الأسرة الجزائرية كما يصورها قانون الأسرة الجزائري لسنة 2005.

 

أ/ كلتوم مسعودي                                                 د/ بن ققة سعاد         

  قسم العلوم الإجتماعية                                       جامعة محمد خيضر بسكرة  

كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية                                

جامعة قاصدي مرباح / ورقلة                                     

 

مقدمة :

كانت الأسرة الجزائرية تعتمد في بنائها وتنظيمها على قانون سن في ظل نظام الحزب الواحد، وبالتحديد سنة1984 ، والذي إستمد محتوى مختلف مواده على العموم من الشريعة الاسلامية، بالرغم من ذلك طالبت مختلف القوى السياسية والاجتماعية بضرورة مراجعته، لأنه أصبح لا يتوافق مع التغيرات الاجتماعية التي عرفها المجتمع الجزائري، هذا ما دفع بالنظام السياسي الجزائري  الى سن قانونا بديلا للأسرة الجزائرية، وكان ذلك سنة 2005، والذي حمل شكلا جديدا للأسرة الجزائرية.

بناء على ذلك ستقوم هذه المداخلة بإجراء دراسة تحليلية لمواد قانون الأسرة الجزائري لسنة  2005 بغرض الكشف عن القيم الاجتماعية التي يتضمنها، والتي تحمل في ثناياها الشكل الأسري الذي يعكسه القانون الجديد.

   لذا تناولت المداخلة المحاور التالية:

أولا- لمحة تاريخية عن قانون الأسرة الجزائري لسنة 1984

بتاريخ 08 مارس من سنة 1979 استغلت مجموعة نساء جامعة الجزائر فرصة الاحتفال باليوم العالمي للمرأة للقيام بنشاط احتجاجي، وإصدار أول نشرية لها بعنوان: " من أجل حقوق المرأة". لقد كانت الجامعة الفضاء الوحيد للتعبير عن الرأي، لكن السلطة لم تكن تنظر للأمور بعين الرضا، فكان القمع الرد الوحيد على مطالب النساء، حيث صودرت جوازات سفر الطالبات والمعلمات والمناضلات، فيم زج ببعضهن في السجن..وفي الوقت ذاته رخصت السلطة بتأسيس الجمعيات ذات الطابع الديني التي كان يشرف عليها الإسلاميون، والذين سرعان ما نفذوا تهديدهم حيث اغتالوا سنة 1980 " كمال أمزال"، وهو طالب ديمقراطي ومناضل من أجل حقوق الإنسان يدرس بنفس الجامعة.( المرأة في اتصال.المنشور رقم 2، 2008، ص 1).

في سنة 1980 عقدت جمعية نسوية متكونة من مثقفين ومناضلين سياسيين ملتقى بوهران حول وضعية المرأة وقدموا انتقادات لمشروع قانون الأسرة حيث طالبن بإلغائه جذريا، هذا المشروع الذي قدم للبرلمان من قبل الحكومة بتاريخ 28 سبتمبر 1981 ولم تتم المصادقة عليه حتى شهر جويلية من سنة 1984.(لوعيل محمد لمين، 2004، ص 25).

بتاريخ 11/02/1980 وزعت وزارة الداخلية التعليمة رقم 2 على كل من الولاة والمديرين العامين للأمن الوطني، تتعلق بوجوب الحصول على رخصة لإبرام عقد زواج الأجانب أمام ضابط الحالة المدنية الجزائري، وجاء في هذه التعليمة أن الأجنبي لا يجوز له إبرام عقد زواج إلا بعد الحصول على رخصة كتابية مسلمة من طرف الوالي، وقد تضمنت ثلاثة حالات من عقود الزواج هي: حالة زواج أجنبيين حاصلين على بطاقة الإقامة، وحالة كون الزوج أجنبي مقيم مع أجنبي غير مقيم، وحالة كون الزوج المستقبل للجزائري هو أجنبي، كما تضمنت مبدأ أن زواج المسلمة الجزائرية بغير المسلم غير جائز وممنوع بتاتا، ولا يمكن إعطاء أية رخصة بهذا الشأن. من خلال تحليل الأستاذ" عبد العزيز سعد" لنصوص هذه التعليمة الوزارية أكد بأنها وردت لأسباب أمنية حيث تقرر منع الأجانب من إبرام عقود زواج فوق التراب الوطني إلا بعد الحصول على رخصة مسبقة من والي الولاية التي يوجد بها مكان إقامة الزوج المعني بناء على طلب خطي. وبعد أخذ رأي مصالح الأمن بالولاية إثر تحقيق شامل حول وضعية الأجنبي وظروف إقامته. ومن جهة أخرى توصي ضابط الحالة المدنية بأن لا يحرر أي عقد زواج يكون أحد طرفيه أو كلاهما أجنبيا إلا بعد الاستظهار برخصة صادرة عن الوالي. إن هذه التعليمة الصادرة عن وزارة الداخلية والموقعة من الأمين العام لهذه الوزارة. من غير أن تشارك وزارة العدل في إعدادها أو توزيعها. ولم تبلغ إلى قضاة المحاكم بأي شكل من الأشكال فإن هذه التعليمة ليست إلا مجرد تعليمة إدارية موجهة من وزارة الداخلية إلى مصالحها الخارجية في الولايات، وليبست لها قوة القانون.وما دام الأمر كذلك فإن قضاة المحاكم غير ملزمين قانونا بتطبيقها.( عبد العزيز سعد،2007، ص 62)

بتاريخ 13 ديسمبر 1981، تم تنظيم تجمع نسوي انضمت إليه محاربات ثورة التحرير، وخرجن إلى الشارع تحت شعار" لا لخيانة مبادئ الفاتح من نوفمبر" ..؟ وتضمن البيان ستة مطالب هي: المساواة عند الطلاق، إلغاء تعدد الزوجات، التقاسم القانوني للممتلكات المشتركة، الحق اللامشروط في التعلم والعمل، حماية الطفل المولود خارج نطاق العلاقة الزوجية، الحق في الاعتراف بسن الرشد·. كما طالبن من رئيس الجمهورية " الشادلي بن جديد " سحب مشروع القانون الذي يتضمن تمييزا في حق المرأة من وجهة نظر جملة من الجمعيات في تلك الفترة، من بينها جمعية المرأة في اتصال، كما أحتج عليه النساء في تلك الفترة، وبالتحديد في  جوان 1981، واعتبرنه إجراءا غير قانوني أتخذ في حقهن، لأنهن منعن من مغادرة التراب الوطني ما لم يكن مرفقات برجل( الزوج، الأخ، أو الأب أو أحد الأقارب)، وهو ما اعتبرنهن قرارا تعسفيا آخر بحرمانهن من أية وثيقة رسمية، وهو ما يعتبر تمييزا شنيعا ضدهن.( جمعية المرأة في اتصال،المنشور رقم 2،2008،ص 10).

تم التخلي عن القرار فور إدراج مناقشة مشروع قانون الأسرة مجددا في جدول أعمال البرلمان الخريفية سنة 1981، وفي نوفمبر من نفس السنة اضطر ممثلو المجلس الشعبي الوطني إثر تجمع نظمته النساء أمام مبنى الهيئة التشريعية إلى استقبال وفد ممثل عنهن، وطلب منهن صياغة مقترحات تعديل قانون الأسرة. حيث اختلفت الآراء وحدث انشقاق في حركة النساء، فمجموعة نساء جامعة الجزائر التي تحصلت على نسخة من المشروع عارضت أي تعديل، فيما قدمت مجموعة أخرى بتعديلات للمشروع وتحققت حسب وجهة نظر جمعية المرأة في اتصال  التفرقة، ووقع النساء في كمين.(جمعية المرأة في اتصال، المنشور رقم 2،2008، ص10).

في سنة 1981، بالرغم من عمل وزارة العدل على إبقاء القانون طي الكتمان، فقد تم تداول مشروع تمهيدي آخر بفضل المدافعات عن حقوق المرأة والمجاهدات، اللائي سعين لتحسيس الرأي العام بضرورة فتح نقاش عام، فنشرت الصحافة الحكومية رسائل القراء المعارضين لهؤلاء المدافعات عن حقوق المرأةووصفهن الرئيس"الشادلي بن جديد" بالمستغربات اللواتي يردن أكل الكسكسى بلحم الخنزير".(جمعية المرأة في اتصال، المنشور رقم2، 2008، ص8) .   

في سنة 1981 تقدمت الحكومة بمشروع قانون جديد للأحوال الشخصية يتسم بأقصى درجة من المرجعية، هذا ما أثار غضب النساء التقدميات، فقمن بمظاهرات أمام مبنى المجلس الشعبي الوطني في العاصمة، فلما حاولت الحكومة تعديله لإرضائهن ضغط عليهم الإسلاميين.(أحمد أمين،1989،ص10)، لذا اضطرت الحكومة إلى سحب المشروع جراء مظاهرة نظمت من طرف النساء.

وقد سجلت هذه الفترة صعود تيار الأصولية الإسلامية، الذي جعل من قانون الأسرة المدرسة والثقافة ووسيلة معركته، ولقد تيسرت الأمور للإسلاميين لا سيما وأن معالم مشروع المجتمع لم تحدد منذ سنة 1962، بحيث أكد مشروع 1981 البعد الوصائي غير المنصف على غرار النصوص التي سبقته، في هذا السياق ترى جمعية المرأة في اتصال بأن محاولات التشريع لقانون الأسرة إلى سنة 1981، قد سجلت تناقضات عميقة خضعت لأيديولوجيات مختلفة ومتناقضة تماما تمخض عنها إقرار مشروع رجعي للنساء داخل الأسرة الذي نتج عنه قانون الأسرة لسنة 1984، والذي لم يسع إطلاقا إلى تحقيق التوازن بين التأقلم مع الحداثة واحترام التقاليد، وإنما فضل دون أدنى تنازل لصالح الأسرة الأبوية، بذلك خضع وضع المرأة وقانون الأسرة، كما لم يسبق أن خضع من قبل إلى ذلك التصور الأحادي الذي ميز الأسرة والمجتمع بشكل خاص.( جمعية المرأة في اتصال، المنشور رقم2،2008، ص8)

بتاريخ 24 جانفي 1982، سحب مشروع القانون من نقاشات المجلس الشعبي الوطني، ولم يفتح باب النقاش حول الوثيقة حتى التاسع من جوان من عام 1984.( جمعية المرأة في اتصال، المنشور رقم2،2008، ص10).

إذن تبين خلال الفترة الممتدة ما بين 1979 و قبل سنة 1984 محاولات عدة للتقنين الأسري حملت في ثناياها صراعا أيديولوجيا حملته المشاريع المختلفة لقانون الأسرة ما بين مطالب بضرورة منح المرأة الجزائرية حرية أكبر من خلال إلغاء تعدد الزوجات، وعدم حضور الولي في عقد القران، والمساواة في الميراث، والاعتراف بالأطفال المولودين خارج إطار العلاقة الزوجية، ومطالب قوى أخرى تؤكد على ضرورة التقيد بأحكام الشريعة الإسلامية.

بما أن هذه الفترة من حياة النظام السياسي الجزائري، مازالت بعد الأحادية الحزبية السمة المميزة له إلى جانب سيطرة المؤسسة العسكرية التي لم يكن قانون الأسرة من بين اهتماماتها، بل كان جل تركيزها في كيفية الحفاظ على سلطتها، وترك التقنين الأسري للصراع الأيديولوجي، التي كانت الغلبة فيه للتوجه الإسلامي في تلك الفترة .

هذا ما ترتب عنه  المصادقة على قانون للأحوال الشخصية بتاريخ 9 جوان  19، وهو أول وثيقة تنظم هذا المجال بعدما كان متروكا للاجتهاد القضائي، وتختلف الأحكام الصادرة في هذا الشأن من محكمة الى أخرى. وقد اعتمد هذا القانون المرقم تحت رقم 11-84 على الشريعة الإسلامية مغلبا المذهب المالكي على بقية المذاهب التي اعتمدت كمرجعية في الوثيقة التحضيرية لهذا القانون، من ناحية دستورية فقد استند المشرع في قواعد قانون الأحوال الشخصية الى المادتين 151 الفقرة الثانية والمادة 154 من دستور 1976، إذ تنص المادة الأولى على اعتبار الإسلام دين الدولة، وتنص الثانية أي المادة 154 على أن الأسرة هي الخلية الأساسية في المجتمع. وأهم ما يسجل على هذا القانون هو اعتماده على الشريعة الإسلامية كمصدر أساسي في تطبيقه في مجال الأحوال الشخصية، ويتضح هذا من خلال نص المادة 222 ق أ التي تنص على أنه في حالة ما إذا لم يرد النص عليه في هذا القانون يجب الرجوع الى أحكام الشريعة الإسلامية، وهي المادة التي جاءت أيضا بمبدأ تعميم تطبيق الشريعة دون تحديد المذهب الفقهي الذي له أولوية التطبيق.** (لوعيل محمد لمين،2004، ص28-29).

على العموم يتميز قانون الأسرة الذي احتوى على 224 مادة شملت الزواج وأحكامه الطلاق وآثاره الولاية، النيابة الشرعية، أحكام المواريث والوصية والهبة، بعدة سمات هي:

 - صيغت معظم مواده من أحكام الشريعة الإسلامية.

 - أخذ بمختلف المذاهب الفقهية، ولم يتقيد بمذهب فقهي بذاته.

- لم يجاف هذا القانون الأعراف السائدة في المجتمع الجزائري، والتي لا تصطدم بأحكام الشريعة الإسلامية، وإنما أحال القاضي في الكثير من المسائل إلى العرف. (عيسى جعنيط، العدد5، السداسي الأول، ص146)

نصت المادة الأولي من قانون الأسرة بأن جميع العلاقات الأسرية تخضع لأحكام هذا القانون، لتضيف المادة الثانية بأن الأسرة هي المؤسسة القاعدية للمجتمع تتكون من أشخاص تجمع بينهم كلا من صلتي الزوجية والقرابة. لتحدد المادة الثالثة مقومات الأسرة، والمتمثلة في قيامها على أساس الترابط والتكافل وحسن المعاشرة وحسن الخلق ونبذ الآفات الاجتماعية.(الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، قانون الأسرة، قانون رقم 84-11)

لقد جاء الفصل الأول من قانون الأسرة لسنة 1984 تحت عنوان الخطبة والزواج، متضمنا 19 مادة( من المادة 4 إلى المادة رقم 22 )، إذ تناولت المادة رقم 4 التعريف بالزواج وأهدافه، حيث اعتبرته عقد يتم بين رجل وامرأة على الوجه الشرعي، ومن أهدافه تكوين أسرة أساسها المودة والرحمة والتعاون وإحصان الزوجين والمحافظة على الأنساب. أما المادة 5 فقد تناولت آثار العدول عن الخطبة، في حين تناولت المادة 6 آثار اقتران الخطبة بالفاتحة أو أن تسبقها بمدة غير محددة.أما المادة السابعة فقد حددت سن أهلية الرجل ب21 سنة كاملة، والمرأة ب18 سنة كاملة وللقاضي أن يرخص قبل ذلك لمصلحة أو ضرورة.في حين تناولت المادة الثامنة ما تلعق بمسألة تعدد الزوجات (الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، قانون الأسرة، قانون رقم 84-11)

أما أركان عقد الزواج فقد جاءت ضمن جملة من المواد، بدء من المادة 9 إلى المادة 17.في حين أن عقد الزواج وإثباته جاء ضمن المواد التالية: المادة 18، المادة 19، المادة20، المادة 21، المادة 22. أما موانع الزواج فقد جاءت ضمن الفصل الثاني من خلال تسعة مواد( من المادة رقم 23 إلى المادة رقم 31).في حين أن النكاح الفاسد والباطل جاء ضمن الفصل الثالث.ليتناول الفصل الرابع حقوق وواجبات الزوجين. ليبين الفصل الخامس النسب. الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، قانون الأسرة، قانون رقم 84-11

أما الباب الثاني فقد تعلق بانحلال الزواج متضمنا الطلاق في الفصل الأول من المادة 48 إلى المادة 57. وآثار الطلاق ضمن الفصل الثاني مبتدئ بالعدة من المادة 58 إلى المادة 61. لتأتي الحضانة ضمن جملة من المواد، بدء بالمادة 62 وصولا إلى المادة 72.ثم النزاع في متاع البيت ضمن المادة رقم 73.أما الفصل الثالث فقد تعلق بالنفقة. الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، قانون الأسرة، قانون رقم 84-11)

في حين أن الكتاب الثاني تناول النيابة الشرعية، تضمن سبعة فصول، تطرق الفصل الأول لأحكام عامة، الفصل الثاني تناول الولاية، أما الفصل الثالث فقد تطرق إلى الوصاية، ليأتي التقديم ضمن الفصل الرابع، الحجر ضمن الفصل الخامس، المفقود والغائب ضمن الفصل السادس، الكفالة في الفصل السابع. في حين جاء الميراث ضمن الكتاب الثالث، محتويا عشرة فصول والتبرعات ( الوصية، الهبة، الوقف) في الكتاب الرابع. الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، قانون الأسرة، قانون رقم 84-11)

تأسيسا على ما تقدم من قراءة لمواد قانون الأسرة، يمكن القول أنها بالرغم من اعتمادها على الشريعة الإسلامية، إلا أن هذا لم يمنع من وجود بعض المواد الغامضة، والتي تتعارض في بعض الأحيان مع تعاليم الدين الإسلامي كالمادة المتعلقة بالخلع، والذي هو من حق الزوجة شرعا، ولا يشترط فيه شرعا موافقة الزوج، إلا أن المشرع أو الساهرين على تطبيق القانون لم يتبعوا معالم الشريعة الإسلامية في ذلك فأصبح الخلع طلاقا بالتراضي على مستوى التطبيق، كما أصبح مجال لإفتزاز الزوجة، ومكسبا للربح المادي لصالح الزوج، هذا ما أثبته الواقع، كذلك أغفل المشرع الشروط التي يجب توفرها في الحاضن بالرغم من أن الدين الإسلامي قد تناولها.

كذلك مكان أداء اليمين المتعلق بالنزاع حول متاع البيت والذي التجأ فيه القضاة الى قانون الإجراءات المدنية النابع من الثقافة الوضعية، مع العلم أن القانون الوحيد النابع من الشريعة الإسلامية هو قانون الأسرة، الذي كشفت هذه القراءة عن وجود بعض الثغرات.

ثانيا- قانون الأسرة الجزائري لسنة 2005-المراحل والمحددات.

يعود الفضل في فتح ملف مراجعة قانون الأسرة يعود بالدرجة الأولى الى المنظمات النسوية، التي استطاعت تمرير مطلبها هذا مستقوية بالمتغيرات الدولية من أبرزها إعادة النظر في مسألة حقوق الإنسان، وخاصة حقوق المرأة والطفل، وفقا لما نصت عليه الاتفاقيات والمعاهدات التي صادقت عليها الجزائر. كذلك أن إعادة النظر في قانون الأسرة هي موجة قد طالت كل دول المغرب والمشرق العربي (نتاج مصادقة هاته الدول على المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تؤكد على ضرورة إعادة النظر في حقوق كل من المرأة والطفل، من خلال إعادة نظر هاته الدول في تشريعاتها الداخلية)، فهي إذن موجة دولية، هذا ما أكسب تنظيمات المجتمع المدني قوة في الطرح، من خلال توحد قوى هاته التنظيمات وتكتلها كمجموعة 95 المغاربية التي تطالب بقانون أسرة قائم على مبدأ المساواة في الدول المغاربية الثلاث. ناهيك عن استفادتها من بعضها البعض في إطار الدفاع عن حقوق المرأة والطفل.

لقد أصبح ملف مراجعة قانون الأسرة الجزائري أمرا واقعيا، فرضته المتغيرات الدولية المتمثلة في مصادقة الجزائر على المعاهدات والاتفاقيات الدولية، التي أصبحت مصدر قوة للقوى المطالبة بقانون أسرة بديل، قائم على مبدأ المساواة ما بين الجنسين، لذا أمر رئيس الجمهورية بإنشاء لجنة لمراجعة قانون الأسرة متكونة من 52 عضو*، تابعة لوزارة العدل برئاسة "محمد زغلول بوترن" ( رئيس المحكمة العليا).(بلقاسم عجاج، العدد 1697، 1 سبتمبر 2004  ص3)

شكل وزير العدل الجزائري الطيب بلعيز الإثنين 27-10-2003 لجنة مختصة لدراسة قانون الأسرة الجزائري، وتعديل مواد تراها الجمعيات النسائية -على مختلف اتجاهاتها السياسية- مجحفة بحق المرأة، فضلاً عن تعارضها مع الشريعة الإسلامية والدستور الجزائري. وأوضح وزير العدل الطيب بلعيز -في تصريحات لوسائل الإعلام- أن اللجنة -التي تضم خبراء متخصصين- ستدرس قانون الأسرة من زاويتي القانون والشريعة الإسلامية، مع الإسراع بتعديل بعض المواد المتعلقة بحضانة الأطفال وبيت الزوجية للمرأة المطلقة.( نقلا عن الموقع:   http://www.islamonline.nel )، حيث قامت "بثينة شريط" الوزيرة المنتدبة المكلفة بالأسرة وقضايا المرأة في تلك الفترة  بالبحث عن أسماء لتحقيق الإجماع السياسي، والتزمت أمام الرأي العام بأن اللجنة سوف تضم خبراء ومختصين من جميع الاتجاهات الفكرية والقانونية*.(محمد يعقوبي، العدد 700، 19 فيفري 2003، ص3

كما نظمت حركة مجتمع السلم، بتاريخ 10 نوفمبر 2003، بفندق السفير بإشراف "أبو جرة سلطاني" ملتقى حول قانون الأسرة على إثر التداعيات التي عرفها الملف في الساحة الوطنية، وشهدت التنصيب الرسمي من قبل وزير العدل للجنة المكلفة بتعديل قانون 1984، حيث تكلم بنبرة حادة ولهجة شديدة ضد القائمين على حملة التعديل مؤكدا بأنهم يمهدون إلى الإلغاء النهائي لهذا القانون في المستقبل.(نسيم لكحل، العدد 923،الثلاثاء 11 نوفمبر، 2003، ص 3).

كما أعرب نائب الحركة "فاتح قرد"عن تخوفه من طغيان لون سياسي معين، كما حصل في ورشات الإصلاح السابقة.(محمد يعقوبي، العدد 700، 19 فيفري 2003، ص 3).

   كذلك يرى العضو القيادي لحركة الإصلاح الوطني "لحضر بن خلاف" بأنه لا يجب أن تتشكل اللجنة المرتقبة لإصلاح قانون الأسرة في الظلام، مثلما تشكلت لجنة بن زاغو، حتى لا تؤول نتائجها إلى ما آلت إليه إصلاحات بن زاغو، فلجنته كان ثلاثة أرباع أعضائها علمانيين، مما أفرز تقريرا علمانيا، لذا تؤكد حركة الإصلاح على الحضور القوي لأهل الاختصاص في الشريعة الإسلامية، وتتخوف من إعطاء هذا الجانب تمثيلا رمزيا، وتمكين العلمانيين من التواجد بكثرة، مما سيولد تقريرا لا يبتعد عن المسحة السياسية لتقرير بن زاغو، كما تطالب حركة الإصلاح بضرورة الالتزام بتعاليم المذهب المالكي، والتوسع إلى ما يحقق الإجماع داخل المجتمع، لإلغاء تأثير الاختلافات المذهبية التي يتذرع بها البعض لإبعاد الشريعة الإسلامية من صلب القانون، كما صرح بأن هناك لجنة مختصة على مستوى الحركة، تقوم بإعداد مشروع إصلاح بديل لتقارع به مقترحات الظهير المتربص بالقانون. (محمد يعقوبي ، العدد 700 الأربعاء 19 فيفري 2003، ،ص 3).

على مستوى القوى الاجتماعية ذات التوجه الوطني طالبت "نورية حفصي" الأمينة العامة لاتحاد النساء الجزائريات (إحدى مناضلات حزب التجمع الوطني الديمقراطي) بضرورة مراعاة اللجنة لكافة فئات المجتمع، لأن نتائجها تمس كل شرائحه.( محمد يعقوبي، العدد 700،19 فيفري 2003 ، ص 9)

أما القوى الاجتماعية المطالبة بقانون أسرة يعزز مبدأ المساواة ما بين الجنسين فقد رحب بتشكيلة لجنة 52، من بينها الجمعية الجزائرية للتضامن مع المرأة الريفية"، حيث أكدت رئيستها "سعيدة بن حبيلس" بأن اللجنة القانونية التي أنشئت من طرف رئيس الجمهورية ويشرف عليها وزير العدل قانونية*. (أحداث اليوم ، العدد 423، السبت 04 سبتمبر 2004، ص 04)

بالرغم من الحضور القليل لمجموع أعضاء اللجنة، إلا أنها قد قامت بإعداد مشروع لقانون الأسرة المتمثل فيما يلي:

- توضيح الوضع القانوني لعقد الزواج على أنه عقد رضائي يتم تجسيده بالضرورة بتحرير عقد.

- إلغاء الزواج بالوكالة.

- بقاء الحاضنة في بيت الزوجية.

- إسقاط ركن الولي بالنسبة للثيب و إقراره بالنسبة للبكر.

- توحيد سن الزواج بالنسبة للجنسين وتحديده بسن 19 ويمكن للقاضي أن يرخص بتزويج القصر لضرورة أو مصلحة مؤكدة.

- وجوب تقديم وثيقة طبية لكلا الزوجين لتحرير عقد الزواج.

- إخضاع تعدد الزوجات للشروط التالية: تأكد القاضي من موافقة الزوجة السابقة والمرأة التي يرغب الزواج بها. ترخيص القاضي بالزواج. إثبات المبرر الشرعي، وتأكد القاضي من قدرة الزوج على توفير العدل والشروط الضرورية للحياة الزوجية. إن عدم احترام هذه الشروط يؤدي الى فسخ الزواج الجديد قبل الدخول، وزيادة على ذلك في حالة الغش يجوز لكل زوجة رفع دعوى قضائية ضد الزوج للمطالبة بالتطليق.

- حق الزوجين أن يشترطا في عقد الزواج أو في عقد لاحق كل الشروط التي يريانها ضرورية، لا سيما فيما يتعلق بتعدد الزوجات، وعمل المرأة على أن لا تتنافى الشروط مع أحكام القانون.

- إقرار حق الزوجة في رفع دعوى التطليق لجملة من الأسباب العشر.

- تغيير ترتيب الحق في ممارسة حضانة الأطفال بتقديم الأب مباشرة بعد الأم

- منح الولاية للأم الحاضنة للأطفال من الزوجين المطلقين وزيادة على ذلك وفي غياب الأب وفي حالة عجزه تسند للام الولاية على الأطفال.

- اعتبار النيابة العامة طرفا أصليا في الدعاوى التي ترمي الى تطبيق قانون الأسرة من قبل الجهات القضائية، وكذا تعزيز صلاحيات رئيس المحكمة في مجال حق الحضانة وحق الزيارة والحق في المسكن ودفع النفقة الغذائية*.

إذن لقد تضمن المشروع التمهيدي المعد من طرف اللجنة، إلغاء شرط الولي في عقد الزواج مع أن بوتفليقة قد أمر بضرورة الأخذ بعين الاعتبار معالم الشريعة الإسلامية في إعداد المنظومة القانونية للأسرة في كم من مناسبة*

إذن لقد لقى مشروع قانون الأسرة رفضا من طرف قوى ذات توجه إسلامي ** بحجة مصادمته لمعالم الشريعة الإسلامية، لأنه سيعمل على تغريب المجتمع الجزائري*** انطلاقا من تغريبه لقيم الأسرة (قانون الأسرة).

بالمقابل طالبت بعض القوى بإلغاء قانون الأسرة من أساسه، على اعتبار أن المرأة ليست نصف الرجل بل هي نصف المجتمع .( تطورات متفاوتة في حرية المرأة المغاربية. توفيق، نقلا عن الموقع: www.libyaforum.org .).

كما نادى" الهاشمي شريف" زعيم التيار اليساري المتطرف بإلغاء قانون الأسرة نهائيا واستبداله بالقانون المدني، مع وضع تشريعات ردعية لقمع كل من يخالف القوانين المدنية والدستورية خاصة في نواحي الميراث والتعدد.)يوسف شلبي الجدل حول: قانون الأسرة المعدل في الجزائر، آخر معقل يراد دكه.. فهل هي الضربة القاضية، نقلا عن الموقع: http://www.albayan-magazine.com

كما صرحت رئيسة حزب العمال" لويزة حنون" في كم من مناسبة وعبر التلفزيون رفضها لتعديلات قانون الأسرة، مؤكدة بأنها منقوصة وليست في مستوى متطلبات المرأة الجزائرية، وأن هذا النسق القانوني بحاجة الى الإلغاء النهائي.

في حين أن القوى المطالبة بالمساواة، التي طالبت فقط بتعديل قانون الأسرة قد أيدت المشروع التمهيدي للنسق القانوني.من بين هؤلاء "سعيدة بن حبيلس" التي رأت أن قانون 1984 لم يعد يتماشى مع واقع الأسرة في الوقت الحالي، بل لا يتماشى مع الشريعة الإسلامية، وكما تقول "ولد مأساة للمرأة التي كانت الضحية الوحيدة له في حالات الطلاق التعسفي، والتفكك الأسري، الى جانب مشاكل أخرى انجرت عن النسق القانوني لسنة 1984. لذا لابد من قانون جديد لسد النقائص والثغرات التي ولدها القانون المعمول به حاليا. مضيفة أن مشروع قانون الأسرة منسجم مع الواقع الاجتماعي.(في جلسة حوار وطني حول المشروع التمهيدي لقانون الأسرة، العدد 423،4 سبتمبر 2004، ص4).

تأسيسا على ما سبق، تبين بأن أغلبية القوى السياسية الكبرى التي تحضى بتأييد قاعدة شعبية واسعة ترفض المشروع التمهيدي لقانون الأسرة، بحجة مصادمته لمقومات هوية المجتمع الجزائري، خاصة ما تعلق منها بمعالم الدين الإسلامي. إذن فهذا المشروع لا يعكس توجهات غالبية القادة الشعبية

صادق مجلس الوزراء الجزائري، خلال اجتماعه برئاسة الرئيس "عبد العزيز بوتفليقة" على مشروع تعديل قانون الأسرة الصادر عام 1984، وهو المشروع الذي قدمته الحكومة برئاسة الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي، إلا أن المجلس قد ألغى البند المتعلق بعدم حضور الولي في عقد القران، وهذا نتيجة لرفض كلا من الأحزاب الإسلامية والمؤسسات الدينية بسبب تعارضه مع أحكام الشريعة الإسلامية، وبإلغاء الرئيس لهذا البند من مشروع التعديل يكون الخلاف قد حسم لصالح أحكام الشريعة الإسلامية، وضمن في الآن نفسه استمرارية الدعم من قبل الأحزاب المشكلة للتحالف الرئاسي، حيث ظل حزبان هما حركة مجتمع السلم وحزب جبهة التحرير الوطني، من أصل ثلاثة أحزاب تشكل التحالف، يرفضان المقترح ويعتبرونه متعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية. إلا أنه قد تم المصادقة على توحيد سن الزوج لكلا الجنسين واشتراط الحصول على ترخيص من القاضي، فيما يتعلق بمسألة تعدد الزوجات، حيث اقترن هذا بموافقته من خلال تحريه لمدى تراضي الزوجين، وحاجة الرجل لزوجة ثانية، ومدى قدرته على الوفاء بالالتزامات قبل منحه الترخيص. إلى جانب صلاحيات أخرى موسعة منحت للقاضي في معالجة القضايا الإستعجالية الخاصة كالبت في حق الحضانة، حق الزيارة والنفقة والسكن وغيرها.(بوتفليقة يحسم الخلاف حول قانون الأسرة الجزائري لصالح أحكام الشريعة، نقلا عن الموقع: www.almoKHTSAR.com

تفاديا لاحتدام الصراع واستمراره ما بين القوى السياسية المتصارعة أيديولوجيا ، والتي تشكل في مجملها بنية البرلمان، قام الرئيس" عبد العزيز بوتفليقة" ولدعم استمرار وجوده في قمة هرم النظام السياسي، والحفاظ على الاستقرار العام، قام باستغلال نفوذه، والمقصود هنا هو دعم أحزاب التحالف الرئاسي له، التي تشكل الأغلبية البرلمانية، وقام بتمرير مشروع قانون الأسرة بأمر رئاسي لاغيا كل آليات المشاركة السياسية .

في أواسط أذار/ مارس 2005 صادق المجلس الشعبي الوطني (البرلمان) الجزائري، على تعديلات لقانون الأسرة الصادر في حزيران 1984. و يشتمل القانون المعدل على عدة نقاط كتوحيد سن الزواج بالنسبة للزوجين عند بلوغ سن 19عاماً (بدل 21 للذكر و18 للأنثى فيما مضى)، وتوفير سكن للزوجة المطلقة وأولادها القُصّر مع إعطائها حق الحضانة، ضرورة موافقة الزوجة الأولى على اقتران زوجها بامرأة أخرى، مع ـتخويل القاضي  صلاحية التحقق من الموضوع. وبقيت حقوق الوراثة على ما هي عليه (للمرأة نصف حصة الرجل) وبعكس ما هو مُتاح للرجل فلا يمكن للمرأة أن تطلب الطلاق إلا في حالات محددة (عجز جنسي ـ غياب عام...) بالمقابل يمكن للمرأة أن تُعطي جنسيتها لزوج أجنبي، ولأولادها، لكن القانون المعدل أبقى على مبدأ "الولي".( توفيق المديني، تطورات متفاوتة في حرية المرأة المغاربية. نقلا عن الموقع www.libyaforum.org   

مما سبق، تبين بأن فتح ملف مراجعة قانون الأسرة قد كان بأمر من رئيس الدولة الذي وعد بذلك منذ سنة 1999، بالرغم من رفض القوى السياسية الكبرى التي تحضى بتأييد أغلبية القاعدة الشعبية. وهي الفئة المحافظة التي أوصلته الى قمة هرم النظام السياسي.عكس الأقلية المعادية له، التي ترفض وجوده في قمة هرم النظام السياسي، إلا أنه قد كسب تأييدها من خلال وعدها بمراجعة قانون الأسرة في ضوء احترام معالم الشريعة الإسلامية ليحافظ بذلك على استمرار تأييد التيار الإسلامي له.

من خلال تتبعنا لمراحل سن قانون الأسرة، يجدر بنا القول أنه منذ طرح فكرة مراجعته، قامت كل القوى السياسية والاجتماعية، ومختلف الهيئات بالمساهمة في إعداده من خلال أنشطتها، لكي لا يخرج عن إطار المقومات الثقافية والدينية للمجتمع الجزائري، وهذا حسب وجهة نظر القوى ذات التوجه الإسلامي، التي تؤكد على ضرورة احترام الدين تشريعا وتطبيقا، خاصة إذا ما تعلق الأمر بقانون الأسرة، لأنه يحدد معالم صورة المجتمع المراد تكوينه

أما الكتلة الثانية، والتي يشكلان مع بعض حلبة الصراع، فهي القوى التي تطالب بضرورة تعديل وتغيير قانون الأسرة وفقا للمتطلبات الداخلية والمتغيرات الدولية، وما تفرضه العولمة من إعادة النظر في مسألة حقوق الإنسان، خاصة حقوق المرأة.إذن فالنسق القانوني الأسري هو من بين مجالات الصراع الأيديولوجي ما بين الإسلاميين والتغريبيين، كل واحدة تحاول سن نسق قانوني أسري يتوافق وينسجم مع توجهها الإيديولوجي.

من هنا يمكن القول أن قانون الأسرة كان نتاج صراع ما بين الفرنكوفونيين والإسلاميين حسمه النسق السياسي الحاكم محافظا بذلك على وجوده في السلطة.تحقيقا لمبدأ المصلحة، وقد حمل قانون الأسرة لسنة 2005 قيم الثقافة الغربية القائمة على النزعة الفردية، والتي حملتها المادة المتعلقة باختيار المرأة لوليها، إعادة ترتيب الحضانة، تقييد تعدد الزوجات....الخ .

إذن إن قانون الأسرة لسنة 2005 لا يعكس توجهات غالبية القوى السياسية والاجتماعية، والدليل على ذلك تعارض كثير من مواده مع معالم الشريعة الإسلامية، الى جانب مطالبة حزب حركة مجتمع السلم لإعادة النظر في قانون الأسرة*، الى جانب حركة الإصلاح التي رفضته من البداية، إلا أن تمثيلها في البرلمان لم يخولها لإحداث الفعالية والتأثير التي كانت تريد تحقيقه.من جهة أخرى صرح حزب العمال بأن  قانون الأسرة لسنة 2005 ليس في مستوى متطلبات المرأة الجزائرية، ولا يحفظ حقوق الطفل.

إذن نستطيع القول أن تعديل قانون الأسرة كان نتاج  جملة من العوامل هي:

-قيام مجموعة من الدراسات بتشخيص وضعية المرأة في العالم العربي ككل، وتقديم نتائج هذه الدراسات لمنظمات حقوق الإنسان سواء بطريقة مباشرة ( بحضورها لملتقيات دولية تنظم من طرف هيئات دولية تدور حول حقوق المرأة والطفل، فتقوم تنظيمات المجتمع المدني المختلفة خاصة المنظمات النسوية بتوصيل مطالبها الى هاته المنظمات والهيئات الدولية، خاصة المعنية بحقوق الإنسان، لتقوم بمساعدتها في مجال الدفاع عن حقوق المرأة والطفل، من خلال ضغطها على الأنظمة السياسية، لتقوم بإعادة النظر في تشريعاتها الداخلية)، أو بطريقة غير مباشرة عن طريق شبكة الانترنيت، وهذا ما يدفع هاته المنظمات إلى تقديم مساعدات بمختلف أنواعها لمنظمات المجتمع المدني المطالبة بإعادة النظر في مسألة الحقوق والحريات، منها المطالبة بحقوق المرأة، ومن بين هذه الدراسات ما يلي: دراسة ل ثمينة نذير الموسومة ب  تحدي عدم المساواة- العقبات التي تحول دون حصول المرأة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على حقوقها وفرص الحصول على تلك الحقوق- تمثل الغرض الرئيسي لهذه الدراسة فيما يلي:

-       تنسيق الجهود المحلية والعالمية من أجل التوسع في الحقوق الممنوحة للمرأة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

-        أن تفيد نتائج هذه الدراسة العاملين في مجال تحقيق المساواة بين المرأة والرجل سواء داخل الحكومة أو خارجها من أجل المساعدة في تحديد مجالات الإصلاح ذات الأولوية، وتطبيق الممارسات المثلى لمساواة المرأة بالرجل، والمساعدة على اتخاذ المزيد من الإجراءات. (ثمينة نذير، دت، ص 12).

صرح هذا البحث، بأن قانون الأسرة في معظم دول الشرق الأوسط، وشمال إفريقيا نابع من الشريعة الإسلامية رغم تنوع التفسيرات المختلفة للشريعة الإسلامية داخل نطاق الإقليم.( ثمينة نذير، د ت، ص8) مضيفة أنه بالرغم من أن الجزائر دولة علمانية نسبيا تمنح المرأة المزيد من الحقوق، إلا أنه يوجد ضمن عدد من قوانينها تأكيد للمنزلة الأدنى للمرأة مقارنة بالرجل، رغم أن الدستور يمنح المساواة ما بين الجنسين وحرية الانتقال والسفر لجميع المواطنين، إلا أن المادة رقم" 39" من قانون الأسرة الجزائري تنص على: واجب الزوجة يتمثل في طاعة زوجها". ناهيك عن قوانين الميراث ، والتي تعد مصدر آخر لعدم المساواة ما بين الرجل والمرأة.( ثمينة نذير، د ت، ص 9).

كما تتعامل قوانين دول الإقليم الخاضع للدراسة، ومنها الجزائر، مع شهادة المرأة باعتبارها أدنى من شهادة الرجل، كما تمنح الزوج مكانة رب الأسرة وعائلها، ويخول ذلك للزوج مسؤولية رعاية أسرته من الناحية المالية، بل ويمنحه السلطة الاجتماعية، وفي بعض الحالات السلطة القانونية على زوجته، والحق في مطالبتها بطاعتها إذ تقر مفهوم بيت الطاعة الذي يمكن بموجبه أن يتم الحكم على الزوجة بالحبس بالمنزل لرفضها طاعة زوجها ( ثمينة نذير، د ت، ص 5).

رغم مصادقة جميع الدول الخاضعة للدراسة-دول من الشرق الأوسط، مثل: عمان،الأردن، العربية السعودية، العراق...الخ ، ومن شمال إفريقيا: تونس، الجزائر، المغرب-.في هذا التقرير على معاهدة القضاء على جميع أنماط التمييز ضد المرأة، وهي اتفاقية دولية رئيسية حول مساواة المرأة بالرجل باستثناء دولتين هما: قطر، عمان، إلا أن الدول المصادقة على الاتفاقية لم تف بالمعايير المعترف بها دوليا لحقوق المرأة، ووفقا لمقياس التطبيق الخاص بالدراسة من 1 إلى 5، يعكس الحصول على 3 نقاط في أي فئة من الفئات ، نقص الالتزام بمعايير الحقوق المقبولة دوليا ( ثمينة نذير، ص 10).

كما يمثل 3 نقاط الظروف التي يتم بموجبها تنفيذ قدرة المرأة على ممارسة حقوقها في بعض الأحيان من قبل الحكومة أو الأطراف غير الدولية، حيث تكون القوانين التي توفر الحماية الملائمة سارية دون أن يتم تنفيذها بالصورة الملائمة ، حيث تعاني المرأة من التمييز في بعض مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وقد أكدت الدراسة بأن تونس والمغرب والجزائر، حققت معدلات مرتفعة نسبيا حول قضايا الحقوق، لأنها تعمل بتقاليد أكثر علمانية وفقا لمعايير المنطقة، والتي خضعت لفترات من الحكومة الاشتراكية، ومع ذلك لا تعد الخلفية العلمانية بمثابة ضمانا لحرية المرأة، كما تبين من خلال النقاط المنخفضة نسبيا التي وجدتها الدراسة في سوريا ولبنان.( ثمينة نذير، د ت، ص 11). 

  وقد خرجت هذه الدراسة بجملة من توصيات في مجال الإصلاح موجهة لحكومات هذه الدول، وقد تم إعدادها من طرف مؤلفي التقارير وفريدم هاوس منها ما يلي:

- ينبغي أن تتمتع المرأة بمنزلة مساوية لمنزلة الرجل بموجب القانون في جميع مناحي الحياة، لأن المرأة تواجه كما اتضح من خلال هذه الدراسة تمييزا بمقتضى القانون في جميع دول المنطقة بصورة فعلية.    ( ثمينة نذير، د ت، ص 12).

- لاينبغي أن تسمح الحكومات بالتمييز بين الجنسين باسم الإسلام، ومن ثم فإن هناك حاجة ماسة لقيام الحكومات بمراجعة وتنقيح القوانين الوطنية، وآليات التنفيذ حتى يمكن إلغاء أحكام التمييز وكفالة مكانة المرأة المساوية لمكانة الرجل، وينبغي أن تنشئ الحكومة أيضا حملات للتوعية العامة من أجل الترويج لحقوق المرأة المساوية للرجل باعتبارها مواطنة.( ثمينة نذير، د ت،  ص 13).

- ينبغي أن يتم تنقيح قوانين الأسرة لضمان المساواة في الحقوق بين الزوجين داخل نطاق الأسرة. ولضمان عدم التمييز خلال تنفيذ قوانين الأسرة، ينبغي أن تتولى الحكومات إدخال إصلاحات كبيرة داخل نظام محاكم الأسرة، وتدريب مسؤولي المحاكم على حقوق المرأة، وينبغي أن يتم مراجعة تفسيرات الشريعة الإسلامية، التي تؤدي إلى حرمان المرأة من الحقوق المساوية لحقوق الرجل من أجل ضمان عدم التمييز ضد المرأة.( ثمينة نذير، د ت، ص 13).

- إن تغيير قانون الأسرة هو من بين الحركات الدولية، حيث أن هذه الموجة مست كل دول العالم العربي، فتونس مثلا لديها قانون أسرة متحرر نسبيا منذ عدة سنوات، والمغرب التي فرضت قانون أسرة الذي قام بالتوسع إلى حد ما كبير في حقوق المرأة عام 2004، وقد أجرت مصر أيضا تعديلات حديثة في قانون الأسرة يمنح المرأة حقوقا أكبر فيما يتعلق بالطلاق، بالرغم من ذلك لا تزال المرأة تخضع لمعاملة أدنى من معاملة الرجل بموجب قوانين الأسرة الأكثر تحررا ( ثمينة نذير، د ت، ص 8).

- لقد كان للإصلاحات المغربية تأثيرا إقليميا هاما، حيث أدت إلى دعم حجة الذين يرون أن المساواة بين الزوجين يتوافق مع قانون الشريعة، وتعد الإصلاحات التي قامت في كل المغرب ومصر بإجرائها صغيرة، ولكنها تعتبر بمثابة انتصارا هاما لحركات المجتمع المدني في نضالها المستمر ضد القوى الإسلامية الذكورية والمتطرفة، والتي كان وضع المرأة الخاضعة لزوجها بمثابة القضية السياسية الرئيسية لديها.( ثمينة نذير، د ت، ص 9).

    لقد كان لهاته الدراسات تأثير في مضامين مطالب تنظيمات المجتمع المدني، فالبرجوع إلى مطالبها نجدها تؤكد على المساواة ما بين الجنسين ، من خلال المساواة في الميراث ، والشهادة، وهذا ما أكدت عليه المنظمات النسوية التغريبية، إضافة إلى وجوب تقاسم واجب النفقة بهدف إلغاء قيمة السلطة وواجب الطاعة، لأن الرعاية والنفقة المالية لرب الأسرة هي مصدر سلطته حسب وجهة نظر هؤلاء، لذا فإسقاط هذا المبدأ مرتبط بإحلال مبدأ تقاسم المسؤولية الأسرية، التي ستقوم بإلغاء واجب الطاعة والسلطة ، بما أن السبب قد زال، مع أن لهذه المسألة جذور أخرى متعلقة بقيم المجتمع العربي بل المسلم، القائم على القوامة للرجل الصادرة من الدين الإسلامي الذي لا يتغير ، وليس مصدرها الثقافة الوضعية.      

-       مصادقة الدولة الجزائرية على المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تطالب بإعادة النظر في مسألة حقوق الإنسان، خاصة اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

-       إلتزام الدولة الجزائرية كطرف مصادق على إتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة بتقديم تقايرير دورية تبين من خلالها مدى إلتزامها بذلك، مبينة التغييرات التي قامت بها على مستوى بنية تشريعاتها الداخلية، هذا ما يعمل على إلزام الدول على التطبيق دون المصادقة فقط*.

-       إستقواء تنظيمات المجتمع المدني ذات التوجه التغريبي مقابل غياب تنظيمات المجتمع المدني ذات التوجه الإسلامي.

   أرجعت الباحثة تضييق مجال المشاركة السياسية في سن قانون الأسرة، إلى الأسباب التالية:

- الدستور الذي يعطي الحق لرئيس الجمهورية في التشريع ما بين الدورتين، وهذا ما يجسد تضييقا أو خنقا للمشاركة السياسية.

- إن الثغرات الموجودة على مستوى الدستور، والتي وسعت من صلاحيات رئيس الدولة قد ألغت من دور المجلس الشعبي الوطني، الذي لم يقم بدوره في إعداد قانون الأسرة، حيث أسنده الرئيس إلى لجنة غير متجانسة تحمل توجهات أيديولوجية مختلفة، شكلتها جهة معينة، فهي إذن لم تمثل المجتمع ككل،كما هو عليه المجلس الشعبي الوطني المنتخب من طرف النسق الاجتماعي الكلي( القاعدة الشعبية)، فهو إذن يحمل توجهات القاعدة الشعبية عكس لجنة 52، القليلة من حيث العدد، والضعيفة من حيث التمثيل، فكيف يمكن مقارنة مشاركة 384 عضو مقابل 52 عضو.فبالتأكيد  لا يمكن اعتبار هاته اللجنة كقناة للمشاركة السياسية، لتحل محل المجلس الشعبي الوطني، والذي اقتصر دوره على المصادقة فقط.

- يمكن إعتيار أن  النسق السياسي الحاكم قد وسع من مجال المشاركة السياسية بإنشائه للجنة 52 عضو، لو عرض المشروع على المجلس الشعبي الوطني لمناقشته، ليقوم هذا الأخير بتقديم شكل البنية القيمية للنسق الأسري بحكم أنه ممثل للمجتمع ككل.

- إن تخوف الرئيس " عبد العزيز بوتفليقة" من احتدام الصراع ما بين الفرنكوفونيين والإسلاميين، هو الذي جعله يضيق من مجال المشاركة السياسية بتدخله وحسمه للخلاف بوضع حد نهائي للصراع حول قانون الأسرة، لأن عدم الاستقرار يؤثر لا محالة على وجوده في قمة هرم النظام السياسي، ولربما يفقد وجوده.

     لأن استمرارية أي نظام سياسي يتوقف على قدرة مؤسساته على التكيف مع حركة التفاعلات في المجتمع الذي تعبر عنه، وتوجيه هذه التفاعلات بما يحول دون تصادم المصالح المتعارضة للفئات الاجتماعية المختلفة، أو طغيان مصالح إحداهما على الأخرى. الى جانب مواجهة التحديات الخارجية التي تواجه المجتمع ككل، والصمود أمام المطامع الخارجية. وإذا ما عجزت مؤسسات النظام القائم عن القيام بهاته الوظيفتين أو إحداهما يبدأ النظام في التداعي والانهيار، وعادة ما يتم هذا الانهيار من خلال عمل عنيف.(ناجي عبد النور، 2006، ص ص 112-113).

- التزام الدولة  الجزائرية بالقرارات والمبادئ الدولية التي تؤكد على ضرورة إلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة، وكان هذا من خلال تجسيد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، خاصة عن طريق تكييف التشريعات ومن بينها تعديل قانون الأسرة ودراسة إمكانية رفع التحفظات الواردة في الاتفاقية. (ردعلى الاستبيان الموجه للحكومات بشان تنفيذ منهاج بيجين(1995) ونتائج الدورة الاستثنائية الثالثة والعشرين للجمعية العامة(2000)" نقلا عن الموقع: www.un.org)

- مصادقة الوزراء الأورو – متوسطيون على منهاج عمل تضمن جملة من الحقوق من بينها الحقوق السياسية والمدنية للمرأة، والتي تؤكد على:

-انسجاما مع إعلان برشلونة نصا وروحا، وبرنامج العمل للسنوات الخمس، سيعمل الشركاء الأورو-متوةسطيون على القيام بالإجراءات التالية:

- توفير الظروف الملائمة للتنفيذ الكامل والفعال لمواثيق الأمم المتحدة المتصلة بالحقوق الإنسانية للمرأة، والتي وقع عليها الشركاء، وترجمتها إلى تشريعات وطنية وإصلاحات سياسية، وخصوصا اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، والبروتوكول الاختياري الملحق بالاتفاقية.

- التحقق من أن سلطات فرض النظام مدركة للحقوق الإنسانية للمرأة، وتعمل على تنفيذها، وتشجيع  تبادل الآراء والخبرات حول القضايا المتصلة بمكافحة التمييز ضد النساء.

-تعزيز دور منظمات المجتمع المدني، وخصوصا المنظمات النسائية وفقا للتشريعات الوطنية، وكذلك

تعزيز دور المجالس البرلمانية والسلطات المحلية في الدفاع عن حقوق المرأة*.(برنامج تعزيز المساواة بين الرجل والمرأة في المنطقة الأورومتوسطية، نتائج الاجتماع الوزاري بشأن تعزيز دور المرأة في المجتمع، ص5، نقلا عن الموقع:main.php§id www.empi-info.eu-)    

- غياب فعالية النسق السياسي التعددي المشكل للمؤسسات السياسية( البرلمان،الحكومة).تبين هذا من خلال مصادقتهم على قانون الأسرة، والذي مرر بأمر رئاسي أفقد هاته المؤسسة السياسية دورها، فتقبلوا ذلك بالرغم من وجود مخرج لاسترجاع الدور المنوط بهم دستوريا، من خلال عدم مصادقتهم على المشروع.ناهيك عن غيابهم في الجلسات وخاصة الجلسة المقررة للمصادقة على قانون الأسرة،هذا إنما يدل على غياب روح المسؤولية لدى بعض الفاعلين السياسيين، لأن هدفهم هو الحصول على المناصب والمال لا غير.

- تمسك رئيس الدولة" عبد العزيز بوتفليقة"  بمنصب الرئاسة، ولن يكون هذا إلا من خلال التقليل من عدد خصومه، والحفاظ على مؤيديه، لذا أمر بإنشاء لجنة 52 عضو لتقوم بإعداد مشروع لقانون الأسرة، الذي حمل بعض القيم الغريبة عن قيم المجتمع الجزائري، التي كان مصدرها مطالب المنظمات النسوية والأحزاب العلمانية المطالبة بالمساواة. أما في حالة اسناد مشروع إعداد قانون الأسرة للمجلس الشعبي الوطني لن نجد أثار هذا التوجه، لأن أغلبية المقاعد في البرلمان هي لصالح التحالف السياسي ذا التوجه الوطني والإسلامي، الى جانب الأحزاب السياسية الأخرى ذات التوجه الإسلامي كالنهضة،وحركة الإصلاح الوطني.

        لذا قام الرئيس بذلك لإشراك القوى السياسية والاجتماعية المطالبة بالمساواة، والتي لا تستطيع التأثير على مستوى البرلمان، وليستطيع قانون الأسرة بذلك تلبية مطالب القوتين المتصارعتين، وبذلك يكسب تأييدهما فيستمر وجوده في قمة هرم النظام السياسي.

ثالثا- القيم الاجتماعية التي يحملها قانون الأسرة الجزائري لسنة 2005.

  بالرجوع الى القانون المتضمن الموافقة على الأمر رقم 05ـ 02 المؤرخ في 18 محرم عام 1426 الموافق لـ 27 فبراير سنة 2005 الذي يعدل ويتمم القانون رقم 84ـ 11 المؤرخ في 9 رمضان عام 1404 الموافق 9 يونيو سنة 1984 والمتضمن قانون الأسرة.

يمكن القول أن المنظومة القانونية للأسرة الجزائرية مبنية على الأسس التالية:

- تقييد تعدد الزوجات.

- عدم اشتراط موافقة الولي.

- عدم اشتراط حضور الولي في عقد الزواج.

- القاضي هو من يقر إلى من ستؤول حضانة الأطفال للوالد أو الوالدة مع الأخذ بعين الاعتبار مصلحة المحضونين، ومسكن الزوجية يؤول إلى من يحضن الأطفال، هذا في حالة ما إذا لم يكن له مسكن.

- الولاية المشتركة للزوجين إلى من له حق الحضانة، وفي حالة الوفاة تعود الولاية لصاحب الحق على قيد الحياة.

    ترى الباحثة أن هذه التعديلات تقوم على محو كل ما له علاقة بالشريعة الإسلامية، حيث غيرت في مسألة الحضانة المحددة شرعا، و تقييد تعدد الزوجات ، الولاية خاصة في الشق المتعلق بالمرأة، هذا ما يترتب عنه إضعاف سلطته.

    من جهة أخرى قام هذا القانون على مبدأ النزعة الفردية التي تحمل في ثناياها الحرية المطلقة ومبدأ المساواة. هاته القيم تؤدي إلى تفكيك وتشتيت العلاقات الأسرية والاجتماعية بصورة عامة، لأنها تعمل على تقليص حجم التفاعل الاجتماعي الذي يؤدي إلى إضعاف روح الاتصال والتواصل. بالتالي؛ خلق مجتمع مفكك.هذا ما حملته محتوى التعديلات المقترحة، والمتمثلة في ما يلي:

- قيم النزعة الفردية والحرية:تمثلت في النقاط التالية:

- إعطاء الفتاة الحق في تزويج نفسها بدون حضور وليها، وليس له الحق في منع زواج القاصر، حيث خوّل ذلك للقاضي الذي له الحق في تقديم ترخيص لها سواء لصغر سنها، أو يمنع ذلك لأسباب خطيرة.

- لكلا الزوجين الحق في ممارسة وظيفة، وإدارة أملاكه بنفسه والتمتع بها، الاحتفاظ باسمه، التنقل بحرية، هكذا وكأن الزوجين شريكين في مؤسسة مالية، لكل منهما اسهمه الخاص به، هذا ما سلب من عش الزوجية طابعها الروحاني التعاوني، الذي يتحقق في كنفه السكينة، ويعتبر أساس قيامها، ليؤديَ بدل ذلك إلى تضييق مجال الاتصال والتفاعل ما بين الزوجين، ولا يعملان على تجسيد شراكة حياتية.

- مبدأ المساواة: يتمثل فيما يلي:

- المسؤولية المشتركة للزوجين في رعاية الأسرة، كأن يتحمل الزوج أعمال البيت والزوجة خارجه، فكل حسب وسعه وطاقته، بمعنى قد يحدث تبادل جذري للأدوار، هذا ما يتنافى مع ثقافة المجتمع الجزائري، كما يؤدي إلى إضعاف سلطة الزوج. فلسنا نحن ضد مشاركة الزوج لزوجته في أعمال البيت، لكن لا يعني ذلك أن توكل هاته المهمة كلية للزوج، وتعمل الزوجة خارج البيت. فمن المفروض أن ينظر للحياة على أساس المسؤولية المشتركة، والاختلاف في القدرات البيولوجية، فهذا المبدأ ألغى خصائص الإمكانات البيولوجية لكلى الجنسين.

- تقييد تعدد الزوجات الذي يمكن أن ينجر عنه العديد من الظواهر منها: ارتفاع ظاهرة الطلاق أو الزنا، الزواج العرفي، بحكم أن هذا الاقتراح مخالف للطبيعة البشرية، فمن حق الزوج الزواج بأربع نساء، لكن وفقا للشروط الشرعية.

-إلغاء مبدأ التدرج في الولاية الذي تضمنته المادة 64 النابعة من الشريعة الإسلامية، واستبدلت بمحتوى آخر يقر لولي المحضون الحق في زيارته ومراقبته. وللقاضي الحق في إعطاء حضانة الأطفال للوالد أو الوالدة، على أن يأخذ مصلحة المحضون بعين الاعتبار وتوفير مسكن، وإن لم تكن المطلقة الحاضنة تملك ذلك فللزوج توفيره، سواء باستئجاره إن لم يكن يملك سكنا.

- المساواة بين الزوجين في الولاية والحضانة، مع أن هناك تدرج في ذلك، إلا أن التعديل قد ألغاه، هذا ما يحمل نوعا من الحرية في تحديد الولي أو الحاضن. وبالتالي؛ المساواة في ذلك، والقاضي هو من سيقوم بتحديد من سيحضن الأطفال (الأب والأم). بالرغم من أن الشرع قد حدد الولاية والحضانة وفقا لسلم تدرجي رتبي.

     خاتمة . 

     تأسيسا على ما سبق، يمكننا القول أنه بالرغم من أن قانون الأسرة الجزائري لسنة 2005 قد حمل قيم إجتماعية سلبية غريبة عن قيم ثقافة المجتمع الجزائري المحافظ، تمثل ذلك في قيم المساواة والنزعة الفردية.

    إلا أن هذا لا يعني أنه لم يتضمن قيم إيجابية فحسب، بل تجسد ذلك في قيم التماسك الاجتماعي حيث أكد القانون على ضرورة ضمان غذاء المحضون ونفقته، وفي حالة امتناع الأب، للحاضنة الحق في اقتطاعه من أجره بعد إذن القاضي. كذلك الولاية المشتركة للزوجين على الأطفال، وفي حالة الطلاق يمارسها من له حق الحضانة، وفي حالة الوفاة يمارس ذلك من هو على قيد الحياة.

   بالرغم من ذلك، فقانون الأسرة الجزائري لسنة 2005 يحمل قيم غريبة عن قيم ثقافة المجتمع الجزائري، فهو إذن سيعمل على تفكيكه، بل تغريبه.

 

 

Télécharger l'article