سعيا لبناء مشروع أسري مثالي في الجزائر

  

  د/ منيــــة غريــب                                 أ/زموري زينب

         جامعة الطارف                                                        قسم العلوم الإجتماعية

                                                                                              كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية

                                                                                                 جامعة قاصدي مرباح/ورقلة

مقدمة  :

الأسرة بوجه عام هي ذلك الإنتاج الاجتماعي الذي يعكس صورة المجتمع الذي توجد وتتطور فيه ، والأسرة الجزائرية  كذلك مطبوعة بطابع التحولات المجتمعية السريعة التي حدثت في الهياكل السياسية والاقتصادية وخاصة التصنيع السريع، بل أن تطور الأسرة الجزائرية يسير سيرا سريعا جدا نحو تلاشي البنية التقليدية وبروز ملامح البنية العصرية المعولمة التي لم تعد ترجع إلى القيم والمعايير المجتمعية العربية الأصيلة ، فنسجل نسب مرتفعة من التصدع الأسري – الطلاق – العنف داخل الأسرة - الانتحار– هروب الأطفال إلى الشارع – السرقة ...الخ من الآفات الاجتماعية التي خلفتها وراءها الأسرة الجزائرية السريعة التبدل والتغير .  

ومنه سنتناول بالحديث في هذه الورقة البحثية النقاط الأساسية التالية :

1- مفهوم الأسرة بوجه عام والأسرة الجزائرية بشكل خاص ، مكوناتها وعناصرها .

2 – مقومات الأسرة وخصائصها .  

3- مشكلات الأسرة الجزائرية  .

4- الآليات والميكانيزمات المتبعة لتحسين وتطوير الأسرة الجزائرية .

1- مفهوم الأسرة بوجه عام والأسرة الجزائرية بشكل خاص ، مكوناتها وعناصرها :

اتبعت أدبيات علم الاجتماع المعاصر تعريفا للأسرة جاء بشكل بناء نموذج مثالي عما يدور في أذهاننا عندما نطلق تعبير الأسرة هذه الكلمة تحدد مجموعة اجتماعية ذات ثلاث صفات :

1 - أن لها أصلها في الزواج

2 - وأنها تتألف من زوج وزوجة وأطفال نتاج زواجهما ( مع أن من الملاحظ أن أقرباء آخرين قد يجدون مكانا لهم قرب هذه النواة الرئيسية) .

3 – يتحد أعضاء الأسرة بعضهم ببعض بـ:

أ – العلاقات الشرعية

ب – حقوق وواجبات اقتصادية ودينية وخلافها

ج – شبكة محدودة للحقوق الجنسية والموانع، بالإضافة إلى عدد كبير من الأحاسيس النفسية المتعددة والمتنوعة كالحب والعواطف والاحترام والرهبة ...الخ(1) .

وقد عرف المشرع الجزائري الأسرة الجزائرية وهذا حسب الميثاق الوطني لسنة 1986 على أن الأسرة هي : المدرسة الأولى التي تعد الأطفال للاندماج في المجتمع، ولهذا ينبغي ان تكون حماية الأم والطفل مضمونة في إطار السياسة الصحية الشاملة للوصول بالأسرة إلى توازن يتماشى والنمو الديمغرافي الكفيل بالتحسين المنتظم لمستوى المعيشة لهذا يجب الإلحاح على ضرورة اعتماد سياسة للأسرة تتحدد في إطار القيم الوطنية، وتجسدها برامج عمل مناسبة تستهدف تخطيط النمو الديمغرافي. ويجب أن تحمل هذه السياسة الأسرة مسؤولية متنامية تجاه المجتمع تقوم على احترام اكبر للام والطفل، وعلى مشاركة كاملة وواعية وإرادية للجميع، حتى يساهموا في تحقيق التناسق بين الزيادة الديمغرافية والنسبة المتزايدة للتطور المتوخى. لكن تطبيق هذه السياسة يتطلب توفير الوسائل البشرية والمادية والمالية الضرورية لانجاز البرنامج الوطني الخاص بتنظيم الولادات، في إطار حماية الأم والطفل معا. ومن الضروري أيضا تجنيد وسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية المختصة، والمساجد والمنظمات الجماهرية، والاتحادات المهنية والعلمية والثقافية للقيام بالتوعية المستمرة لقضايا الأسرة وأهمية رسالتها في بناء مجتمع متطور داخل بلد مزدهر(2) .

أما الدكتور محمد مصطفى زيدان فيرى بأن الأسرة بوجه عام والأسرة الجزائرية بشكل خاص ترتبط بثقافة المجتمع الذي توجد فيه ، حيث يعرفها على أنها:" الوعاء الثقافي الأول الذي يشكل حياة الفرد ويتناوله بالتربية بما فيها من علاقات وأنماط ثقافية تعبر عن الثقافة الأم، كأساليب الزواج والعلاقات الزوجية ومركز الرجل والمرأة وعلاقة الآباء بالأبناء ووسائل الكسب ومعنى التماسك العائلي والمسؤولية الاجتماعية وغير ذلك من الاتجاهات السلوكية والممارسات الاجتماعية التي يتعرض لها الفرد منذ ميلاده ثم إلى عدد كبير من السنين"(3) .

كما أن الأسرة في طبيعتها اتحاد تلقائي تؤدى إليه الاستعدادات والقدرات الكامنة في الطبيعة البشرية النازعة إلى الاجتماع ، وهي بأوضاعها ومراسيمها عبارة عن مؤسسة اجتماعية تنبعث عن ظروف الحياة الطبيعية التلقائية للنظم والأوضاع الاجتماعية وهذا من وجهة نظر الدكتورة سامية مصطفى الخشاب (4) .

ضف إلى ذلك أن الأسرة  سواء كانت أسرة جزائرية أو أي أسرة أخرى في أي مجتمع كان هي حجر الزاوية في عملية الضبط الاجتماعي خاصة في سنوات الطفل الأولى، وبالتالي فإن أي قصور يعوق قيام الأسرة بهذا الدور يؤثر سلبيا على سلوك الطفل ، وبالتالي في قدرة وسائل الضبط على أداء وظيفتها بفاعلية وايجابية.

من خلال التعاريف السابقة للأسرة بوجه عام  والأسرة الجزائرية بشكل خاص انه لا يوجد فرق في المفهوم من الناحية الموضوعية والوظيفية ، فالأسرة تبقى أسرة مهما اختلفت طبيعة المجتمع المتواجدة فيه، فهي تبقى وتظل دائما هي الوحدة البيولوجية التي تقوم على زواج شخصين ويترتب على ذلك الزواج عادة إنتاج أطفال وهنا تتحول الأسرة إلى وحدة اجتماعية تحدث فيها استجابات وتفاعلات اجتماعية بين الآباء والأبناء .كما أنها تمثل  الخلية الأولى والركن الأساسي في وجود المجتمع واستمراره وهذا من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية والتربية السوية للأجيال  . 

2 – مقومات الأسرة وخصائصها : 

إن الأسرة بوجه عام تنقل الميراث الثقافي للمجتمع من عادات تقاليد، قيم ومعتقدات وأعراف بطريقتها الخاصة، بل أنها تطبع الثقافة عند نقلها إلى أطفالها بصورتها الخاصة وبطريقتها التي تراها بها وبالكيفية التي تريد أن تراها بها. ونتيجة عملية الاختيار والتقويم هذه من جانب الأسرة تتكون معاني الطفل وقيمه. فكل ثقافة يولد فيها الطفل لها معاييرها وآدابها الشعبية وأنواع ثوابها وعقابها، غير أن هذا كله يتأثر بطريقة معالجة الأسرة لها وبالأسلوب الذي تنقله به إلى أطفالها. ومن هنا يكون نمو شخصية الطفل ومقومات تلك الشخصية وركائزها سلسلة من أنواع الاختيار، وتكون القيم والمعايير التي يسير بها متأثرة بنظرة الأسرة إليها وتوجيهها وبتعبيرها عنها .  

وتتمثل الخاصية التربوية للأسرة في ناحيتين أساسيتين:

أولهما: أنها أداة لنقل الثقافة والإطار الثقافي إلى الطفل، فعن طريقها يعرف ويكتشف ثقافة عصره وبيئته على السواء ويعرف الأنماط العامة السائدة في ثقافته كأنواع الاتصال من إشارات ولغة ، وطرق تحقيق الرعاية الجسمانية ووسائل وأساليب الانتقال وتبادل السلع والخدمات، ونوع الملكية ومعناها ووظيفتها، والأنماط الأسرية والجنسية من زواج وطلاق وقربى ووصاية ومعايير وقوانين وقيم اجتماعية، وأنشطة ترويحية وأفكار ومراسيم دينية وعقائدية واتجاهات اجتماعية كالتعاون والتنافس والتحيز والتسامح والتعصب .

وثانيهما: أنها تختار من البيئة والثقافة ما تراه هاما ومناسبا، تقوم بتفسيره وتقويمه وإصدار الأحكام عليه مما يؤثر على اتجاهات الطفل لعدد كبير من السنين . ومعنى هذا أن الطفل ينظر إلى الميراث الثقافي من وجهة نظر أسرته، فيتعلم منها الرموز واللغة الشائعة، ويشارك غيها المشاعر العامة، ثم إن اختياره وتقويمه للأشياء يتأثر بنوع اختيار أسرته وتقويمه لها، هذا إلى أنه يتأثر بنوع الآمال التي تضعها الأسرة لمستقبلها ومستقبل أعضائها، بل إنه كثيرا ما تفرض أمالها ومثلها العليا على أطفالها وهذا هو حال وطبيعة الأسرة الجزائرية التي تحاول دائما أن تطبع أطفالها بطابع الثقافة الإسلامية  السامية وما يحمله الدين الإسلامي الحنيف من قيم  ومثل وأخلاق رفيعة تحاول من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية ان تغرسها وتطبعها بشخصية الطفل الجزائري . وكثيرا ما يكون هذا الغرض مصحوبا بانفعالات اكثر مما يوجد في واقع الثقافة (5) .

تعتبر الاسرة ضرورة حتمية لبقاء الجنس البشري ودوام الوجود الاجتماعي، فقد اودعت الطبيعة في الإنسان هذه الضرورة بصفة فطرية. ويتحقق ذلك بفضل اجتماع كائنين لا غنى لأحدهما عن الآخر وهما الرجل والمرأة والاتحاد الدائم والمستقر بين هذين الكائنين بصورة يقرها المجتمع هو الأسرة . وترجع أهم مقومات الأسرة وخصائصها بصفة عامة سواء الأسرة الجزائرية أو أي أسرة أخرى إلى الاعتبارات التالية :

*- الأسرة أول خلية يتكون منها البنيان الاجتماعي: وهي أكثر الظواهر الاجتماعية عمومية وانتشار. فلا نكاد نجد مجتمعا يخلو بالطبيعة من النظام الأسري. وهي أساس الاستقرار في الحياة الاجتماعية إذ لا يمكننا أن نتصور حالة إنسانية إذا لم تكن منتظمة في اسر.

*- تقوم الأسرة على أوضاع ومصطلحات يقرها المجتمع: فهي ليست عملا فرديا أو إراديا ولكنها من عمل المجتمع وثمرة من ثمرات الحياة الاجتماعية. وهي في نشأتها وتطورها وأوضاعها قائمة على مصطلحات المجتمع. فمثلا الزواج ومحور القرابة في الأسرة والعلاقات الزوجية والواجبات المتبادلة بين عناصر الأسرة، كل هذه الأمور وما إليها يحددها المجتمع، ويرسم اتجاهاتها للأفراد ويفرض عليهم الالتزام بحدودها. ومن يخرج على ذلك يقابله المجتمع بقوة وعنف ويفرض عليه عقوبات رادعة .

*- تعتبر الأسرة الإطار العام : الذي يحدد تصرفات أفرادها، فهي التي تشكل حياتهم وتضفي عليهم خصائصها وطبيعتها. فإذا كانت قائمة على أسس دينية تشكلت حياة الأفراد بالطابع الديني، وإذا كانت قائمة على اعتبارات قانونية تشكلت حياة الأفراد بالطابع التقديري والتعاقدي. فالأسرة هي عربة الوعي الاجتماعي والتراث القومي والحضاري، فهي التي تنقل هذا التراث من جيل إلى جيل آخر.

*- الأسرة بوصفها نظام اجتماعي تؤثر وتتأثر ببقية النظم الاجتماعية الأخرى: فإذا كان النظام الأسري في مجتمع ما منحلا وفاسدا، فإن هذا الفساد يتردد صداه في وضعه السياسي وإنتاجه الاقتصادي ومعاييره الأخلاقية. وبالمثل إذا كان النظام الاقتصادي أو السياسي فاسدا، فإن هذا الفساد يؤثر في مستوى معيشة الأسرة وفي خلقها وفي تماسكها. ولذلك نشاهد في المجتمعات المستقرة سياسيا أن الحياة الأسرية فيها مدعمة وقوية ومحل رعاية الدولة ونجد فيها كثير من التشريعات والقوانين المحققة لسعادة الأسرة مثل التكافل الاجتماعي والضمان والتأمين والرعاية الاجتماعية والطبية. أما المجتمعات غير المستقرة أو المتخلفة فنجد أن النظام الأسري فيها مهيأ للانحرافات كجرائم الأحداث والتوتر أو التصدع الأسري، ولا تنال الأسرة من الدولة أية رعاية أو حماية اجتماعية تقيها من أمراضها ومعالجة مشاكلها.

*- تعتبر الأسرة وحدة اقتصادية : وتبدو هذه الخاصية واضحة إذا رجعنا إلى تاريخ الأسرة. فقد كانت قائمة في العصور القديمة بكل مستلزمات الحياة واحتياجاتها. وكانت تقوم بكل مظاهر النشاط الاقتصادي وهو الاقتصاد المغلق أي الإنتاج لغاية الاستهلاك. وكان كل إنتاج أفراد الأسرة رهن استهلاكها .

وعندما اتسع نطاق الأسرة واستقرت أوضاعها. أصبح معظم الإنتاج الأسري من خصائص المرأة، بينما ساهم الرجل بنصيب كبير في الأعمال الإنتاجية خارج نطاق الأسرة، أي أنه كان يعمل تابعا لهيئات ومؤسسات أخرى .

*- الأسرة وحدة إحصائية :  وهذا يعني انه يمكن أن تتخذ أساسا لإجراء الإحصائيات المتعلقة بعدد السكان ومستوى المعيشة وظواهر الحياة وما إليها من الإحصاءات التي تخدم الأغراض العلمية ومطالب الإصلاح الاجتماعي. ويمكن أن تتخذ كذلك عينة للدراسة والبحث وعمل التجارب والمتوسطات الإحصائية. وذلك للوقوف على طبيعة المشاكل الأسرية ورسم الخطط الفنية للقضاء عليها. وتجدر الإشارة إلى أن الإحصاءات التي تعمل في ميدان الأسرة ينبغي أن تكون دقيقة ومرتكزة على فهم صحيح لطبيعة الحياة الأسرية، لان الدولة ترسم سياستها العمرانية وتضع مشروعاتها الإصلاحية سواء كانت طويلة أو قصيرة المدى على أساس البيانات الإحصائية المستقاة من ميدان المجتمع أو من العينات التي اتخذت أساسا للدراسة والبحث، فكلما كانت هذه البيانات تقترب من حقائق الأمور، كلما كانت سياسة الدولة بعيدة عن الاحتمال أو التقدير الخاطئ وبذلك توفر على هذه الأخيرة(الدولة) كثيرا من الوقت والجهد والمال .

*- الأسرة وحدة اجتماعية : تمثل الأسرة البيئة الاجتماعية الأولى التي يبدأ فيها الطفل بتكوين ذاته والتعرف على نفسه عن طريق الأخذ والعطاء والتعامل بينه وبين أعضائها، وفي هذه البيئة يتلقى أول إحساس بما يجب وما لا يجب القيام به.  كما أن الأسرة هي الوسط الذي اصطلح عليه المجتمع المصغر لتحقيق غرائز الإنسان ودوافعه الطبيعية والاجتماعية، وذلك مثل حب الحياة، وبقاء النوع وتحقيق الغاية من الوجود الاجتماعي. وتحقيق الدوافع الغريزية والجنسية ، والعواطف والانفعالات الاجتماعية مثل عواطف الأبوة والأمومة والأخوة وما إليها(6).

3- مشكلات الأسرة الجزائرية  :

يمثل الصراع الأسري إسقاطا مبسطا لطبيعة الصراع الاجتماعي حيث يقتبس منه منطلقاته الذاتية والموضوعية، ويتبنى وسائله وينتهج مناهجه وأساليبه. اعتبارا لذلك، كانت الأسرة ولا تزال مثارا لاهتمام دراسات كثيرة عامة ومتخصصة. خاصة تلك الأمريكية المعاصرة في ميادين علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع،" فالبناء الاجتماعي يتم تماسكه في مرحلة تلي مرحلة تكوينه التي تشمل الزواج والإنجاب. والتفكك الأسري اذا حدث إنما يحدث بسبب طارئ يطرأ لأحد أطرافها الثلاثة: الأب أو الأم أو الأولاد  ويمكن اعتبار الأسر المبنية على الكره الشديد والحقد المتأجج بناءا أسريا مفكك الأوصال من الداخل. فالشحناء والسباب الدائم كثيرا ما يصلان إلى درجة تمني كل طرف هلاك الآخر، وفي هذه الحالة ينضم الأولاد إلى أحد الوالدين دون الآخر أو ينقسمون بعضهم في صف الأم وبعضهم الآخر في صف الأب" (7) .

كما يحصر توما جورج الخوري مشكلات الأسرة بوجه عام في النقاط التالية(8) :

- المشكلات الأخلاقية: مثل الإدمان على المخدرات والخمر، الانحلال الخلقي، والخيانة الزوجية( من الأسباب التي تؤدي إلى الخيانة الزوجية هو الجنس ) ...

- المشكلات الاجتماعية: مثل الطلاق، الترمل، هجر الوالدين لأولادهم، سجن أحد الوالدين، العجز الجنسي، اختلال أو اختلاف المستوى الثقافي بين الزوجين، أهم نتائج الصراع كذلك نجده حول المسؤولية والأدوار في الأسرة ...

 

 

 

- الظروف والمشكلات الفيزيقية: الفقر، البطالة، السكن، ...

ومن جملة المشاكل والصراعات التي تعيشها أسرنا يوميا والتي تعود أسبابها بصورة مباشرة إلى جملة الوظائف التي تقوم بها الأسرة وأهمها نجد:

- اختلاف الزوجين حول أساليب التنشئة الاجتماعية اتجاه تربية الأطفال وطرق اتخاذ القرارات ومعاملة الآخرين

- عدم تماثل القيم والعادات والتقاليد الاجتماعية عند الزوجين، مما يؤدي إلى الصراع والتوتر وتفكك وانحلال الأسرة .

- انخفاض مشاعر الحب والتعاون تدريجيا بعد الزواج يؤدي إلى التوتر والفشل في العلاقة الزوجية.

- انعدام التفاهم وتوقف التفاعل بين الزوجين خاصة في المسائل التي تقتضي التنازل المتبادل، وإذا انعدم اعتراف كلا الزوجين بقيمة دور كل منهما يؤدي إلى حدوث فجوة قد تتسع ويصبح من الصعوبة إيجاد قنوات اتصالية لمواجهة المشكلة.

- تدخل بعض الأطراف كالأقارب أو الجيران أو الأصدقاء في حياة الأسرة يؤدي إلى نشأة التوتر وزيادة حدة الصراع الأسري .

- عدم الوفاء والإخلاص والصراحة والصدق في المعاملات الزوجية .

- تعدد الزوجات ومعاملة الزوجات والعطف على واحدة دون الأخرى وعدم الوفاء بمطالب الأسرة(9) .

ومن خلال هذا العرض فإننا نقف على أن مفهوم الصراع الأسري حصر نطاقه ليقتصر على الزوجين فقط، دون أن يشمل الأبناء سواء في علاقاتهم مع بعضهم البعض، أو علاقاتهم المباشرة بالوالدين. ونحن هنا قد ركزنا على إبراز أهمية كبيعة العلاقة الزوجية في تحقيق الاستقرار بصفة عامة، باعتبارها التفاعل الاجتماعي النموذج الذي يتقيد به الأبناء في تنشئتهم الاجتماعية، خاصة في المراحل العمرية الأولى الأكثر حسما في تحديد ملامح الشخصية المستقبلية تتبلور أبعاد النمو. وعليه فإن هذا يعني في غالب الأحوال أن الصراع فيما بين الأبناء وفيما بينهم وبين أبائهم إنما هو ثمرة فشل الدور التربوي والتنشئة الاجتماعية للوالدين .

وتعد مشكلة الطلاق من المشاكل الكبرى التي تهدد النظام الأسري والاجتماعي ككل حيث سجلت الجزائر في السنوات الأخيرة ما يقارب 15 ألف حالة طلاق على اختلاف أسبابها وعواملها ، خاصة بعد أن أكدت كثير من المصادر الإحصائية على المستوى المجتمعي والعالمي بان هناك تزايد مستمر في معاملات الطلاق نتيجة لمجموعة من العوامل الاجتماعية والثقافية وأيضا الشخصية، التي ترتبط بالأزواج أنفسهم.  وجاءت مشكلة الطلاق كذلك نتيجة لخروج المرأة إلى العمل واستقلاليتها من الناحية الاقتصادية، هذا بالإضافة إلى عدم التوافق الزواجي في مراحل ما قبل الزواج وصعوبة اختيار شريك الحياة وتباين المستويات الثقافية والاقتصادية وتعارض الأهداف والمصالح والانتماءات إلى الحياة الزوجية عامة .

4- الآليات والميكانيزمات المتبعة لتحسين وتطوير الأسرة الجزائرية :

باعتبار الأسرة  وحدة اجتماعية أو بناء اجتماعي متكامل لا يمكن تجزئته أو الاستغناء عنه في جميع الأحوال ، فإنه يمكن حصر أو ضبط مجموعة من الميكانيزمات التي من شأنها تحقيق انسجام وتوازن داخل هذا البناء المجتمعي الذي به تنمو المجتمعات

وتتقدم أهم هذه الآليات نذكر ما يلي :  

- تفعيل دور وسائل الإعلام والاتصال في خدمة الأسرة  : لابد من تسخير كل وسائل الإعلام والاتصال  لخدمة الأسرة وتفعيل دورهم للرقي بالمجتمع ، وهذا بضرورة توضيح وتبيان وظائف الأسرة ودورها في بناء المجتمع السوي الخالي من الشوائب ، وهذا  باعتبارها النواة والمؤسسة الاجتماعية  الأولى لوجوده وتطوره، فبصلاح الأسرة يصلح المجتمع والعكس صحيح فهي الأساس الذي يقوم عليه فهي صانعة الأجيال ومدرستهم الأولى التي يتلقون فيها التنشئة الاجتماعية السليمة والسوية .

 -حتمية التفاعل الايجابي المتبادل : بما أن الأسرة هي بناء وظيفي يؤدي دوره كأحد وسائل الضبط الاجتماعي داخل المجتمع، فعادة ما تنخفض حالات التسرب المدرسي ، جنوح الأحداث  تعاطي المخدرات ومختلف الآفات الاجتماعية الأخرى كالسرقة والخطف والاعتداء بين الأسر التي تتميز علاقتها بالتفاعل الايجابي المتبادل بين أفرادها والتي يسودها الوفاق والعلاقات السوية بين الأبوين، أو بين الأبوين والأبناء. فالتواصل الجيد بين أفراد الأسرة يساعد على وجود تفاعل ناجح وتقارب بين معايير السلوك داخلها، فكلما تضاءلت فرصة اكتساب السلوك السوي داخل الأسرة كجماعة مرجعية أساسية ، كلما لجأ الطفل إلى جماعات الرفاق والشارع كجماعات مرجعية يكتسب من خلالها معاييره وقيمه، تلك القيم التي لا تكون بالضرورة وفي غالب الأحيان سوية . وتكشف الدراسات عن وجود علاقات قوية بين استقرار العلاقات الأسرية وبين احتمال تعاطي الفرد للمخدرات ومختلف الآفات الاجتماعية الأخرى ، فعندما تضطرب العلاقات بين الأبوين أو تنهار أو غياب احدهما أو كليهما سواء بالطلاق أو بالوفاة، فإن احتمال تعاطي الابن للمخدرات يصبح قويا . وبوجه عام لا يمكن إنكار الحقيقة ذات الدلالة بين طبيعة العلاقات الأسرية وتعاطي المخدرات أو مختلف الآفات الأخرى (10) . 

- دور المرأة دور أساسي وحيوي داخل هذا البناء المجتمعي  : يجب أن نؤمن بأن الجهود المبذولة لتحقيق التقدم الاجتماعي للأسر بوجه عام والأسرة الجزائرية  بشكل خاص لن تكون مجدية مالم تشارك المرأة أو الأم بالمعنى الصحيح للكلمة في برامج التنمية ( في عمليات الإنتاج- في العمل الاجتماعي- في المجال السياسي – في المجال الثقافي ....في جميع المجالات والقطاعات دون استثناء) ، وهذا نظرا  للأدوار الاجتماعية والثقافية التي تلعبها المرأة داخل  الأسرة تعتبر هامة(11).  فهي مربية وحامية ومساهمة  فهي مدرسة إن أعددتها أعددت شعبا طيب الأعراق  فهي تساهم بدورها في نمو وتطور تلك الخلية ( الأسرة) بالإضافة إلى الرجل كطرف ثاني في هذه العلاقة المزدوجة والتي تكون باتحادهما وتعاونهما أسرة  .

- دور الدولة في تأمين وحماية الأسر : تسهر الدولة الجزائرية على ضمان مستوى معيشي لائق لجميع الأسر وأفرادها ، يجعلهم في مأمن من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية وهذا عن طريق توفير الاحتياجات وضرورات الحياة  وفي مقدمتها : العمل، الصحة، التعليم، الأمن ، السكن، التامين، مكافحة الأمراض المختلفة ...ولابد أن يتواصل دور الدولة في بذل أقصى جهودها من اجل حماية الأسر والنهوض بها عن طريق التكفل بكل مشاكلها وإيجاد حلول مناسبة لها .

- ضرورة وجود تماسك داخل الأسرة :  التماسك هو الرباط الذي يربط أعضاء الأسرة، ويبقي على العلاقات بينهم ، ويقيس مدى الاستقرار والاستمرار لتلك الأسر، وقد تعددت معاني التماسك، فتضمنت ما يقرب من إحدى المعاني الآتية: الروح المعنوية، الاتحاد، التنسيق بين جهود أعضائها، الإنتاج، القوة، الاندماج والتعاون في العمل، الشعور بالانتماء، الفهم المشترك للأدوار، العمل الجماعي، التجاذب نحو الجماعة أو الأسرة، مقاومة التخلي عن أحد أعضائها سواء كانت الأم أو الأب أو احد الأبناء فكل عضو فيها مهم وأساسي ولا يمكن التخلي عنه ... الخ(12) .

 

خاتمة :

وفي الأخير نصل إلى القول بان الأسرة - وهذا حسب اهتمام العديد من العلماء- هي مؤسسة مجتمعية تتطلبها الطبيعة الإنسانية، فهي تحمي الإنسان وتدربه على التعايش والتفاعل مع الآخرين ، منظمة علاقاته ومؤمنة تتابع نسله، بمعنى أن هذه المؤسسة تؤمن للإنسان أيضا الحفاظ على ذاته عن طريق إشباع حاجاته الأساسية والفرعية. لذلك يجب على الدولة  بما فيها بقية المؤسسات المجتمعية الأخرى أن تقوم برعاية وحماية هذه المؤسسة الأم التي بفضلها بدأت وتطورت الحضارة الإنسانية .

قائمة المراجع :

1- د. غانم هنا : بناء المجتمع، مطبعة الاتحاد ، دمشق، سوريا، 1981-1982، ص47. 2- الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، حزب جبهة التحرير الوطني، الميثاق الوطني 1986، نشر وتوزيع قطاع الإعلام والثقافة والتكوين، جويلية 1987، ص300-301 .

3- د. محمد مصطفى زيدان: علم النفس الاجتماعي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1986، ص 110 .

4- د. سامية مصطفى الخشاب: النظرية الاجتماعية ودراسة الأسرة، الدار الدولية للاستثمارات الثقافية، ط1، القاهرة، مصر، 2008، ص 13.

5- د. محمد مصطفى زيدان : نفس المرجع السابق، ص 111 .

6- د. سامية مصطفى الخشاب: نفس المرجع السابق، ص 14-15 .

7- حسن الساعاتي: بحوث إسلامية في الأسرة والجريمة والمجتمع، دار الفكر العربي، القاهرة، 1996، ص 41 . 

8- توما جورج الخوري: سيكولوجية الأسرة، ط1، بيروت، دار الجيل، 1988، ص ص82 .

9- - د. نادية عيشور: الصراع الاجتماعي بين النظرية والممارسة، دار بهاء الدين للنشر والتوزيع، ط1، الجزائر، 2008، ص 93.

10- أ.د محمد الجوهري: علم الاجتماع التطبيقي، الدار الدولية للاستثمارات الثقافية، ط1 القاهرة، مصر، 2008، ص 294 .

11- أ.د احمد مصطفى خاطر: التنمية الاجتماعية، المفهومات الأساسية- نماذج ممارسة

( انظر دور المرأة في التنمية)، المكتب الجامعي الحديث، الإسكندرية، مصر، 2002، ص 258-259 .

12- محي الدين مختار: محاضرات في علم النفس الاجتماعي، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1982، ص112 .

 

Télécharger l'article