الاتصال الأسري و الواقع الاجتماعي المعاصر

      

     د. شليغم غنية                                     أ/ حماني فضيلة

       قسم العلوم السياسية                                   قسم العلوم الاجتماعية

      كلية العلوم الإقتصادية                             كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية

     جامعة قاصدي مرباح / ورقلة                        جامعة قاصدي مرباح / ورقلة

 

مقدمة:

تعرضت و تتعرض الأسر العربية عامة و الجزائرية على وجه التحديد للعديد من التغيرات أورثتها بعض مظاهر الضعف الذي قد يدفع بها إلى الانهيار.فقد تعرضت الأسرة لتأثير التحولات الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية التي خضعت لها أثناء عملية التنمية الشاملة و التي لم تكن لتتلاءم وواقع الأسر في أحيان كثيرة لما استحدثته من أنماط غربية و غريبة عن مجتمعنا العربي و الإسلامي، الأمر الذي أدى إلى ظهور عديد من الظواهر السلبية و المنحرفة و التي أثرت على فاعلية مختلف مؤسسات المجتمع و الأسرة باعتبارها أبرز هذه المؤسسات.

       و قد صار من المألوف عندنا تحميل الأسرة جميع مظاهر التفكك والانحراف والضياع التي عادة ما تتضرر منها أطرافها الأساسية وبالخصوص الأب والأم والأبناء. فهي في نظر الكثيرين تشكل مصدر كل أنواع المشاكل والنواقص وكل أشكال الانحرافات والاضطرابات التي تصيب أو تحل بهؤلاء. في حين أنه نادرا ما يقال بأن السبب الرئيسي لكل هذه القلاقل لا يكمن بالضرورة في الأسرة، بل يعود إلى ظروف الفقر والعوز المادي والجهل والأمية والفاقة الثقافية أو التنشئة الاجتماعية و حتى إلى الحداثة و ما سببته من آثار...إلخ التي تحيط بهذه الأخيرة وتخترقها يوميا بدون أدنى مقاومة.

       فهذه الورقة ستتناول بالبحث عنصر مهم في توطيد العلاقات الأسرية و هو الاتصال الأسري و مدى تأثير الواقع الاجتماعي المعيش على عملية التواصل داخل الأسرة و على العلاقات الأسرية بشكل عام من خلال الإجابة على الإشكالية التالية: كيف أثرت التحولات الاجتماعية المعاصرة على عملية الاتصال الأسري؟.

 

المحور الأول: مفهوم الاتصال الأسري

 في ظل المجتمع المعاصر و ما يشهده من تغيرات اقتصادية و اجتماعية، فقد تعرضت الأسرة في مختلف المجتمعات العربية و الجزائرية خاصة لكثير من المتغيرات التي تسعى إلى اختراق بنياتنا الاجتماعية و منظوماتنا القيمية و الثقافية مما دفع إلى التأثير على تكوين الأسرة و طبيعة العلاقات بين أعضائها أو تلك التي تتعلق ببعض وظائفها.

ولقد انتبه علماء الاجتماع إلى أهمية التأثيرات التي يمكن أن تخلقها هذه التغيرات المتسارعة على الأسرة. ومن هنا أكد" انتوني جيدنز" في كتابه الطريق الثالث على أهمية النظر إلى الأسرة من منظور مختلف في عالمنا المعاصر. ولقد بالغ بعض علماء الاجتماع في وصف حال الأسرة المعاصرة. فبعد أن كانت في الماضي تعتبر "الخلية الأولى للمجتمع"، نجد أن البعض يصفها بأنها مؤسسة تتأرجح بين الموت والحياة، وهى أشبه بالجسد الميت الذي يحاول الفاعلون فيه أن يعيدوا إليه الحياة(1).

لم تعد الأسرة من الثوابت، فلقد تعرضت لمجموعة من المؤثرات المحلية والعالمية، بحيث أصبحت الضرورة ملحة لإعادة فهمها في إطار من تغيير أنماطها ووظائفها التي ظلت تقوم بها عبر فترات تاريخية طويلة. ذلك التغير الذي لحق بالأسرة وأدوارها لا يمثل خصوصية محلية أو تختص به مجتمعات دون غيرها، إنما هو تغير تشهده كافة المجتمعات لأسباب ترتبط بالظروف والتغيرات الداخلية من جانب وبتأثيرات العولمة من جانب آخر بكل ما تحمله من تناقضات وتحديات، بحيث بات السؤال عن مغزى الأسرة ووظائفها التي تبدلت سؤالاً ملحاً في ظل مجتمعات تتغير حدودها الاقتصادية والسياسية بل والثقافية. مجتمع أصبح يوصف بأنه "مجتمع الأزمة" وهو أيضاً مجتمع "المخاطر" التي يصعب التنبؤ بها(2).

إن معالجة مثل هذه القضية يتطلب منا التعرف على:

1-               مفهوم الأسرة

2-               مفهوم الاتصال الأسري

3-               مجالات الاتصال الأسري

4-               أنماط الاتصال الأسري

  1. 1.               تعريف الأسرة
  • §                   جاء في معجم علم الاجتماع : " أن الأسرة عبارة عن جماعة من الأفراد يرتبطون معا بروابط الزواج و الدم و التبني، و يتفاعلون معا، و قد يتم هذا التفاعل بين الزوج و الزوجة، و بين الأم و الأب و الأبناء و يتكون منها جميعا وحدة اجتماعية تتميز بخصائص معينة(3).
  • يعرف "أوجبرن" و "نيمكوف" الأسرة بأنها:" عبارة عن رابطة اجتماعية تتألف من زوج وزوجة و أطفالهما أو بدون أطفال و قد تكون الأسرة أكبر من ذلك بحيث تضم أفراد آخرين كالأجداد و الأحفاد و بعض الأقارب"(4).
  • أما "أنتوني جيدنز" فيعرف الأسرة على أنها "مجموعة من الأفراد المرتبطين مباشرة بصلات القرابة و يتولى أعضاؤها البالغون مسؤوليات تربية الأطفال. أما علاقات القرابة فهي الصلات التي تقوم بين الأفراد إما على أساس الزواج أو من خلال رابطة الدم و النسل مثل الأمهات والآباء و الأشقاء و البنين و غيرهم"(5).

2.مفهوم الاتصال الأسري:

قبل التطرق إلى تعريف الاتصال الأسري يجدر بنا التوقف عند مصطلح الاتصال ليتسنى لنا توضيح المفهوم المركب.

أ‌-                    تعريف الاتصال

لقد ظهرت تعريفات عديدة و معان كثيرة و متنوعة لكلمة اتصال. فقد نستعملها لنعني بها مجال الدراسة الأكاديمي أو النشاط التطبيقي الملازم له، أو بوصفه علما أو فنا أو علاقات إنسانية أو وسائل اتصال جماهيرية أو حاسبات آلية شخصية أو إرشادا نفسيا، كما أنه قد يعبّر على عملية هادفة مقصودة أو طبيعية تلقائية(6).

تعريف الاتصال لغة

       تعني كلمة الاتصال communication التعبيـــر و التفاعل من خلال بعض الرموز لتحقيق هـدف معين و تنطـوي علـى عنصر القــصد و التــدبير.

وهي مشتقة من الأصل اللاتيني communis التي تعني الشيء المشترك و فعلها communicare وهو أن يذيع الشيء أو يشيع.

كما أرجع البعض هذه الكلمة إلى الأصل common بمعنى "عام" أو "مشترك".

       و يرجع أصل الكلمة في اللغة العربية إلى الفعل اتصل و الاسم يعني المعلومات المبلغة أوالرسالة الشفوية أو تبادل الأفكار و الآراء أو المعلومات عن طريق الكلام أو الإشارات  كما تعني الكلمة أيضا شبكة الطرق أو شبكة الاتصالات و كلها تؤكد على أهمية التفاعل و العلاقات الإنسانية بين البشر(7).

و نجد "مختار القاموس" قد عرفها على أنها: "وصل الشيء بالشيء وصلا" بمعنى نقل المعلومات و المعاني و الأفكار و المشاعر بين الأشخاص لتحقيق هدف ما و غرض معين.

       ب- تعريف الاتصال اصطلاحا:   

       يعرف " تشارلز كولي" الاتصال : " ذلك الميكانيزم الذي من خلاله توجد العلاقات الإنسانية وتنمو وتتطور الرموز العقلية بواسطة وسائل نشر هذه الرموز عبر المكان و استمرارها عبر الزمان"(8).

و يعني الاتصال فنيا حسب "ريكارد اندي"Rickard Indy":"عملية يقصد بها مصدر نوعي بواسطتها، إثارة استجابة نوعية لدى مستقبل نوعي. أي أنه عملية مقصودة، هادفـــة و ذات عناصر محددة"(9).

أما فيما يتعلق بالاتصال الأسري فهو أحد متغيرات التنشئة الاجتماعية، و هو إتاحة الفرصة لأفراد الأسرة للتعبير عن آرائهم و مشاعرهم و حسن الاستماع لهم و تقبلهم.

ومن بين التعاريف التي نوردها للاتصال الأسري نذكر:

  • الاتصال الأسري هو تلك العلاقة التي تقوم بين أدوار الزوج و الزوجة و الأبناء بما تحدده الأسرة، و يقصد به أيضا طبيعة الاتصالات و التفاعلات التي تقع بين أعضاء الأسرة و من تلك العلاقة التي تقع بين الزوجة و الزوج و بين الأبناء و الآباء و بين الأبناء أنفسهم(10).
  • الاتصال الأسري هو اتحاد مجموعة من الأشخاص بروابط الدم الزواجي و التبني، إذ يتواصلون و يتفاعلون مع بعضهم البعض بأدوارهم الاجتماعي(11).
  • الاتصال الأسري هو تلك العلاقة التي تكونها الأسرة مع أفرادها، سواء كانت هذه العلاقة رابطة الدم أو الأصهار أو الأنساب(12).

فكل التعاريف تركز على أن الاتصال الأسري أساسه الدور الاجتماعي الذي يلعبه أفراد الأسرة من خلال علاقاتهم و تفاعلاتهم ببعضهم البعض.

  1. مجالات الاتصال الأسري

تتمثل هذه المجالات في العلاقات الأسرية التي تربط بين أفراد الأسرة ، و تساهم في استمرارها وخلق جو يساعد على إعداد أفراد فاعلين في المجتمع و تتمثل في :

  1. العلاقة بين الزوجين: تقوم هذه العلاقة على أساس الحقوق الزوجية لكل منهما ، ومسؤولياتهما تجاه تنشئة أطفالهما و اتخاذ القرارات الأسرية ، و دور كل منهما في المسؤولية الاجتماعية و الاقتصادية للأسرة(13).
  2. علاقة الآباء بالأبناء: هذه العلاقة تقوم على تعليم الأبناء القيم المستوحاة من الشرائع السماوية و المعايير الاجتماعية، فالوالدان يعلمان أبناءهما القيم و الحقائق و المفاهيم والأنماط السلوكية و كل ما هو مرغوب و يبعدونهم عن كل ما هو غير مرغوب مثل طريقة الأكل و الملبس و طريقة التعامل ، و التي تكتسب عن طريق التكرار أو التقليد أوالممارسة أو السلطة الوالدية(14).
  3. علاقة الأخوة: وجد أنه العلاقة بين الإخوة تتسم بالقوة و التضامن ، و يحظى الابن الأكبر بمكانة أكبر من إخوته لأنه يمثل أبيه فيعطي الأوامر لإخوته و أخواته الأصغر منه أوعلى الأقل يتهددهم بالعقاب و عليهم إبداء الطاعة و الاحترام، و يعزز أفراد الأسرة الآخرون مكانة الأخ الأكبر في الأسرة و خاصة بأنه عادة ما يتولى مسؤولية الأسرة و رعاية أشقائه و شقيقاته بعد وفاة الأب ، أما العلاقة بين الأخوات فهي علاقة تقوم على المودة و التعاون المشترك بينهن، و تتسم العلاقة بين الأشقاء و الشقيقات بمسؤولية الإخوة عن أخواتهم ورعايتهم (15).
  4. أنماط الاتصال الأسري
  5. 1.               نمط الاتصال المفتوح: نجد أن تحقيق الحاجات المتبادلة للأسرة شيء مرغوب و محبب، ومن ثم فإن الاتصال بين الزوجين و الأبناء يكون بحرية و مباشر و يتسم بالانسجام و الاحترام والأمانة و الصدق و الاحساس بمشاعر الطرف الآخر.
  6. نمط الاتصال المغلق: يلاحظ في هذا النوع أن أنماط الاتصال و التفاعل بين الزوجين و الأبناء تحكمها مجموعة من القواعد الشديدة، تلك القواعد سواء كانت ظاهرة أو ضمنية فإنها تحدد ما الذي يمكن التعبير عنه بحرية، و ما ليس من الضروري التعبير عنه على الاطلاق، فقد تظهر عدم القدرة على مناقشة الموضوعات الحساسة خشية التصادم أو حدوث ردود فعل انفعالية غير مقبولة ، و بمرور الوقت قد تزداد هذه الموضوعات لدرجة أن الفرد يرغب في التجنب والاحجام(16).
  7. نمط التشابك المغلق: في هذا النمط تتميز الأسرة بالقرب الشديد بين أفرادها ، و في الأنساق المتشابكة من الصعب أن نجد الاستقلال و الذاتية بل إننا نجد نقصا في الخصوصية وتكون الفروق الفردية غير محتملة ، و قد يعبر أفراد الأسرة المتشابكة عن المشاعر التي تعكس الحماية الزائدة الخانقة أو التي تكتم الأنفاس و تشابك الأسرة و هو أيضا نتيجة لقوى نسقية في حالة عمل و تفاعل إذ تصبح الأسرة متشابكة إستجابة منها للضغوط التي تتعرض لها(17).

و الاتصال الأسري من أهم عوامل التماسك الداخلي للأسرة السليمة المستقرة و ينعكس على الأسرة بالطمأنينة و السكينة في علاقاتها في ما بينها، كما يعكس لنا أن حياة هذه الأسرة تتسم بالاتزان الانفعالي و الاجتماعي  و وجود علاقات حميمية بين أفرادها.

فالكل ينشد أو يبحث عن المحبة وعن الاحترام و الصفاء و الصراحة و التفهم و عن التقبل وعن المداراة في التعامل و عدم التطفل و الابتعاد عن الفضول وعن الطريقة الحسنة و المريحة في الكلام و التعامل و التواصل معه.

لذا فالعلاقات الأسرية تستوجب من الأبوين باعتبارهما العمود الفقري للحياة الأسرية إتقان مهارات الاتصال الأسري وذلك بإعطاء أفراد الأسرة فرصة للتواصل عن طريق السماع و الإنصات، بمحاولة الأخذ و الرد معهم والحوار حين يتحدثون و عدم إقحامهم و محاولة إحباطهم و تقليل رغبتهم بالتواصل عن طريق عدم الاهتمام لما يقولون أو ما يفعلون.

المحور الثاني: الاتصال الأسري بين التماسك و التفكك الاجتماعي في الأسرة الجزائرية

سوف نتحدث عن التنشئة الاجتماعية التي تأثرت أكثر من الوظائف الأخرى في مجتمعنا الحديث، و هذا يرجع لتعدد المؤسسات التي تعنى بصياغة الأفكار و التوجيهات مثل النوادي الرياضية و المؤسسات التي نتجت عن التطور التقني و ثورة المعلومات و الاتصال و على رأسها التلفزيون وقنواته الفضائية ثم الحاسبات الآلية و الشبكة الدولية للمعلومات(18).

التنشئة الاجتماعية هي عملية تعليمية يتم بمقتضاها بث القيم و العادات و التقاليد و الثقافة، ونقل السلوك السوي و الاتجاهات التي ترتضيها الجماعة أو المجتمع و تتوافق معه، إلى الأفراد الذين يعيشون فيه(19).

تلعب الأسرة دورا كبيرا في عملية التنشئة الاجتماعية و خاصة في سن الطفولة المبكرة وتقوم بذلك من خلال عمليات التعزيز و إعطاء المكافآت و العقاب و توفير المثال و القدوة(20).

تعد الأسرة المؤسسة الاجتماعية الأولى التي نشأ فيها الطفل، و تعتبر المدرسة الأساسية لكل طفل، لأن ما يتعلمه فيها يبقى معه طول حياته و عن طريقها يكتسب الطفل قيمه و معاييره و سلوكه، و يمثل الوالدان بطبيعة الحال القوة الأولى المباشرة في التنشئة التي تمارس تأثيرها على الطفل منذ ولادته و يظل تأثيرها قائما حتى مرحلة متأخرة من العمر(21).

و الأسرة أكثر مؤسسات التنشئة الاجتماعية أهمية للأسباب الآتية:

  • ·                   أنها أهم المؤسسات الاجتماعية التي أقامها الإنسان لاستمرار حياته.
  • ·                   أنها الوحدة الاجتماعية الأولى التي ينشأ فيها الطفل.
  • ·                   تعتبر النموذج الأمثل للجماعة الأولية.
  • ·                   يقوم الطفل في الأسرة لذاته و بذاته.
  • ·                   و هكذا نجد أن الأسرة تعتبر الأساس الاجتماعي الذي تنمو فيه بذور الشخصية الإنسانية وتتحدد فيه أصول التطبيع الاجتماعي. فشخصية الطفل تتكون من خلال تفاعله مع أسرته(22).

و ترجع أهمية دور الأسرة في التنشئة على اعتبارها المكان الأول الذي يتم فيه بلورة الاتصال الاجتماعي الذي يمارسه الطفل في بداية سنوات حياته الذي ينعكس على نموه الاجتماعي فيما بعد، ويعتبر الآباء فيها نموذجا و قدوة و المثل الذي يجب على أطفالهم الاقتداء به(23).

غير أن الأسر الجزائرية تعرضت عبر الزمن إلى تفاعلات داخلية و خارجية أثرت على قيامها كمؤسسة بدور التنشئة الفعالة كما أثرت على عملية الاتصال الأسري في حد ذاته، فبفعل الظروف الاقتصادية تغير دور الوالدان و خاصة دور الأم كمرسل و متلقي في آن معا ، فعمل المرأة أثر بشكل كبير على الاتصال داخل الأسرة، لأن الأم تعتبر مركز تلقي الانشغالات كلها و بدرجة كبيرة، إلا أن ما تشهده العائلات الجزائرية هو تدخل عناصر أخرى للقيام بهذه الأدوار مثل المربية في البيت أو المربية في الروضة و لم يبقى للأبوين إلا القسط القليل في هذه العملية، كما أن الانشغالات الكثيرة للوالدين تحول دون قيامهما بدور المتلقي و الموجه فوتيرة الحياة أصبحت جد متسارعة والحياة جد مكلفة وهذا يجعل الروابط الأسرية تفتر و تفتقد للتواصل الإيجابي من كلا الطرفين( آباء و أبناء) يضاف إلى ذلك تنشئة الوالدين التي كثيرا ما تعتبر تقليدية بالنسبة للأبناء، فالتسلط و التعنيف واللاحوار أمور يستخدمها الآباء وينبذها الأبناء و هنا نستحضر قول الرسول عليه الصلاة و السلام:" لاعبوهم لسبع و علموهم لسبع و صاحبوهم لسبع و اتركوا لهم الحبل على الغالب"بمعنى أن أداة التواصل الأولى هي إيجاد وقت للملاعبة و من ثم إيجاد وقت لتلقين القيم و المعارف عندما تبدأ مدركات الطفل في النمو، والمصاحبة أثناء فترة المراهقة عوض المراقبة ثم ترك الأبناء يسلكون الطريق المختار و هنا يكون دور الآباء قد استكمل.

 بالإضافة إلى وسائل الاتصال الحديثة مثل التلفزيون و القنوات الفضائية، و شبكة الانترنت أصبحت المصدر الرئيسي لإنتاج القيم الاجتماعية الجديدة و توزيعها، حيث تأثرت العلاقات الأسرية سواء بين الزوجين أو بين الأبناء(24).

 و يمكن الكشف عن عن أوجه التغير فيها في الجوانب التالية(25):

  • تغيير نمط الأسرة من أسرة ممتدة تقوم على التكافل و التآزر في المهمات و الصعوبات التي قد تعترضها بسبب التماسك الداخلي، إلى أسرة نووية قل فيها التفاعل بين أعضائها.
  • الأسرة و الوظيفة الاجتماعية، إن دور الأسرة في التنشئة الاجتماعية يمر بحالة من الكسوف نتيجة قصور و تراجع الأسرة في أداء مهامها و هذا يعود إلى عدة عوامل اقتصادية و اجتماعية و دخول المرأة سوق العمل، و عدم قدرة الرجل على تفهم واجباته الجديدة في ظل هذه المتغيرات.
  • و واضح أن الأسرة الحديثة تمارس الديمقراطية بين أفرادها ، و أصبح لكل فرد في الأسرة صوته سواء كان كبيرا أم صغيرا، و بالتالي الآباء لا يرون ولا يسمعون و أصبح دورهم في العصر الحديث مجرد رئيسا شرفيا تلاشت سلطته بسبب المعوقات التي تعترضه من عمل المرأة و تباعد أماكن السكن و غياب الأسرة الممتدة التي كانت تساهم في تربية الأولاد.
  • زيادة إلى وسائل الاتصال الحديثة التي زادت من حدة القصور في عملية التواصل الأسري من خلال البرامج التي تقدم على شاشة التلفزيون و الذي أصبح هذا الأخير يشارك في عملية التنشئة بتزويد الأطفال بالمعلومات لكن بطريقة فوضوية نتيجة غياب الوعي الاجتماعي و الأخلاقي بصورة سليمة لدى الأطفال.
  • و قد دفع انتشار استخدام الكمبيوتر و الانترنت إلى  تحولات عميقة تشكل ثورة ثقافية و إعلامية تترك آثارها على مجالات الحياة المعاصرة من حيث أنماطها و أساليبها مما يؤثر على البناء الأسري من خلال بروز بعض القيم و الظواهر و السلوكيات و هي:
  • الفردية و تجزئة الأسرة
  • الاستقلالية و ضعف الروابط الأسرية
  • سيادة النظرة المادية للأشياء

إلى جانب هذا أصبحت الأسر تعتمد على هذه الوسائل في الاتصال و أصبح الأبناء يستخدمون شبكات التواصل الاجتماعي من أجل التحاور و طلب النصيحة بدل التوجه إلى الأولياء، و لا يخفى على أحد ما لهذه الوسائل من تأثيرات سلبية على مستخدميها غير الواعين.

وقد نتج على كل ما سبق نتائج نذكرها في:

1-               تصدع البناء والعلاقات الأسرية، حيث فقدت الأسرة تماسكها فلم تعد الأسرة تتشكل من أعضاء تتجه عواطفهم واهتماماتهم إلى داخل الأسرة، حيث تشكل الأسرة بأعضاء مركز الاهتمام لكل منهم، وإنما بدأ أعضاء الأسرة في الانصراف إلى الخارج، الأمر الذي أضعف بناء الأسرة فأصبح أكثر هشاشة وأقل تماسكاً.

2-                انتشار الصراعات داخل بناء الأسرة، وهى الصراعات التي تشير من ناحية إلى ضعف المنظومة القيمية للأسرة وأيضاً إلى حالة الفوضى التي أثرت على تدرج المكانات والأدوار في الأسرة، ومعها سقط الاعتراف بمنظومة الحقوق والالتزامات المنوطة بالأدوار المختلفة داخل بناء الأسرة.

3-               تعرضت الأسرة للاختراق سواء في منظومتها القيمية المنظمة للتفاعل في إطارها تأثراً بالإعلام والثقافة الاستهلاكية وغير ذلك من المؤثرات الأمر الذي أعجزها عن القيام بوظيفة التنشئة الاجتماعية لأبنائها بصورة فعالة، من ناحية بسبب انهيار منظومة القيم الأخلاقية والدينية، ومن ناحية أخرى بسبب ضعف سيطرة الأسرة على الأبناء( بسبب الظروف الاقتصادية بالدرجة الأولى) الأمر الذي دفع الأبناء للمشاركة في التفاعل الاجتماعي بمنظومة قيمية ضعيفة توجه سلوكياتها.

4-               الاستهانة بالحياة الأسرية ذاتها، مؤشر ذلك الاتجاه إلى تشكيل أنماط من الأسرة خارج الإطار الشرعي المعترف كانتشار الزواج العرفي بأشكاله غير الشرعية و ان كان بنسب قليلة غير أن الظاهرة بدأت تكتسح المجتمع الجزائري، إضافة إلى ارتفاع معدلات الطلاق والتفكك الأسري.

5-               وقوع بعض الانحرافات والجرائم الأسرية، كجرائم الخيانة الأسرية مادية كانت أو معنوية، جرائم القتل المتبادل بين الأزواج والزوجات والأبناء، بمستويات أو معدلات لم يشهدها المجتمع في مراحل تاريخية سابقة(26).

 

الخاتمة

       تشكل الأسرة القاعدة الأساسية في هيكل المجتمع الجزائري، فهي المؤسسة الاجتماعية، التي تؤمن عدة وظائف حيوية، منها وظيفة الإنجاب والتنشئة الاجتماعية للأفرا د، واكتسابهم هوياتهم، إلى جانب كونها لا تزال الحاضن الاقتصادي للشباب حتى سن الزواج.

لقد عرفت الأسرة الجزائرية عدة تغيرا ت، سواء في شكلها التركيبي، أو في علاقاتها الداخلية، أو في قيمها الاجتماعية. وتندرج هذه التغيرات في إطار حركة التغير الثقافي- الاجتماعي و خياراته المتعددة الذي نعيش فيه في مطالع الألفية الثالثة و ما صاحبه في الوقت نفسه بآفاق أوسع من مخاطر التغيير ، و الانتقال إلى مجتمع تعددت فيه أشكال العلاقات، و التفاعل و الارتباطات بل تعدت إلى طبيعة التوقعات لدى الناس من علاقاتهم بالآخرين على حد تعبير "جيدنز" ،و هذا ما يشهده مجتمعات العالم ولا سيما المجتمع الجزائري منذ فترة من الزمن.

هذه التغيرات أثرت على عملية الاتصال داخل الأسرة،  باعتبار أن الاتصال الذي تستمر أهميته مدى الحياة ضرورة لتحقيق التوافق الشخصي، وبهذا الخصوص تؤكد العديد من الأبحاث على وجود أزمة اتصالية داخل الأسرة الجزائرية، يعد عجز الأطفال عن التعبير عن شعورهم أهم عنوان لها.

فالاتصال يبدأ من الحياة الجنينية ويتطور مع تطور الروابط الاجتماعية، حيث تعد الأسرة البيئة الأولى للتفاعل مع الأفراد، وبناء عليه تكون الحياة الأسرية مرهونة بطبيعة الاتصال القائم فيها فإما تعايش سلمي وإما صراع وعنف.

و لقد أسهم عدد من المتغيرات في تحديد اتجاه الاتصال داخل الأسرة، من بين هذه العوامل هو عامل التنشئة الاجتماعية التي تلقاها الآباء ويحاولون غرسها في الأبناء، فمعروف على المجتمع الجزائري أنه مجتمع سادته السلطة الأبوية لفترة من الزمن بما أثر على عملية الاتصال الأسري من تعنيف للأبناء و سيادة ثقافة اللاحوار و عدم قبول آراء الصغار و ازدرائهم في أحيان كثيرة، بالإضافة إلى العوامل الاقتصادية التي أدت بخروج المرأة لعالم الشغل و إهمالها لجانب كبير من مسؤولياتها و قيام وسائط أخرى بهذه المسؤوليات، إلى جانب وسائل الاتصال وتكنولوجيات الحديثة التي غزت الأسر وفترت الدفء العائلي، بحيث أصبح الطفل أو الأبناء يقضون سعات أمام أجهزة الكمبيوتر أو التلفاز عوض الحوار ومناقشة المواضيع مع أوليائهم. لكل هذه الظروف و العوامل تتحمل الأسرة و الأم بشكل خاص الانتقادات اللاذعة بسبب فقدان الاتصال الأسري.

الهوامش

أحمد عبد الله زايد، تفكك أواصر الأسرة في عالم ما بعد الحداثة، مؤتمر: واقع الأسرة في المجتمع: تشخيص للمشكلات و استكشاف لسياسات المواجهة، المنعقد  بدار الضيافة، جامعة عين شمس، من 26-28 سبتمبر 2004، ص 13 .

رباب الحسيني، واقع التنشئة الاجتماعية في الأسرة، مؤتمر: واقع الأسرة في المجتمع: تشخيص للمشكلات و استكشاف لسياسات المواجهة، المنعقد  بدار الضيافة، جامعة عين شمس، من 26-28 سبتمبر 2004، ص 51.

Joseph Sumph et Michel Hugues, Dictionnaire de Sociologie, paris, librairie, la rousse, 1973, p 131.

عبد الله عبد الرحمن، علم الاجتماع النشأة و التطور، الاسكندرية، دار المعرفة الجامعية، 1999، ص 253.

انتوني غدنز، علم الاجتماع، (ترجمة فايز الصباغ)، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط4،2001، ص 254.

فضيل دليو، اتصال المؤسسة:( إشهار- علاقات عامة- علاقات مع الصحافة)، القاهرة: دار الفجر للنشر والتوزيع، 2003، ص 21.

أحمد بخوش، الاتصال و العولمة، القاهرة: دار الفجر للنشر و التوزيع، ط1، 2008، ص 9.

مي العبد الله، نظريات الاتصال، بيروت: دار النهضة العربية، ط1، 2006، ص ص( 23-25).

فضيل دليو، المرجع السابق، ص 22.

صالح محمد علي أبو جادو، سيكولوجية التنشئة الاجتماعية، دار البسرة للنشر ،عمان، ط4،2004، ص 218.

عبد القادر القصير، الأسرة المتغيرة في مجتمع المدينة العربية، بيروت:  دار النهصة العربية، 1999، ص 201.

سلوى عثمان صديقي، الأسرة و السكان، الإسكتندرية: المكتب الجامعي الحديث، 2003، ص 34.

فاتن شريف، الأسرة و القرابة دراسات في الأنثروبولوجيا الاجتماعية، الاسكندرية: دار الوفاء لدنيا الطباعة، ط1، 2006، ص 196. 

سلوى عثمان صديقي، المرجع السابق، ص32.

فاتن شريف، المرجع السابق، ص 206.

حسن مصطفى عبد المعطي، الأسرة و مشكلات الأبناء، القاهرة: دار السحاب للنشر، ط1، 2004، ص ص(30-34).

روز ماري لامبي و ديبي دانيلز موزنج ، الارشاد الأسري لذوي الاحتياجات الخاصة، (ترجمة: علاء الدين كفافي)، القاهرة: دار قباء للطباعة ، 2001، ص ص(83-85).

سامية مصطفى الخشاب، شاهد على الأسرة المصرية المعاصرة، ص35.  

خضير شعبان، مصطلحات في الاعلام و الاتصال، الجزائر: دار اللسان العربي للترجمة و التأليف و النشر، ط2، 1414.   

سهير كامل أحمد و شحاته سليمان محمد، تنشئة الطفل و حاجاته بين النظرية و التطبيق، الاسكندرية: دار المعرفة الجامعية، 2001، ص 23. 

عبد القادر شريف،التنشئة الاجتماعية للطفل العربي في عصر العولمة، دار الفكر العربي، ط2، 2004، ص ص(16-18).

ابراهيم ناصر، التنشئة الاجتماعية، عمان: دار عمار، 2003، ص259.

عبد الرحمن محمد العيسوي، النمو النفسي و مشاكل الطفولة، الاسكندرية: دار الثقافة الجامعية، 1988، ص 363. 

عبد العزيز على الخزاعله، العولمة و الأسرة(تحليل سوسيولوجي)، أعمال الندوة السنوية التاسعة لقسم علم الاجتماع، القاهرة، 7-8 ماي 2002، ص50. 

ايمان  محمد عز العرب، في ظل مجتمع المعلومات، مؤتمر: واقع الأسرة في المجتمع، الرجع السابق، ص ص(66-73).

علي ليله، تأثير التحولات الاجتماعية على بناء الأسرة، مؤتمر: واقع الأسرة في المجتمع، المرجع السابق، ص ص(47-48).

 

Télécharger l'article