقلية لكلا الطرفين من حيث قدرتهما على تسيير حياتهما ضمن هذا الخلاف من دون ان يتضرر الكيان الاسري او يتأثر الابناء.

ان عملية تحكيم الفكر والعقل لحل المشاكل العارضة في الحياة هي الطريقة المثلى للنجاح فيها سيما عندما يتجاوز ربّا الاسرة الصمت ليلجوا عالم الحوار المفعم بتبادل الآراء والتشارك فيها، والاخذ والرد، والتوصل الى الحلول المشتركة التي تعيدنا في النهاية الى مفهوم الشراكة الايجابية.

ولكن بعيدا عن مفهوم التواصل الايجابي ضمن هذا النوع من الاتصال الذي يعتمد على الاتصال الشخصي، نجد نوعا آخر من الاتصال يلج معترك الحياة الاسرية، وبدلا من التقارب على غرار ما يحققه الاتصال الشخصي، نجد هذا النوع الجديد من الاتصال على العكس من ذلك يحقق التباعد والجفاء ويخلق نوع من الغربة يغيّب روح الاتصال الاسري ويبرّد المشاعر ويفتر العلاقات، فما هو هذا النوع من الاتصال، وما هي انعكاساته على االمحيط الاسري آباء وأبناء؟

إن هذا النمط من الاتصال هو اتصال حديث ظهر بظهور وسائل الاعلام، بشتى أنواعها وتكنلوجياتها الحديثة التي قدمت لأفراد المجتمع العوالم الافتراضية التي فصلت الانسان عن واقعه وجعلته يتنصل من مبادئه وقيمه بوعي وبدون وعي، ذلك انها قدمت له البديل لكل جزئيات حياته، وأبحرت به في عوالم الثقافات الاخرى التي جردته من هويته وألبسته أثواب الإغتراب في بيئته، فانطبعت حياته بالتناقض وما عاد يعرف شيئا عن نفسه، مما خلق صداما بينه وبين محيطه، حيث نتمثل هذا الواقع في حياة الشباب وعلاقتهم بأسرهم، وهو واقع تعيشه مجتمعاتنا وأسرها، في ظل يوميات العمل الشاقة للآباء والحضور المستمر للتكنلوجيات الاتصالية الحديثة في حياة الابناء، خاصة فيما يتعلق بشبكة الانترنت التي اصبحت الفضاء المفضل لهم في خلق عالم بديل لعالمهم الأسري الإجتماعي الذي يرونه المقيد لأفكارهم تحت سلطة المعتقد والعادات والتقاليد، والمتحكم في سلوكاتهم ضمن سلطة الوالدين، هذا العالم بكل فضاءاته الإلكترونية المشبعة بالأفكار الدخيلة والغريبة عن ثقافاتنااستطاع أن يسرق شبابنا ويوجه أفكارهم بشكل أخرجهم عن سلطة آبائهم التي اصبحوا يرونها السبب في حبسهم ضمن واقع لم يعودوا متقبلين له، كونه لا يتناسب مع أفكارهم وتوجّهاتهم المستحدثة أو المتبنّاة، مما أدى إلى بروز مظهر آخر لتعاملات وعلاقة الآباء بالأبناء، يميزه التمرد والعصيان بشكل عكس مستويات من التدني الخلقي والتربوي لا تتوافق مع القيم المستقيمة لمجتمعاتنا.

ونتيجة لكل هذا تضاءلت نسبة الاتصال والتواصل في الاسرة لإرتكان كل طرف الى أفكاره والعيش فيها، والتزام الصمت في ظل عدم جدوى الحوار، مما أدى بالأبناء الى إيجاد متسع من الحرية يمارسون فيه حياتهم بدون وضع إعتبارات الخطأ والصوابمما ينزلق بهم إلى هاوية الأخطاء، تتغذى هذه الاخطاء في ظل إنسحاب السلطة الأسرية المتنحاة أمام تمرد الأبناء ما يؤدي إلى تفاقم الإنحلال السلوكي الذي يعتبر ربما أولى الخطوات نحو عالم الجريمة... والتي تتحمل الأسرة غالبا عواقبها.

وفي مقارنات لحالة الأسرة في وجود نوع جديد من الاتصال ضمن واقعها نجد لزاما علينا أن نكون موضوعيين في النظر إلى كلا الإتصالين من حيث آليات تفعيل كل منهما...، والفرص التي أتيحت لهما للتواجد ضمن نفس الخضمّ، فهل تغلب الاتصال الحديث بسبب وجود فراغ في فضاء الاتصال الشخصي داخل الاسرة؟ ـأم أن الاتصال الحديث قام بصرف النظر الاجتماعي عن أهمية الاتصال الشخصي، بسبب العوالم الجديدة التي يطرحها، المدعمة بفيض لا ينتهي من المعلومات والمعارف والخبرات، تجعل المحيط الأسري يبدو فقيرا في ظل الاتصال الشخصي، فإذا كانت الفضاءات الثقافية والمعرفية وفضاءات المواقع الاجتماعية على شبكات الانترنت هي ما يجذب الجيل اليافع من الابناء بسبب ما توفره لهم من إطلاعات لا محدودة،عن كثير من المفاهيم التي تعد خطيرة بالنظر الى عدم خبرة الشباب، مثل حرية التعبير وحرية إبداء الرأي، والاستقلالية الحياتية، والخصوصية...، وفي ظل هذه الظروف،لماذا لا يكون الحل كامنا في عدم انسحاب الآباء من حياة ابنائهم، بل في مشاركتهم لاهتماماتهم ومحاولة توجيههم بطريقة لينة، تبقيهم ضمن سلطة الاسرة بشكل تكون فيه الاسرة هي الوسيط المعدل لكل ما تبثه وسائل الاتصال الحديث من مضامين، تعدلها وفق ما يتناسب وقيمها ومبادئها وعاداتها، وبذلك يكون الهدف من هذه الخطة قد تحقق وهو الجمع بين الاتصال الشخصي والاتصال الحديث من أجل توفير محيط أسري مستقر ضمن أسرة متفاهمة ومتوافقة ومعاصرة في آن واحد.

 

Télécharger l'article